تصنيف الحوثيين وتصعيدهم... عندما تتداخل الصورة «الأكبر» للصراع مع التفاصيل

تجمع حوثي في صنعاء (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء (رويترز)
TT

تصنيف الحوثيين وتصعيدهم... عندما تتداخل الصورة «الأكبر» للصراع مع التفاصيل

تجمع حوثي في صنعاء (رويترز)
تجمع حوثي في صنعاء (رويترز)

تراقب عواصم العالم عن كثب مرحلة المخاض التي دخلها النظام الدولي، في أعقاب الانتخابات الأميركية.
اليمن كغيره من البلدان يدرس المشهد العام ليرسم ما يجدر اتخاذه من أجندة خلال التعامل مع الإدارة الأميركية المقبلة.
الصراع الذي بدأ في البلاد منذ سبتمبر (أيلول) 2014، نهش آمال الشعب اليمني الذي لم يرَ «أسوأ» من كابوس الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران منذ نشأة الجمهورية عام 1964، والاستقلال جنوباً من الاستعمار البريطاني عام 1967.
خلال هذا العام، شهد اليمن منعطفات مهمة تصاعدت خلال الشهرين الماضيين، وحتى عند الباحثين، يبدو أن الصورة «الأكبر» للصراع بدأت تتداخل مع التفاصيل، سيما في مسألة تصنيف واشنطن الحوثيين جماعة إرهابية.
من الرياض، سألت «الشرق الأوسط» الدكتور هشام الغنام، وهو متخصص سعودي في السياسة والعلاقات الدولية، ويعمل كبيراً للباحثين بمركز الخليج للأبحاث عن مسألة التصعيد الأخيرة، فقال: «من أهم الأسباب برأيي هو أن ضربة أميركية تجاه المنشآت النووية الإيرانية ما زالت على الطاولة، رغم الأخبار التي تتردد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلقى تحذيراً من أن أي هجوم على المنشآت النووية الإيرانية يمكن أن يتحول بسرعة إلى صراع أوسع نطاقاً يؤجج معظم أنحاء الشرق الأوسط، كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد تنفيذ ضربة خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية من أجل قتل الاتفاق النووي تماماً، وحتى يصعب إحياؤه أو إرجاعه مرة أخرى. وفي حالة أي رد إيراني، يمكن لإدارة ترمب أيضاً أن تتدخل عسكرياً حماية لإسرائيل. لذلك بالنسبة للإيرانيين فالتصعيد في هذه المرحلة، وحتى قدوم إدارة بايدن يبدو خياراً منطقياً، لكن هذا لا يعني أنه سيكون خياراً ناجحاً أو سيمنع إسرائيل أو حتى الولايات المتحدة من استهداف المنشآت النووية الإيرانية بطريقة أو أخرى».
في واشنطن، نشرت وسائل إعلام أميركية عن نقاشات إذا أراد المتأمل أن يسميها بلطف، حول تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية. وإذا كان المتأمل أكثر واقعية، فقد يقرأها على أنها «جدل بين الموظفين في الخارجية وأولئك الذين يأتون ويذهبون مع تغير الإدارة»، وفق دبلوماسي سابق فضل عدم الإشارة إلى اسمه. النقاش بحد ذاته أو الجدل في الخارجية الأميركية وأي جهاز حكومي ذي صلة في الولايات المتحدة حول تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية يشي بأن الاستراتيجية السابقة التي كانت تركز على خلق عناصر جذب لبعض الحوثيين للتخلي عن إيران أصبحت فكرة تقع بين مرحلتي «السذاجة» و«المستحيل»، وفقاً للدبلوماسي نفسه.
- لماذا الآن؟
في صنعاء، يقيم عبد الرضا شهلائي مساعد قاسم سليماني الذي كان قاب قوسين أو أدنى من اللحاق به في الليلة نفسها التي قتل فيها بضربة أميركية ببغداد مطلع العام الحالي، وهو عضو في الحرس الثوري، المنظمة الإيرانية المصنفة إرهابية في واشنطن، وجاء ظهور «السفير» الإيراني المزعوم حسن إيرلو وهو عضو في الحرس الإيراني أيضاً مفسراً لليمنيين أسباب تصعيد عسكري غير مبرر من الحوثيين، من ناحية الإصرار على استهداف مناطق مدنية سعودية وأخرى يمنية بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة من دون طيار، فضلاً عن شن هجمات بزوارق مفخخة على ناقلات في البحر الأحمر وزرع مزيد من الألغام البحرية، إلى جانب المحاولات العبثية لتحقيق نتائج على الأرض في جبهات مأرب والجوف.
من عمّان، يقرأ محمود شحرة وهو الملحق الإعلامي لليمن بسفارة اليمن في الأردن تصعيد الحوثيين الأخير على أنه «اعتقاد إيراني بأن التحالف سيفقد دعم الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة جو بايدن»، واعتبر شحرة هذه القراءة غير دقيقة على الإطلاق، معللاً بأن «إدارة بايدن لا تختلف عن مثيلاتها، فهي ما زالت تعتبر النظام الإيراني نظاماً يهدد الأمن والسلم الدوليين».
ويقول الملحق الإعلامي اليمني في الأردن: «من الصعب أن يبدأ بايدن بخطوات جريئة للتقارب مع إيران، فالنخب الأميركية ما زالت تعتقد أن إيران دولة متطرفة، وفي القانون الأميركي والتشريعات الرسمية الحرس الثوري مصنف منظمة إرهابية».
وأضاف شحرة أن «العلاقات والتنسيق التاريخي الكبير بين السعودية والولايات المتحدة واسع على كل المستويات فيما يتعلق بالوضع الأمني والاقتصادي والسياسي في المنطقة».
- «كرة سياسية»؟
في عدن، احتشد 15 ألف شخص، ليس للتظاهر أو الاحتجاج، بل لحضور مباراة كرة قدم فاز فيها فريق «الوحدة» على نظيره «التلال» بهدف واحد، بمناسبة ذكرى الاستقلال «30 نوفمبر».
يقول الدكتور حمزة الكمالي وكيل وزارة الشباب والرياضة اليمني: «الفائز الحقيقي هو تلك الجماهير الكبيرة التي احتشدت بملعب (الشهيد الحبيشي)... المباراة أعادتنا إلى الزمن الماضي الجميل».
ولكن ما دخل الكرة بالمشهد السياسي؟ سألت «الشرق الأوسط»، فأجاب الوكيل: «إنه استئناف لتطبيع الحياة بعدن، وللتأكيد على رسالة السلام والاستقرار في العاصمة المؤقتة، والمضي في تنفيذ أجندة الحكومة المتمثلة في الاستقرار والخدمات وعودة الحياة الطبيعية في عدن».
وبسؤاله عن التصعيد الحوثي الإيراني في هذا التوقيت، يقول الكمالي الذي شارك كعضو بالفريق الإعلامي للحكومة اليمنية في مشاورات السويد: «في تصوري؛ يعد التصعيد تأكيداً للسيطرة الإيرانية الكاملة على القرار السياسي والعسكري داخل صنعاء، وما يفعله الإيرانيون في المرحلة الانتقالية مع صعود جو بايدن، ويبدو أن النظام الإيراني يريد استخدام الحوثيين أداة أو ورقة لإرسال رسالة لواشنطن مفادها (نحن هنا) فتعالوا لنتفاوض، وهذا يخرج الحوثيين من القرار السيادي الذي يدّعونه».
ويعرج الوكيل على فرضية انفصال الحوثيين عن إيران، ويقول: «هذا يضع التحليل السابق الذي كان يذهب إليه البريطانيون والأميركان بأن الحوثيين من الممكن أن ينفصلوا عن إيران في موضع شك، فهم يوماً بعد يوم يثبتون مساعيهم في تحويل اليمن إلى قاعدة إيرانية خالصة في خاصرة العالم العربي».
- الخطاب يترجم التباينات
يظهر لمراقبي المشهد اليمني تبايناً في الخطاب الذي تحرص الأطراف الفاعلة والمنخرطة على تقديمها، فالخطاب الذي يترجم أفعالاً تذهب إلى التسوية يختلف عن ذلك الذي ينشر التزييف والحض على الموت.
ومن دون العودة إلى المراجع والمصادر، يكفي انطباعياً قراءة خطاب الحكومة اليمنية الذي يصب دوماً نحو التسوية ودعم المبعوث الأممي إلى اليمن ومساره للتسوية، ودعوات للحد من «كارثة صافر» المحيقة بالبيئة والاقتصاد، فضلاً عن انخراط إيجابي في اتفاق الرياض ومكافحة «كورونا».
أمام ذلك، يركز الخطاب الحوثي على خلق انتصارات وهمية في الجبهات خصوصاً مأرب والجوف، وإعلانات إطلاق هجمات ضد مناطق سعودية ومنشآت حيوية (أحبط التحالف أكثر من 99 في المائة منها)، مقابل تشييع مئات القتلى، ما يكشف تشوش الصورة التي لدى أتباع الجماعة، فضلاً عن مراوغات سياسية حيال ملفات الأسرى والمعتقلين، وعرقلة الوصول إلى «صافر»، فضلاً عن إيجاد الصعوبات تلو الأخرى أمام الإعلان المشترك.
ولعل هذه القراءة لم تركز على جرائم سرقة المال العام والطعام والبنك المركزي اليمني من قبل الحوثيين، فضلاً عن حالات انتهاك حقوق الإنسان بشكل عام وزرع الألغام وتجنيد الأطفال، وهي سلوكيات لم تكن جديدة منذ مطلع العام، فهي وفق التقارير اليمنية منهج حوثي منذ بدء الانقلاب.
أما خطاب التحالف، فيجد المتابع أنها جهود تدفع إلى السلام والتوافق والتسوية. فمنذ مطلع العام، أعلن هدنة أحادية استمرت 6 أسابيع ووجدت ترحيباً واسعاً من المجتمع الدولي، وكانت استجابة لإعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بوقف صراعات العالم، ووجد ذلك ترحيباً دولياً وتهرباً حوثياً. كما برز دعم التحالف اتفاق الرياض ومساعدة الأطراف اليمنية على التوافق بآلية تسريع لتنفيذ الالتزامات.
وتجدر الإشارة إلى أن غالبية العمليات العسكرية التي ينفذها التحالف كانت دفاعية ضد الهجمات الحوثية على الجبهات، أو لتحييد القدرات النوعية التي حصل عليها الحوثيون بمساعدة إيران، فضلاً عن إحباط 166 لغماً بحرياً زرعتها الميليشيات بشكل عشوائي في جنوب البحر ومضيق باب المندب ونحو 54 عملية صد لهجمات بزوارق حوثية مفخخة.
إضافة إلى ذلك، ركزت السعودية على جملة مشاريع تنمية وإعمار وصلت إلى 193 مشروعاً في 14 محافظة، بحسب «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، الذي نفذ 25 مشروعاً للطاقة، و33 مشروعاً للمياه، بينما كان نصيب النقل 35 مشروعاً، والصحة 23 مشروعاً. كما نفذ البرنامج السعودي 14 مشروعاً لتشييد وتأهيل 14 مبنى حكومياً، إضافة إلى 40 مشروعاً للتعليم، و16 مشروعاً للزراعة والثروة السمكية، و8 برامج تنموية أخرى.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.