«صندوق الاستثمارات العامة»: عقد شراكات يجعل السعودية في طليعة تطوير القطاعات الواعدة والصناعات الناشئة

رئيس المحافظ الدولية يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن التوجهات العالمية ومساعي نقل التقنية والمعرفة

تركي النويصر رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات العامة (تصوير: يزيد السمراني)
تركي النويصر رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات العامة (تصوير: يزيد السمراني)
TT

«صندوق الاستثمارات العامة»: عقد شراكات يجعل السعودية في طليعة تطوير القطاعات الواعدة والصناعات الناشئة

تركي النويصر رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات العامة (تصوير: يزيد السمراني)
تركي النويصر رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات العامة (تصوير: يزيد السمراني)

بُنيت استراتيجية المحافظ الدولية في صندوق الاستثمارات العامة - الصندوق السيادي السعودي - على الاستثمار في أهم الشركات الابتكارية في العالم؛ وهو ما ساهم في بناء شراكات من شأنها ضمان أن تكون المملكة في الطليعة بتطوير القطاعات الواعدة والصناعات الناشئة، وبما يدعم جهود البلاد لتنويع الاقتصاد انسجاما مع «رؤية 2030».
وقال تركي بن عبد الرحمن النويصر، رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات العامة، إن الصندوق يواصل التوسع في استثماراته الدولية بشكل استراتيجي في العديد من المجالات الاستثمارية المبتكرة التي تشهد نمواً وارتفاعاً في حجم الطلب العالمي عليها؛ مما سيثري المحفظة العالمية للصندوق، آخذين بالاعتبار التوجهات العالمية المستقبلية في الاستثمار، مثل الاستثمار المستدام، والتقنية والابتكار.
ولفت النويصر، بأن لدى الصندوق 6 محافظ استثمارية، من بينها محفظتان مخصصتان للاستثمار العالمي، هما محفظة الاستثمارات العالمية الاستراتيجية، ومحفظة الاستثمارات العالمية المتنوعة، مشيراً إلى أن الصندوق يعمل على تنويع أصول محفظته الدولية من خلال تنويع استثماراته وانتهاز الفرص الاستثمارية حال توفرها.
وتحدث رئيس الإدارة العامة للاستثمارات الدولية في صندوق الاستثمارات عن التوجهات العالمية للصندوق، وأهمية توطين التقنية والمعرفة، إضافة إلى مساعي الصندوق لاقتناص الفرص التي تسهم في تحقيق أهداف صندوق الاستثمارات العامة من خلال الحوار التالي:

> أطلق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، استراتيجية الصندوق كمحرك لجهود التنويع الاقتصادي الاستراتيجي والمستدام التزاماً بأهداف «رؤية 2030»، كيف سينعكس ذلك على تحقيق التنوع الاقتصادي في السعودية؟
- بكل تأكيد، فإن «رؤية 2030» ارتكزت على إطلاق قدرات القطاعات غير النفطية الواعدة، وفي هذا الجانب فإن صندوق الاستثمارات العامة استطاع أن يشكل أداة فعالة لتعزيز الجهود التي تبذلها المملكة لتنويع مصادر العائدات، حيث ساهمت إنجازات صندوق الاستثمارات العامة في تحقيق الاستدامة المالية والمساهمة في نمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وزيادة المحتوى المحلي، وتمكين القطاع الخاص، فضلاً عن تحسين جودة الحياة بصورة عامة، وترسيخ مكانة المملكة الرائدة عالمياً، ورسم ملامح المستقبل من خال الابتكار، وانتقاء الفرص، وتعظيم الاستثمار؛ للحفاظ على تراث السعودية وتحقيق ازدهارها، وبناء مستقبل مشرق للأجيال وبالنظر إلى حجم الأداء المحقق، فقد استطاع الصندوق رفع الأصول تحت الإدارة إلى نحو 1.5 تريليون ريال (400 مليار دولار) بنهاية 2020، ويهدف الصندوق إلى الاستمرار في تعظيم أصوله، وإطلاق قطاعات جديدة، وبناء شراكات استراتيجية، وتوطين التقنية والمعرفة. ويسعى الصندوق إلى تنمية أصوله إلى 4 تريليونات ريال (1.06 تريليون دولار) بنهاية عام 2025، ليكون أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم والشريك الاستثماري المفضل، بما يرسخ مكانته في رسم ملامح مستقبل الاقتصاد العالمي.
> ما هي مستهدفات استراتيجية الصندوق الجديدة للأعوام الخمسة المقبلة من منظور محفظتي الصندوق الاستثمارية الدولية؟
- ننفذ في صندوق الاستثمارات العامة استراتيجية طموحة وداعمة جهود التنمية والتحول الاقتصادي في السعودية خلال الأعوام الخمسة المقبلة. حيث لدى الصندوق 6 محافظ استثمارية، من بينها محفظتان مخصصتان للاستثمار العالمي، هما محفظة الاستثمارات العالمية الاستراتيجية، ومحفظة الاستثمارات العالمية المتنوعة، وقد قام الصندوق بالاستثمار بالفعل في عدد من أهم الشركات الابتكارية في العالم، فبنى شراكات من شأنها ضمان أن تكون المملكة في الطليعة في تطوير القطاعات الواعدة والصناعات الناشئة، وبما يدعم جهود البلاد لتنويع الاقتصاد انسجاما مع «رؤية 2030». ويستمر الصندوق بالتوسع باستثماراته الدولية بشكل استراتيجي في العديد من المجالات الاستثمارية المبتكرة التي تشهد نمواً وارتفاعا في حجم الطلب العالمي عليها؛ مما سيثري المحفظة العالمية للصندوق، آخذين بالاعتبار التوجهات العالمية المستقبلية في الاستثمار، مثل الاستثمار المستدام، والتقنية والابتكار وغيرها، كما يسعى الصندوق للاستمرار في تخصيص رأس المال للاستثمارات في الأسواق العامة والخاصة على الصعيد الدولي؛ مما سيزيد ويعمّق عدد الشراكات الاستراتيجية للصندوق ويعمل على تقليل المخاطر في المحفظة وتحقيق العوائد طويلة الأجل وتنويعها.
> ما الإنجازات التي حققها الصندوق وشركاته فيما يتعلق بالاستثمارات الدولية، وما هو دورها في تحقيق عوائد مالية طويلة الأجل؟
- خلال الفترة الماضية نجح الصندوق في تكوين علاقات واسعة مع مختلف المستثمرين العالميين ومديري الأصول والبنوك الاستثمارية وشركات الوساطة العالمية ليصبح أحد أكبر الكيانات الاستثمارية على مستوى العالم، ومع النمو المطرد لأصول الصندوق واستثماراته محلياً، تمكن الصندوق كذلك من توطيد مكانته دولياً، حيث ارتفع حجم الاستثمارات العالمية لأكثر من 25 في المائة من إجمالي الأصول تحت الإدارة، مقارنة بـ5 في المائة في سنة 2017، كما عمل الصندوق على تنويع استثماراته جغرافياً في قطاعات مختلفة، من خلال التوسع في استثماراته الأسواق الأميركية والأوروبية والآسيوية وغيرها، كما نجح الصندوق في الاستثمار في مختلف فئات الأصول لتشمل الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الأسواق والأسهم العامة والخاصة والدخل الثابت والعقارات والبنية التحتية وغيرها، كما اتجه الصندوق لتنويع استثماراته في مختلف القطاعات، حيث تم الاستثمار في قطاعات الصحة والتقنية والعقارات والبنية التحتية وخدمات المستهلك والمواصلات وغيرها.
> شهدت الاستثمارات الدولية للصندوق حراكاً خلال فترة جائحة كورونا، والذي اعتمد استراتيجية مبينة على ثلاثة محاور، وهي اقتناص الفرص والاستثمار الاستراتيجي والتمويل لإنقاذي، هل استطاعت هذه الاستراتيجية من تحقيق المستهدف لها، وكيف؟
- على الرغم من تبني صندوق الاستثمارات العامة الاستراتيجية طويلة المدى في استثماراته، إلا أن ذلك لا يمنعه من اقتناص الفرص قصيرة المدى متى ما برزت، فعلى سبيل المثال في عام 2020 قام صندوق الاستثمارات العامة بتنفيذ العديد من الصفقات في الأسواق العالمية العامة بعد تأثر الأسواق بسبب جائحة كورونا، حيث شهدت الأسواق انخفاضاً لمعدلات كبيرة والتي شكلت فرصة جيدة أمام الصندوق للاستثمار؛ وتبعاً لذلك، قام الصندوق باقتناص الفرص الاستثمارية في شركات أميركية وأوروبية وآسيوية، حققنا من خلالها معدلات ربحية عالية، ومن ثم تخارجنا من بعضها. وارتكز الاستثمار خلال الأزمة في الشركات والصناديق المتداولة بقطاعات مختلفة، مثل قطاع الأدوية، والبنية التحتية، والصناعات والتكنولوجيا.
> من المعروف أن السعودية تأمل في توطين المعرفة والتقنية وتطوير القطاعات الحيوية والواعدة وهي جزء من «رؤية 2032»، ما هو دور المحافظ الدولية في هذا الجانب، وما هي الاستراتيجية التي تسعى المحافظ للوصول إلى تلك الأهداف؟
- نسعى في صندوق الاستثمارات العامة من خلال شراكاتنا الدولية للمساهمة في توطين التقنية والمعرفة. وبلا شك، فإن من شأن ذلك دعم تمكين المملكة لتتبوأ مركزاً عالمياً منافساً؛ ولذلك فإن صندوق الاستثمارات العامة يستهدف بناء شراكات دولية استراتيجية بعيدة المدى، تحقق أهدافه الاستثمارية، وتقدم قيمة مضافة تجاه نقل التقنيات وتوطين المعرفة، والمساهمة في رفع نسبة المحتوى المحلي إلى 60 في المائة في الصندوق والشركات التابعة بنهاية 2025، حيث أسهمت محفظة الاستثمارات العالمية الاستراتيجية في تنمية أصول الصندوق المباشرة وغير المباشرة في الشركات الناشئة والصناعات المستقبلية، وبناء العلاقات بين الصندوق والشركات والمستثمرين المبتكرين، وتعزيز الروابط مع النظراء الدوليين والمستثمرين المؤثرين ومديري الاستثمارات. ومن أمثلة نقل القدرات والمهارات من خلال الشراكات الاستراتيجية إبرام اتفاقيات تبادل الخبرات مع عدد من الشركات العالمية الرائدة مثل «سوفت بنك» التي عمل معها على تمكين نظام الإعارة لموظفي الصندوق لنقل الخبرات والتجارب. كما عمل الصندوق مع شركة «لوسيد» لتطوير تقنيات السيارات الكهربائية وتصنيعها على تطوير برامج تدريب استفاد منها العديد من الخريجين السعوديين؛ مما سيساهم في تطوير قطاع صناعة السيارات الكهربائية في المملكة مستقبلاً.
> للصندوق استثمارات نوعية مرتبطة بشركات مبتكرة ورائدة على مستوى العالم، ترتكز على القطاعات المرتبطة بالصناعات المستقبلية، ألا تعتقد أن هذه النوعية من الشركات لها جانب مخاطر عالية، خاصة أن بعضاً منها يعتمد على قطاعات لا تزال في طور التأسيس؟
- بشكل عام، فإن الصندوق يبحث عن الفرص المناسبة في الأسواق التي تحقق أفضل العوائد المالية، وفيما يخص الاستثمارات الدولية، فلا شك أن استثمارات الصندوق في شركات دولية ناشئة أو في الصناعات المستقبلية سيفتح المجال أمام نقل الخبرات الدولية إلى السعودية واستفادة العديد من الكفاءات السعودية من التقنية المتطورة. كما أن تنوع محفظة استثمارات الصندوق تساعد على تحقيق المستوى الأمثل من توازن المخاطر والعوائد، حيث يتبع الصندوق منهجاً مرناً وقادراً على التكيف لضمان نجاحه، كما أن الصندوق يعمل بشكل متواصل لتقييم أصوله في الأسواق العالمية، بما يحقق له أعلى العائدات. هذا هو الأساس الذي تقوم عليه أنشطة الصندوق الاستثمارية.
> يشهد قطاع التكنولوجيا تنامياً متسارعاً، وجاءت الجائحة لتشكل قفزة نوعية في هذا القطاع لاعتماد البشرية عليه خلال فترة «كورونا»، ما هي خططكم في تعزيز الاستثمارات العالمية في هذا القطاع، خاصة أن هناك مساعي للصندوق خلال العقد القادم للتحول إلى أكبر مستثمر على مستوى العالم في القطاع؟
- قطاع التكنولوجيا يتداخل مع القطاعات المستقبلية كافة؛ ولذا فقد عمل الصندوق من خلال محافظ الاستثمار الدولية على تطوير شراكات استراتيجية في قطاع التكنولوجيا، كما أسس صندوقاً متخصصاً في التقنية وهو «صندوق رؤية سوفت بنك»، حيث يعد هذا الاستثمار واحداً من أكبر الاستثمارات التكنولوجية في العالم، ومن المتوقع أن يستثمر صندوق الاستثمارات العامة فيه بما يصل إلى 45 مليار دولار؛ بهدف أن يصبح الصندوق أحد أكبر المستثمرين في قطاع التكنولوجيا العالمي. ومن بعض أمثلة استثماراتنا الدولية الأخرى في قطاع التكنولوجيا: شركة «أوبر»، استثمر فيها الصندوق بـ3.5 مليار دولار، حيث تعد شركة رائدة عالمياً بقطاعي النقل والتكنولوجيا؛ وذلك لتحقيق هدفه بأن يصبح أحد المستثمرين الرئيسيين في مجال التكنولوجيا والاتجاهات الأكثر رواجاً، واستثمر الصندوق في شركة «لوسيد» للسيارات في عام 2018، وقد حققت الشركة الكثير من الإنجازات، ومنها الكشف عن تفاصيل سيارتها الأولى «لوسيد اير» السيدان الكهربائية في سبتمبر (أيلول) الماضي، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، تم الإعلان عن انتهاء بناء مصنع الشركة في ولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأميركية بطاقة إنتاجية أولية، مع القدرة على زيادتها إلى 400 ألف وحدة مستقبلاً تصل إلى 30 ألف سيارة سنوياً، والاستثمار في شركة «جيو بلاتفورمز»، الشركة الرقمية الرائدة في الهند؛ مما يساهم في الاستفادة من خبرتها في جهود التكنولوجيا مما يدعم جهود التحول الاقتصادي للسعودية.
> ما هي التوجهات الدولية الجديدة في استثمارات الصندوق من ناحية القطاعات والأسواق، في ظل المتغيرات التي يشهدها العالم خلال الفترة الحالية؟
- يسعى الصندوق لتنويع أصول محفظته الدولية من خلال تنويع استثماراته وانتهاز الفرص الاستثمارية حال توفرها، حيث يستثمر الصندوق بشكل استراتيجي في العديد من مجالات الاستثمار المبتكرة وذات القيمة المضافة والتي تشهد نمواً وارتفاعاً في حجم الطلب العالمي عليها، وهناك عدد من التوجهات الكبرى التي يمكن أن تثري المحفظة العالمية للصندوق، مثل: التغيير الديموغرافي والمرتبط بالمتغيرات وتوجهات التركيبة السكانية من زيادة حجم الطبقة الوسطى في الأسواق الناشئة، وارتفاع معدل الأعمار، وتزايد عدد السكان، والتغيرات في عادات المستهلك، والاستثمار المستدام: التغير المناخي، وتقليل انبعاثات الكربون، وندرة المواد، وقضايا النفايات والتلوث، التوسع الحضري ووسائل التنقل الجديدة: بروز المدن الكبيرة، والحاجة إلى تطوير البنى التحتية، ووسائل جديدة للتنقل، زيادة التواصل: التحول الرقمي، وسلسلة التوريد العالمية، وأنظمة الحوسبة المترابطة، والاقتصاد التشاركي، والتقنية والابتكارات: البيانات الضخمة، والتحليلات، والروبوتات، والأتمتة، وابتكار نموذج الأعمال.
> كيف تقيّم أداء استثمارات الصندوق الدولية التي لها بعد استراتيجي، كالاستثمار في «سوفت بنك»، و«جيو بلاتفورمز»، و«لوسيد»، و«أوبر»، وما هي القيمة المضافة التي حققتها تلك الشركات لصندوق الاستثمارات العامة؟
- حققت محفظة «الاستثمارات العالمية الاستراتيجية» العديد من النجاحات الناجحة، سواء كانت في استثماراتنا المباشرة أو غير المباشرة. فعلى سبيل المثال استثمارنا في «صندوق رؤية سوفت بنك»، أحد أكبر الاستثمارات التكنولوجية، حيث استثمر الصندوق فيه للاستفادة من الشركات الرائدة في محفظته؛ مما يسهم في جهود تأسيس وتطوير القطاعات الواعدة في السعودية. وفي نهاية الربع الثالث من 2020، بلغت استثمارات «صندوق رؤية سوفت بنك» 83.5 مليار دولار، وحققت هذه الاستثمارات عوائد تقارب 9.6 مليار دولار، في حين بلغت عدد الاستثمارات 92 استثماراً في العديد من القطاعات، كما أن 10 شركات من محفظة شركات «صندوق رؤية سوفت بنك» تم طرحها للاكتتاب العام في نهاية الربع الثالث من 2020.
> قطاع الأصول والبنية التحتية الدولي يعتبر من أكثر القطاعات جذباً لرؤوس الأموال، هل هناك خطة ضمن الاستثمارات الدولية للدخول في هذا القطاع الحيوي، خاصة لما فيها من استدامة للاستثمارات طويلة الاجل؟
- هناك العديد من الشراكات الدولية القائمة في مجالات عدة، ومن بينها الاستثمار في مجال البنية التحتية، ومن أمثلته، مبادرة برنامج الاستثمار في البنية التحتية الأميركية، حيث قرر صندوق الاستثمارات العامة الاستثمار في «برنامج صندوق بلاكستون للبنية التحتية الجديد»، وذلك بما يصل إلى 20 مليار دولار، حيث يعمل هذا البرنامج على تنشيط البنية التحتية في الولايات المتحدة الأميركية، وصندوق الاستثمار المباشر الروسي، حيث عقد صندوق الاستثمارات العامة و«صندوق الاستثمار المباشر الروسي» سلسلة من الاتفاقيات لاستثمارات تصل إلى 10 مليارات دولار في مشاريع مشتركة بين المملكة وروسيا، حيث استثمر الصندوق في مختلف القطاعات من ضمنها البنية التحتية، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، وتجارة التجزئة.
> ما هي المعايير التي تعتمدها المحافظ الدولية للصندوق للدخول في الاستثمار؟
- لدينا العديد من المعايير التي نعتمدها في استثماراتنا الدولية، ولعل من أهمها دراسة المخاطر وحجم الاستثمار والمدة الزمنية المرتبطة به والعوائد، والقيمة المضافة التي تخدم مستهدفات الصندوق الاستراتيجية، مثل المساهمة في نقل وتوطين التقنية، كما ونهدف إلى ضمان تنوع محفظة الصندوق الاستثمارية وتحقيق التوافق الاستثماري بين تلك الاستثمارات من حيث مستوى المخاطر المتعلقة بها ونسبة العوائد المتوقعة منها. ولذا؛ يتبع صندوق الاستثمارات أفضل الممارسات العالمية في كل مرحلة من مراحل الاستثمار، ولقد عملنا في صندوق الاستثمارات العامة على تطوير نموذج حوكمة للصندوق وللشركات التابعة له.
> ما معدل النمو السنوي الذي تتطلع له المحافظ الدولية للصندوق؟
- أعلن الصندوق مؤخرا عن استراتيجيته للأعوام الخمسة المقبلة 2021 - 2025، التي يلتزم من خلالها في زيادة تنويع أصوله المحلية والدولية، حيث ستتراوح نسبة أصول الصندوق بين 75 - 80 في المائة محلياً، و20 - 25 في المائة دولياً، يسعى الصندوق عبرها إلى بناء وتطوير شراكات استراتيجية، وأن يستثمر بفاعلية على المدى الطويل لتعظيم العائدات المستدامة، وأن يُرسخ مكانة الصندوق ليكون الشريك الاستثماري المفضل عالمياً، وأن يدعم جهود التنمية والتنويع الاقتصادي في السعودية.
> ما التحديات التي تواجه الاستثمارات الدولية خلال الفترة المقبلة؟
- بلا شك، فإن العالم يواجه بشكل مستمر أحداثاً قد تؤدي إلى حدوث تقلبات في الأسواق العالمية؛ مما يشكل تحدياً ويخلق فرصاً في الوقت ذاته. ومؤخراً عانت الاقتصادات العالمية من جائحة كورونا في 2020، والتي أبرزت الحاجة الملحة إلى التقنية المستقبلية، مثل الذكاء الصناعي وغيرها؛ ولذلك فإننا في صندوق الاستثمارات العامة نهدف دائماً من خلال استثماراتنا الدولية لاقتناص الفرص التي تسهم في تحقيق أهداف الصندوق.


مقالات ذات صلة

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

الاقتصاد محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري (صندوق النقد الدولي)

محافظ «المركزي السعودي»: نموذجنا الوطني حصّن الاقتصاد ضد الصدمات

قال محافظ البنك المركزي السعودي (ساما)، أيمن السياري، إن الاقتصاد السعودي بات اليوم نموذجاً للمرونة والقدرة على مواجهة الأزمات من موقع قوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص إحدى المزارع في السعودية (المعرض الزراعي السعودي)

خاص الاكتفاء الغذائي السعودي… «درع سيادية» في مواجهة عاصفة «هرمز»

في ذروة أزمة «هرمز»، نجحت استراتيجية الأمن الغذائي السعودي في تحويل التحديات العالمية إلى استقرار محلي مستدام.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

تحليل إخباري الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.