سياسيون يمنيون يرهنون نجاح الحكومة بإنقاذ الاقتصاد وتثبيت الأمن

حذروا من خطر الفساد والصراعات الحزبية

الرئيس اليمني لدى اجتماعه بأعضاء الحكومة بعد أداء اليمين الدستورية في الرياض أمس (سبأ)
الرئيس اليمني لدى اجتماعه بأعضاء الحكومة بعد أداء اليمين الدستورية في الرياض أمس (سبأ)
TT

سياسيون يمنيون يرهنون نجاح الحكومة بإنقاذ الاقتصاد وتثبيت الأمن

الرئيس اليمني لدى اجتماعه بأعضاء الحكومة بعد أداء اليمين الدستورية في الرياض أمس (سبأ)
الرئيس اليمني لدى اجتماعه بأعضاء الحكومة بعد أداء اليمين الدستورية في الرياض أمس (سبأ)

أكد سياسيون واقتصاديون يمنيون لـ«الشرق الأوسط» أن أي نجاح لحكومة معين عبد الملك الجديدة سيكون مرهوناً بمدى قدرتها على انتشال الاقتصاد المتهاوي، وتثبيت دعائم الأمن في المناطق المحررة، وتجاوز الصراعات الحزبية، والعمل وفق الأسس الإدارية والمالية الصحيحة.
كان رئيس الحكومة معين عبد الملك وطاقمه من الوزراء قد أدوا اليمين القانونية أمام الرئيس عبد ربه منصور هادي أمس (السبت) في الرياض. وجاء ذلك في وقت توقع فيه مصدران حكوميان لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة ستعود بكامل أعضائها إلى العاصمة المؤقتة عدن خلال يومين لبدء مزاولة أعمالها وتحضير برنامجها.
- إنقاذ الاقتصاد
أمام التحديات الجمة التي تعترض حكومة معين عبد الملك، قال رئيس مركز الإعلام الاقتصادي اليمني مصطفى نصر إن «تحدي سعر الصرف، والحفاظ على العملة، يمثل أهم التحديات العاجلة في الوقت الراهن».
وأضاف نصر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة أمام تحدي إعادة السعر إلى وضعه الطبيعي ما قبل الارتفاع الأخير لكي تستطيع أن تتحكم بالسياسة النقدية».
وأشار الخبير الاقتصادي مصطفى نصر إلى وجود أولويات أخرى مهمة «تتعلق بحشد موارد النقد الأجنبي، كاستئناف تصدير النفط والغاز، وتفعيل الصادرات، وتنظيم قنوات الدعم والمساعدات الخارجية للبدء في إعادة التعافي الاقتصادي للمناطق التي تسيطر عليها الحكومة».
وشدد نصر على أهمية حاجة حكومة معين عبد الملك إلى «رؤية اقتصادية سياسة مالية تعمل على تقليص عجز الموازنة، والبحث عن مصادر غير تضخمية للإنفاق».
وفي السياق نفسه، يشير الخبير الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي إلى أن المهام التي بانتظار الحكومة اليمنية الجديدة «كثيرة معقدة ضرورية لمعالجة أوضاع متفاقمة مست اليمنيين في مناطق سيطرة الشرعية، سواء كانت خدمية أو اقتصادية».
ويقول المساجدي لـ«الشرق الأوسط» إن «الشارع اليمني يأمل في أن تلبي الحكومة الجديدة تطلعاته. والبداية ينبغي أن تكون من تحسين الخدمات، كالكهرباء والتوقف عن شراء الكهرباء والاعتماد على التوليد، واستكمال بناء وتشغيل محطات كهرباء عدن ومأرب بمرحلتيها الأولى والثانية لأن الطاقة الكهربائية المشتراة تكلف خزينة الدولة أموالاً كثيرة بالعملة الصعبة، ما يزيد من الضغوط على العملة المحلية».
وينتظر الحكومة -بحسب المساجدي- ملف في غاية الأهمية «يتمثل في تثبيت سعر صرف العملة أمام العملات الأجنبية، من خلال تفعيل البنك المركزي، وتعزيز قدرته على إدارة السياسة النقدية، ورفع كفاءة الحكومة في جباية الإيرادات بمختلف أوعيتها الضريبية والجمركية والنفطية والغازية، وتوريدها جميعاً إلى الحسابات الخاصة بها في البنك المركزي، بما يضمن تمويل موازنة الدولة من مصادر غير تضخمية، وعدم اللجوء إلى طبع مزيد من العملة، ناهيك من ضرورة ربط جميع فروع البنك المركزي بالمركز الرئيسي في عدن».
ومن بين أولويات عمل الحكومة، يشدد المساجدي على ضرورة «طمأنة الشركات النفطية لاستئناف التصدير بالطاقة الكاملة لرفد خزينة الدولة بالنقد الأجنبي الكافي لمواجهة التزامات الحكومة، إضافة إلى تنشيط عمل الموانئ، بالتوازي مع وضع حلول صارمة تكفل عدم عبث الجماعة الحوثية بالاقتصاد أو العملة، وحسم ملف واردات موانئ الحديدة لمصلحة رواتب الموظفين».
- تثبيت التوافق السياسي
وفي حين تختلط الأولويات السياسية بالاقتصادية أمام الحكومة الجديدة، يرى الكاتب السياسي الأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل أن التحدي الأكبر أمام الحكومة هو «تأطير حالة التوافق السياسي الذي تم، وتتويجها بتوافق حقيقي على الأداء والعمل على الأرض، بحيث يعكس هذا التوافق إنجازات حقيقية على المستويين السياسي والاقتصادي».
ويقول البيل لـ«الشرق الأوسط»: «إذا حافظت الحكومة على هذا النسق، واستطاعت جمع هذه الرؤى السياسية واستغلالها في أدائها، يمكن الحديث عن إنجازات ملموسة».
ويعتقد الدكتور البيل أن «هذا التوافق سيكون هو القاعدة التي تنتزع منها الحكومة قوتها وعملها، وسيهيئ لها مناقشة وحل المشكلات الاقتصادية والإدارية والخدمية بشكل حثيث مهني، بعيداً عن حالة التشظي والنزاعات السابقة، إذ من تلك الحالة التوافقية التي ستكون بحاجة لإدارة ذكية من الحكومة للمحافظة عليها يمكن أن تنطلق الحكومة في الملفات الأهم بالنسبة للناس الذين يعانون بشكل مر».
ويلفت السياسي البيل إلى ضرورة «حماية العملة من الانهيار، وتدعيم عمل البنك المركزي، حيث يأتي معها ضرورة صرف الرواتب لكل الموظفين بكل المناطق بانتظام، وبلا استثناءات، ثم العمل على الخدمات الأساسية في المناطق المحررة، وتطبيع الحياة الاقتصادية والخدمية، والاشتغال على مشكلات الناس الملحة أولاً بأول».
وبالتوازي مع الملفات الاقتصادية والخدمية، يرى البيل أنه «ينبغي السير في عملية توحيد القرار الأمني والعسكري في كل المناطق، فإذا استطاعت الحكومة توحيد الجبهات والأداء، والتحكم في الميدان، سينعكس ذلك على كل الدوائر الإدارية، وحتى على المشهد السياسي، وسيحدث هذا الاختراق في العمل، والنجاح في المستويين الاقتصادي والعسكري، نجاحات متوالية على مستوى إنعاش الحالة النفسية والمعنوية للناس والساسة، وسينتقل الجميع إلى معركة استعادة الدولة وهزيمة الانقلاب»، بحسب تعبيره.
ويعتقد البيل أن «أي اختلالات في هذه العملية برمتها، في أي مرحلة من مراحلها، ستعد انتكاسة لهدف استعادة الدولة، وإنقاذ حياة الناس الذين يعيشون أسوأ الظروف».
- بعيداً عن الارتهان
وفي السياق ذاته، يرى رئيس منظمة «تمكين» للتنمية وحقوق الإنسان عضو الهيئة الاستشارية لوزارة حقوق الإنسان اليمنية، مراد الغاراتي، أنه ينبغي للحكومة «أن تكون حكومة وحدة وطنية أولاً، بعيداً عن مسألة الاستحقاقات السياسية، والعمل من داخل البلد بالقرب من الناس، وأن تعمل في الإطار المؤسسي للدولة، فضلاً عن رؤيتها للجميع بمقومات المواطنة».
ويشدد الغاراتي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أهمية «عمل الحكومة بعيداً عن الارتهان إلى المؤثرات من خارجها، بما يحقق التضامن السياسي والإنساني، وصولاً إلى وضع المعايير والاستحقاقات اللازمة التي تعيدها إلى مصاف المجتمع الدولي بفاعلية».
ومن ناحية أخرى، يرى الغاراتي أن على الحكومة «أن تسير باتجاه تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي وملف السلام وفقاً لشروط الدولة، وليس لشروط الميليشيات». كما لا ينسى تأكيد أن «الاقتصاد هو رافعة السياسة»، ويضيف: «لا بد من ضبط الوضع الاقتصادي لأن تحسينه سيعمل على تحسين الملف السياسي، بل والتفاف المواطنين حول الحكومة».
ومن جهته، يجزم الكاتب السياسي اليمني عبد الملك اليوسفي بأن «التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية الجديدة كبيرة، والاستحقاقات المترتبة على الحكومة أكبر».
ويقول اليوسفي لـ«الشرق الأوسط»: «الحكومة تواجه تركة ثقيلة من الإخفاقات والتدمير الممنهج للدولة نتيجة الانقلاب الحوثي، والتعقيدات التي تلته، في ظل تطلعات كبيرة من الشعب، وفي ظل حاجه ملحة لبناء النموذج المشرف للدولة في المناطق المحررة، كرافعة مهمة لإسناد معركة التحرير».
وعلى غرار سابقيه، يرى اليوسفي أن «المجال الاقتصادي والخدمات يواجه إشكالات كبيرة»، ما يتطلب «إيقاف تدهور العملة، وتحسين الخدمات، بصفتها أموراً ملحة في أجندة الحكومة».
وفي حين يشدد اليوسفي على «الإصلاح المؤسسي لهياكل الدولة، ومكافحة الفساد، بصفتها كذلك أموراً ملحة»، يعتقد أن إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية من الأولويات. كما يقترح أن تقوم الحكومة بـ«تفعيل خدمة الدفاع الوطني، وحشد إمكانيات الدولة والمجتمع لإسناد معركة التحرير».


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.