مسؤولان يمنيان يرفعان جاهزية الجبهات العسكرية

قالا إن الحوثيين يعيشون حالة من الارتباك والعجز الداخلي

أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)
أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)
TT

مسؤولان يمنيان يرفعان جاهزية الجبهات العسكرية

أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)
أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)

قال مسؤولان يمنيان إن «جماعة الحوثي» تظل هي العدو الرئيسي والوحيد للشعب اليمني، لافتين إلى أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة، واستعادة الدولة ومؤسساتها.

وحسب المسؤولين، فإن الجماعة الحوثية تعيش حالة من «الارتباك الداخلي الواضح» ينعكس في محاولاتها للحشد وتنفيذ عمليات اختراق ميدانية، وهو ما يفرض رفع مستوى الجاهزية القتالية، وتعزيز الانضباط، وتكثيف التنسيق والتكامل بين الوحدات العسكرية، على حد تعبيرهم.

أكد طارق صالح أن الظروف الراهنة مواتية لصالح حسم المعركة واستعادة الدولة ومؤسساتها (سبأ)

وأكد طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي، أن المقاومة الوطنية مستمرة في تحضير قواتها وتجهيز عتادها لمواجهة الميليشيات الحوثية في معركة الخلاص الوطني بكل ثبات وانضباط، مشدداً على أن الحوثي هو العدو الرئيسي والأوحد.

وأضاف صالح، في لقاء أمس مع قيادات المقاومة الوطنية في محورَي الحديدة والبرح بقوله: «نعمل على إعادة ترتيب الخطط القتالية للمرحلة المقبلة، وخياراتنا العملياتية الآن أفضل من أي وقت مضى، لضمان إنجاز المعركة بشكل حاسم وفاصل».

وأشار إلى أن «الحوثيين يحشدون مجاميعهم في مختلف الجبهات، ولا سيما في الساحل الغربي وتعز، ما يفرض على جميع القوات في هذا المسرح الحربي تكثيف جهودها وتنسيقها ومواجهة هذا التهديد المشترك»، حسبما نقلت وكالة الأنباء الرسمية (سبأ).

وجدد صالح الإشادة بدور تحالف «دعم الشرعية»، مؤكداً أن دعم الشركاء والأصدقاء الدوليين مرتبط بتوحيد الجهد الوطني ورفع مستوى التنسيق بين كل القوى الجمهورية. لافتاً إلى «أن الحوثيين يعيشون حالة من الارتباك والعجز الداخلي، وأن الحشود والوقفات القبَلية التي ينفذونها ما هي إلا محاولات للتغطية على ضعفهم من خلال إجبار الناس على الحشد بالقوة».

وحسب صالح، فإن «اليمنيين في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية الإرهابية ضاقوا ذرعاً من إرهابها، ويتطلعون إلى اللحظة التي يُزاح فيها عنهم هذا الكابوس الإيراني»، مضيفاً: «أهلنا في تلك المناطق لن يكونوا إلا في خندق الجمهورية عندما تندلع المعركة وتتحرك الجبهات».

كما أبدى عضو مجلس القيادة «جاهزية المقاومة الوطنية لدعم وإسناد أي جبهة تقاتل ميليشيات الحوثي الإرهابية في جميع المحافظات».

ودعا صالح من وصفهم بـ«شركاء المعركة» في مختلف الجبهات والمحاور إلى أن «تكون المعركة المقبلة شاملة لاستعادة جميع المناطق التي تُسيطر عليها الميليشيات»، موضحاً أن «الظروف الراهنة في صالح حسم معركة اليمنيين، مع وصول الناس إلى قناعة باستحالة التعايش مع هذه الميليشيات».

إلى ذلك، أوضح سلطان العرادة عضو مجلس القيادة الرئاسي أن مأرب كسرت المشروع الفارسي الإيراني وهو في أوج قوته، بفضل الله وتضحيات أحرار اليمن.

سلطان العرادة خلال لقاء موسع في مأرب مع قيادات عسكرية (سبأ)

وشدد العرادة في لقاء موسع مع قيادات عسكرية بمأرب على أنه «لا يمكن لأي قوة أن تنال من عزيمة أبطال القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية ما داموا موحدين الهدف، وثابتين على المبدأ، ومتجردين للوطن وقضايا الشعب».

وأكّد العرادة أهمية رفع الجاهزية القتالية، وتعزيز الانضباط العسكري، والتنسيق والتكامل بين الوحدات العسكرية، وتكثيف العمل الاستخباراتي في هذه المرحلة؛ حيث تسعى ميليشيات الحوثي الإرهابية لإحداث أي اختراقات، وتحقيق أي مكاسب ميدانية، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن «الوطن بحاجة إلى كل جهد، وكل سلاح، وكل موقف صادق، وهو أحوج ما يكون إلى التماسك، وتوحيد الجهود، وتحمل المسؤولية، والتمسك بقيم وثوابت الثورة والجمهورية».

وأضاف: «القيادة السياسية، ممثلة في الرئيس رشاد العليمي، تتابع باهتمام ومسؤولية كل ما يجري، وهناك تواصل مستمر من أجل تعزيز الجبهة الداخلية على كل المستويات وفي كل الجبهات»، مشيراً إلى أن «تلك الأوضاع لن تزيد المخلصين إلا إصراراً على استكمال مشروع استعادة مؤسسات الدولة».


مقالات ذات صلة

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

العالم العربي ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

الحكومة اليمنية تطالب بدعم مالي عاجل لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية وأزمة المناخ، وسط تفاقم الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار ونقص التمويل الدولي

محمد ناصر (عدن)
مسلحون حوثيون خلال حشد للجماعة في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يدعو إلى إنهاء التهديد الحوثي وليس احتواءه

اتهم العليمي الحوثيين بتهديد الملاحة وخدمة أجندة إيران داعياً لحسم الخطر، فيما هاجمت الجماعة المبعوث الأممي واتهمته بالانحياز، مقابل تحذيرات دولية من التصعيد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

تصعّد قوات الطوارئ اليمنية عملياتها ضد تهريب الوقود بضبط عشرات الناقلات وتشديد الرقابة في مسعى إلى حماية الاقتصاد وتقليص السوق السوداء وسط تحديات أمنية كبيرة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تؤكد في مجلس الأمن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الانقلاب وتحذر من تهديد الحوثيين للإقليم مع الدفع بملف الأسرى نحو حل شامل

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

يستمر تدهور القطاع الصحي في اليمن وعجزه عن مواجهة تفشي الأوبئة والأمراض القاتلة، في ظل تداخل صعوبات تفرضها عوامل الحرب والفقر والنزوح والمناخ وضعف التمويل.

وضاح الجليل (عدن)

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

مناورات تشكيل الحكومة العراقية تدخل مرحلة حاسمة

رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

دخلت القوى السياسية العراقية مرحلة حاسمة، مع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، لتكليف مرشح رئاسة الوزراء، في وقت قرر فيه «الإطار التنسيقي» تأجيل اجتماع كان يُنظَر إليه على أنه مفصلي، إلى السبت المقبل، وسط مؤشرات على تفاهمات أولية لم تنضج بعد.

وتنص المهلة، وهي أسبوعان من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية، على تكليف مرشح «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» بتشكيل الحكومة، إلا أن انقسام القوى الشيعية، وتأجيل اجتماعها، قلَّصا فعلياً الوقت المتاح إلى نحو أسبوع، ما يزيد من احتمالات الدخول في أزمة دستورية وسياسية جديدة، في حال عدم التوصل إلى توافق.

خلاف «الكتلة الأكبر»

لا يزال تعريف «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» موضع جدل منذ عام 2010، بين تفسير يعتبرها الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات، وتفسير آخر يرى أنها الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان بعد الانتخابات عبر التحالفات.

وفي هذا السياق، تطرح كتلة «الإعمار والتنمية»، بزعامة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني نفسها، بوصفها الكتلة الفائزة، بينما يتمسك «الإطار التنسيقي» بخيار تشكيل الكتلة الأكبر داخل البرلمان، وهو محل جدل سياسي وقانوني.

ويُعد «الإطار التنسيقي» مظلة سياسية تضم قوى شيعية متعددة، لكنه ليس كتلة برلمانية موحدة؛ إذ تتباين أوزان مكوناته داخل مجلس النواب، رغم اعتماد آلية تصويت متساوية بين قياداته؛ الأمر الذي أسهم في تعقيد عملية اختيار المرشح.

وقال مصدر مطلع إن قادة «الإطار التنسيقي» توصلوا إلى تفاهمات أولية تقضي بأن يحصل المرشح على تأييد ثلثي القيادات، أي 8 من أصل 12، لضمان تمريره بالتوافق.

وأشار إلى أن هذا الاتفاق يحتاج إلى مزيد من الوقت لإنضاجه؛ ما دفع إلى تأجيل الاجتماع.

وأضاف المصدر أن بعض القوى أعلنت الحياد، في انتظار ضمان مكاسب سياسية ضمن أي تسوية مقبلة، بينما تستمر اللقاءات الثنائية في محاولة لإعادة رسم خريطة التوافق قبل اجتماع السبت.

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

مناورات سياسية

تدور المنافسة بشكل رئيسي بين رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إلى جانب أسماء أخرى تُطرح كمرشحين توافقيين. غير أن المالكي أعلن تراجعه عن الترشح، مع احتفاظه بحق تقديم بديل، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل «الإطار».

وطرح المالكي اسم باسم البدري، رئيس هيئة المساءلة والعدالة، كمرشح تسوية، في وقت تراجعت فيه حظوظ أسماء أخرى، مثل رئيس جهاز المخابرات حميد الشطري ومستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، وفق مصادر سياسية.

وقال ضياء الناصري، عضو «ائتلاف دولة القانون»، إن المرشح باسم البدري يمتلك حالياً 6 تواقيع مقابل 3 فقط لمحمد شياع السوداني، مما يفند ادعاءات الأخير بامتلاك «الأغلبية»، مشيراً إلى أن إلى أن الآلية المتفَق عليها داخل «الإطار» تلزم الجميع بالمضي مع أي مرشح يحصد 8 تواقيع، وهو ما لم يتحقق حتى الآن، لافتاً إلى وجود «فيتو» أميركي جديد ضد السوداني، على خلفية بيان يتهم حكومته بالضلوع في «كمين» استهدف القوات الأميركية، في سابقة أدَّت لاستدعاء السفير العراقي في واشنطن، لأول مرة منذ عام 2003، حسب تعبيره.

وكان قصي محبوبة، القيادي في ائتلاف «الإعمار والتنمية»، الذي يقوده السوداني، أوضح أن هناك أنباءً تشير إلى تنازل المالكي لصالح باسم البدري، متسائلاً عما إذا كان المالكي قد اتخذ قراراً فعلياً بـ«التقاعد سياسياً»، والخروج من دائرة الزعامات التقليدية التي تصدَّرت المشهد لسنوات.​

وتساءل محبوبة عن تداعيات هذه الخطوة على التحالفات القائمة، مشيراً إلى احتمال أن يكون هذا التنازل هو «القشة التي ستقسم ظهر (الإطار التنسيقي)»، في إشارة إلى عمق الخلافات أو التحولات التي قد يسببها هذا المتغيّر داخل التحالف الشيعي.

تأثيرات خارجية

تشير أوساط سياسية إلى أن الموقف الأميركي لا يزال عاملاً مؤثراً في مسار الترشيحات، خصوصاً بعد تقارير عن اعتراضات سابقة على بعض الأسماء. كما يبرز العامل الإيراني الذي لا يزال يطل على اجتماعات الغطار التسيني، وفقاً للمصادر، مع توقعات بأن تؤثر نتائج أي مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة على مآلات تشكيل الحكومة.

وفي موازاة ذلك، يزداد تعقيد المشهد، مع صعود عدد من النواب المرتبطين بفصائل مسلحة داخل البرلمان، في ظل ضغوط وعقوبات أميركية متصاعدة على بعض تلك الفصائل.

وفي حال فشل «الإطار التنسيقي» في التوصل إلى مرشح، ضمن المهلة المحددة، قد يضطر رئيس الجمهورية إلى تكليف مرشح الكتلة التي يُتفق على كونها «الأكثر عدداً»؛ ما قد يفتح الباب أمام نزاع قانوني وسياسي جديد.


سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

سكان ضاحية بيروت يستغلون هدنة غير معلنة لتفقد منازلهم

دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
دراجات نارية تمرّ أمام ملصقات تُظهر المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتحرك النازحون من ضاحية بيروت الجنوبية، بحذر وقلق، باتجاه منازلهم. يتفقدون ما حل بها، وعلى عجل، يحاولون سحب جزء من الملابس أو الحاجيات اليومية، ويعودون أدراجهم إلى حيث نزحوا، مستغلين تهدئة هشّة، لا يعرفون ما إذا كانت وهماً، أو حقيقة.

ومنذ التصعيد الكبير يوم الأربعاء في الاسبوع الماضي، لم تتعرض ضاحية بيروت الجنوبية لأي غارة إسرائيلية، رغم أن المسيَّرات لا تفارق أجواءها. نقلت وسائل إعلام عن مسؤول في «حزب الله» أن هناك «ما يبدو أنه تحييد للعاصمة وضاحيتها الجنوبية»، من غير أن يجزم بذلك... لكن الدولة اللبنانية، لم تعلن شيئاً من هذا القبيل، كما لم تعلنه إسرائيل أو الولايات المتحدة، مما أبقى السكان في دائرة القلق.

لكن بين التهدئة غير المعلنة، وغياب الغارات، يتحرك الناس على قاعدة الفرصة المؤقتة، يختبرونها سريعاً، ثم ينسحبون، لأنهم لا يعرفون متى تُقفل مجدداً.

بحث عن عام دراسي

في منطقة المريجة، تختصر زينب هذه المفارقة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «ما يُقال عن تحييد بيروت، لم يمنحها شعوراً حقيقياً بالأمان، لكنه أتاح لها نافذةً صغيرة لاتخاذ قرارٍ ظلّ مؤجلاً». نزلت إلى منزلها، مترددة، محكومةً بحسابٍ دقيق بين الخوف والحاجة، فقط لتجلب الكتب المدرسية لابنتها البالغة من العمر خمسة عشر عاماً.

تقول: «لم يكن النزول قراراً سهلاً، لكنني شعرت بأن عليّ استغلال أي هامش يُقال إنه متاح، مهما كان هشّاً». بالنسبة إليها، لم تكن الخطوة مجرّد إجراء عملي، بل محاولة لحماية ما تبقّى من انتظام حياة ابنتها. وتفصح: «يكفي ما نخسره يومياً من أمان واستقرار، لا أريد أن تخسر عامها الدراسي أيضاً».

داخل المنزل، بدت اللحظة مشحونة بالتناقض. الشوارع هادئة أكثر من اللازم، والحيّ مألوف وغريب في آنٍ معاً. تحرّكت بسرعة، كأنها تختصر الزمن، جمعت الكتب والدفاتر وبعض الحاجيات، وغادرت من دون أن تطيل البقاء. «كان فعلاً من أفعال الأمومة في وجه القلق»، تقول إن التعليم في مثل هذه الظروف يتحول إلى «محاولة للتمسّك بالحياة».

لكن هذا الهامش لا يبدّل في القاعدة العامة، فالأمان لا يزال غائباً. تتعامل زينب مع عناوين التهدئة بحذر، مشيرةً إلى أنها لا تبني عليها «قرارات طويلة الأمد»، بل تتحرك «وفق فرص صغيرة». في نظرها، الهدوء الحالي «ليس طمأنينة، بل صمت ثقيل يسبق المجهول».

مبنى متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في بيروت (د.ب.أ)

نزول خاطف

في بئر العبد، يصف حسن ما جرى خلال الأيام الماضية بأنه «نزول خاطف» لا أكثر. لم تكن عودةً فعلية إلى الحياة، بل لحظات قصيرة اقتنصها الأهالي لاستعادة بعض ما تركوه خلفهم. يؤكد أنّ «الذي كان ينتظر الفرصة، كان ينزل لعشر دقائق أو ربع ساعة بالكاد، يلتقط ما يستطيع، ثم يغادر فوراً».

هذا السلوك، برأيه، يعكس تبدّل حسابات الناس مع امتداد الحرب. «كثيرون نزلوا لجلب ملابس صيفية وربيعية، بعدما ظنّوا في البداية أن النزوح سيكون قصيراً. الآن صار واضحاً أن الأمور قد تطول».

يضيف: «لكن الحاجة ليست وحدها ما يدفع الناس إلى النزول. أحياناً الحنين هو الدافع الأول». يستعيد حسن تجربته الشخصية حين توجّه إلى برج البراجنة، حيث غيّر زيت سيارته. يكشف عن أنّه «لم يكن الأمر مجرد تصليح سيارة، بل محاولة للتمسّك بتفصيل صغير من حياتي الطبيعية». في تلك اللحظة، بدت بعض المحال مفتوحة بشكل متقطّع، في مشهد يعكس إصراراً خجولاً على الاستمرار.

المشهد في الضاحية، كما يصفه، متقلّب ومربك: «في لحظة تشعر بشيء من الأمان، ترى الناس في الشارع أو محالاً مفتوحة، فتقول إن الحياة عادت. لكن هذا الإحساس هشّ. بعض الطرق تشهد حركة محدودة، فيما تبدو أخرى شبه مشلولة، كأنها تعيش بين حالتين: الحياة والتوقف».

بين من ينزل ليتفقد بيته من داخل السيارة فقط، ومن يرفض المخاطرة تماماً، تتباين ردود الفعل. إذ يشدّد على أنّ «الحنين يدفعك إلى النزول، لكن الخوف يوقفك عند أول زاوية».

صدمة في «اللسان تيريز»

في منطقة السان تيريز، تأخذ هذه التجربة منحى أكثر قسوة. يقول أحد أبناء المنطقة إنّه استند إلى ما تردّد عن تحييد بيروت لينزل إلى منزله، مدفوعاً بهامش من الأمان قيل إنه متاح. كان المنزل قد تعرّض لدمار جزئي، لكنه بقي قائماً، ما عزّز لديه الأمل بأن يجد ما تركه كما هو.

تصاعد الدخان عقب غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

يقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم أكن مطمئناً بالكامل، لكنّني شعرت بأن الفرصة قد لا تتكرّر»، مضيفاً أنّه أراد «أن يرى البيت بعينيه بعد أسابيع من الغياب».

لكن اللحظة التي توقّع أن تحمل شيئاً من الطمأنينة تحوّلت إلى صدمة. «فوجئت بأنّ المنزل تعرّض للسرقة، والأغراض لم تعد موجودة». لم تكن الخسارة مادية فقط، بل نفسية أيضاً: «شعرت بأنّ الأمان الذي استندت إليه لم يكن موجوداً أصلاً».

يصف إحساسه عند الوصول بأنه «ثقيل لا يُوصف»، مضيفاً: «ما يُقال شيء، وما نعيشه شيء آخر». بالنسبة إليه، كشفت التجربة عن هشاشة كلّ ما يُبنى على عناوين التهدئة، وطرحت سؤالاً أكبر عن معنى الأمان نفسه في ظل واقع متقلّب.

الضاحية في المنطقة الرمادية

في حارة حريك، يبدو المشهد أكثر ميلاً إلى الحذر. يقول مروان إن الحركة لا تزال «محدودة ومتقطعة، مع غياب أي مؤشر إلى عودة واسعة للسكان. بعض الأحياء شبه خالية، وأخرى تشهد حركة خجولة لا تعكس اطمئناناً فعلياً».

هذا التفاوت، برأيه، يرتبط بتقدير كلّ مجموعة لمستوى المخاطر. «الناس يتصرفون بحذر شديد، هناك من يفضّل التريث، وآخرون يحاولون تدبير أمورهم بالحد الأدنى». لكن العامل الحاسم يبقى القلق، حتى لدى من يخرجون لقضاء حاجاتهم.

في تجربته الشخصية، اضطر مروان إلى النزول لتأمين احتياجات أسرته، خصوصاً الملابس. لم يكن الأمر مجرد تدبير موسمي، بل «استعداداً لمرحلة قد تطول». يقول: «جلبت ملابس صيفية وربيعية لأنني أشعر بأن الحرب لن تنتهي قريباً».

أما عن الإحساس بالأمان، فيصفه بأنه «ارتياح مؤقت سرعان ما يتلاشى». ويرى أنّ «الحديث عن التهدئة يمنح الناس لحظة نفسية أفضل، لكن في داخلهم لا يزالون يتوقعون الأسوأ. لذلك، لا يتصرفون كأن الأمور حُسمت نحو التهدئة».


سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
TT

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)
زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

في صالة مكتظة داخل ملعب في مدينة القامشلي بشمال شرقي سوريا، ينتظر فراس أحمد، مع عشرات الأكراد الذين يحملون مستندات وصوراً شخصية، أن يحين دوره ليتقدّم بطلب الحصول على الجنسية السورية، وهو الحق الذي حرم منه عشرات الآلاف لعقود.

ويقول أحمد (49 عاماً): «الإنسان بلا جنسية يُعتبر من الموتى، تخيّلوا أنني لا أستطيع أن أسجل أولادي، أو البيوت بأسمائنا». ويشرح: «لم يملك جدي الجنسية، وكنا نعيش حتى الآن من دون وثائق» رسمية.

مركز لتلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

على طاولات اصطف أمامها طابور طويل، تناثرت استمارات التسجيل المختومة بشعار الدولة السورية، إلى جانب صور شخصية، ووثائق قديمة، بينما انهمك موظفون حكوميون في تسجيل البيانات، قبل أن تظهر على إحدى الشاشات عبارة «تمت بنجاح»، على ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» في تقرير لها الخميس.

ومنذ الأسبوع الماضي، يتوافد سوريون أكراد من «مكتومي القيد»، وممن لا يملكون أوراقاً ثبوتية رسمية إلى مراكز مخصصة للتسجيل، وتقديم الطلبات في مدن عدة في شمال شرقي سوريا، بينها القامشلي، والحسكة، والمالكية، إضافة إلى أخرى في محافظات حلب، ودير الزور، والرقة، ودمشق، بناء على إيعاز من وزارة الداخلية.

ويأتي ذلك تطبيقاً لمرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير، ونصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، بمن فيهم مكتومو القيد، بعد عقود من حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية.

كما أقر حقوقاً ثقافية ولغوية للأكراد، بينها اعتبار لغتهم «لغة وطنية».

وصدر المرسوم في خضم مناوشات استمرت لأسابيع بين المقاتلين الأكراد الذين كانوا يسيطرون على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا والقوات الحكومية، وانتهت بتوقيع اتفاق أواخر يناير نصّ على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية وقواتها تباعاً في إطار مؤسسات الدولة.

مسنة كردية تقدم طلبها للتجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

وتبعت ذلك خطوات عدة، بينها دخول قوات الأمن إلى مدينتي الحسكة، والقامشلي، ثم تسلم الدولة إدارة مطار القامشلي في فبراير (شباط)، وتعيين القيادي العسكري الكردي البارز سيبان حمو في مارس (آذار) معاوناً لوزير الدفاع عن المنطقة الشرقية، في إطار تطبيق بنود الاتفاق.

«عانينا كثيراً»

وتقول غالية كلش، وهي أم لخمسة أطفال، باللغة الكردية: «عانينا كثيراً من الصعوبات، لم يستطع أولادي الخمسة استكمال دراستهم، ولم يكن بمقدورنا السفر نهائياً».

وتتابع: «حتى الآن منزلنا ليس مسجلاً باسمنا».

وانعكس الحرمان من الجنسية على تفاصيل الحياة اليومية برمّتها، من تعذُّر تسجيل الولادات، وتثبيت الملكيات، إلى صعوبات الدراسة، والتنقل، والعمل، والسفر، ما أبقى كثيرين على هامش الدولة من دون اعتراف قانوني كامل بوجودهم.

ويعود حرمان الأكراد من الجنسية إلى تدابير استثنائية نجمت عن إحصاء مثير للجدل أجري عام 1962 في محافظة الحسكة (شمال شرق)، وتمّ بموجبه سحب الجنسية من عشرين في المائة من المكون الكردي حينها.

وإثر ذلك، عانى الأكراد، الذين يشكلون أساساً نحو مليونين من أصل 20 مليون سوري، من التهميش من جانب الحكومات السورية المتعاقبة، فحرموا طيلة عقود من تعليم لغتهم، والاحتفال بأعيادهم، وممارسة تقاليدهم.

وبحسب تقديرات «شبكة ضحايا انعدام الجنسية» الكردية المحلية في الحسكة، يبلغ عدد مكتومي القيد في سوريا حالياً نحو 150 ألف شخص، وفق ما يشرح عضو الشبكة علي موسى.

ملفات التجنيس... (أ.ف.ب)

ويطالب موسى السلطات بإبداء «مرونة في تطبيق القرار، وتقديم تسهيلات للمقيمين خارج سوريا»، والذين لم يشملهم مرسوم الشرع، مع توفير بدائل، لا سيما أن كثيراً منهم يعانون «صعوبة السفر إلى سوريا بسبب القيود المتعلقة بكونهم طالبي لجوء في بلدان أوروبية، أو تخوفهم على إقامتهم في ظل ظروف الحرب الإيرانية التي أغلقت معظم المطارات بسببها».

ومن المقرر أن تبقي السلطات السورية مراكز التسجيل مفتوحة لمدة شهر.

ويوضح مسؤول شؤون الأحوال المدنية في الحكومة السورية عبد الله العبد الله، أن «المدة المفترضة للتسجيل هي شهر واحد قابل للتمديد». ويضيف: «أهم تعويض لهؤلاء الناس هو اكتساب الجنسية بعد حرمان استمر سنوات».

من أحد مراكز تلقي طلبات التجنيس في القامشلي (أ.ف.ب)

داخل مركز التسجيل، يروي محمّد أيو (56 عاماً) كيف لازمه الإحساس بالعجز باعتباره «مكتوم القيد». ويشرح: «تدرس سنوات طويلة، وفي النهاية يقولون لا شهادة لك»، مشيراً إلى أنه لم يتمكن بعد إنهاء المرحلة الثانوية من الحصول على وثيقة تتيح له متابعة دراسته الجامعية.

ويضيف أيو، الذي يعمل في التجارة العامة، أنّ الحرمان طال أيضاً حقوقاً مدنية أساسية، إذ «لم يكن لدينا الحق في الترشح، أو الانتخاب». ويوضح كيف تعذّر عليه الحصول على شهادة لقيادة السيارة، وحتى الإقامة في فندق في دمشق، كون ذلك تطلب الحصول على «ورقة أمنية» مسبقة.