ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

اقتباس من رواية هوغو يُراهن على قوة النصّ مقابل كثافة الصورة البصرية

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
TT

ليال الغصين وجوليان شعيا في «البائسة»: عرض يُلاحق سقوط فانتين

امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)
امرأة تمشي نحو سقوطها بصوت مكسور (صور المخرجة)

تستعيد ليال الغصين في مسرحية «البائسة» (مسرح «المونو» في بيروت) شخصية فانتين من رواية فيكتور هوغو «البؤساء»، وتجعل منها مركز الألم كلّه. فانتين، المرأة التي أحبَّت شاباً ثم تُرِكت تواجه مصيرها وحيدةً مع ابنتها كوزيت، هي الصورة المكثَّفة عن القسوة الاجتماعية التي تُحاصر الفقراء والنساء في أدب هوغو. ومع تدهور حياتها من عاملة بسيطة إلى امرأة تُسحَق تحت الحاجة والإهانة، يُتابع العرض رحلة سقوط طويلة تتناوب عليها وجوه الرجال والسلطة والفقر، فيما تبقى الشخصية عالقة داخل جرحها وعاجزة عن الإفلات من المصير الذي يُطبِق عليها تدريجياً.

أدَّت غصين شخصية فانتين، وتولَّى جوليان شعيا التنقُّل بين الشخصيات الذكورية التي تُحاصرها. يبدأ حضوره بالرجل الذي أحبَّته. ذلك الحبّ الذي يفتح للمرأة نافذة على سماء أوسع من يومها ويجعلها ترى العالم أصغر من فرحها. في لحظة الحبّ الأولى، تبدو فانتين مثل مَن خرجت من ضيق الواقع إلى اتّساع الوهم الجميل، تُحلِّق لأنها تُصدِّق، وتحلم لأنها تظنّ أنّ القلب حين يمتلئ يستطيع أن يحمي صاحبه. وإنما هوغو يكشف قسوة الفارق بين الحبّ حين يكون وعداً عند المرأة ولعبة مؤقتة عند الرجل.

كلّ وجه يؤدّيه جوليان شعيا يدفع فانتين خطوة نحو الحافة (صور المخرجة)

من تلك البداية المُضيئة، يأخذ العرض مساره نحو العتمة. يتقلَّب شعيا بين رجال المصنع، وآل تيناردييه الذين تُترك كوزيت عندهم، والرجل الذي يُهين فانتين في الشارع، والمُحقّق جافيير، وسواهم من الوجوه الذكورية التي تجعل سقوطها فعلاً جماعياً، وليس قَدَراً فردياً. وفي كلّ انتقال، كان الممثل يتخلَّى عن قطعة من لباسه أو هيئته، كأنّ الشخصية السابقة تُنزَع عنه وتُعلَّق في ذاكرة الخشبة، قبل أن يدخل جسداً جديداً ونبرة أخرى. هذه اللعبة منحت الأداء حيوية وحمت العرض من رتابة كان يمكن أن تقع لو بقي الرجل واحداً في الشكل والإيقاع والظلّ.

يتبدّل جوليان شعيا بين الوجوه فيما يبقى القهر واحداً (صور المخرجة)

استندت «البائسة» إلى ثقة كبيرة بقدرة النصّ على الإمساك بالمُشاهد. العرض غنائي، بموسيقى شاركت في تأليفها جويس خوري، وجاد عبيد، وأنطوني يوسف، وشارل قرقماز، مع حضور أنطوني يوسف على البيانو، ودراماتورجيا أنطوان خوري، وكوريغرافيا روماريو عقيقي. وإنما مركز الثقل بقي في الكلمة والحكاية، وفي قدرة شخصية فانتين على جَرّ المُتفرّج إلى منطقة التعاطُف. كان المسرح شبه خالٍ من الديكور والأدوات البصرية، وهذه المحدودية حاولت الغصين أن تمنحها معنى إخراجياً، مُحوِّلة الفراغ إلى مساحة نفسية، واللاشيء إلى حالة شعورية. نجح ذلك في مواضع كثيرة، لكنه كشف أيضاً حاجة العرض إلى اشتغال أوسع على العين والصورة المسرحية، وعلى الحركة الجماعية أو التشكيل البصري الذي كان يمكن أن يمنح الحكاية جسداً أكثر امتلاءً.

عند هذا الحدّ، تكمُن الملاحظة الأساسية. فالعمل مؤثّر، وإنما اتّكاله الكبير على قوة النصّ جعل بعض المساحات تبدو فقيرة بصرياً. فالمُشاهد يجد نفسه طويلاً أمام حركة ممثلَيْن اثنَيْن في فضاء مفتوح على فراغه، في حين تحتمل رواية «البؤساء» عالماً كثيفاً من الأزقّة والمصانع والغرف الباردة والشوارع والسجون المعنوية. كان الاشتغال الأعمق على الديكور والكوريغرافيا سيُضيف طبقة أخرى إلى العرض، من دون أن يُزاحم النصّ، وإنما ليمنحه لغة أكثر قدرة على مخاطبة العين كما تُخاطب الوجدان.

على «المونو»... يعود وجع هوغو إلى المسرح (صور المخرجة)

في أدائها، قدَّمت ليال الغصين فانتين برهافة انعكست في خامة صوتها وغنائها، فبدت الأغنيات كأنها تخرج من التصدّعات الداخلية للشخصية، حاملةً انكساراتها وتحوّلاتها العاطفية على امتداد العرض. وإنما الشخصية حضرت بنبرة ناعمة ووجه هادئ وانكسار داخلي أقرب إلى النقاء منه إلى الخشونة. حتى في بعض اللحظات القاسية، ظلَّت فانتين لديها مُضاءة من الداخل، كأنها تحتفظ بملامح ملاك جُرِح من دون أن يتلوَّث. هذا الخيار منحها صفاءً عاطفياً مؤثّراً، خصوصاً في مَشاهد السقوط البطيء. لكنّ فانتين في عمقها تحتمل طبقات أكثر اضطراباً. تحتمل الغضب والخوف والمرارة والقرف من العالم، والتمزُّق بين الأمومة والعار والجسد المقهور. اقتربت ليال الغصين من بعض هذه المناطق، وإنما أمكن الأداء أن يذهب أبعد في التناقضات ويسمح للشخصية بأن تتشظّى بأكثر من نبرة، وألا تستقرّ طويلاً ضمن مساحة الرقّة والهدوء الداخلي.

فانتين... امرأة طحنها العالم ببطء (صور المخرجة)

أما جوليان شعيا فكان أكثر قدرةً على اللعب بالتبدُّلات. قوته لم تأتِ من شخصية واحدة، إنما من انتقاله بينها من غير أن يفقد الخيط الناظم. في كلّ ظهور، كان يضيف زاوية جديدة إلى عالم فانتين. الحبيب الخادع والعامل القاسي والمُستغِلّ والمُهين ورجل السلطة... هذا التعدُّد جعله أقرب إلى جدار اجتماعي كامل ينهض في وجه امرأة معزولة، ومنح العرض بُعداً رمزياً مهمّاً. ففانتين لا تسقط بسبب رجل واحد، إنما بسبب منظومة رجال ومؤسّسات ونظرات.

خرج كثيرون من الصالة بعيون دامعة، وهذا يكفي للقول إنّ الرهان على فانتين أصاب مكانه. «البائسة» عرض مؤثّر ومحمول على جهد ملموس. يحتاج إلى عين مسرحية أكثر امتلاءً في الصورة، وطبقات أداء أكثر حدّة في لحظات الانطفاء، لكنه ينجح في إعادة فانتين إلى صدارة الحكاية، حيث تستحقّ أن تكون. امرأة لم يهزمها ضعفها. هزمها عالمٌ أتقن خنقها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

ثقافة وفنون عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» تسجل حضوراً قياسياً في سباق الأوسكار

12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)
12 فيلماً مدعوماً من مؤسسة البحر الأحمر السينمائي دخل سباق جوائز الأوسكار لأفضل فيلم دولي (واس)

سجّلت «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» حضوراً قياسياً في سباق جوائز الأوسكار بمشاركة 12 فيلماً مدعوماً في التنافس على أفضل فيلم دولي خلال الدورة الـ99، تمثل 12 بلداً تمتد من السعودية والعالم العربي إلى أفريقيا وآسيا.

واختير 11 فيلماً - تمثل 11 دولة - مدعوماً من المؤسسة للتمثيل في المنافسة، وهي: «مسألة حياة أو موت، رقية، سمسم ليلة النجوم، الحكايات، غوريا، أربعة فصول في جاوة، غرق، توت الأرض، بنيمانا، نحن جميعاً غرباء، الجانب الآخر من الشمس».

ويكتمل هذا الحضور مع فيلم «أنغ»، الذي أصبح مؤهلاً للتقدم مباشرةً للمنافسة بعد تتويجه بجائزة «بلاتفورم» ضمن مهرجان تورنتو السينمائي الدولي 2026، في ضوء القواعد الجديدة التي اعتمدتها أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة للدورة الـ99، والتي تتيح لأفلام فائزة بجوائز مختارة في عدد من المهرجانات الدولية التأهل للتقدم إلى هذه الفئة.

من جانبه، قال فيصل بالطيور، الرئيس التنفيذي للمؤسسة، إن «صندوق البحر الأحمر يدعم عدداً كبيراً من الأفلام سنوياً، وأن يصل 12 منها إلى سباق جوائز الأوسكار يعد لحظة فخر استثنائية لنا».

وأوضح بالطيرر أن «اختيار 11 من هذه الأفلام لتمثيل بلدانها رسمياً يُعد بحد ذاته تقديراً مهماً لصنّاع هذه الأعمال ولما قدموه، وشهادة على المواهب والقصص التي تخرج من السعودية والعالم العربي وأفريقيا وآسيا».

وأكد أن هذا الاختيار «يعكس الأثر المتنامي لالتزامنا بتمكين صنّاع الأفلام ودعم رؤاهم الإبداعية، من مراحل التطوير الأولى وحتى الوصول إلى المنصات الدولية»، مضيفاً: «كان لنا شرف المشاركة في رحلة هذه الأفلام، ونتمنى لها كل التوفيق وهي تواصل مسيرتها في سباق جوائز الأكاديمية».

يأتي هذا الإنجاز تتويجاً لعام حافل للأفلام المدعومة من «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» في أبرز المهرجانات العالمية، من كان والبندقية إلى تورنتو.

وشهد «مهرجان تورنتو» أكبر مشاركة للأعمال المدعومة من المؤسسة بـ8 أفلام، توّجت بفوز «أنغ» بجائزة «بلاتفورم»، و«بنيمانا» - الذي يمثل رواندا رسمياً في السباق - بـ«الكاميرا الذهبية» في «مهرجان كان» خلال وقت سابق من العام.

وتُعلن القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم دولي بتاريخ 15 ديسمبر (كانون الأول) 2026، فيما يُكشف عن الترشيحات النهائية في 21 يناير (كانون الثاني) 2027، قبل إقامة حفل توزيع جوائز الأوسكار في دورته الـ99 يوم 14 مارس (آذار) 2027 بمدينة لوس أنجليس الأميركية.


الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
TT

الأمير هاري: أرغب في التصالح مع عائلتي

الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)
الأمير هاري يظهر إلى جانب زوجته ميغان بعد عودتهما إلى بريطانيا (د.ب.أ)

كشف الأمير هاري أنه يأمل في التصالح مع والده الملك تشارلز ملك بريطانيا وبقية أفراد عائلته الذين ​انفصل عنهم عندما انتقل إلى الولايات المتحدة قبل 6 سنوات، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتسبب هاري، البالغ من العمر 42 عاماً وابن الملك الأصغر، في حدوث انقسام كبير داخل العائلة عندما تخلى هو وزوجته ميغان عن مهامهما الملكية، وانتقلا في 2020 إلى ولاية كاليفورنيا الأميركية التي ‌وجّها منها ‌انتقادات شديدة للمؤسسة الملكية.

ولم ​يتحدث ‌هاري ⁠مع ​شقيقه الأكبر، ⁠ولي العهد الأمير ويليام، إلا نادراً على مدى سنوات، ولم تلتقِ عائلته مع والده مجدداً إلا في الآونة الأخيرة. وقال هاري في مقابلة مع مجلة «جي كيو» إنه يرغب في إصلاح الأمور. وعاد هاري أخيراً ⁠إلى بريطانيا برفقة ميغان وابنيهما.

«التصالح هو ‌ما يهم»

قال هاري ‌للمجلة: «مع كل ما يجري في ​العالم، فإن التصالح ‌هو أهم شيء بالنسبة إليَّ».

وذكر أنه يتفهم ‌الاهتمام الكبير الذي تحظى به أوضاع عائلته.

وأضاف: «هناك خلافات بين الأشقاء، وهناك علاقات متصدعة بين الأبناء ووالديهم، أو بين الأبناء وأحد الوالدين». وأوضح: «وقد تلهم جهود ‌التصالح بعض الناس لتحسين علاقاتهم الخاصة».

وتابع: «وهناك من لا يريدون أن ينجح هذا ⁠التصالح. ⁠أما أنا فأريده أن ينجح».

وقال المتحدث باسم هاري إن أحدث تعليقاته لم تكن تهدف إلى توجيه انتقاد إلى ويليام أو أي فرد آخر من أفراد العائلة.

وأكمل هاري دوق ساسكس حديثه لمجلة «جي كيو» قائلاً إنه على الرغم من أن «الندوب تبقى إلى الأبد»، فإنه يريد تشجيع الجميع على نسيان الماضي.

وأردف: «بالنسبة إليَّ، هناك ما يكفي من المآسي ​في العالم وفي ​حياة الناس، ولا داعي لمواصلة الخلافات العائلية. الأمر لا يستحق العناء».


هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
TT

هلكوت مصطفى: «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» يبرز شجاعة الكُرديات

الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)
الفيلم العراقي عُرض ضمن مهرجان الجونة (الشرق الأوسط)

قال المخرج العراقي النرويجي هلكوت مصطفى إن تصوير فيلمه «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» في المُوصل ارتبط بعلاقته الشخصية مع المدينة، وتكوّنت خلال عمله مصوراً للحروب وزياراته إليها أثناء المعارك ضد تنظيم «داعش»، موضحاً أن ما شاهده هناك ترك فيه أثراً دفعه إلى العودة بالكاميرا إليها، رغبة في تصوير الحكاية داخل المكان الذي تنتمي إليه، رغم الصعوبات الكبيرة التي فرضها هذا الاختيار على تنفيذ الفيلم وسلامة العاملين فيه.

وأضاف مصطفى، في حواره مع «الشرق الأوسط» على هامش عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان الجونة السينمائي»، أنه أراد منح المرأة موقعاً أساسياً في الحكاية، وإظهار قدرتها على الفعل واتخاذ القرار، مشيراً إلى أن «خبرته في تغطية الحرب عرّفته عن قرب إلى شجاعة المقاتلات الكُرديات، وما تحملنه من مسؤوليات، بينما لا تزال النساء في مجتمعات المنطقة يواجهن صعوبات عميقة في الوصول إلى مواقع صنع القرار».

ويتناول فيلم «لن تدخل الجنة إذا قتلتك امرأة» الذي رشحه العراق إلى الأوسكار حكاية قناصة كردية تُدعى «فيان»، تخوض مهمة لإنقاذ شقيقتها الصغرى من قبضة تنظيم «داعش»، خلال عمليات تحرير المُوصل. وتؤدي شخصيتها الممثلة آفان جمال، التي خضعت لتحضيرات مطوّلة استهدفت بناء قدراتها الجسدية والعسكرية، إلى جانب استيعاب الحالة النفسية لامرأة تضطر إلى ضبط مشاعرها ومواجهة الخطر، فيما يرتبط استمرارها في القتال بأمل استعادة شقيقتها.

وأوضح مصطفى أن التصوير في الموصل كان من أكثر قراراته صعوبة، لأن المسؤولية امتدت إلى حماية فريق العمل والأشخاص الذين تعاونوا معه على الأرض مستعيداً رغبته في تجاوز الاعتماد المعتاد على مواقع بديلة.

وأوضح أن كثيراً من الأفلام الدولية التي تتناول العراق تُصوَّر في المغرب أو الأردن، بينما كان يريد البقاء داخل البيئة الحقيقية للحكاية. وأقر بأن التجربة كانت شديدة القسوة، إلى حد أنه لا يرغب في تكرارها.

انفعالات الشخصية

وعن بناء شخصية البطلة، قال إن اهتمامه انصبّ على الوصول إلى أداء مقنع، يستطيع حمل انفعالات الشخصية من دون الاعتماد على كثرة الكلام. ولهذا ارتبط الإعداد للدور بتدريبات القنص، والعمل على السلوك والحالة العاطفية، حتى تصبح حركة الممثلة وطريقة تعاملها مع المواقف جزءاً من التعبير عن تجربتها، مشدداً على أن تقديم المرأة بوصفها ضحية لم يكن ما يسعى إليه، إذ أراد أن يمنح قدراتها وقوتها حضوراً واضحاً على الشاشة.

وعن عنوان الفيلم، أوضح أن ما جذبه إليه هو قدرته على التعبير عن قوة النساء في مواجهة تنظيم بالغ الوحشية، كان يخشى أن يُقتل عناصره بأيديهن، مؤكداً أن هذه المفارقة أثّرت فيه، لكنه ربط اختياره أيضاً برغبة أوسع في منح النساء أدوار البطولة، في ظل غلبة الشخصيات الرجالية على أفلام المنطقة لكونه يريد إظهار ما تستطيع المرأة القيام به حين تُمنح مساحة تتسع لتجربتها وقدراتها.

وأشار مصطفى إلى أن الدافع العاطفي للحكاية ظل أساسياً بالنسبة إليه طوال العمل، فالفيلم يتصل بالحب والأمل والعلاقة بالأشخاص الأقرب إلينا، وبالمدى الذي يمكن أن يبلغه الإنسان لإنقاذ عائلته. ومن هذا المنطلق، رأى أن رحلة البطلة تستمد قوتها من ارتباطها بشقيقتها، وما يدفعها إلى مواصلة المحاولة، وسط ظروف تختبر قدرتها على الاحتمال، وتجعل إنقاذ فرد من الأسرة غاية تتحمل من أجلها مخاطر استثنائية.

المخرج العراقي هلكوت مصطفى (الشرق الأوسط)

وأوضح أن إنجاز الفيلم استغرق تسع سنوات، كان جانب أساسي منها مخصصاً للبحث عن اللغة السينمائية المناسبة للحكاية. ووصف الموازنة بين الحرب والدراما بأنها الجزء الأصعب في المشروع، إذ احتاج إلى وقت طويل ليحدد ما يمكن أن يقدمه بصورة مختلفة، مؤكداً أنه يرى العمل واقعاً في مساحة تتداخل فيها الأنواع، بحيث تحضر الحرب بما تفرضه من مخاطر، وتظل التجربة العاطفية للشخصيات عنصراً أساسياً في بنائه.

وتوقف مصطفى عند حضور الصمت في الفيلم، رابطاً إياه بذكريات عاشها خلال عمله مصوراً للحروب، حين كان يوجد داخل مبانٍ يسودها الهدوء، بينما يتواصل الخوف من غارة جوية أو هجوم لعناصر «داعش» أو انفجار قنبلة.

لغة الصمت

وأوضح أن هذه الخبرة جعلت الصمت جزءاً أساسياً من تصوره للفيلم؛ فالهدوء الذي عرفه في تلك الظروف كان مُحملاً بترقب الخطر، وبالعجز عن معرفة مصدره أو اللحظة التي قد يقع فيها.

وعن التقاء خلفيته العراقية الكردية بتجربته في النرويج، قال إن هذا التداخل جزء من تكوينه الشخصي، ووصف نفسه بأنه يحمل قلباً كردياً عراقياً وعقلاً نرويجياً، مشيراً إلى أنه أراد أن يظهر هذا التكوين في الفيلم لأنه يعبر عنه وعن الطريقة التي يرى بها الحكاية. وجاء حديثه عن هويته امتداداً لارتباطه بموضوع العمل، وبالخبرات التي اكتسبها خلال سنوات عاشها بين بيئتين مختلفتين.

وفيما يتعلق بالتمويل، أقر مصطفى بأن إنجاز مشروع بهذه الحالة يواجه صعوبات كبيرة في المنطقة، خصوصاً حين يحاول صاحبه تقديم منظور مختلف عما يتوقعه الممولون في الغرب، موضحاً أن بعض صناع الأفلام يجدون أنفسهم أمام ضغوط تدفعهم إلى تقديم الحكايات التي يرغب العالم الغربي في مشاهدتها، بينما يصبح تأمين التمويل أكثر تعقيداً عند محاولة الاقتراب من الموضوع من زاوية أخرى.

وعبّر مصطفى عن اعتزازه بالاعتراف الدولي الذي يحظى به عمله، وبفرصة تمثيل العراق سينمائياً، مؤكداً أن البلاد تضم ثقافات متعددة وخلفيات وتجارب مختلفة، يستطيع الفن أن يجمع بينها، معتبراً أن هذا الإيمان بقدرة الفن على التقريب بين الناس أحد أسباب استمراره في العمل، وما يمنح وصول الفيلم إلى مشاهدين من بيئات متنوعة معنى شخصياً ومهنياً بالنسبة إليه.