«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

6 مجموعات من الأعراض تُستخدم للتنبؤ السريري المبكر بمساره

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟
TT

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

«كوفيد ـ 19»... هل سيغدو مرضاً طويل المدى؟

مع استمرار الجائحة العالمية «كوفيد- 19» لأكثر من عشرة شهور، من بداية ظهورها في مدينة ووهان الصينية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019، من دون التوصل لعلاج أو لقاح، بدأ العلماء والخبراء يتساءلون ما إذا ستصبح هذه الجائحة مرضاً طويل المدى!
- جائحة طويلة المدى
ولتحديد ذلك، لا بد من وضع تعريف علمي للجائحة طويلة المدى، ومن ثم تحديد طرق إدارتها وعلاجها؟ المجلة الطبية البريطانية (BMJ) نشرت في السابع من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي 2020 خلاصة ما اتفق عليه فريق الخبراء الذين شاركوا في ندوة عُقدت عن بُعد حول التعريف والتشخيص والإدارة لـ«كوفيد طويل المدى long covid» مع الاستراتيجيات المقترحة للتعامل مع هذا الوضع الصحي الجديد، فهناك ما يقرب من 10 في المائة من الأشخاص يعانون من مرض طويل الأمد بعد الإصابة بفيروس «كوفيد- 19». يتعافى عديد منهم تلقائياً (وإن كان ببطء) مع تقديم الدعم الشامل والراحة، وعلاج الأعراض والزيادة التدريجية في النشاط.
- التعريف
عضوة فريق الخبراء الدكتورة نسرين علوان، أستاذة مشاركة في الصحة العامة «جامعة ساوثهامبتون University of Southampton» ولديها خبرة شخصية في المرض، عرَّفت مرض «كوفيد طويل الأمد» بأنه مرض لا يتعافى منه المصاب بعد عدة أسابيع أو أشهر من بدء الأعراض التي دلت على الإصابة بالفيروس، سواء تم عمل الاختبار أم لا.
وأضافت أن «التعب الشديد Profound fatigue» كان من الأعراض الشائعة لدى معظم الأشخاص الذين يعانون من مرض «كوفيد- 19»، من بين مجموعة واسعة من الأعراض الأخرى التي تشمل السعال، وضيق التنفس، وآلام العضلات والجسم، وثقل الصدر أو الشعور بالضغط عليه، وأيضاً الطفح الجلدي، والخفقان، والحمى، والصداع، والإسهال، والشعور بوخز الدبابيس والإبر.
- طبيعة المرض متأرجحة
وأهم ميزة شائعة جداً في مرض «كوفيد طويل الأمد» هي طبيعة المرض المتأرجحة والمتقلبة بين الشعور بالتعافي ثم عودة أعراض المرض. ووصفت الدكتورة علوان هذه التقلبات بأنها حلقة مستمرة من خيبة الأمل، ليس فقط للمريض المصاب، ولكن للأشخاص المرافقين له الذين ينتظرون حقاً أن يتعافى.
من جهة أخرى، وصف البروفسور بول غارنر الأستاذ بمركز تجميع الأدلة للصحة العالمية، بكلية ليفربول للطب الاستوائي، ومحرر منسق بمجموعة «كوكرين Cochrane» للأمراض المعدية، ولديه خبرة شخصية في مرض «كوفيد- 19»، وصف «كوفيد طويل الأمد» بأنه «مرض غريب جداً» جعله شخصياً يشعر «بضربات متكررة من المرض» في الشهرين الأولين من الإصابة، ثم عانى من نوبات أقل في الأشهر الأربعة اللاحقة مع التعب المستمر؛ حيث إن وسائل المساعدة أمر صعب حقاً.
وسلط الدكتور نيك بيترز، أستاذ واستشاري أمراض القلب في «إمبريال كوليدج لندن» الضوء على موضوع التمييز بين الأشخاص المرضى «جداً» الذين تعافوا إلى حد ما، وتركوا يعانون من بعض تأثيرات مرضهم الشديد، مقابل أولئك الذين أصيبوا بمرض خفيف نسبياً منذ البداية، فظل المرض مستمراً معهم.
- دراسة حديثة للأعراض
أشار البروفسور تيم سبيكتور، أستاذ علم الأوبئة الجينية في «كينغز كوليدج لندن King’s College London» ورئيس دراسة أعراض فيروس كوفيد (Covid Symptom Study) التي نشرت في المجلة الطبية البريطانية (BMJ2020;370)، إلى أن فريق الدراسة قد حدد 6 مجموعات من الأعراض لـ«كوفيد- 19» والتي يمكن استخدامها كأداة للتنبؤ السريري للمرض.
وكان اثنان منها مرتبطين بأعراض طويلة المدى، مما يشير إلى طريقة محتملة للتنبؤ مبكراً بما قد يحدث في مسار المرض. وأضاف أن من يعاني من: سعال مستمر، صوت أجش، صداع، إسهال، فقدان الشهية للطعام، وضيق في التنفس في الأسبوع الأول، من المرجح مرتين إلى ثلاث مرات أنه سيصاب بأعراض طويلة المدى. وقد أشارت الأنماط التي حددت في بيانات هذه الدراسة إلى أن فيروس «كورونا» الطويل كان شائعاً بين النساء بمقدار الضعف مقارنة بالرجال، وأن متوسط عمر المصابين به كان أكبر بحوالي أربع سنوات من المصابين الذين لديهم ما يمكن تسميته «كوفيد قصير المدى short covid». كما وُجد في هذه الدراسة أن هناك مجموعات من أعراض مختلفة للمرض بحسب الفئات العمرية المختلفة، وعليه يمكن أن تكون هناك أعراض مختلفة لدى الشباب مقارنة مع الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 65 عاماً. ومع مزيد من هذه النتائج، سوف يكون الأطباء قادرين على تقسيم الأعراض إلى مجموعات، والعمل على ضوئها، وسيكون ذلك مثيراً للاهتمام للغاية، ويساعد في الحصول على تدخلات مبكرة للفئات المعرضة للخطر.
وقد أظهرت نتائج هذه الدراسة، أيضاً، أن «التعب fatigue» كان السمة الأكثر شيوعاً لدى الأشخاص الذين ظهرت عليهم الأعراض بعد ثلاثة أسابيع، وأن حوالي 80 في المائة من الأشخاص الذين عانوا من أعراض استمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع أفادوا بأنهم «مروا بأيام جيدة وأخرى سيئة صحياً».
- مجموعات الأعراض
تم تطوير تطبيق هذه الدراسة بواسطة «كلية كينغز لندن» بالتعاون مع شركة «التكنولوجيا الصحية ZOE» ولديهم أكثر من 4 ملايين مستخدم. تم تسجيل الأعراض من المملكة المتحدة والولايات المتحدة والسويد. المجموعات الست هي:
1. شبيه الإنفلونزا من دون حمى Flu-like with no fever: مع عدم وجود حمى - صداع، فقدان حاسة الشم، آلام في العضلات، سعال، التهاب في الحلق، ألم في الصدر.
2. شبيه الإنفلونزا مع حمى Flu-like with fever: مع حمى - صداع، فقدان حاسة الشم، سعال، احتقان في الحلق، بحة في الصوت، فقدان الشهية.
3. صداع- معدي معوي Gastrointestinal-headache: صداع، فقدان حاسة الشم، فقدان الشهية، إسهال، احتقان في الحلق، ألم في الصدر، عدم وجود سعال.
4. المستوى الأول الشديد من التعب Severe level one fatigue: صداع، فقدان حاسة الشم، سعال، حمى، بحة في الصوت، ألم في الصدر، إرهاق.
5. المستوى الثاني الشديد من الارتباك Severe level two confusion: صداع، فقدان الشم، فقدان الشهية، سعال، حمى، بحة في الصوت، التهاب الحلق، آلام الصدر، التعب، الارتباك، آلام العضلات.
6. المستوى الثالث الشديد، بطن وجهاز تنفسي Severe level three، abdominal and respiratory: صداع، فقدان حاسة الشم، فقدان الشهية، سعال، حمى، بحة في الصوت، ألم في الحلق، ألم في الصدر، إرهاق، ارتباك، ألم عضلي، ضيق في التنفس، إسهال، آلام في البطن.
- تفاوت المجموعات
وجد الباحثون أن 1.5 في المائة من الأشخاص في المجموعة (1) و4.4 في المائة من الأشخاص في المجموعة (2) يحتاجون إلى دعم تنفسي. أما المجموعة (3) فلها أعراض مَعِدِيَّة معوية أقوى، وتحتاج إلى دعم تنفسي في 3.7 في المائة. ومع ذلك، كان معدل زيارات المستشفى المصاحب مرتفعاً في المجموعة (3) (23.6 في المائة) مقارنة بالمجموعتين 1 و2 (16.0 في المائة و17.5 في المائة).
وتضمنت المجموعات 4 و5 و6 مشاركين أبلغوا عن أعراض أكثر شدة للمرض مع 8.6 في المائة و9.9 في المائة و19.8 في المائة تتطلب دعماً تنفسياً، على التوالي. ما يقرب من نصف المرضى في المجموعة (6) انتهى بهم المطاف في المستشفى (45 في المائة)، مقارنة بـ16 في المائة فقط من المرضى في المجموعة (1).
وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين يعانون من أعراض المجموعة 4 أو 5 أو 6 يميلون إلى أن يكونوا أكبر سناً وأكثر ضعفاً، وكانوا أكثر عرضة لزيادة الوزن، ولديهم حالات موجودة مسبقاً، مثل مرض السكري أو أمراض الرئة من أولئك الذين يعانون من أعراض النوع 1 أو 2 أو 3.
قال رئيس الدراسة تيم سبيكتور، إن نتائج هذه الدراسة تعد أقوى أداة لدينا ضد «كوفيد- 19»، وتتيح التنبؤ مبكراً بالإصابة وبأي مجموعة وقع فيها المريض، وخطر حاجته إلى رعاية مركزة بالمستشفى للدعم التنفسي أو فقط الدعم والتدخل المبكر، مثل مراقبة مستويات الأكسجين والسكر في الدم، والتأكد من أنها رطبة بشكل صحيح، كما يمكن تقديم رعاية بسيطة في المنزل وتقليل دخول المستشفى وإنقاذ الأرواح.
- استراتيجيات مقترحة للتعامل مع «كوفيد طويل المدى»
قام كل من الدكتورة تريشا رينهالغ، أستاذة الرعاية الصحية الأولية في قسم «نافيلد Nuffield» لعلوم الرعاية الصحية الأولية بجامعة «أكسفورد»، والدكتور ماثيو نايت، استشاري الجهاز التنفسي، اللذان يعملان في عيادة المتعافين من «كوفيد طويل المدى»، بكتابة بروتوكول إدارة فيروس «كوفيد- 19» في الرعاية الأولية، ونشر أخيراً في المجلة الطبية البريطانية (BMJ 2020;370:m3026) وهو متاح لكافة الأطباء.
ومما يتضح أن ما بعد الإصابة الحادة بـ«كوفيد- 19» يعتبر مرضاً متعدد الأنظمة، يتطلب تقييماً سريرياً شاملاً للمريض الذي تأخر تعافيه من نوبة «كوفيد- 19»، وتم علاجه في مستشفى عادي.
بشكل عام، يمكن تقسيم هؤلاء المرضى إلى أولئك الذين قد يعانون من تبعات خطيرة، مثل مضاعفات التخثر الدموي، وأولئك الذين لديهم صورة سريرية غير محددة، وغالباً ما يشكون من التعب وضيق التنفس، ومجموعة ثالثة يحتاجون لإعادة التأهيل المتخصص لمرضى «كوفيد- 19» الذين أُدخلوا العناية المركزة.
ومن أهم متطلبات هذه المرحلة ما يلي:
- طمأنة الأطباء العامين إلى أن لديهم المهارات السريرية لمقابلة هؤلاء الأشخاص، مثل الاستماع إلى المريض، وتوثيق الأعراض، وكيف تتغير وكيف تتقلب، والتنبيه إلى الأعراض التي قد توحي بأنهم بحاجة إلى الإحالة للمركز المتخصص. فعلى الرغم من أن عديدًا من المرضى الذين يحالون إلى عيادات «كوفيد الطويل» كانوا يتحسنون ببطء، فإن بعضهم لم يكونوا بحاجة ماسة للإحالة من الرعاية الأولية؛ حيث إن التحسن سيكون تدريجياً، وإذا لم يحدث تتم الإحالة من أجل الفحوصات المتخصصة والمراقبة الدقيقة.
- على الشخص الذي يعاني من مرض «كوفيد- 19» أن يكون ملماً بأنماطه الحياتية، ويتعلم ما الذي يسبب الإرهاق له أو الأعراض الأخرى، ويحاول تجنب تلك المسببات، مع التأكيد على إمكانية التغلب على هذا الفيروس والبدء في استيعابه. فبمجرد القبول به، يصبح الأمر أسهل نوعاً ما.
- على نطاق أوسع، يجب دمج حالات فيروس «كورونا» الطويل في إحصائيات «كوفيد- 19».
- تحديد وقياس فيروس «كورونا» الطويل بالطريقة نفسها التي يتم التعامل بها مع نتائج الاختبارات الأكيدة والوفيات.
- دعوة المتخصصين إلى العمل معاً لوضع إرشادات أفضل حول كيفية تحسين التحقيق في المرضى الذين يعانون من أعراض دائمة. الاتصالات السريعة متعددة التخصصات مطلوبة هنا.

- استشاري في طب المجتمع


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.