إقرار «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا

ماكرون وعد بوضع حد لاستجلاب أئمة من الخارج خلال أربع سنوات

الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
TT

إقرار «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا

الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)
الرئيس ماكرون لدى استقباله أعضاء المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في قصر الإليزيه أمس (رويترز)

مرة جديدة، عاد موضوع الإسلام في فرنسا ليحتل واجهة الحدث السياسي، وذلك من خلال تطورين اثنين: الأول، توصل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى توافق بشأن «شرعة مبادئ الإسلام» في فرنسا، التي طلبها الرئيس الفرنسي ومارست السلطات الفرنسية ممثلة برئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون ووزير الداخلية جيرالد دارمانان، ضغوطاً شديدة على المجلس للتغلب على صراعاته ونزاعاته الداخلية وتضارب الآراء والمصالح بين مكوناته. والآخر، انطلاق مناقشة مشروع قانون محاربة الانفصالية الإسلاموية، أمس، في البرلمان، وهو يثير تجاذبات ليس بين الأكثرية والمعارضة، بل داخل كل عائلة سياسية يميناً ويساراً. ومن المنتظر أن تتواصل مناقشة مشروع القانون طيلة الأسبوع الحالي قبل التصويت عليه في قراءة أولى يتم بعدها نقله إلى مجلس الشيوخ. منذ الخطاب الذي ألقاه في 2 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في مدينة ليه مورو الواقعة شمال غربي باريس، طرح ماكرون رؤيته لـ«إسلام فرنسا»، وحدّد ما يريده للقضاء على ما سماه «الانفصالية الإسلاموية». ومما طلب من مسلمي فرنسا بلورة «ميثاق» أو «شرعة» يحددون فيه، عبر المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي كُلف المهمة، علاقة الإسلام بالجمهورية وتبنيه قيمها، وعلى رأسها مبدأ العلمانية ورفض العنف والتدخل الخارجي في شؤون ثاني أكبر ديانة في البلاد؛ ما يمر عبر إنشاء «المجلس الوطني» للأئمة الذي ستكون من مهامه الموافقة على تعيين أئمة فرنسيين وتنشئتهم في فرنسا. ووعد ماكرون بوضع حد لاستجلاب أئمة من الخارج خلال أربع سنوات، علماً بأن هؤلاء يأتون من ثلاثة بلدان رئيسية، هي الجزائر، والمغرب، وتركيا.
وبعد طول مخاض، نجحت الأطراف الثمانية التي يتشكل منها المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية في التوصل إلى اتفاق على نص «الشرعة» المؤلفة من ثماني صفحات، والتي تفتح الباب لإعادة تنظيم شؤون الإسلام والمسلمين في فرنسا التي تثار دورياً، وخصوصاً عند حصول عمليات إرهابية على الأراضي الفرنسية. وتجدر الإشارة إلى أن 251 شخصاً قُتلوا في أعمال إرهابية منذ بداية عام 2015، إضافة إلى مئات الجرحى. لكن التوصل إلى اتفاق احتاج إلى اجتماع دعا إليه دارمانان مساء السبت، وحضره رئيس المجلس محمد الموسوي ونائباه، أعلن الأول، على أثره، التوصل إلى اتفاق. ووافقت الأطراف الثمانية على النص أول من أمس؛ الأمر الذي دفع رئاسة الجمهورية إلى إصدار بيان ليلة الأحد - الإثنين يفيد بأن ماكرون سيلتقي ظهر أمس أعضاء المجلس. لكن المفارقة، أن ثلاث جمعيات من الثمانية التي وافقت على نص «الشرعة» وأقرّته رفضت توقيعه خطياً؛ الأمر الذي يشكل مفارقة يصعب فهمها. ومن بين الثلاث جمعيتان تركيتان، واحدة مرتبطة مباشرة بوزارة الأديان التركية، والأخرى «ميللي غوروس» تابعة لـ«الإخوان» المسلمين. وكانت النتيجة أن ممثلي الجمعيات الثلاث استُبعدوا من اجتماع الإليزيه. أوساط الرئاسة نقلت عن ماكرون قوله لأعضاء المجلس، إن شرعة المبادئ «تمثل التزاماً واضحاً وبيناً ودقيقاً لصالح (قيم) الجمهورية»، وإنها «نص مؤسس للعلاقة بين الدولة وإسلام فرنسا»، إضافة إلى كونها «مرحلة بالغة الأهمية لجهة؛ كونها ستتيح توضيح تنظيم الديانة المسلمة. كذلك، نُقل عن رئيس المجلس محمد موسوي تبرير لامتناع الجمعيات الثلاث عن التوقيع «لأنها في حاجة إلى مزيد من الوقت لشرح ما تم التوافق عليه لأعضائها». بيد أن مصادر متابعة وضع مجلس الديانة الإسلامية، ربطت بين رفض الجمعيتين التركيتين التوقيع على نص «الشرعة» وبين العلاقة المتوترة بين باريس وأنقرة رغم ما حصل من تجميد التراشق الإعلامي بين الطرفين في الأيام الأخيرة. أما الجمعية الثالثة، وهي «التبليغ» والتابعة للتيار السلفي، فإنه لم يصدر عن المسؤولين عنها أي تبرير لامتناعهم عن التوقيع الخطي الذي طلبه ماكرون شخصياً لتلافي التنصل لاحقاً من مضمون الوثيقة. وأهم ما جاء في كلمة موسوي في اجتماع الإليزيه، أن نص «الشرعة» «يؤكد بشكل واضح أن مبادئ الديانة الإسلامية تتوافق بشكل تام مع مبادئ الجمهورية». إضافة إلى ذلك، أفاد موسوي بأن ممثلي المجلس أكدوا للرئيس ماكرون، بحضور وزير الداخلية، عزمهم على إطلاق مجلس الأئمة في أسرع وقت لمباشرة عمله الحقيقي، أي الموافقة على تعيين الأئمة وتحديد أوضاعهم وأطر عملهم ومهماتهم وحماية الإمامة من الأشخاص الذين ينصبّون أنفسهم أئمة أو من الذين يفتقدون الأهلية. ويريد الإليزيه أن توقع مكونات المجلس كافة نص «الشرعة»، وأن يطلق مجلس الأئمة قبل نهاية الشهر الحالي. ومن أهم مضامين النص، إلى جانب التوافق بين الإسلام ومبادئ الجمهورية، وحق أي مواطن ولا سيما المسلم في أن يعيش حياته في إطار قوانين الجمهورية الضامنة لوحدة البلاد وتماسكها والتأكيد على المساواة أمام القانون بين الجنسين، ورفض تدخل الدول الأجنبية في شؤون الإسلام الذي من بين أشكاله التمويل ورفض توظيف الإسلام لأغراض سياسية. وتتمسك السلطات الفرنسية بقوة بالنقطة الأخيرة؛ لأنها تعتبر أن المخاطر على الجمهورية تتأتى من «الإسلام السياسي» الذي تعتبر أنه يحمل «مشروعاً انفصالياً» على صعيد القيم والممارسات وأشكال العيش المشترك. بالتوازي مع إقرار الشرعة، انطلقت في مجلس النواب أمس مناقشات مشروع قانون «تعزيز مبادئ الجمهورية» الذي كان يسمى سابقاً «محاربة الانفصالية الإسلاموية»، وقد تم التخلي عن التسمية الأولى لتلافي اعتباره استهدافاً للمسلمين وحدهم. ويتوقع المراقبون أن تكون المناقشات حامية، والدليل على ذلك أنه تم التقدم بـ1700 تعديل على النص المطروح، وذلك خلا نظر لجنة القوانين به قبل نقله إلى الجمعية العامة. وقالت مارين لوبان، رئيسة حزب «التجمع الوطني»، أي اليمين المتطرف، إنها ستقدم «مشروعاً مضاداً»؛ لأنها تعتبر أن مشروع الحكومة غير كافٍ، وهو رأي العديد من نواب اليمن الكلاسيكي ممثلاً بحزب «الجمهوريون». كذلك، ثمة انقسامات داخل صفوف الأكثرية بين جناح متشدد يريد المزيد من القيود على ما يعتبر إبرازاً لانتماء عرقي أو ديني، وجناح يتخوف من تبعات المشروع على «الانسجام» الوطني. ومن المواضيع الخلافية ارتداء النساء والفتيات الحجاب الذي أثار في السنوات السابقة جدلاً كبيراً ولا يزال يثيره.


مقالات ذات صلة

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أوروبا مسلمون يتجمّعون في المسجد الكبير بباريس (أ.ف.ب - أرشيفية)

مسلمو فرنسا في حيرة بين بيانين… رمضان الأربعاء أم الخميس؟

أثار صدور بيانين مختلفين حول موعد بدء شهر رمضان في فرنسا حالة من الحيرة في أوساط المسلمين. والاختلاف هو إذا كان بداية رمضان يوم الأربعاء أم يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم رجل يصلي في مسجد خلال شهر رمضان (رويترز)

تراجع طفيف في عدد ساعات الصيام خلال رمضان 2026

يتهيأ المسلمون بمختلف أنحاء العالم لإحياء شهر رمضان لعام 2026 في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن عدد ساعات الصيام سيكون هذا العام أقل بقليل من 2025 

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا ميريما أفديتش تحمل العلم الصربي خلال المسيرة (رويترز)

مظاهرة جامعية تمنح الطلاب المسلمين في صربيا شعوراً بالانتماء

كان الانضمام إلى الآلاف في نوفي ساد لحظة مهمة بالنسبة إلى أفديتش؛ وهي طالبة تنتمي إلى أقلية البوشناق المسلمة الصغيرة في صربيا وترتدي ‌الحجاب.

«الشرق الأوسط» (نوفي بازار (صربيا))
أوروبا جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

جوامع باريس لـ«الدعاء لفرنسا» بعد خطبة الجمعة

طلب عميد «المسجد الكبير» في باريس، شمس الدين حفيز، من الأئمة التابعين للمسجد الدعاء لفرنسا في نهاية خطب الجمعة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق جانب من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في نسخته الأولى (واس)

بينالي الفنون الإسلامية في جدة... حوار المقدس والمعاصر

يجري العمل على قدم وساق لتقديم النسخة الثانية من بينالي الفنون الإسلامية بجدة في 25 من يناير القادم، ما الذي يتم إعداده للزائر؟

عبير مشخص (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.