حسن ناظم لـ«الشرق الأوسط»: مهمتي العاجلة إصلاح الهيكل الإداري المهترئ للوزارة

أول وزير للثقافة العراقية خارج المحاصصة الطائفية والحزبية

د. حسن ناظم
د. حسن ناظم
TT

حسن ناظم لـ«الشرق الأوسط»: مهمتي العاجلة إصلاح الهيكل الإداري المهترئ للوزارة

د. حسن ناظم
د. حسن ناظم

استبشر المثقفون العراقيون خيرا باستيزار الدكتور حسن ناظم، الناقد والمترجم والأستاذ الجامعيّ. فهي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار وزير ثقافة بعيداً عن المحاصصة الطائفية والحزبية.
عمل د. حسن ناظم في السلك الأكاديمي منذ عام 1996. فدرّس اللغة العربية وآدابها في جامعات ومعاهد عربية، وأشرف على أطروحات أكاديمية وبحوث في جامعات عربية وبعض مراكز البحوث الغربية، كما كتب مقرراً دراسياً للكلية الإسلامية للدراسات العليا وجامعة ميدلسكس في لندن. قام بتدريس الأدب الحديث والبلاغة ومواد أخرى ذات صلة باللغة العربية وآدابها. وعمل قبل اسيزاره باحثاً زائراً في جامعة جورج تاون، ومديراً لكرسي اليونيسكو في جامعة الكوفة. وكان قد أصدر عدداً من المؤلفات في اللغة والأدب، إضافة إلى ترجمته لعديد من الكتب. هنا حوار معه عن رؤيته وبرنامجه كي تكون وزارة الثقافة «وزارة للمثقفين» فعلاً، كما صرح بعد تسنمه منصبه:

> وأنتم تتسلّمون حقيبة الثقافة كأول وزير مستقل، هل ليدكم تصور كامل عن وضع الوزارة؟ هل أعددتم تصوراً عما ستكون عليه، باعتبارها ذات اختلاف بين عن بقية الوزارات من حيث التوجه والاستراتيجية وطبيعة العمل؟
- أنا ابن الوسط الأكاديمي والثقافي ومعرفتي بعمل وزارة الثقافة تمتد إلى الثمانينيات وكانت الحرب بين العراق وإيران مشتعلة. وكان للوزارة سياستها ومنهجها اللذين كرّسا للحرب ودعمها، حتى أن هناك قرارات وتوجيهات اتخذت من قبل الوزارة بنسب مئوية لدعم حظة الحرب آنذاك... بعد التغيير في 2003 كانت هناك سياسات مختلفة، لكن في هذا التاريخ كانت الوزارة قد شملها اضطراب وفوضى وفساد وغير ذلك، شأنها شأن الوزارات الأخرى منذ عهد بريمر وحتى تشكيل الحكومات المتعاقبة، في كل مرة تأتي موجة واتجاهات تلف هذه الوزارة وكوادرها وسياستها؛ ولم ينظر إليها كوزارة أساسية ومهمة، في خلق بيئة تلائم اللحظة السياسية والنظام السياسي الجديد الذي جاءت به، هذه هي المشكلة الكبرى في نظري.
في ظني أن الوزارة لم ينظر إليها على أنها عمود أساس في خلق بيئة ورأي عام ليس في العراق وحده بل يكون عابراً إلى الحاضنة العربية والحاضنة الإقليمية. ثقافة العراق ممتدة ومتواشجة مع دول الجوار الأخرى كتركيا وإيران، وإن كان الأساس فيها هي حاضنتها العربية. ومنذ لحظة تغير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في العراق، بقيت الوزارة تعمل بشكل روتيني، وتستل قيم وأساليب النظام السابق وكأن هناك شيئاً يسري فيها لا يمكن تغييره. هناك مسلكية وروتينية بالعمل وإن كان في أنشطة مختلفة وبوجوه مختلفة. واحدة من رؤى هذه الوزارة هي محاولة تغيير الأساس الذي تعمل عليه، ليس فقط بإجراء تغييرات هنا وهناك على مستوى الهيكل الإداري، بل على أساس الرؤية التي تقوم عليها. أنا أعتقد أن أهم شيء هو أن تكون هناك برامج تؤسس لهذا التغيير الذي حصل ليكون إيجابياً كي لا تتحدر الوزارة، شأنها شأن وزارات أخرى في مقاومة هذا التغيير بطريقة أو بأخرى، وبالتالي لا يكون لها إسهام في هذا التغيير الذي حدث في العراق. أنا أعتقد أن التحديات ربما تثبط الهمم، خصوصاً أن عمر هذه الحكومة قصير، وتحديات الوضع المالي للبلد وأسعار النفط وأيضاً تداعيات جائحة كورونا. يجب أن تتم بلورة البرامج مع أولئك الذين يرغبون في الانخراط معنا سواء في العراق أو خارج العراق، وأنا أزعم أن هناك رغبة ووضعاً مريحاً من ناحية وتحديات من ناحية أخرى، وهناك رغبة إقليمية من دول الإقليم وخاصة في الخليج العربي، للتعاون مع العراق في إعادة بناء ما دُمّر بالعمليات الإرهابية.
> هل لنا أن نتعرف على أبرز نقاط برنامجك الوزاري؟
- هناك برنامج وزاري مُقر من قبل الوزارة السابقة، وهو بالمجمل فيه نقاط جيدة إذا ما تسنى تطبيقها، أنا أعتقد أن كل وزير عندما يراقب مسألة بلورة أهداف أساسية يضع في اعتباره - ما دامت هذه الحكومة التي شكلت في أزمة وبعد احتجاج واستقالة حكومة سابقة، لا تتمتع بالمدة الكاملة أو التمويل المناسب أو الظروف الطبيعية - ضرورة إجراء تكييفات لتحقيق الأهداف... يعني علينا أن نطمح أكثر مما نستطيع وإلا لن نحقق شيئاً. علينا أيضاً إعادة بناء بعض ما دمرته المجموعات الإرهابية وعلى رأسها «داعش». وهناك، كما قلت، رغبة في دول الجوار وبالأخص دول الخليج العربي لدعم وتوفير وتمويل بعض المعالم التاريخية العراقية في إعادة بنائها أو ترميمها. وأبرز شاهد على ذلك هو المنحة الإماراتية بالتعاون مع اليونيسكو، الجهة المنفذة، وبإشراف وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية لإعادة بناء جامع النوري في الموصل والمنارة الحدباء، وكنيسة الطاهرة، وكنيسة الساعة، والاهتمام بتأهيل متحف الموصل الذي دمره «داعش»، ودمر كذلك الثيران المجنحة ومعالم بارزة وأساسية اطلعت عليها في آخر زيارة قام بها السيد رئيس مجلس الوزراء إلى الموصل وكنت معه مع مجموعة من الوزراء ذوي العلاقة بطبيعة هذه الزيارة.
> كيف ستتعامل مع الجهاز الإداري للوزارة، والذي يحمّل البعض منه وزر الفساد المستشري في الوزارة، هل ننتظر إعادة هيكلة الوزارة على هذا الأساس؟
- معنى أن تعيد التفكير في النظام الإداري والهيكل الإداري للوزارة هو أنك تفكر في هذه المناصب ومن يحتلها بطريقتين، بطريقة أنك تنظر لتشكيلها إلى أي مدى هو نافع؟ تطرح هذا السؤال، الذي يستدعي البحث والنقاش، وتستشير خبراء وتعقد مناقشات ثم تنتهي إلى نتيجة... مثلاً بدمج هذا التشكيل مع هذا التشكيل باستحداث تشكيل جديد ضمن الرؤية التي تمضي بها في إعادة الهيكلة ومن ثم سيؤثر هذا على تغيير في طبيعة القيادات التي تقود هذه التشكيلات. وبعد القيادات، تأتي المؤسسة نفسها... هل ستلغى أم ستثبت أو تدمج مع مؤسسة أخرى من أجل بناء هيكل إداري أكثر فعالية؟ إذن القضية ليست استهدافاً شخصياً أو استهداف قيادات لأسباب معينة إطلاقاً. المسألة تتعلق بالبنية الأساسية للوزارة وكيف يمكن أن تكون أكثر فاعلية.
أنا أعتقد بدءاً، وهذا ما شرعت به الآن، بأهمية بلورة دراسات عاجلة لإعادة التفكير بالهيكل الإداري المهترئ لوزارة الثقافة، أحياناً، ومع وجود الكوادر المختفية هنا وهناك ضمن كتلة بشرية ضخمة بالوزارة، لا تستطيع أن تعمل، لذا عليك أن تحدّد، فهناك آلاف من الموظفين الذين لا يمكن الانتفاع بهم، لكنهم بطريقة أو بأخرى موجودون. وهذه خطة من مجلس الوزراء وتوصية وتركيز من رئيس مجلس الوزراء في ترشيق الهياكل الإدارية. في وزارة الثقافة هناك (22) دائرة يعني (22) مديراً عاماً... هذا هيكل ضخم بالنسبة لوزارة هي في الحقيقة وزارتان بعد دمج وزارة الآثار والسياحة مع وزارة الثقافة. هناك كادر بشري ضخم ويصعب إدارته بطريقة نافعة هذا هو التحدي الأول، وأعتقد أنه مقترب واقعي للمشكلة... أن نعيد التفكير بهذا الهيكل العام... ونحاول ضمن القانون حذف أو استهداف تشكيل جديد في الوزارة، وهذا ما أفكر فيه مع جملة من الاستراتيجيين والعقول العراقية داخل الوطن أو خارجه أو أستعين بخبراء خارج الوزارة، فأنا ماضٍ بوضع خطة لتشكيل الهيكل الإداري وجعله أكثر فاعلية.
> أصبحت وزيراً للثقافة وهي المرة الأولى منذ 2003 التي يتم فيها الاختيار بعيداً عن المحاصصة ومعروف عنّك كونك مستقلاً، والأهم من ذلك كونك معروفاً في الوسط الثقافي كمثقف وأكاديمي لك إسهاماتك... ما مدى تأثير ذلك في صياغة برنامجك؟
- ما يتعلق بكوني قادماً من عالم الثقافة العراقية إلى الوزارة دون انتماءات حزبية هذا فيه جوانب إيجابية وجوانب تشكل تحديات، كوني مستقلاً ولا أنتمي إلى جهة حزبية هو ليس على الدوام عاملاً مساعداً ربما، أنت تحتاج إلى السياسة، فمثلاً أنا أعد جملة من القوانين التي لم تقر في البرلمان منذ 2003. وقد عقدت اجتماعاً مع مستشاري السيد رئيس مجلس الوزراء ومع مجموعة من المثقفين والمؤرخين حول ما يتعلق باليوم الوطني العراقي. نريد أن نختار يوماً بعينه، يمثل العراقيين جميعاً ويتفقون عليه ويصوّت له البرلمان بالإجماع، كيف يتم تحقيق هذا؟ يمكن تحقيقه بأن يكون هناك قبول لك ولمؤسستك ولنمط تفكيرك وقناعة أن العمل الذي يجري إنما هو لمصلحة العراقيين جميعاً، هذا سيُحسم ليس في الوزارة، ولا حتى في مجلس الوزراء، هذا ستحسمه القوى السياسية الموجودة في مجلس النواب ولذلك كون الإنسان مستقلاً أو منتمياً لا يعني شيئاً أحياناً كثيرة إذا ما تعلق الأمر بعمل مشترك مع هذه القوى السياسية الموجودة التي لها ممثلون في مجلس النواب.
> هناك ملفات الفساد التي تعاقب عليها وزيران للثقافة حتى الآن، ولم تفتح. هل سيكون الوزير د. حسن ناظم في مواجهتها. إنها تشكل تحدياً كبيراً لك،، مثل ملف الفساد في مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية، ومشروع أوبرا بغداد ومسرح الرشيد؟
- لكل مثال ظروفه وتفصيلاته، وربما من غير المجدي أن نذهب إلى تفصيلات في لقاء مثل هذا، لكني سأعطيك ما تريد. بالنسبة لملف بغداد عاصمة للثقافة ملف شائك ومعقد ولا أعتقد أنني في المدة التي قضيتها الآن أستطيع أن أحدّد مساراً بشأنه، كما أنه ليس هناك مساراً محدداً للفساد. قضايا الفساد تخص النزاهة. هذا سياق عمل. القضية ليست مرتهنة بالوزارة وبشخص الوزير أو باللجان التحقيقية. هناك عمل يُنجز وعلى جهات أخرى في الدولة وفي الحكومة أن تُفعل ما عليها ونحن لدينا قضايا كثيرة تتعلق بالفساد في هذا الملف وفي غيره مُحالة إلى النزاهة، وهنا تقف حدودنا... أن نكتشف الفساد ونشكل اللجان التحقيقية ونقضي بأن هذا الملف فيه من الأدلة ما يكفي لإحالته إلى النزاهة، والنزاهة هي الجهة التي تتكفل بالخطوة اللاحقة. هنا ينتهي دورنا، لا ينتهي نهائياً - بطبيعة الحال - لكن القرار الذي يتخذ لم يعد بين أيدينا. هذا ينطبق على كل القضايا ليس فقط في ملف مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية.
> قلت مرة إن الوزارة يجب أن تكون للمثقفين، ونعرف أن الوزارة تعاني من اللبس والإشكاليات في عملها على مختلف الصُعد، حتى وصلت إلى أنها تبدو مغربة عن طبيعة مهمتها وهي التي من المفترض أن تكون في صلب العمل الثقافي. كيف ستجد سبيلاً إلى أن تكون وزارة الثقافة في خدمة المثقفين؟
- أحياناً أنظر إلى هذا التعبير بأن الوزارة في خدمة المثقف على أنه تعبير غير دقيق، المثقفون والأكاديميون هم أيضاً يخدمون وزارة الثقافة، فهم يخدمون ثقافة العراق من خلال وزارة الثقافة. أضرب مثلاً لك على ذلك. فيما يخص اختيار العيد الوطني العراقي. عقدنا مؤتمراً عبر منصات التواصل لأكثر من ثمانية عشر مثقفاً ومؤرخاً عراقياً لندرس هذا الموضوع... كل الأسماء اللامعة من المثقفين والأكاديميين والمؤرخين العراقيين لكي نسمع آراءهم فيما يتعلق باختيار أي يوم يمثل العراقيين. المثقف الآن مدعو لخدمة بلده من خلال وزارة الثقافة. وفي المقابل هناك عمل روتيني للوزارة يتعلق بخدمة المثقفين كتوفير المنحة السنوية لاتحاد الأدباء الذي يناشد ويريد دعماً من خلال وجودنا بالحكومة، وعلينا أن نثبت هذا الحق للمثقفين، للكتاب، للشعراء... هذا العمل يأخذ مجراه الطبيعي بمعنى أن هذه المؤسسة هي ليست فقط منذورة لخدمة المثقف، كأن المثقف جالس ويحتاج إلى دعم دائم لهذه المؤسسة. هناك شيء اسمه وزارة الثقافة والسياحة والآثار، مرافق كثيرة، أفكار كثيرة، أعمال كثيرة، مشاريع كثيرة. وهنا أريد أن أشير إلى إشكالية عن المثقفين العراقيين. أنهم ليس جميعهم يؤمنون بأن هناك جدوى بالعمل مع المؤسسة الحكومية. ما زال هناك أكثر من ذلك. هناك مثقفون ينظرون إلى السلطة على أنها دنس لا يجب الاقتراب منه وهذه مشكلة عانينا منها جميعاً تتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة وعلاقة المثقف بالسياسة وبالمؤسسة الحكومية هذه الإشكالية غير محسومة لأن العِبر والدروس التي واجهها المثقفون كانت مريرة، وبالتالي كانوا يشعرون دائماً بالتردّد، أنا نفسي دعوت كبار مثقفي العراق للعمل معاً وهم يأنفون أن يفعلوا ذلك، والمشكلة أن هناك من يرى أنك تنفخ في قِربة مثقوبة، أنا في فترة ما من حياتي تبنيت مثل هذه الرؤية عليك أن تبقى، لا أقول في البرج العاجي فهناك فاعلية للمثقف لكن ليس عبر المؤسسة الحكومية، بل عبر مبادرتك الخاصة وبقيت على هذا العمل، أتذكر مرة في لقاء تلفزيوني طرحت هذا الموضوع بوضوح ودللّت على موقف توفيق الحكيم من عبد الناصر في كتابه «عودة الوعي»، كيف أنه كان مأخوذاً بأكاذيب ومخادعات وخطب رنانة، فكان هناك سؤال مشروع في أن المثقف الفلاني حينما يعمل بمبادرته الخاصة وبميزانيته الفقيرة وإمكاناته المحدودة ما الذي سيقدمه، مقارنة بما يستطيع أن يقدمه حينما ينتمي لمؤسسة ذات تمويل وكوادر لها إمكانيات أكبر، ما انتهيت إليه أنه مهما تكن السلطة بما فيها من سلبيات في عين المثقف، هناك إمكانية مهمة للعمل والإنجاز عبر هذا بغض النظر عنه.
> أعطيت إشارة إيجابية في بداية تسنمك الوزارة وهي إعفاء مدير عام من منصبه لأسباب مشروعة تتعلق بنشره في مواقع التواصل الاجتماعي ما يحث على الكراهية... لاقى هذا الإجراء استحسان الكثير ألا تتحسب للصدام مع المرجعيات السياسية بخصوص بعض الإجراءات التي تقوم بها داخل الوزارة؟
- دعني أحسم الأمر في هذه القضية. ما حدث لهذا الإعفاء لاقى تفهماً من هذه المرجعيات التي قد يظن كثيرون أنها ستتخذ مواقف معينة... على العكس هناك تفهم لهذا العمل خاصة حينما تتضح الأمور بأنها لا تختصر بكونها مجرد إعفاء مدير عام من منصبه. ليست هذه هي المشكلة... المشكلة هي اصطدام مع الرؤية والأساس الذي تحدثت عنه قبل قليل، عن الثقافة العراقية. أنا قادم من عمل ست سنوات في كرسي اليونيسكو للحوار في جامعة الكوفة، مهمته هي رأب هذا الصدع في المجتمع العراقي. نحن ما زلنا مجتمعاً متطاحناً على صُعد كثيرة طائفية، وعرقية، ومصالحية، وغيرها، هذه الصدوع التي نرأبها عبر برامج لست سنوات في كرسي اليونيسكو هل يمكن أن يُتاح المجال لتهديدها وتدمير هذا السعي بمنشور لحظوي آني دون أن نفكر فيه أو ببعض المواقف المتخذة غير المدروسة أمام شخصية فذة في تاريخ الرياضة العراقية، ولها من المعجبين المحبين الملايين. نظرت إلى المسألة ليس باعتبارها هجوماً على شخص، بل هي هجوم على هؤلاء الملايين من المعجبين للاعب أحمد راضي، فصار هناك نوع من الأزمة المجتمعية التي خلقتها بضعة أسطر حمقاء غير محسوبة من شخص يجب أن يتحلى بسمات القيادة والكياسة وحساب الكلمات وغير ذلك، هذه هي المعضلة التي كان يجب أن تحسم.



ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
TT

ما الوقت الذي تبلغ فيه رغبة تناول الطعام ذروتها خلال اليوم؟

امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)
امرأة تتناول رقاق البطاطس (بيكسلز)

يمرّ كثيرون بلحظات مفاجئة من الرغبة الشديدة في تناول الطعام، وغالباً ما يتساءلون عمّا إذا كانت لهذه الرغبات توقيتات محددة خلال اليوم. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة عن نمط لافت يحدد توقيت الذروة لهذه الرغبة، إلى جانب عادات وسلوكيات مرتبطة بها لدى عدد كبير من الأشخاص.

وأظهرت الدراسة أن الرغبة الشديدة في تناول الطعام تبلغ ذروتها عند الساعة الـ3:42 مساءً، وهو توقيت يتكرّر لدى شريحة واسعة من المشاركين.

وشملت الدراسة استطلاعاً لآراء 5 آلاف أميركي موزعين بالتساوي بين مختلف الولايات، حيث حُللت أنماط الرغبة الشديدة في تناول الطعام بأنحاء البلاد. وبيّنت النتائج أن الشخص العادي يشعر بنحو رغبتين شديدتين في تناول الطعام يومياً، في حين أفاد نحو ربع المشاركين (24 في المائة) بأنهم يعانون من هذه الرغبات بشكل متكرر، وفقاً لما نقلته صحيفة «نيويورك بوست».

وبصرف النظر عن توقيت هذه الرغبات، فقد أظهرت النتائج أن 6 من كل 10 مشاركين (57 في المائة) لا يستطيعون مقاومة هذه الرغبة أكثر من ساعة، بينما يستسلم واحد من كل 5 (21 في المائة) خلال 15 دقيقة أو أقل.

كما كشفت الدراسة، التي أجرتها شركة «توكر ريسيرش (Talker Research) لمصلحة «إيفري بليت»، عن أن الأشخاص عند شعورهم بالجوع يميلون إلى تفضيل أنواع محددة من الأطعمة، حيث يتوق 33 في المائة منهم إلى ما تُعرف بـ«الأطعمة المريحة»، بينما يفضّل 22 في المائة الأطعمة المقلية، والنسبة نفسها تميل إلى الأطعمة المالحة.

وبغض النظر عن هذه التفضيلات، فقد أشار نحو ثلثي المشاركين إلى أنهم يفضّلون إشباع رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز.

ويمتد تأثير هذه الرغبات إلى عادات التسوق أيضاً؛ إذ أفاد 35 في المائة من المشاركين بأن رغباتهم الغذائية خلال الأسبوع السابق تؤثر بشكل منتظم على قائمة مشترياتهم للأسبوع التالي.

وفي تعليق على هذه النتائج، قال بنجامين غريبل، مدير «تطوير الطهي» في شركة «إيفري بليت»: «في عصر الراحة، من المشجّع أن نرى أن ثلثي الأميركيين يفضّلون تلبية رغباتهم في المنزل بدلاً من طلب الطعام الجاهز. وهذا يدل على أن الناس يعرفون أذواقهم جيداً؛ وكل ما يحتاجونه هو القليل من الثقة بالمطبخ لإعادة إحياء نكهاتهم المفضلة».

وأضاف: «لا يتطلب إعداد وجبة شهية قضاء ساعة كاملة في المطبخ. فبالنسبة إلى معظم الناس، لا تكمن الصعوبة في الطهي بحد ذاته، بل في العبء الذهني المرتبط بالتخطيط والاختيار وإعداد الوجبات من الصفر. وعندما يجري التخلص من هذا العبء، يصبح إعداد الطعام أمراً بسيطاً، ومجرد تجربة ممتعة لتناول طعام لذيذ وسهل التحضير».


«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
TT

«فتنة غذائية» تربك مصريين وتؤجج هواجسهم نحو «الطعام الصحي»

تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)
تصاعد الجدل في مصر حول نظام «الطيبات» الغذائي (وزارة التموين المصرية)

رغم رحيل صاحبه، وربما بسبب موته المفاجئ، تحول الجدل المتصاعد حول نظام «الطيبات» إلى «فتنة غذائية»، أحدثت ارتباكاً بين قطاعات عديدة من المصريين، فاقمت الهواجس نحو «الطعام الصحي»، وسط انقسام مجتمعي عَدّه خبراء «مواجهة بين العلم والخرافات».

وتصاعد الجدل حول نظام «الطيبات» الغذائي، عقب وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي، استشاري التخدير والعناية المركزة، خلال وجوده في دولة الإمارات العربية المتحدة قبل نحو أسبوع، عن عمر ناهز 47 عاماً.

ويقوم نظام «الطيبات»، الذي روج له العوضي، على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم ويكتفي بها، وأخرى «غير ملائمة» ينبغي الاستغناء عنها. ومن وسائل «الشفاء» التي كان يدعو لها، شرب الماء عند العطش دون الإكثار منه. ومن بين النقاط المثيرة للجدل التي طرحها العوضي، تحذيره من تناول الدواجن، والزعم بأن منتجات الألبان تضاف إليها مواد خطيرة، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي صاحب نظام «الطيبات» الغذائي (صفحته على فيسبوك)

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية سجالاً ما زال مستمراً بين مؤيدين لآراء العوضي أسسوا صفحات للترويج لنظامه الغذائي الذي يعتمد على «صفر دواء»، ومعارضين يرون أن ما طرحه يعد نوعاً من «الدجل والخرافة»، و«يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية».

وأكد مستشار الرئيس المصري لشؤون الصحة والوقاية، الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه «لا توجد أطعمة قادرة على علاج الأمراض، فكل مرض له علاج علمي محدد حسب بروتوكولات علاج يحددها الأطباء»، وقال تاج الدين في مداخلة تلفزيونية، مساء الاثنين، إن «الأطباء هم من يحددون الأغذية المناسبة للمرضى، كل وفق حالته وطبيعة مرضه»، داعياً المواطنين إلى «الاعتدال في الطعام ليكون متوازناً يشمل عناصر غذائية متنوعة».

وفي مارس (آذار) الماضي أسقطت نقابة الأطباء المصرية عضوية العوضي بسبب ما عدّته «نشر معلومات طبية مضللة وغير مثبتة علمياً عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، وقالت حينها إن ما يقدمه «يشكل خطراً على صحة المواطنين».

وفي رأي العميد الأسبق لـ«المعهد القومي للتغذية» أستاذة التغذية الدكتورة زينب بكري، فإنه ثمة عوامل كثيرة ساهمت في الجدل المثار بشأن نظام «الطيبات»، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «الموت المفاجئ لصاحب هذه الآراء ساهم في الترويج لها، بجانب غياب الوعي المجتمعي، وميل الناس إلى الأفكار غير المألوفة ومحاولة تجربتها، (مثل الزار والدجالين)، وبجانب الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية سواء الكشف الطبي أو الأدوية مما يدفع الناس إلى تجربة الأعشاب والعطارين، كما أن الجدل القائم يعكس أيضاً قدراً من عدم الثقة في النظام الصحي، وهو ما يتطلب حملات توعية».

جدل حول الغذاء الصحي في مصر (المعهد القومي للتغذية)

وأكدت زينب أن «كل ما يروج له نظام (الطيبات) يتعارض مع أبسط المفاهيم العلمية الطبية ونظريات علوم التغذية، فالنظام الغذائي لكل مريض يحدده الطبيب بحسب المرض، والشخص الذي لا يعاني أمراضاً واضحة يتبع نظاماً غذائياً عادياً ويمكنه تناول ما يشاء باعتدال ودون إسراف»، لافتة إلى أن «الارتباك الذي حدث لدى الكثيرين بشأن النظام الغذائي يستوجب أن تقوم مؤسسات الدولة بحملات توعية وشرح وتفنيد الحقائق العلمية حول الأطعمة والمنتجات المختلفة»، وأكدت أنه رغم هذا الارتباك، فإن ما يحدث «فتنة ستأخذ وقتها وتمر وسينسى الناس كل هذا الجدل».

متابعة «الفتنة الغذائية» والآراء المختلفة، دفعت الخمسيني، محمود حسان، (الذي يقيم بحي عابدين بوسط القاهرة، ويعمل في ورشة لإصلاح الأجهزة الكهربائية) إلى التراجع عن شراء الدواجن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ابنته طالبة جامعية تتابع (السوشيال ميديا) أخبرته بالجدل الدائر، وأثار الأمر نقاشات مع زوجته، فقرروا ألا يشترون دواجن أو منتجات ألبان حتى يتضح الموقف»، لكن المشكلة بحسب حسان حدثت لأنهم «لم يستطيعوا تحديد الطعام المناسب والصحي؛ لأن نظام (الطيبات) تحدث عن ضرر لمعظم الأطعمة التي تعوّدوا على أكلها».

الجدل بشأن نظام «الطيبات» أصاب أسراً مصرية بالارتباك (وزارة التموين المصرية)

وهو ما حدث نفسه مع المصرية الثلاثينية، سلوى حسن (ربة منزل تقيم في حي شبرا بوسط القاهرة)، قالت لـ«الشرق الأوسط» إنها «تابعت الحديث عن ضرر الكثير من الأطعمة مما سبب ارتباكاً كبيراً»، موضحة أن «ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي والأخبار جعلني في حيرة، ولا أعرف ماذا نأكل وماذا نتجنب».

وأكدت استشاري التغذية العلاجية الدكتورة مها راداميس لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الارتباك التي سببها الترويج لنظام (الطيبات) تشكل خطراً على صحة المصريين، وكلها آراء غير علمية وخرافات ساهمت (السوشيال ميديا) في انتشارها»، ورجحت أنها «(فرقعة) وستنتهي».

حالة الارتباك التي أعقبت «الفتنة الغذائية» والتي صاحبت الجدل حول نظام «الطيبات» لم تقتصر على فئات بعينها، بل امتدت إلى أوساط الفنانين، وناشد الفنان تامر حسني وزارة الصحة، بتقديم توضيحات علمية مبسطة حول التغذية السليمة، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك» الاثنين: «في ظل الفتنة الغذائية اللي حاصلة في مصر وحديث كل الناس دلوقتي عن إيه المفيد لينا وإيه المضر، هل ممكن أناشد وزارة الصحة المصرية وكبار الدكاترة المختصة وأصحاب المستشفيات بردود كافية فيها شرح مفصل عن إيه الأكل المفيد لينا، وإيه اللي مش مفيد».

ورد الطبيب المصري، الدكتور خالد منتصر، على تامر حسني، مؤكداً في منشور على «فيسبوك» أن «ما كان يقوله دكتور ضياء يا أخ تامر اسمه في الطب ضلالات، والضلالات لا تناقش».وكان الفنان علي الحجار قد أكد أنه «يتبع نظام (الطيبات) منذ نحو 11 شهراً»، وقال خلال مراسم عزاء الطبيب ضياء العوضي، إنه كان يعاني من «عدة مشكلات صحية»، والتزامه بتعليمات العوضي من خلال مقاطع الفيديو «ساعده على التعافي».


جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
TT

جيريمي كومتيه: «بارادايس» رحلة لاستكشاف معنى الثقة وتوابع الخيانة

عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)
عمل المخرج على الفيلم لنحو 10 سنوات (الشركة المنتجة)

قال المخرج الكندي جيريمي كومتيه إن فيلمه «بارادايس» لم يولَد بين ليلة وضحاها، بل كان نتيجة رحلة طويلة امتدت لأكثر من 10 أعوام من البحث والتفكير والتجارب المختلفة، موضحاً أن البذرة الأولى للفيلم تعود إلى تجربة شخصية عاشها في مرحلة المراهقة. وأضاف، لـ«الشرق الأوسط»، أن تلك التجربة دفعته إلى التفكير في موضوعات معقدة مثل الثقة والخيانة، وكيف يمكن لحادثة واحدة في حياة الإنسان أن تترك أثراً عميقاً يلازمه لسنوات طويلة، وهو ما حاول استكشافه سينمائياً عبر هذا العمل.

يتتبع فيلم «بارادايس»، الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية ضِمن برنامج «البانوراما»، حكايتين تسيران بالتوازي في مكانين متباعدين من العالم، لكنهما تتقاطعان على مستوى التجربة الإنسانية. وتدور القصة حول شابّين يعيشان في بيئتين مختلفتين تماماً؛ أحدهما في غانا، والآخر في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يكبر كل منهما وسط ظروف قاسية وتحديات شخصية معقّدة. ورغم اختلاف الثقافة والمكان، فإن الشابّين يمران بحالة متشابهة من الوحدة والبحث عن معنى لحياتيهما، خصوصاً في ظل غياب نموذج الأب أو الشعور بالأمان الذي يحتاجان إليه في تلك المرحلة الحساسة من العمر.

ومِن خلال هذا البناء السردي المُوازي، ينسج الفيلم رابطاً عاطفياً خفياً بين الشخصيتين، إذ يكشف كيف يمكن لتجارب إنسانية متشابهة أن تتكرر في أماكن متباعدة من العالم، ومع تطور الأحداث يجد كل منهما نفسه مدفوعاً إلى اتخاذ قرارات صعبة. ويشير كومتيه إلى أن المشروع تطوّر تدريجياً عندما بدأ مرحلة البحث، حيث تعرّف، خلال تلك الفترة، على صديق مقرَّب من غانا، وهو ما فتح أمامه نافذة مختلفة على العالم؛ لأن الصداقة بينهما تحولت مع الوقت إلى شراكة إبداعية، إذ قررا معاً تطوير قصة تدور بين بلدين مختلفين تماماً هما غانا وكندا، مؤكداً أن «العمل على الفيلم استغرق سنوات من السفر والبحث واللقاءات والنقاشات الطويلة، حتى تبلورت الفكرة بالشكل الذي ظهرت به على الشاشة».

المخرج الكندي جيريمي كومتيه (الشركة المنتجة)

ولفت إلى مفهوم «الفقد الغامض»؛ وهو ذلك الشعور الذي يعيشه البطلان عندما يواجهان حدثاً مؤلماً دون إجابة واضحة أو نهاية حاسمة لما حدث، لافتاً إلى أن هذا النوع من الفقد يترك الإنسان عالقاً في حالة من القلق وعدم اليقين، وهو ما أراد أن يجسده في رحلة الشخصيتين داخل الفيلم.

وأضاف أن «مِن الأفكار الأساسية التي حاول العمل عليها أثناء الكتابة خلق تشابهات إنسانية بين عالمين مختلفين ظاهرياً، فالثقافة والبيئة قد تختلفان كثيراً بين غانا وكندا، لكن المشاعر الإنسانية الكبرى مثل الوحدة والخوف والبحث عن المعنى تظل متشابهة في كل مكان، لذلك حاول في السيناريو أن يربط بين مساري الشخصيتين بطريقة تجعل المُشاهد يشعر بأنهما يعيشان التجربة نفسها رغم اختلاف السياق».

وتحدّث المخرج عن التحديات التي واجهته أثناء كتابة الفيلم وإخراجه، قائلاً إن «الموازنة بين العالمين لم تكن سهلة على الإطلاق، لذا مرت عملية تطوير السيناريو بمراحل طويلة من المراجعة والتعديل، ثم استمرت هذه العملية، خلال مرحلة المونتاج؛ لأن بناء الإيقاع الصحيح للفيلم كان يتطلب دقة كبيرة في توزيع المعلومات التي يحصل عليها المشاهد».

وأوضح أن «الفيلم يتعمد أحياناً عدم تقديم كل الإجابات بشكل مباشر، بل يترك للمشاهد مساحة للتفكير وربط الخيوط بنفسه، وهذا الخيار كان يحمل بعض المخاطرة؛ لأن بعض المتفرجين قد يفضّلون السرد الواضح والمباشر، لكنني كانت مقتنعاً بأن هذه الطريقة أقرب إلى التجربة الإنسانية التي أحاول نقلها».

وقال المخرج الكندي إنه كان حريصاً أيضاً على أن يضع المتفرج أمام أسئلة أخلاقية معقدة، بحيث يجد فيها نفسه مضطراً إلى إعادة التفكير في أحكامه المسبقة تجاه الشخصيات؛ لأن السينما بالنسبة له ليست مجرد وسيلة لسرد قصة، بل مساحة لطرح الأسئلة ومواجهة المناطق الرمادية في السلوك الإنساني.

اختار المخرج الاعتماد على وجوه لم تخض تجربة التمثيل (الشركة المنتجة)

وتطرّق المخرج إلى الجانب البصري للعمل، موضحاً أنه استخدم المؤثرات البصرية بطريقةٍ تخدم الحالة الشعورية للفيلم؛ لأن الفكرة كانت تقوم على خلق تحول تدريجي في الصورة يتماشى مع التحولات النفسية التي تمر بها الشخصيات، بحيث يشعر المشاهد بأن الشكل البصري نفسه يتغير ويتطور مع تطور القصة.

وأوضح أن «هذا الأسلوب يعكس أيضاً فكرة الترابط بين الأشياء الصغيرة والكبيرة في العالم، إذ يمكن لتفصيلة بسيطة جداً أن تقود إلى حدث كبير يغيّر حياة الإنسان بالكامل، لذلك حاولت جعل الصورة السينمائية تعكس هذا الإحساس بالاتساع والتداخل بين العوالم المختلفة». وتحدّث المخرج كذلك عن تجربته في العمل مع الممثلين، لافتاً إلى أن «بعض المشاركين في الفيلم لم يكونوا ممثلين محترفين، وأن هذا الأمر كان خياراً مقصوداً؛ لأنه أراد أن يمنح الشخصيات قدراً أكبر من الصدق والعفوية».

وأضاف أن «الممثل الذي أدى دور الشاب في غانا كان يتمتع بطبيعة تلقائية أمام الكاميرا، وقد خضعا معاً لعدد كبير من البروفات والنقاشات حول تفاصيل الشخصية، حتى أصبح قادراً على إعادة تفسير بعض الجمل بطريقته الخاصة». أما بالنسبة للشخصية الأخرى التي تعيش في كندا، فأوضح كومتيه أنهم كانوا يبحثون عن شاب حقيقي يمارس رياضة التزلج على الألواح؛ لأن هذه الرياضة تشكل جزءاً مهماً من حياة الشخصية، وعثروا بالفعل على شاب يعيش في إحدى المناطق الريفية بكيبيك، وكان قريباً جداً من روح الشخصية التي كتبها، وهو ما جعل الأداء يبدو طبيعياً ومقنعاً إلى حد كبير.

وخلص المخرج إلى أن العمل مع ممثلين غير محترفين قد يكون تحدياً في بعض الأحيان، لكنه، في المقابل، يمنح الفيلم طاقة مختلفة يصعب تحقيقها مع الأداء التقليدي، مؤكداً أن العلاقة التي نشأت بين الممثلين والكاميرا كانت طبيعية للغاية، وهو ما ساعد على خلق إحساس قوي بواقعية المشاهد.