روسيا تدفع بمئات العسكريين وأسلحة ثقيلة إلى أفريقيا الوسطى

جماعات معارضة تهدد حكم الرئيس المدعوم من موسكو

موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
TT

روسيا تدفع بمئات العسكريين وأسلحة ثقيلة إلى أفريقيا الوسطى

موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)
موكب رئيس أفريقيا الوسطى محاطاً بالحرس الجمهوري ومرتزقة روس وقوات أممية خلال مهرجان انتخابي في بانغي يوم السبت (أ.ف.ب)

اتسعت ملامح الدخول الروسي القوي على خط الأزمة السياسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد «محاولة انقلاب» مزعومة قامت بها ثلاث مجموعات متمردة معارضة للرئيس المنتهية ولايته فوستين أرشانج تواديرا، المدعوم من موسكو، قبل أيام فقط من موعد إجراء انتخابات رئاسية ونيابية جديدة. وأشارت وكالة الصحافة الفرنسية إلى أن الحياة في العاصمة بانغي كانت تسير بنسق عادي أمس، وسط مظاهر تجهيز لعيد الميلاد. لكن يصعب على السكان تجاهل التهديد، إذ لا تزال ذكريات رعب عام 2013 حاضرة في أذهانهم. فحينها، أطاح تحالف جماعات مسلحة ذات غالبية مسلمة تسمى «سيليكا» بالرئيس فرنسوا بوزيزيه، ما خلف مواجهات وسقوط آلاف القتلى في بانغي ومحافظات أخرى.
وأعلن الكرملين، أمس، عن قلقه البالغ مما يجري في أفريقيا الوسطى. وقال الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف، إن موسكو «تتابع تطورات الموقف»، في حين لفتت تقارير إلى نشر مئات العسكريين الروس وزج أسلحة ثقيلة لمساعدة الرئيس فوستين تواديرا على مواجهة التمرد. ورغم أن موسكو حافظت على تكتم حول تحركاتها على المستوى الرسمي، لكن بدا أن تطورات الوضع الميداني دفعت إلى توسيع التدخل في هذا البلد، خصوصاً بعدما هزم المسلحون الذين يحاولون منع إعادة انتخاب رئيس الدولة لولاية ثانية، وحدات القوات المسلحة لجمهورية أفريقيا الوسطى، التي يقاتل معها مرتزقة من شركة «فاغنر» الروسية. وكان المتمردون نجحوا في الاستيلاء على المركز الإداري لمحافظة لوباي، مدينة مبايكي، ما يعني توسيع سيطرتهم على وسط المنطقة الواقعة إلى الجنوب والغرب من بانغي، عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى، التي كانت تعتبر الأكثر أماناً في البلاد.
وقال بيسكوف في إفادة موجزة، أمس، إن «المعلومات التي تأتي من هناك مدعاة للقلق الشديد... على حد علمنا حتى الآن لا يوجد تهديد لحياة المواطنين الروس، لكن هذا هو أحد الأسباب التي تجعلنا نراقب الأخبار الواردة عن كثب».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسي مساء أمس عن دبلوماسي روسي نفيه ارسال جنود إلى جمهورية افريقيا الوسطى. لكن بدا من كلامه أنه ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال أن يكون هؤلاء من المرتزقة.
ومع قيام رواندا التي كانت نشرت وحدات من قوات الفصل في إطار مهمة دولية لحفظ السلام، بإرسال مئات من المقاتلين لتعزيز قواتها التي تعرضت لهجمات، حمل الإعلان عن زج قوات روسية نظامية مؤشراً إضافياً إلى سعي موسكو لتعزيز حضورها العسكري في هذا البلد، بالاستناد إلى اتفاق تعاون عسكري سابق كان الطرفان أبرماه في 2017.
معلوم أن رئيس الجمهورية كان عهد منذ فترة طويلة بالأمن إلى حراس شخصيين وظفتهم شركات عسكرية روسية خاصة.
وقالت تقارير، أمس، إن الجيش الروسي طلب من جميع سكان العاصمة مغادرة المدينة قبل بدء هجوم واسع النطاق. وأشارت إلى أن رئيس الدولة «يخضع لحراسة مشددة من قبل العسكريين الروس».
ووفقاً للمعطيات، فإن المحاولة الانقلابية التي شارك فيها تحالف يضم ثلاث مجموعات مسلحة قوية تهدف إلى عرقلة الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المقرر يوم الأحد (27 ديسمبر/ كانون الأول). وأثار تقدم القوات المتمردة التي تسيطر على معظم البلاد نحو بانغي على طول الطرق السريعة الرئيسية مخاوف لدى الروس من انهيار مفاجئ للسلطات المدعومة من موسكو.
ونقلت وسائل إعلام عن مصدر أمني ومصدر في مطار العاصمة، أن طائرات روسية عدة هبطت في عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى خلال اليومين الماضيين، ونقلت مئات الجنود وأسلحة ثقيلة.
كان رئيس جمهورية أفريقيا الوسطى طلب في عام 2017 من الرئيس فلاديمير بوتين المساعدة في تجهيز القوات المسلحة للبلاد بالأسلحة والذخيرة. وتفيد معطيات بأنه منذ بداية التعاون العسكري مع حكومة جمهورية أفريقيا الوسطى، نشطت روسيا بشكل متزايد في هذا البلد، وانتقلت من التدريبات العسكرية إلى نشر الوحدات في أماكن عدة، وصولاً إلى تشكيل الحماية للرئاسة، ما جعل جمهورية أفريقيا الوسطى تتحول إلى رمز قوي للوجود الروسي في القارة في غضون بضعة أشهر.
كانت وزارة الخارجية الروسية أفادت السبت بأن نائب وزير الخارجية والمبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ميخائيل بوغدانوف، أجرى محادثات مع نظيرته في جمهورية أفريقيا الوسطى سيلفي بايبو تيمون، تم خلالها التطرق إلى «تطورات الوضع في جمهورية أفريقيا الوسطى وحولها، بما في ذلك الانتخابات العامة في هذا البلد». وكانت موسكو تأمل في أن ينجح الرئيس الحالي في تمديد ولايته خلال الانتخابات المقبلة، لكن التحالف من أجل المعارضة الديمقراطية دعا الأحد إلى تأجيل التصويت «حتى استعادة السلام والأمن». وتتهم أوساط روسية الرئيس السابق للبلاد فرنسوا بوزيزيه، الذي يترأس هذا التحالف، بتنظيم التمرد المسلح لإطاحة الرئيس وتأجيل الاستحقاق الانتخابي.
وكان من المفترض أن يكون الرئيس السابق هو المنافس الرئيسي للرئيس الحالي في الانتخابات المقبلة. لكن المحكمة العليا لجمهورية أفريقيا الوسطى منعت سابقاً بوزيزيه من الترشح، لأنه مطلوب في عدد من التهم، بما في ذلك القتل والاعتقال التعسفي والتعذيب. ورغم دعوات المعارضة لتأجيل الانتخابات بسبب اندلاع أعمال العنف، تصر السلطات على إجراء التصويت في موعده.
وقال المتحدث باسم الحكومة أنج مكسيم كازاجي، «لا توجد خطة بديلة. ستجرى الانتخابات في 27 ديسمبر (كانون الأول)».
في غضون ذلك، اعتبرت فرنسا، الاثنين، أن إجراء الانتخابات في موعدها الأحد ضروري لتجنب أي «فترة من عدم الاستقرار من شأنها إعادة تفعيل مشاريع البعض للاستيلاء على السلطة بالقوة»، حسب ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر بالرئاسة الفرنسية. ورفض المصدر التعليق على التعزيزات التي أرسلتها كل من روسيا ورواندا، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة «قامت بمهمتها بشكل جيد في الأيام القليلة الماضية».

موسكو تعزز حضورها في أفريقيا عبر الاقتصاد و«المرتزقة»
> تشير وسائل إعلام إلى أن توسيع روسيا وجودها في أفريقيا، عبر مجموعات «فاغنر» التي نشطت بشكل واسع في عدد من البلدان الأفريقية، شكل في كثير من الحالات مقدمة لحضور عسكري مباشر للجيش النظامي الروسي.
وكانت الالتفاتة الروسية القوية نحو أفريقيا بدأت تأخذ مساراً متسارعاً منذ عام 2012 بعد عودة الرئيس فلاديمير بوتين إلى مقعد الرئاسة. في ذلك الحين قال بوتين إن تقوية العلاقات مع البلدان الأفريقية يعد إحدى أولويات السياسة الخارجية الروسية.
ولا يخفى أن موسكو تستند في تعزيز وجودها في أفريقيا بشكل عام، إلى علاقات تاريخية ربطتها بدول القارة الأفريقية منذ عهد الاتحاد السوفياتي. لكن خلافاً لعهود تحكمت فيها مساعي الترويج والداعية الآيديولوجية، فإن البراغماتية والمصالح المباشرة، خصوصاً لدى عدد من الجمهوريات الأفريقية لتنويع خياراتها في السياسة الخارجية، غدت العنصر الحاسم لتعزيز هذا النهج. وأثار الطموح الروسي مخاوف القوى الغربية من تمدد موسكو في القارة السمراء، وانسحب هذا على «التنافس» الروسي - الفرنسي في أكثر من بلد أفريقي، بينها أفريقيا الوسطى، وعلى التنافس كذلك مع الولايات المتحدة التي يقول خبراء روس إن نفوذها انحسر بقوة خلال سنوات. وتعزز روسيا صلاتها السياسية في المنطقة، إذ زار 12 قائداً أفريقياً البلاد منذ عام 2015. وشهد عام 2018 وحده ست زيارات. وتوجت روسيا هذا المسار العام الماضي بتنظيم أول قمة روسية - أفريقية في سوتشي.
وتعد روسيا شريكاً دفاعياً مهماً في أفريقيا، وهي أكبر مورد للسلاح في المنطقة. ومنذ عام 2014، وقعت اتفاقيات تعاون عسكري مع حوالي 19 دولة أفريقية. وأبرمت روسيا اتفاقات مع أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية خلال عامي 2017 و2018.
وكان أحدث إعلان عن اتفاق عسكري ضخم مع دولة أفريقية هو الاتفاق الذي قالت موسكو إنه تم إبرامه أخيراً مع السودان لإقامة قاعدة عسكرية بحرية روسية في بورتسودان.
لكن التعاون العسكري مع بلدان القارة لا يقتصر على البعد الرسمي والنظامي، إذ تشير تقارير إلى تعزيز النشاط القوي لشركات عسكرية روسية خاصة في العديد من البلدان الأفريقية، التي تأمل موسكو بالحصول على مكاسب سياسية واقتصادية واسعة فيها. ومع أن أفريقيا الوسطى كانت بين أوائل البلدان التي تم الكشف فيها عن إرسال وحدات من «مرتزقة فاغنر» لتحويل مسار العمليات العسكرية في جولات من الاقتتال الداخلي فيها، لكن نشاط هذه المجموعات امتد ليشمل عدداً واسعاً جداً من البلدان الأفريقية الأخرى.
ومثلما كان الحال في أفريقيا الوسطى، فقد مهد دخول «المرتزقة» في حالات عديدة أخرى لتوسيع حضور «الخبراء» العسكريين الروس أو وحدات تابعة للجيش النظامي.



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).