جاك تشارلتون... قائد استثنائي جعل الشعب الآيرلندي يرقص في الشوارع

الأسطورة الإنجليزية ترك بصمة لا تمحى في كرة القدم الآيرلندية وساعد في تغيير نظرة الناس لها

في نهائيات كأس العالم عام 1994 تمكن تشارلتون ولاعبوه من هزيمة المنتخب الإيطالي بهدف من دون رد
في نهائيات كأس العالم عام 1994 تمكن تشارلتون ولاعبوه من هزيمة المنتخب الإيطالي بهدف من دون رد
TT

جاك تشارلتون... قائد استثنائي جعل الشعب الآيرلندي يرقص في الشوارع

في نهائيات كأس العالم عام 1994 تمكن تشارلتون ولاعبوه من هزيمة المنتخب الإيطالي بهدف من دون رد
في نهائيات كأس العالم عام 1994 تمكن تشارلتون ولاعبوه من هزيمة المنتخب الإيطالي بهدف من دون رد

يمثل جاك تشارلتون لجمهورية آيرلندا ما يمثله بيليه للبرازيل، حيث نجح أسطورة كرة القدم الإنجليزية في تقديم كرة القدم الآيرلندية إلى العالم، وساعد في تغيير المجتمع ككل، بعدما تولى قيادة منتخب جمهورية آيرلندا كأول مدير فني أجنبي في تاريخ آيرلندا.
لقد تولى تشارلتون قيادة منتخب آيرلندا لمدة تصل إلى نحو عشر سنوات. وخلال تلك الفترة، كانت آيرلندا نداً قوياً للغاية لأي فريق تواجهه وحققت نتائج رائعة أسعدت الملايين من سكان البلاد. صحيح أن تشارلتون كان محظوظاً لأنه تولى قيادة المنتخب الآيرلندي في فترة شهدت ظهور عدد من أفضل اللاعبين في تاريخ آيرلندا، لكن من المؤكد أن هذه الكوكبة من النجوم كانت بحاجة إلى مدير فني قوي من أجل السيطرة عليهم والاستفادة من قدراتهم وإمكاناتهم بأفضل شكل ممكن. وكان تشارلتون، الذي كان تعيينه مديراً فنياً لمنتخب آيرلندا بمثابة مفاجأة للكثيرين، يتمتع بالشخصية القوية والرؤية الواضحة، بالإضافة إلى امتلاكه كاريزما قادرة على جذب حب واحترام الجميع.
ومنذ البداية، أظهر تشارلتون أنه سيعمل بطريقته الخاصة التي تختلف عن الآخرين. فأثناء تقديمه للجمهور في دبلن في فبراير (شباط) عام 1986، انفعل تشارلتون بشدة بعد جدال مع أحد الصحفيين ووبخ السكرتير العام للاتحاد الآيرلندي لكرة القدم. وعلق تشارلتون على ذلك الأمر لاحقاً بالقول: «إذا كان لا بد من وضع النقاط على الحروف، فيجب أن يحدث ذلك منذ اليوم الأول». من المؤكد أنه كان هناك انقسام في الرأي بشأن طريقة عمله في مجال التدريب، كما كان الحال بشأن أسلوبه في اللعب، لكنه كان يتميز بالوضوح الشديد.
ولم يحضر أول مباراة لعبها المنتخب الآيرلندي تحت قيادته - وهي المباراة الودية التي خسرها أمام ويلز بهدف دون رد - سوى 15 ألف متفرج. لكن عندما رحل عن آيرلندا، كان قد حصل على الجنسية الفخرية بعد أن قاد البلاد للتأهل إلى نهائيات كأس العالم مرتين وإلى كأس الأمم الأوروبية.
وفي الحقيقة، كانت احتفالات الجمهور الآيرلندي في الشوارع أكثر إثارة للاهتمام من المباريات نفسها. وقد اعتمد تشارلتون على طريقة لعب تركز في المقام الأول على الكرات الطويلة من الخلف للأمام والمجهود البدني الشاق وإرهاق المنافسين، وهو الأمر الذي كان يجعل مباريات المنتخب الآيرلندي مملة كثيراً، لكنه كان يصعب الأمور على الفرق المنافسة. وقد كان كل لاعب يعرف الدور الذي سيقوم به جيداً داخل الملعب، وإذا لم يقم بدوره كما حدده تشارلتون بالضبط كان يتم استبعاده على الفور، بغض النظر عن اسمه أو مكانته، وخير مثال على ذلك أن تشارلتون قد استبدل ليام برادي، الذي يعد أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم الآيرلندية على الإطلاق، بشكل مهين بعد مرور 35 دقيقة فقط من مباراة آيرلندا أمام ألمانيا الغربية، التي كانت آخر مباراة دولية يلعبها برادي.
وضد اسكوتلندا على ملعب «هامبدن بارك» في عام 1987، خاض تشارلتون المباراة بتشكيل غير متوقع على الإطلاق وحقق الفوز الأهم في تاريخ آيرلندا خارج ملعبها منذ ما يقرب من 40 عاماً، وهو ما مهد الطريق لأول ظهور لآيرلندا في بطولة كبرى. وبدأت منافسات كأس الأمم الأوروبية عام 1988 بانتصار المنتخب الآيرلندي على منافسه الأزلي المنتخب الإنجليزي، الذي قاده تشارلتون للفوز بكأس العالم عام 1966 كلاعب. ومع ذلك، لم يختره الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم مديراً فنياً للمنتخب الإنجليزي عندما تقدم بطلب للحصول على هذا المنصب بعد رحيل دون ريفي.
وكانت الخطط التكتيكية التي يعتمد عليها تشارلتون تسبب صعوبات كبيرة لأفضل المنتخبات وتجعلها لا تلعب بشكل مريح، لكن أعظم إنجازاته كان يتمثل في أنه كان يجعل اللاعبين يطبقون خطته بحذافيرها، حتى عندما كان يطلب منهم القيام بواجبات مختلفة تماماً عن تلك التي يقومون بها في أنديتهم، وخير مثال على ذلك أنه جعل روني ويلان يركض بشكل أكبر داخل الملعب، رغم أنه في ناديه كان يعتمد على التمريرات وعدم الركض كثيراً، كما غير مركز بول ماكغراث، ومارك لورنسون من قبله، من اللعب في مركز قلب الدفاع للعب في خط الوسط.
ورغم ذلك، كان هؤلاء النجوم يستمتعون باللعب تحت قيادة تشارلتون. ورغم النظام الصارم الذي كان يتبعه تشارلتون والدعم القليل الذي كان يتلقاه المنتخب القومي من الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم، فإن اللاعبين كانوا سعداء للغاية باستدعائهم للمباريات الدولية بسبب الحالة التي صنعها تشارلتون مع الفريق. وكان تشارلتون يسمح للاعبي المنتخب الآيرلندي بالذهاب إلى المقاهي والنوادي التي يرتادها المشجعون.
وأثناء الاستعدادات لنهائيات كأس العالم بإيطاليا عام 1990، كان لاعبو المنتخب الآيرلندي يتدربون وهم يرتدون ثلاث ملابس رياضية ومعطف كبير حتى يتعودوا على اللعب في درجات الحرارة المرتفعة في إيطاليا. وكتب نيال كوين في سيرته الذاتية يقول: «جزء من النجاج الذي حققناه في كأس العالم كان يعود إلى التظاهر بأننا نعيش في حالة من الفوضى وبأننا ما زلنا نحتفل بالصعود للمونديال». وكان المنتخب الآيرلندي يعمل بكل قوة ويستمتع بما يقوم به، وهو الأمر الذي خلق حالة من التفاعل الكبير بين اللاعبين والجماهير.
ويجب أن نشير إلى أنه حتى قبل وصول تشارلتون بوقت طويل، كانت كرة القدم هي لعبة الشعب في آيرلندا، خصوصاً في المناطق الحضرية، لكن الكثيرين ممن هم في السلطة وفي المدارس والكنائس كانوا ينكرون هذه الحقيقة، وكانوا يصرون على أن كرة القدم هي لعبة دخيلة على البلاد، وأن الرياضة الغيلية هي التي تعبر بشكل حقيقي عن الشعب الآيرلندي (رياضة تجمع بين كرة القدم وكرة اليد والرغبي). لكن ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن ذلك لم يكن صحيحاً أثناء السنوات التي تولى خلالها تشارلتون قيادة المنتخب الآيرلندي، حيث كانت كل الأنشطة تتوقف تماماً في البلاد من أجل مشاهدة مباريات المنتخب الآيرلندي، وكان الجمهور ينزل للشوارع بأعداد غفيرة من أجل استقبال اللاعبين والترحيب بهم.
صحيح أن تشارلتون لم يكن أول مدير فني يضم لاعبين مولودين بالخارج من أصول آيرلندية لصفوف المنتخب الآيرلندي، لكنه فعل أكثر من ذلك بكثير. وبشكل عام في آيرلندا، كان اللاعبون المولودون بالخارج الذين اختاروا تمثيل المنتخب الآيرلندي يتم التعامل معهم على أنهم آيرلنديون مهاجرون ويحظون بحب ودعم الشعب الآيرلندي، خصوصاً بعد الأداء القوي الذي كانوا يقدمونه مع منتخب آيرلندا. وفي السنوات اللاحقة، شعر الآيرلنديون بالضيق والغضب بسبب قرارات لاعبين مثل جاك غريليش وديكلان رايس باختيار تمثيل المنتخب الإنجليزي بدلاً من منتخب آيرلندا، لكن الفريق الذي كان يتولى تشارلتون تدريبه كان يتم النظر إليه على أنه آيرلندي حتى النخاع.
وفي المباراة الافتتاحية للمنتخب الآيرلندي في نهائيات كأس العالم عام 1994، تمكن تشارلتون ولاعبوه من هزيمة المنتخب الإيطالي بهدف دون رد، في ملحمة كروية وصلت خلالها آيرلندا إلى الذروة في عالم الرياضة والثقافة على حد سواء. لقد تحولت نيويورك آنذاك إلى ما يمكن أن نطلق عليه العاصمة الآيرلندية، بعدما حاول الملايين الحصول على تذاكر حضور المباراة على استاد «جاينتس» أمام إيطاليا، التي كان لها جمهور غفير أيضاً في الأراضي الأميركية. وفي نهاية المطاف، كان عدد الجمهور الآيرلندي أكبر بكثير من نظيره الإيطالي في المباراة التي شهدت حضور 75 ألف متفرج، ونجح المنتخب الآيرلندي في تحقيق الفوز، الذي ما زال الآيرلنديون يتحدثون عنه حتى يومنا هذا.
ولم تفز آيرلندا في مباراة أخرى في كأس العالم 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية. ورغم أن تشارلتون كان يعتمد على مجموعة مميزة من اللاعبين، فإنه كان يواجه مشكلة كبيرة في مركز حراسة المرمى، وهو الأمر الذي لم يمكنه من الذهاب بعيداً في المونديال. لقد كان تشارلتون يمني النفس بأن ينهي مسيرته مع المنتخب الآيرلندي بالتأهل إلى نهائيات كأس الأمم الأوروبية عام 1996 التي استضافتها إنجلترا، لكنه فشل في تحقيق ذلك بسبب تقدم أبرز اللاعبين المميزين في السن. وفي ظل عدم وجود لاعبين مميزين بعد اعتزال نجوم الجيل الذهبي للمنتخب الآيرلندي، باتت الطريقة التي يعتمد عليها تشارلتون تحقق نجاحاً أقل. وفي الحقيقة، لم يُظهر تشارلتون رغبة كبيرة في التغيير والتطور. وبعد الخسارة أمام هولندا في ديسمبر (كانون الأول) 1995، غنى المشجعون لتشارلتون كأنهم يودعونه. وبالفعل رحل تشارلتون بعد عشر سنوات من العمل على رأس القيادة الفنية لمنتخب آيرلندا الجنوبية بعد مسيرة حافلة جعلته المعشوق الأول للجماهير الآيرلندية.


مقالات ذات صلة


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».