وزير الخارجية اليمني لـ «الشرق الأوسط»: لدى الحوثيين فرصة تفادي التصنيف الإرهابي... ونقول لإيران توقفي

اعتبر المسار الأممي أساسياً لحل الأزمة... واتهم دولاً تتدخل «خارج الرغبة والإرادة الوطنية»

وزير الخارجية اليمني في صورة التُقطت من مكالمة مرئية أجرتها معه «الشرق الأوسط»
وزير الخارجية اليمني في صورة التُقطت من مكالمة مرئية أجرتها معه «الشرق الأوسط»
TT

وزير الخارجية اليمني لـ «الشرق الأوسط»: لدى الحوثيين فرصة تفادي التصنيف الإرهابي... ونقول لإيران توقفي

وزير الخارجية اليمني في صورة التُقطت من مكالمة مرئية أجرتها معه «الشرق الأوسط»
وزير الخارجية اليمني في صورة التُقطت من مكالمة مرئية أجرتها معه «الشرق الأوسط»

كان صباحاً صنعانياً يكتسي بعضاً من برودة يناير (كانون الثاني) من عام 2015. وفي حي «فج عطان» جنوب العاصمة اليمنية، لم يخطف الحوثيون أمين عام الحوار الوطني في ذلك اليوم وحسب، بل كانت تلك العملية علامة رمزية على خطف الدولة بكاملها، وهو ما يقوله المخطوف نفسه، وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني الدكتور أحمد عوض بن مبارك.
ومن سخرية القدر أن يجري تصنيف أحد الخاطفين الحوثيين قبل إعلان الحكومة اليمنية تعيين ابن مبارك وزيراً بسبعة أيام، ضمن قائمة عقوبات أميركية، تحديداً في الـ11 من ديسمبر (كانون الأول)، فيما أعلنت الحكومة اليمنية تشكيلتها الجديدة في الـ18 من الشهر ذاته.
لم يكن يتوقع أن تتخذ حياته منحى غير الأكاديمي. وكغيره من اليمنيين الذين فُجعوا بكابوس الانقلاب الحوثي، قادت الظروف التي يمر بها اليمن الدكتور ابن مبارك إلى معترك السياسة.
شاء القدر أن يتولى الأكاديمي المتخصص في الإدارة عدة مناصب سياسية أعقبت «المبادرة الخليجية» الناجمة كحل لأحداث 2011، فمن أمين عام للحوار الوطني في عام 2013، إلى مدير لمكتب رئيس الجمهورية في 2014، ومنها إلى سفير في واشنطن منذ يوليو (تموز) 2015 حتى 18 ديسمبر 2020، تخللتها مهمة تمثيل اليمن في الأمم المتحدة بنيويورك.

أقسم ابن مبارك يوم السبت 26 ديسمبر الحالي مع 23 وزيراً ورئيس الوزراء أمام الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، بعد مفاوضات ماراثونية أنجزت الشق السياسي من اتفاق الرياض وانتهت بتشكيل حكومة يصفها الوزير بأنها «أتت بعد توافق وطني واسع وبدعم من الأشقاء في التحالف العربي وبترحيب إقليمي ودولي».
وسيتجه الوزراء اليمنيون ورئيسهم إلى عدن تلبيةً لمطلب الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي حض الحكومة على عقد أول اجتماع لها في العاصمة اليمنية المؤقتة، وللبدء في الوفاء بالتزامات الحكومة الداخلية والدولية.
قبل أن تصل الطائرة التي ستقلّه وزملاءه أعضاء الحكومة اليمنية إلى عدن، كشف الوزير ابن مبارك لـ«الشرق الأوسط» عن أبرز أولوياته، وذلك ضمن جملة أسئلة وأفكار في أول حوار يجريه بعد تسميته وزيراً، شملت الحديث عن فرص السلام ومساراته، والإدارة الأميركية الجديدة وإشاعات العودة إلى «طرق كيري» وهو ما سحب الحديث إلى الحوثيين وضرورة معرفتهم قبل تداعيات التعاطي معهم دولياً.
وامتد الحديث ليشمل شؤون المغتربين وأوضاع الموظفين في السفارات اليمنية حول العالم وصولاً إلى الحكومة الجديدة ورأي الوزير حول «المتشائمين من اتفاق الرياض».

12 يوماً من الخطف
«على المستوى الشخصي كانت تجربة مؤلمة وصعبة، لكن بالنظر والقياس إلى معاناة شعبنا وأبناء البلد كله تظل حادثة فردية لا ترقى إلى معاناة الناس».
يقول الوزير في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» عبر اتصال مرئي: «كان اختطافي مؤشراً لاختطاف الدولة لصالح المشروع الإيراني وإيقاف العملية الديمقراطية التي بدأناها بالحوار الوطني وعملية التشاور، والحوثيون كانوا جزءاً أصيلاً منه وكانوا مشاركين بنسبة أعلى من تمثيلهم الواقعي، لكن كان هناك حرص من القوى السياسية على مغادرة فترة الحرب والتوجه نحو يمن جديد».
وأعاد القول: «إن الحادثة لم تكن سوى مؤشر رمزي لعملية أخرى، وهناك يومياً عشرات اليمنيين يُختطفون، وما زال العديد منهم في السجن»، ويضيف: «استمر الخطف 12 يوماً، تعرضت خلال ذلك إلى عزلة كاملة، كنت معزولاً كلياً عن كل ما يجري خارجاً، في غرفة مظلمة، في غالب الأحيان كنت معصوب العينيين مقيد اليدين، ناهيك بساعات تحقيق مطولة في موضوعات مختلفة». ويستدرك بالقول إن «العودة إلى نقطة البداية إلى مشروع الدستور الذي كان سيشكل نقلة في حياة اليمنيين بيمن اتحادي ديمقراطي بعيد عن أي ارتباط بمشاريع خارجية مثل المشروع الإيراني».
الحوثيون والسلام!
«هل تعتقدون أن السلام ما زال فرصة يجب على الحوثيين اغتنامها أم أنه فات الأوان؟»، يجيب الدكتور ابن مبارك بالقول: «السلام خيارنا، ونحن نتحمل مسؤولية وكلفة هذا الخيار كحكومة شرعية، وعلى الحوثيين أخذ الخيارات الوطنية التي تصب في صالح المواطن لا في صالح أفراد أو فئات أو أطراف خارجية ممثلة بالدعم الإيراني الذي يسعى لإحداث زعزعة ليس في اليمن فحسب بل في الجزيرة العربية كافة، ولا يزال خيار السلام قائماً وممكناً، وينبغي عليهم انتهاز الفرصة ليسهموا في إنقاذ البلاد، وليكون لهم مكان في فترة ما بعد الحرب».

اتفاق الرياض
في معرض إجابته عمّن يعتقد أن الحكومة الحالية لن تصمد بعد اتفاق الرياض، عدّ ابن مبارك «من يبدي تشاؤماً مبالغاً فيه منذ البداية إما لديه قصور في الرؤية وإما لا يريد السلام ويرغب في إطالة الصراع وينتفع منه، وهو الأخطر، وسيسعى للأسف لإعاقة أي نجاحات نبتغي تحقيقها»، وزاد: «لكن إرادة اليمنيين الصادقين ستنتصر وبعون الأشقاء والأصدقاء وتتبدد أماني المغرضين».
وقال الوزير: «الشخصية اليمنية تصالحية بالدرجة الأولى وماهرة في تقديم التنازلات. وهذا يبدو أن له علاقة في الخلفية التجارية لليمنيين منذ القدم، فهم أشخاص قادرون على القيام بالمبادلات التجارية، وحتى قبلياً اليمنيون مشهورون بالمعالجات القبلية القائمة على الوسطية في الحلول والتنازلات من كل طرف، وهي سمات في الشخصية اليمنية تم توظيفها من قِبل الراعي الأساسي لاتفاق الرياض وهم الأشقاء في المملكة العربية السعودية».
ويعد الوزير السعودية أنها من الدول «الأكثر فهماً ومعرفة باليمن وعمقه الحضاري والأكثر قرباً لكل المكونات اليمنية السياسية»، ويقول إن «قرب المملكة من كل الأطراف ودعمها الشرعية السياسية ووحدة اليمن وأمنه أهّلها وأعطى نموذجاً كذلك، وهناك عمليتان سياسيتان في العقد الأخير كانت السعودية تلعب فيهما دوراً قيادياً ورئيسياً، وهما المبادرة الخليجية واتفاق الرياض».
المبادرة الخليجية هي التي «شكّلت علامة فارقة وجنّبت اليمن حرباً أهلية للأسف انجرف إليها لاحقاً بسبب الانقلاب». أما اتفاق الرياض فيعتقد الوزير «أنه يجب النظر إليه في أي تسويات قادمة، حتى في إطار الحل الشامل (للأزمة اليمنية)، فحيثما توفرت النيات الصادقة وجمعت الأطراف على قاعدة حقيقية وإذا ما كان راعي السلام حريصاً فإنه من الممكن أن نسجل تقدماً كبيراً».

أولويات الوزير
تتربع على قائمة أولويات وزير الخارجية والمغتربين اليمني نقطتان: الأولى تنظيم الدبلوماسية، والأخرى ملف المفاوضات والجهد السياسي.
يقول الوزير إن «العمل الدبلوماسي اليمني وإعادة ترتيب الوزارة والتحضير لتفعيل عملها مع باقي الوزارات في العاصمة المؤقتة عدن عمل كبير يتطلب إعداداً لوجيستياً وإدارياً كبيراً وعاجلاً في الوقت ذاته، وهناك الملفات السياسية الملحة مثل الملف الإنساني، وهو أمر يحتل أولوية قصوى لدينا».
الملف الثاني يتمثل في المفاوضات من خلال مسار الأمم المتحدة، «وحشد الدعم الدولي لمواقف الحكومة الوطنية والثابتة في إنهاء الانقلاب ووقف الحرب وتحقيق السلام العادل والمستدام، فضلاً عن الملفات الاعتيادية، وهي علاقات اليمن مع مختلف الدول ورعاية مصالح بلادنا وأبنائها أينما وُجدوا، خصوصاً في ظرف الحرب الذي فرض على مئات الآلاف من اليمنيين السفر طلباً للرزق والأمان، وهذا عبء آخر باعتبار حقيبة المغتربين أُضيفت إلى مهامي، وذلك يتطلب جهداً إضافياً في تذليل الصعاب التي تواجه جالياتنا المنتشرة في أغلب دول العالم».

«تجربة كيري»
كانت واشنطن إلى وقت قريب تؤمن بضرورة فتح قنوات خلفية مع الحوثيين ومحاولة إقناعهم بالتخلي عن إيران، ورغم اختلاف «تقنيات» إدارتي باراك أوباما ودونالد ترمب فإن مراقبين يعتقدون أن تعود «تقنيات» أوباما مع إدارة بايدن.
وبسؤال الدكتور ابن مبارك، أجاب الوزير بالقول: «كلنا يتذكر تجربة لقاء وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري مع الحوثيين في مسقط، وليس لدينا أدنى شك بأن كل تلك المحاولات مبعثها الحرص على إيجاد حل ومساعدة اليمنيين للخروج من هذه الأزمة التي خلّفت معاناة إنسانية كبيرة، بيد أننا كنا دائماً نقول إن تلك الطريقة لا تساعد على تحقيق هذا الهدف».
ويعلل ابن مبارك فكرته بالقول: «لا بد من معرفة الحركة الحوثية وطبيعتها الآيديولوجية حتى نفهم طريقة تفكيرها وتعاطيها مع تلك المبادرات الدولية، وعلى المجتمع الدولي ألا يمنحها فرصة توظيف تلك المحاولات الدولية للتواصل معها، فهذا قد يرسل رسائل خاطئة تُضعف المسار الأممي أو قد يساعدهم في الترويج لأن العالم يتعامل معهم كسلطة أمر واقع».
أما إذا كان المقصود إيصال رسائل تدعم عملية السلام «فالعديد من السفراء والدبلوماسيين يلتقون معهم من وقت لآخر».

ماذا عن بايدن؟
«كحكومة يمنية، على أتمّ الاستعداد للعمل مع الإدارة الجديدة بما يخدم المصالح المشتركة بين البلدين»، قال الدكتور ابن مبارك في سياق إجابته عن سؤال من شقين: «هل يقلق الحكومة اليمنية ما ورد من تصريحات للرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن حول اليمن؟ وكيف سيكون باعتقادكم شكل العلاقة مع واشنطن بقيادة الإدارة المقبلة؟».
ويرى الوزير أن «الولايات المتحدة دولة كبرى لها مؤسساتها العريقة ومصالحها الثابتة وقد تتغير سبل تأمين تلك المصالح وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة بتغير الإدارات المتعاقبة، لكن الخطوط الأساسية والثوابت ذاتها تظل، ومن هنا يأتي دور العمل السياسي والدبلوماسي للتفاهم مع الأصدقاء في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصديقة لاختيار السبل الأنسب والأقرب لمساعدة اليمن، وبما يخدم مصلحة شعبنا ويخفف معاناته».

أساس إنهاء الأزمة
رغم التململ الذي يكتنف الأوساط السياسية والشعبية اليمنية من الوسطاء الأمميين، يؤكد الدكتور ابن مبارك «أن المسار الأممي أساس لإنهاء الأزمة اليمنية».
«كمّ القضايا والحلول التي تمت مناقشتها خلال جولات المشاورات العديدة يشكّل مرجعية تجعل من المسار الأممي المستند إلى قرارات الشرعية الدولية والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، مساراً أساسياً لإنهاء الأزمة اليمنية». ويضيف الوزير: «هناك إرث من الأدبيات والقرارات الأممية فيما يتعلق بالأزمة اليمنية، وتلك القرارات استندت في جُلّها على المرجعيات المحلية والمبادرات الإقليمية التي حددت معالم المرحلة الانتقالية ثم أسس الحل لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة».
وبالحديث عن التواصل مع المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، ومدى قدرته على الاستمرار كوسيط، يجيب ابن مبارك: «أنا على تواصل مع السيد غريفيث، وهناك تشاور ولقاءات مستمرة منذ أن كنت المندوب الدائم لليمن لدى الأمم المتحدة، ونحن في الحكومة الشرعية ندعم جهوده منذ اللحظة الأولى لتوليه مهامه، وهدفنا جميعاً تحقيق السلام ووقف معاناة اليمنيين».
ويتابع: «لقد حان الوقت الآن للتوصل إلى سلام حقيقي عادل ومستدام ووقف مساعي الحوثيين للمماطلة فيه، ويجب ألا يسكت المبعوث الأممي أو المجتمع الدولي عن الوضع القائم وعن المزيد من التعنت والتسويف وإنشاء واقع جديد لا يخدم إجراءات بناء الثقة ويتم التشبث به ليدحض كل الاتفاقات السابقة».
ويشدد ابن مبارك على أن أي مبعوث أممي يظل ممثلاً لإرادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وتحديداً مجلس الأمن، ويقول: «هنا تأتي أهمية الدبلوماسية اليمنية لبذل مساعيها مع هذه الدول وتوضيح مجريات الأمور لها بالتعاون مع الأشقاء في التحالف، حيث تعمل الدبلوماسية اليمنية جنباً إلى جنب مع الدبلوماسية في المملكة العربية السعودية التي استضافت الحكومة اليمنية منذ بداية الحرب وباقي الدول في التحالف العربي، لتمثيل قضيتنا العادلة في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وإنهاء الحرب وصنع السلام».

تفادي التصنيف
«كنتم في واشنطن، وكما تداولت تقارير عديدة فإن الولايات المتحدة تدرس تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، وربما يأتي وضع عدد من القيادات الحوثية على قوائم العقوبات لدى الخزانة الأميركية كخطوة أولى، هل تؤيدون ذلك؟ وهل سيؤثر ذلك على أي عملية سلام أو مشاورات؟»، يجيب ابن مبارك بالقول: «في الحكومة اليمنية نؤيد مجازاة كل من يقوم بفعل إرهابي وإجرامي بالعقاب العادل، وليس مجرد التصنيف، ونرى أن من يسعى للإثراء من الحرب ونهب المعونات وترهيب المواطنين وقتلهم تعسفياً، إرهابي. كما أن مَن يهدد المصالح الدولية ويقلق الملاحة ويستخدم الشعب اليمني درعاً بشرية لحماية نفسه ويعتدي على دول الجوار لا يمكن السكوت عنه، ولا تزال الفرصة ممكنة للحوثيين لتفادي تصنيفهم إرهابيين وملاحقتهم دولياً، وعليهم ألا يراهنوا على عامل الوقت وطول أمد الصراع؛ فهم بذلك ينهكون الشعب اليمني ويضاعفون معاناته، ويزيدون من سخط أبناء شعبنا عليهم ومن استياء المجتمع الدولي الذي يجب ألا يُفَسَّر حرصه على التوصل إلى السلام بقبول تلك الممارسات التي تُدينها كل التقارير الدولية. وأعتقد أن وضوح عواقب تهديد فرص السلام ستسهم في الردع وتدفع بفرص السلام، ولعل الخطوة الأخيرة في تصنيف عدد من قيادات الميليشيات الحوثية تصب في هذا الاتجاه».

انقلابيون مع وقف الحرب
كان اليمنيون في الكويت عام 2016 قاب «توقيع» أو أدنى من إنهاء الحرب بحل سلمي وشامل. «لا أذيع سراً إذا قلت إن عدداً من أعضاء الوفد الحوثي كانوا مقتنعين بوقف الحرب والتوجه نحو السلام»، يقول الدكتور أحمد ابن مبارك: «لكن القرار الرافض للحل جاء من طهران».
ويتهم الوزير الحوثيين بأن قرارهم كميليشيات «أسير لدى طهران التي تستخدمهم في حرب تدميرية لوطنهم لا تكلفها شيئاً وتجني هي منها الكثير».
وعند سؤاله عن كيفية تشكيل الوفد المفاوض الذي درجت العادة أن يرأسه وزير الخارجية في الحكومة اليمنية، قال الوزير: «المعنيّ الأول بقيادة ورسم السياسة الخارجية للبلاد هو فخامة رئيس الجمهورية. والدبلوماسية اليمنية التي يديرها وزير الخارجية هي أداته في تنفيذ تلك السياسة، وتشكيل الوفد المفاوض يتخذه فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي وبالتشاور مع حكومته ومستشاريه والقوى السياسية التي يراعي دوماً أن تكون شريكة وممثلة في قوام الوفد وفي العملية التفاوضية عموماً، وفي هذا الأمر هناك مشاورات متعلقة بملفات ذات علاقة بإجراءات بناء الثقة وتخفيف المعاناة عن أبناء شعبنا في الجانب الإنساني وهناك تلك المتعلقة بالحل الشامل الذي ستشارك فيها كل القوى السياسية».

ماذا تقول لإيران؟
سئل الوزير وأجاب: «سنقول لإيران ما نقوله دائماً: ليس من حق إيران التدخل في الشأن اليمني إطلاقاً، وليس من حقها الادعاء بأي شكل من الأشكال تمثيل أي طائفة، اليمن لم يعرف يوماً من الأيام الطائفية كما تروّج لها إيران، سنطلب منهم احترام السيادة وأن يكون لديهم سلوك مختلف ليس في اليمن فحسب بل في الدول التي تعاني من النهج الإيراني الذي يدعم الميليشيات خارج الدولة، إذا أرادت إيران أن تكون مقبولة فعليها أن تكفّ عن التدخل في المنطقة».

مهمة جديدة
يعدّ وزير الخارجية والمغتربين اليمني ثقة القيادة السياسية لبلاده بتكليفه أيَّ ملف في السابق أو الآن «شرفاً كبيراً ومسؤولية جسيمة لا بد أن أوليها كامل اهتمامي وأسخّر لها كل ما يمكن، والعمل على تحقيق ما يتطلع إليه المواطن اليمني وتخفيف معاناته وتطلعه للأمن والاستقرار وتحقيق السلام»، وأردف بأنه يشعر «بمسؤولية أخلاقية على المستوى الشخصي بأهمية استكمال ما بدأناه في مؤتمر الحوار الوطني الذي احتضن آمال اليمنيين وتطلعاتهم».
«بعد نحو خمس سنوات في واشنطن، ماذا تركت العاصمة الأميركية لك وماذا تركت لها؟»، سألت «الشرق الأوسط»، فقال الوزير: «هي بالتأكيد تجربة ثرية وتلك المدينة الجميلة التي تبدو هادئة لأول وهلة هي مركز حوار دولي مستمر ونقاشات محمومة وكل سفارة فيها تسعى جاهدة لتمثيل حكومتها ومصالح شعبها وعرض قضاياها العادلة واستمالة صانع القرار الأميركي نحو موقفها، وكذا التأثير على الرأي العام والنخب والقوى السياسية والمجتمعية المختلفة للتقارب معهم أيضاً والحصول على دعمهم، وبالنسبة لي شخصياً أتمنى أن تكون هذه التجربة وشبكة العلاقات التي كوّنتها هناك بالإضافة لمهمتي في الأمم المتحدة كممثل دائم في نيويورك عاملاً مساعداً لنجاحي في مهمتي الحالية باعتبار الخبرة الدبلوماسية في العلاقات الثنائية أو المتعددة تعطي رؤية أفضل وأشمل للمشهد الدولي وتداخلات العلاقات والمصالح الدولية».
وبالعودة إلى الوزارة ومهامها، يرى الدكتور ابن مبارك أن عمل وزارة الخارجية اليمنية تطوّر، «بل اختلف كثيراً في السنوات الأخيرة عن المعتاد بفعل الحرب ونتائجها على الصعد كافة، إذ تجاوز الدور البروتوكولي المعتاد من نقل رسائل وحضور فعاليات دولية».
وأرجع الوزير هذا التغير إلى أن «الظرف الذي تمر به بلادنا ومعركتها لاستعادة الدولة وتحقيق السلام ومواجهة المشروع الإيراني في اليمن وحشد الدعم الدولي ليس فقط للتخفيف من المعاناة الإنسانية، بل البدء بمشاريع التنمية وإعادة الإعمار جعل من عمل الخارجية شديد التعقيد في ظل إمكانيات محدودة»، متابعاً: «فدولة تشهد صراعاً مسلحاً وتقاتل على أكثر من جبهة ضد انقلاب عسكري وتنظيمات متطرفة وتواجه ما أنتجه الصراع من انفلات أمني وتدهور في مستوى الخدمات يكون وضع جميع مسؤوليها صعباً ومهامهم أكبر، ناهيك بكون ملف اليمن معروضاً على مجلس الأمن، وهناك دول راعية ودول أخرى تتدخل في الملف خارج رغبتنا وإرادتنا الوطنية، ولكن معنا في المقابل التفاف شعبنا مع قيادته الشرعية ممثلةً بفخامة الرئيس ومعنا أشقاؤنا في التحالف والدول الصديقة».

دبلوماسيون بلا رواتب
يشتكي كثير من الدبلوماسيين اليمنيين من مصاعب مالية تتعلق بالرواتب، ولن يكون الوزير بعيداً عن هذه المعاناة التي كان أحد الشاهدين عليها بحكم عمله في الولايات المتحدة بين واشنطن ونيويورك. وعند سؤاله حول ذلك، أجاب قائلاً: «عانت البعثات الدبلوماسية وما زالت تعاني، ولا أذيع سراً أن الرواتب لا تُدفع أحياناً لفترة تصل إلى تسعة أشهر بالإضافة إلى تواضع الموازنات التشغيلية، ومنذ تسلمي مهامي هذه إحدى أهم الأولويات».
يُكمل ابن مبارك بالقول: «إن الجانب الإيجابي في الأمر أن هذه الحكومة أتت بعد توافق وطني واسع وبدعم من الأشقاء في التحالف وبترحيب إقليمي ودولي، ولكي تنفذ الحكومة برنامجها لا بد من توافر الإمكانيات اللازمة لبدء العمل من العاصمة المؤقتة وتعزيز جميع الوزارات بما تحتاج إليه لتنجح فيما يخصها من برنامج الحكومة بما فيها الخارجية والمغتربون ونعوّل على دعم الأشقاء، بالإضافة لأهمية العمل على تفعيل جميع المؤسسات الإيرادية ومضاعفة الإنتاج النفطي، والتي ستعد الرافد الرئيسي لميزانية الدولة والتي ستمكّن الحكومة من أداء مهامها بما في ذلك حل المشكلات المالية في بعض السفارات. كما أسلفنا، علينا مسؤوليات كبيرة والتزامات أكبر لكننا وبتضافر الجهود المخلصة سنوفَّق بإذن الله».

«أعرف شعور المغتربين... فأنا أحد أبنائهم»
يعد الوزير ابن مبارك أحد أبناء المغتربين اليمنيين، ويصف نفسه بأنه عاش تلك التجربة «بتفاصيلها الدقيقة». ويقول: «لذا لن أدخّر جهداً في سبيل خدمة المغتربين الذين نفخر بهم وبما يقدمونه لبلدهم من خلال التحويلات المالية لأسرهم أو مبادرتهم لتخفيف المعاناة الإنسانية أو حتى حمل قضية بلدهم في كل المحافل كجزء من الدبلوماسية الشعبية، ونفخر أكثر وأكثر بتزايد أعداد الكوادر اليمنية المتميزة علمياً ومهنياً في جميع المجالات وفي أصقاع العالم كافة بل في دول العالم المتقدم، ويقع على عاتقنا تسهيل كل الأمور لهم سواء فيما يتعلق بالقضايا القنصلية أو التواصل مع الدول الشقيقة والصديقة للتخفيف من بعض الأعباء الإضافية التي يتحملونها، والأهم هو العمل على مساعدتهم في التمكين الاقتصادي والسياسي في الدول التي أصبحوا فيها جزءاً من نسيجها الاجتماعي، ونرى عدداً كبيراً من القيادات الاقتصادية والسياسية من أصول يمنية في أميركا وأوروبا في مواقع متقدمة. بكل تأكيد سنسعى لعمل كل ما هو ممكن لخدمتهم وتسهيل وتيسير المعوقات التي يواجهها المغترب اليمني وبما يحترم قوانين دول الاغتراب».

«رحلة التيه اليماني»
فضّلت «الشرق الأوسط» أن تترك للوزير السؤال الأخير مساحة مفتوحة، وأن يكتب بنفسه ما يرغب قوله في نهاية الحوار، فأنشأ قائلاً: «إن الحديث عن الحرب والتحديات يجب ألا ينسينا المستقبل وأن كل ما نفعله الآن هو لضمان مستقبل أفضل لأبنائنا وللأجيال القادمة، وأنا أؤمن بأن بلداً لديه عمق حضاري يمتد إلى آلاف السنين ووُصف أهله بالإيمان والحكمة ورقّة القلوب والأفئدة، قادر على تجاوز تلك الصعاب وأنه قد آن الأوان لإنهاء رحلة التيه اليماني، واليمن سيتسع للجميع وسيكبر بكبر أحلام وتطلعات وتضحيات أبنائه. وجهود المخلصين التي بُذلت خلال الحوار الوطني وقبله وبعده من أجل بناء دولة مدنية تتحقق فيها المواطنة المتساوية للجميع، لن تذهب سدى، وأن كل التحديات والتعقيدات التي ظهرت بعد الانقلاب أو بسبب سنوات من التهميش سيتم التعاطي معها بجدية، وما أُنجز في اتفاق الرياض هو نموذج لقدرتنا على تغليب المصلحة العليا للوطن والترفع عن الصغائر، وسيأتي بإذن الله اليمن الذي نحب، اليمن الآمن المستقر المزدهر ويكون مرتكزاً لأمن جواره ومحيطه والمنطقة والأمن والسلم الدوليين ككل».


مقالات ذات صلة

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

خاص اللواء الركن خالد القملي قائد «خفر السواحل اليمنية» (سبأ)

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

أكد اللواء الركن خالد القملي، قائد مصلحة خفر السواحل اليمنية، أن الهجوم الحوثي لم يوقف مهامها، وأن العمل مستمر «بشكل طبيعي» وبمعنويات عالية...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

وسع الحوثيون انتهاكاتهم بريف تعز ولحج بتفجير الطرق والعبّارات، واختطاف سكان، ونهب منازل النازحين، والاعتداء على مياه الشرب؛ مما سبب مخاوف من اتساع موجات النزوح.

وضاح الجليل (عدن)
خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)

قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

قبل شهرين من نهاية ولايته... غوتيريش يبحث في القاهرة تسوية سلمية للنزاعات

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمين العام للأمم المتحدة بالقاهرة (الرئاسة المصرية)

زيارة جديدة من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، للقاهرة تحدث خلالها عن فرص للتهدئة بالمنطقة وحقوق للفلسطينيين، وذلك قبل شهرين من لملمة أوراق عمله الأممي الذي يُختتم ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بعد سنوات عديدة من التحديات جراء الحروب والصراعات بالمنطقة.

والاثنين، التقى غوتيريش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأشاد بـ«الدور المحوري الذي تضطلع به مصر في تسوية النزاعات، وترسيخ السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أنه «كثيراً ما تساءل عن مصير الشعب الفلسطيني لولا الدور المصري الجوهري والفعّال في دعم حقوقه والدفاع عن قضيته»، بحسب بيان للرئاسة المصرية.

وشدد على أنه «لا يمكن تحقيق سلام دائم ومستدام في المنطقة من دون تسوية عادلة للقضية الفلسطينية»، مؤكداً أنها «تظل القضية المركزية في الشرق الأوسط إلى أن يتم التوصل إلى حل نهائي لها».

ولفت إلى «وجود فرصة للتوصل إلى تفاهمات من شأنها الإسهام في ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، ومعالجة ملف البرنامج النووي الإيراني بالسبل السلمية».

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية المصري مع الأمين العام للأمم المتحدة (الخارجية المصرية)

وناقش غوتيريش مع وزير خارجية مصر، بدر عبد العاطي، التطورات في ملفات غزة والسودان وليبيا، مؤكداً أهمية الدور الذي تقوم به مصر بوصفها حجر الزاوية للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشريكاً رئيسياً في دعم العمل متعدد الأطراف، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية، الاثنين.

اجتمع مع أمين عام جامعة الدول العربية نبيل فهمي (الجامعة العربية)

قضايا عديدة

ومساء الأحد، التقى غوتيريش، الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، مؤكداً حرص المنظمة الدولية على مواصلة التنسيق مع الجامعة، ودعم جهودها لتطوير عملها في مواجهة التحديات التي تشهدها المنطقة والتطورات الدولية، وفق بيان للجامعة العربية.

وشدد فهمي على أن مصداقية النظام الدولي باتت تُقاس بما يجري في غزة، محذراً من أن استمرار الإفلات من المساءلة يشجع على انتهاك سيادة الدول وسلامة أراضيها في فلسطين ولبنان وسوريا.

وأكد تضامن الجامعة العربية الكامل مع المملكة وحقها في الدفاع عن أمنها وسيادتها، ودعا مجلس الأمن إلى إنفاذ قراراته، مؤكداً أهمية صون حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أمام تمثال رمسيس الثاني بالمتحف المصري الكبير (الأمم المتحدة)

كما زار غوتيريش المتحف المصري الكبير ضمن زيارته الرسمية إلى مصر. ونشرت الأمم المتحدة صورة عبر حسابها بمنصة «إكس» لغوتيريش وهو يقف أمام قناع الملك توت عنخ أمون.

أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يزور المتحف المصري الكبير (الأمم المتحدة)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة غوتيريش تبحث قبل نهاية مهامه دفع التسوية السلمية للنزاعات، مؤكداً أن الاختبار الحقيقي لزيارة غوتيريش هو ما إذا كانت ستنجح في تحويل الحضور المصري المؤثر إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، وفي تحويل الشرعية الأممية إلى نتائج يشعر بها الناس على الأرض.

ويترك غوتيريش منصبه رسمياً في 31 ديسمبر 2026، بعد أن أمضى ولايتين متتاليتين مدة كل منهما 5 سنوات، بدأت الأولى في يناير (كانون الثاني) 2017، وسيتسلم الأمين العام العاشر الجديد للمنظمة مهامه رسمياً في الأول من يناير 2027.

ويقول السفير حجازي، إن الاختبار الحقيقي لزيارة غوتيريش هو ما إذا كانت ستنجح في تحويل الحضور المصري المؤثر إلى تحرك دولي أكثر فاعلية، وفي تحويل الشرعية الأممية إلى نتائج يشعر بها الناس على الأرض.

وأكد أن مصر لا تسعى إلى دور إقليمي من أجل الدور نفسه، وإنما إلى حماية مصالحها الوطنية، وصون استقرار محيطها، والمساهمة في بناء نظام إقليمي لا تُفرض فيه التسويات بالقوة، ولا تُترك فيه الشعوب رهينة للصراعات المفتوحة.

وتتمثل أهمية الزيارة بحسب حجازي في أنها تتجاوز طابعها البروتوكولي إلى كونها رسالة سياسية بشأن ضرورة الحفاظ على مركزية الأمم المتحدة والقانون الدولي في إدارة الأزمات.

وتمثل القضية الفلسطينية، بحسب حجازي، الاختبار الأهم لمصداقية النظام الدولي، مشدداً على أن الإشادة الأممية بالدور المصري ينبغي ألا تظل في حدود التقدير السياسي، بل يجب أن تتحول إلى تحرك دولي أكثر فاعلية لوقف الانتهاكات، وتثبيت وقف إطلاق النار.

رسالة أممية

وقال غوتيريش عبر حسابه بمنصة «إكس»، السبت: «وصلت للتو إلى مصر، وفي ظل تصاعد الصراعات، أحمل معي رسالة مفادها أننا بحاجة إلى وقف توسع الحرب، وحماية المدنيين، وتهيئة المجال السياسي للدبلوماسية والسلام».

وبرأي حجازي، فإن غوتيريش، تتاح له في هذه الزيارة فرصة أخيرة بحسب حجازي، لتأكيد أن الدبلوماسية متعددة الأطراف لا تزال قادرة على إحداث فارق، حتى في أكثر اللحظات الدولية صعوبة.

لكن ذلك لن يتحقق بتكرار الدعوة إلى السلام وحدها، وإنما بإظهار أن هناك إرادة للتحرك، واستعداداً لتحمل المسؤولية، وقدرة على الانتقال من الكلمات إلى الالتزامات، يضيف حجازي.

وشدد حجازي على أن المطلوب ليس أن يترك غوتيريش وراءه خطاباً أخلاقياً جديداً، بل أن يترك مسارات عمل قابلة للاستمرار، وأن تستثمر مصر ما تمتلكه من نفوذ واتصالات وخبرة دبلوماسية في تحويل تلك المسارات إلى خطوات عملية.


«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
TT

«النواب» المصري يوافق على تفويض السيسي بدعم السعودية عسكرياً

مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)
مبنى مجلس النواب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (رويترز)

وافق مجلس النواب المصري (البرلمان)، الاثنين، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ كل ما يلزم لدعم السعودية عسكرياً «عقب التنسيق بين البلدين».

كان السيسي قد طلب من البرلمان عقد جلسة طارئة للتفويض في الدفاع عن دول الخليج «إذا طُلب من القاهرة ذلك»، مؤكداً، على هامش حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الجديدة الأسبوع الماضي، أن بلاده مستعدة لتنفيذ أي إجراء تطلبه السعودية لحماية أمنها، ليعقد البرلمان جلستين على مدار يومي الأحد والاثنين الماضيين لمناقشة الموضوع، قبل أن تقرر رفع جلسات البرلمان إلى صباح الاثنين، لاستكمال المناقشات بشأن تفويض الرئيس السيسي لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة.

وقال مجلس النواب، في بيان بشأن جلساته السرية المعقودة أيام 18 و19 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، إن «المناقشات انتهت إلى موافقة مجلس النواب، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض رئيس الجمهورية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم السعودية، وعقب التنسيق بين البلدين الشقيقين، للدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية، وذلك وفقاً لما تَوافق عليه مجلس الدفاع الوطني في جلسته المعقودة بتاريخ 28 أكتوبر 2026».

وأشار البيان إلى أن البرلمان عقد ثلاث جلسات «سرّية لمناقشة الموضوع بناءً على طلب رئيس الجمهورية، «عملاً بأحكام الدستور واللائحة الداخلية لمجلس النواب»، حضرها المستشار هاني حنا، وزير شؤون المجالس النيابية، واللواء خالد شهدي، مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والقانونية.

وأوضح البرلمان المصري أن «الجلسات الثلاث حرصت على إفساح المجال لعدد كبير من النواب من مختلف الانتماءات الحزبية والسياسية والمستقلين؛ للتعبير عن آرائهم حول مجريات الوضع الإقليمي الدقيق وما تشهده المنطقة في الوقت الراهن من تداعيات، وتأثيره على الأمن القومي المصري والعربي».

وزير الخارجية المصري يجدد خلال مؤتمر صحافي مع الأمين العام للأمم المتحدة تضامن بلاده الكامل مع المملكة والاستعداد لمساندتها دفاعياً (الخارجية المصرية)

بدوره، قال عضو مجلس النواب مصطفى بكري، إن الموافقة نصَّت على «تفويض الرئيس في دعم المملكة إذا تطلب الأمر وبعد التنسيق بين البلدين»، موضحاً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الصيغة تمنح الرئيس السيسي حرية اتخاذ القرار في الوقت المناسب إذا تطلب الأمر ذلك».

وكان مجلس الدفاع الوطني المصري قد قرر عقب اجتماع برئاسة السيسي الأسبوع الماضي «تقديم كل أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة للدفاع عن أمنها واستقرارها».

بدوره، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام للأمم المتحدة، في القاهرة، الاثنين، «تضامن بلاده الكامل مع المملكة ووضوح موقفها بشأن الاستعداد لدعم المملكة دفاعياً».

وشدد على أن «أي مشاركة محتملة في دعم المملكة ستكون ذات طبيعة دفاعية، وليست موجهة لشن هجوم على أي طرف أو دولة»، مؤكداً أن «مصر دولة تحترم دستورها ومؤسساتها، وأن التعامل مع هذا الملف يخضع للأطر الدستورية والقانونية المعمول بها»، مشيراً إلى أن «الدستور المصري ينص على أن تقديم الدعم العسكري للخارج أو إرسال المعدات والأفراد لأسباب دفاعية، مرهون بموافقة مجلس النواب».

وتنص المادة 152 من الدستور المصري على أن «رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأى مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء».

وبشأن التحرك التالي بعد الحصول على موافقة البرلمان، أوضح الخبير العسكري اللواء سمير فرج، أن «الفترة المقبلة ستشهد إرسال مصر مجموعات مقدمة إلى المملكة لبحث مطالبها ومعرفة ما الذي يجب تدعيمه لوقف الاعتداءات».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الحرب الحالية حرب مسيَّرات وصواريخ، مما يستلزم دعم الدفاعات الجوية»، مشيراً إلى أن «فرق المقدمة ستعمل على بحث عدة أطر من بينها طبيعة الدفاعات الجوية لصد المسيَّرات على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة وعالية، إضافةً إلى معرفة أماكن وجود الرادارات والأماكن التي تحتاج إلى دعم، مع استخدام الحرب الإلكترونية للتشويش على المسيَّرات والصواريخ».

وأكد أن «الدعم العسكري المصري للسعودية سيركز على تعزيز الدفاعات الجوية لصد الصواريخ والمسيَّرات».

في سياق متصل، أكد رئيس مجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية في البرلمان) المستشار عصام الدين فريد، أن موقف مصر الداعم لأمن السعودية يعكس عمق العلاقات الأخوية بين البلدين، والتزام مصر بمسؤوليتها تجاه الأمن القومي العربي، مشدداً على أن «أمن دول الخليج العربي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومي المصري، وأن الأمن القومي العربي كلٌّ لا يتجزأ».

وأشار رئيس المجلس، خلال الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، يوم الاثنين، إلى تلقيه كتاباً من الدكتور أحمد عبيد بن دغر، رئيس مجلس الشورى اليمني، رحب خلاله بدعم مصر للسعودية دفاعياً بوصفه جزءاً من الأمن القومي العربي، وفي إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك».

وطالب شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، بالوقف الفوري للاعتداءات على المملكة، مجدداً إدانته الشديدة لاستمرار الهجمات الحوثية على مكة المكرمة والمدينة المنورة وما حولهما، ومؤكداً في بيان الاثنين، «رفضه القاطع لكل ما من شأنه المساس بحرمة البقاع المقدسة أو تعريض أمن المملكة وسلامة مواطنيها وقاصديها للخطر».

وذكَّر الأزهر المعتدين بأن هجماتهم آثمة، وهي استفزاز لمشاعر نحو مليارين من المسلمين حول العالم، معرباً عن أمله في المسارعة بتشكيل لجنة وساطة وتهدئة عاجلة، تضم ممثلين من حكماء الأمة وعقلائها من محبي الخير والسلام والاستقرار، تتولى بشكل عاجل نزع فتيل الأزمات والصراعات المشتعلة.


نائبة فرنسية لـ«الشرق الأوسط»: سنواصل دعم أمن السعودية

النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
TT

نائبة فرنسية لـ«الشرق الأوسط»: سنواصل دعم أمن السعودية

النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)
النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي خلال حديثها إلى «الشرق الأوسط» (الشرق الأوسط)

أكدت النائبة في البرلمان الفرنسي أميليا لاكرافي أن بلادها ستواصل تقديم الدعم الدفاعي للمملكة العربية السعودية، بما يشمل إرسال القوات والمعدات للإسهام في حماية بنيتها التحتية الحيوية، مشددة على أن باريس ليست طرفاً في الحرب، وأن التزامها تجاه المملكة لا يحمل أي طابع هجومي.

وفي حين كشفت عن تحركات فرنسية وأوروبية لبحث إمكانية فرض عقوبات على الحوثيين وإيران، رأت أن «بعض الحلفاء التقليديين للسعودية لم يكونوا حاضرين بالقدر المتوقع خلال الأزمة الراهنة».

وقالت لاكرافي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن فرنسا تعطي الأولوية للحوار والدبلوماسية، «بالتوازي مع حرصها على مرافقة شريكها السعودي وتعزيز قدراته الدفاعية»، موضحة أن «القوات والمعدات الفرنسية التي ترسلها باريس إلى المملكة، والتي ستواصل إرسالها، تستهدف ضمان الأمن والدفاع عن السعودية، وليس تنفيذ عمليات هجومية».

وأوضحت أن حدود الالتزام الفرنسي ترتبط أساساً بالقدرات البشرية والمادية المتاحة، مؤكدة أنه «ما دامت تتوافر لدى فرنسا الإمكانات اللازمة للإسهام في حماية البنى التحتية الحيوية؛ سواء في ينبع أو في مواقع أخرى، فإنها ستواصل تقديم هذا الدعم».

وأضافت أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يضمن استمرار هذا الالتزام، ويلتزم تنفيذ ما يعلنه.

وقالت لاكرافي إنها تجد من اللافت أن بعض الحلفاء التقليديين للمملكة العربية السعودية «ليسوا حاضرين بالقدر المتوقع في هذه الأزمة»، مشيرة في المقابل إلى أن «فرنسا أثبتت حضورها والتزامها تجاه المملكة، وهو ما تجلى خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى السعودية، التي حملت رسالة تضامن واضحة».

وشددت على أن باريس لا تكتفي بالتصريحات؛ «بل تتحرك على المستويين الدبلوماسي والعملي، من خلال المشاركة في المبادرات الرامية إلى إيجاد حلول للأزمة، ودعم عقد اجتماعات طارئة لمجلس الأمن، بالتزامن مع تقديم المعدات اللازمة لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للمملكة وحماية بنيتها التحتية الحيوية».

ورأت أن هذا الحضور يعكس طبيعة الشراكة السعودية - الفرنسية، مؤكدة أن فرنسا أثبتت أنها شريك موثوق للمملكة ودول الخليج، وأن «العلاقات السعودية - الفرنسية شهدت تطوراً ملحوظاً، ومن المتوقع أن تواصل تعزيزها، خصوصاً في المجال الأمني».

وفي قراءتها التطورات الإقليمية، حذرت النائبة الفرنسية من تداعيات شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات جديدة على إيران، عادّةً أن مثل هذا التصعيد قد يدفع طهران إلى الرد بصورة أكبر حدة على دول الجوار.

وقالت إن السؤال الذي يثير قلقها، ويشغل كثيرين، يتعلق بـ«ما ستقرره الولايات المتحدة والخطوات التي قد تتخذها واشنطن وإسرائيل خلال الأيام والأسابيع المقبلة».

وأشارت إلى «احتمال استمرار الضغوط الاقتصادية على إيران دون تصعيد عسكري جديد؛ مما قد يؤدي تدريجياً إلى إضعافها اقتصادياً ودفعها إلى التراجع، مقابل احتمال آخر يتمثل في شن هجمات جديدة».

وأعربت عن اعتقادها أن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران قد تزداد وتفرض أعباء إضافية على قيادتها، فيما ترى أن فرنسا وحلفاءها في الخليج قادرون على الصمود في مواجهة التحديات الراهنة.

وبشأن تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي، أشارت إلى أنها لاحظت عودة حركة الملاحة العالمية، لا سيما ناقلات النفط، خلال الأيام الأخيرة إلى مستويات ما قبل الحرب، عادّةً أن ذلك يدفعها إلى الاعتقاد بإمكانية «تراجع الاختناقات والصعوبات الاقتصادية تدريجياً، وإن كان الأمر سيستغرق بعض الوقت».

ولم تستبعد أن «تدفع هذه التطورات مزيداً من الدول، بينها باكستان وتركيا، إلى الاضطلاع بدور أكبر في الجهود الرامية إلى تجاوز الأزمة، خصوصاً أن تداعيات اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والمضائق الحيوية الأخرى تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره».

وعن مستقبل المواجهة مع الحوثيين، أقرت لاكرافي بصعوبة التنبؤ بمسار الأحداث، مؤكدة وجود جهود متواصلة على مستوى البرلمان الفرنسي والبرلمان الأوروبي والمنظمات البرلمانية الدولية «للدفع نحو حلول سلمية، وتعزيز الدبلوماسية الدولية، لا سيما من خلال الأمم المتحدة، لإدانة أعمال الحوثيين».

وأوضحت أن هذه الجهود تشمل بحث مختلف الوسائل الممكنة للضغط على الحوثيين، بما في ذلك «إمكانية فرض عقوبات تدفعهم وإيران إلى التراجع عن الممارسات التي تهدد أمن الملاحة».

وأضافت أن التحركات تشمل أيضاً تحديد الشركاء الدوليين القادرين على دعم هذه الجهود، ومن بينهم الولايات المتحدة، عادّةً أن توسيع نطاق مشاركة الدول والبرلمانات من شأنه تعزيز فرص إقناع مزيد من الشركاء بالانضمام إليها، مشيرة إلى أن التجارب أثبتت إمكانية تحقيق ذلك.

وأكدت وجود تحركات واتصالات تهدف إلى دعم السعودية وإدانة أعمال الحوثيين، في إطار جهود برلمانية ودولية مستمرة للوصول إلى تسوية سلمية ومستدامة للأزمة اليمنية.

وفي ملف الأمن البحري، شددت النائبة الفرنسية على أن «المضائق البحرية ممرات دولية مشتركة، وليست ملكاً لإيران أو الحوثيين، بل تخدم العالم بأسره، ويجب أن تظل مفتوحة أمام الملاحة الدولية، دون فرض قيود أو رسوم عبور تعرقل حرية المرور».

وأشارت إلى أن الاقتصاد العالمي «يتأثر مباشرة بالتهديدات التي تواجه هذه الممرات؛ مما يستدعي تضافر الجهود الدولية للضغط على الحوثيين ودفعهم إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى مخرج سلمي ومستدام للأزمة».

وأوضحت أن فرنسا تعمل في مجال الأمن البحري بالتعاون مع «الاتحاد الأوروبي»، و«مجلس الأمن» التابع للأمم المتحدة؛ لإيجاد حلول للأزمة، مؤكدة أن العمل المشترك، والدبلوماسية، «يظلان أساسيين لتجاوز التحديات الراهنة، رغم صعوبة الجزم بكيفية تطور الصراع».