تركيا أمام «الخط الأحمر» المصري في معركة سرت

الخارجية الأميركية لـ «الشرق الأوسط»: من الضروري وقف النار فوراً... {أفريكوم}: التدخل الروسي يؤخر الحل

تركيا أمام «الخط الأحمر» المصري في معركة سرت
TT

تركيا أمام «الخط الأحمر» المصري في معركة سرت

تركيا أمام «الخط الأحمر» المصري في معركة سرت

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى معركة مرتقبة قد تشهدها مدينة سرت الليبية بين قوات حكومة «الوفاق»، بدعم من الجيش التركي، وقوات «الجيش الوطني»، بدعم محتمل من الجيش المصري، يُعتبر موقف الولايات المتحدة محورياً لجهة حصول المعركة أو تفاديها.
ورغم الانتقادات التي توجّه للأميركيين بخصوص ما يوصف بـ«غض الطرف» عن الانخراط العسكري التركي في ليبيا، فإن تصريحاتهم الرسمية الأخيرة توحي بميلهم إلى وقف المعركة المرتقبة، من خلال التشديد على رفضهم القتال «الهجومي»، وعودة الحوار الليبي – الليبي.
وأجاب مسؤولون أميركيون من السياسيين والعسكريين عن أسئلة وجهتها «الشرق الأوسط» حول سياستهم الليبية. لكن ردودهم تميّزت بإصرار على عدم تناول الدور التركي بالاسم، والاكتفاء بالإشارة إليه من خلال الحديث العام عن الأطراف الخارجية كافة، التي تتدخل في ليبيا.
التقرير التالي يحاول تقديم إجابات لبعض الأسئلة الساخنة التي تتعلق بليبيا حالياً:

معركة سرت والجفرة
تحشد قوات حكومة «الوفاق» منذ أسابيع قواتها، استعداداً للتحرك شرق مدينة مصراتة في اتجاه سرت الساحلية، وكذلك في اتجاه الجفرة بعمق الصحراء الليبية (قرابة 270 كلم جنوب سرت). وجاءت هذه الحشود في أعقاب تمكن قوات «الوفاق»، بدعم جوي تركي وإسناد من آلاف المرتزقة السوريين، من السيطرة على كامل المنطقة الغربية، بعد اضطرار «الجيش الوطني» إلى الانسحاب منها. وسمح هذا الانسحاب لقوات «الوفاق» بأن تركّز ثقلها على جبهتين فقط (سرت والجفرة)، بعدما كانت موزعة على جبهات كثيرة في غرب البلاد: قاعدة الوطية الجوية، مدن الساحل الغربي (صبراتة وصرمان)، جبهات الجبل الغربي (الأصابعة)، وصولاً إلى محاور جنوب طرابلس وجنوبها الشرقي، ومنها إلى ترهونة وبني وليد. وبعد إكمال السيطرة على مناطق الغرب، تحركت قوات «الوفاق» بسرعة، مستغلة نكسات «الجيش الوطني»، وحاولت التقدم نحو سرت، وسيطرت على محطتها الكهربائية (30 كيلومتراً غرب المدينة). لكن هجومها فشل بعدما تعرضت لضربات جوية، تردد أنها أوقعت عشرات القتلى من أبناء مدينة مصراتة التي تشكّل رأس الحربة لقوات «الوفاق»، وتُعتبر مصدراً أساسياً لتيارات الإسلاميين الذين تدعمهم تركيا.

من قام بالقصف؟
ليس واضحاً تماماً. «الجيش الوطني» الليبي يقول إن سلاحه الجوي يقوم بالمهمات المطلوبة منه، بما في ذلك تأمين غطاء جوي لحماية سرت. لكن تقارير أخرى تفيد بأن طيارين تابعين لمجموعة «فاغنر» الروسية هم من يقوم بذلك.
وبحسب القيادة الأميركية لأفريقيا (أفريكوم)، تشارك طائرات حربية تابعة لهذه المجموعة الروسية في العمليات القتالية الجارية حالياً قرب سرت (حيث تقع قاعدة جوية ضخمة هي قاعدة القرضابية)، وكذلك الجفرة، حيث تقع قاعدة ضخمة بين ودان وهون في الصحراء الليبية.
ووزعت «أفريكوم» أخيراً صوراً تؤكد وصول ما لا يقل عن 14 طائرة حربية من طرازي «ميغ 29» و«سوخوي 24» إلى ليبيا، بعدما جاءت مباشرة من روسيا عبر سوريا، حيث أعيد طلاؤها لـ«إخفاء» حقيقة مصدرها. وتقول ناطقة باسم «أفريكوم» في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن القيادة الأميركية «لا تملك حالياً دليلاً على أن الطائرات الروسية في ليبيا يطير بها (طيارون من) القوات المسلحة الروسية. ولكن هناك قلقاً من أن الطائرات الروسية يقودها مرتزقة لا يملكون الخبرة» للقيام بهذه المهمة. مضيفة «يمكن لـ(أفريكوم) أن تؤكد أن هناك قرابة 2000 شخص يعملون لـ(فاغنر) في ليبيا». لكن الناطقة امتنعت عن القول إن كانت تعتقد «أفريكوم» أن مجموعة «فاغنر» يمكن أن تنتشر في ليبيا، لو لم تكن قد نالت موافقة من أعلى سلطة في الكرملين. وأكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من مرة أن حكومة بلاده لا تتدخل في ليبيا، مشيراً إلى أنه في حال كان هناك مواطنون روس بالفعل فإنهم لا يمثلون حكومته. غير أن ناطقة «أفريكوم» تقول في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشركات الأمنية الخاصة المدعومة من الحكومة الروسية، مثل مجموعة (فاغنر)، تعمل بنشاط في 16 دولة على امتداد قارة أفريقيا»، بما في ذلك ليبيا.

ماذا تريد روسيا؟
حذّرت الولايات المتحدة أكثر من مرة، أخيراً، من خطورة السماح لروسيا بإقامة قاعدة لها في ليبيا، معتبرة ذلك تهديداً محتملاً لأمن حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقال عميد مشاة البحرية الأميركية برادفرد غيرنغ، مدير العمليات بـ«أفريكوم»، إن روسيا «تواصل الضغط من أجل موطئ قدم استراتيجي على الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي، وهذا يأتي على حساب أرواح ليبيين أبرياء».
وفي حال أنشأت روسيا قاعدة لها على السواحل الليبية، ستكون القاعدة الثانية لها على المتوسط بعد طرطوس السورية، وسيكون في مقدورها في هذه الحالة نشر منظومة صاروخية طويلة المدى في «موقع استراتيجي قريب من أوروبا»، وهو أمر يصفه مسؤولون عسكريون أميركيون بأنه يمثّل «تغييراً في قواعد اللعبة».
ويرفض مسؤولون أميركيون الغوص في تفاصيل القاعدة الروسية المزعومة، وهل التحذير منها يعتمد فقط على مخاوف أمنية من تهديد محتمل لـ«الناتو» في أوروبا، أم أن هناك أدلة تؤكد أن الروس يعملون فعلاً على إنشاء موطئ قدم لهم في ليبيا.
ويبدي الأميركيون حذراً شديداً في حديثهم عن هذا الموضوع؛ إذ اكتفت الناطقة باسم «أفريكوم» بالقول، «إننا نعتقد أن التدخل الروسي في ليبيا لا يؤدي سوى إلى تأخير الحل السياسي».
وكانت حكومة «الوفاق» قد وزعت قبل أيام ما وصفتها بـ«اعترافات» أدلى بها الباحث الاجتماعي مكسيم شوغالي، الذي قُدّم بوصفه جاسوساً روسياً معتقلاً منذ عام 2019 في ليبيا. وتضمنت الاعترافات المزعومة أن بلاده كانت تعمل على إنشاء قاعدة لها في ليبيا. ونفت الشركة التي كان يعمل لها شوغالي اتهامات حكومة طرابلس، وأطلقت حملة إعلامية، قبل أسابيع، للضغط من أجل تأمين الإفراج عنه. وأثارت موسكو علناً قضيته مع مسؤولين ليبيين (عضو المجلس الرئاسي أحمد معيتيق)، وعلى الأرجح مع تركيا أيضاً. وثمة تكهنات بأن الأميركيين هم من لفت نظر حكومة طرابلس إلى تحركات شوغالي؛ ما أدى إلى توقيفه (علماً بأنه اجتمع آنذاك بسيف الإسلام القذافي).
وإذا ما تأكدت «الاعترافات» المزعومة، التي نشرتها حكومة «الوفاق» على لسانه، بما في ذلك حديثه عن سعي روسيا إلى قاعدة في ليبيا، فإن الأميركيين يعلمون بالتأكيد أكثر مما يقولون بخصوص التهديد المحتمل لـ«الناتو» من الضفة الجنوبية للمتوسط. لكن لا بد من الأخذ في الاعتبار أن أي أقوال منسوبة لشوغالي قد تكون انتزعت منه بالإكراه على أيدي ميليشيات مسلحة في طرابلس، وهو أمر ركّز عليه الفيلم الدعائي، الذي بُث دفاعاً عنه أخيراً في موسكو.

ماذا تريد أميركا؟
يقول ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «لنكن واضحين، الولايات المتحدة تعارض تصاعد التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا من كل الجهات. ومن الضروري وقف إطلاق النار فوراً واحترام حظر السلاح، الذي تفرضه الأمم المتحدة على الأطراف كافة. نحض جميع الأطراف على التزام وقف النار، واستئناف المفاوضات فوراً. ويجب أن نبني على التقدم الذي تحقق من خلال محادثات (5 + 5)، التي تقوم بها الأمم المتحدة (بين عسكريي حكومة الوفاق والجيش الوطني) وعملية برلين».
ويعني «وقف النار الفوري» أن الأميركيين يعارضون الهجوم الذي تحضّر له حكومة «الوفاق» والأتراك، وهو أمر تبلغته حكومة «الوفاق» في اللقاء، الذي جمع رئيس مجلسها الرئاسي فائز السراج مع السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند وقائد «أفريكوم» الجنرال، ستيفن، تاونسند في مدينة زوارة غرب ليبيا في 22 من يونيو (حزيران) الحالي.
وقالت قيادة «أفريكوم»، إن هذا اللقاء «عُقد للتشديد على الموقف الأميركي بخصوص أن السلام في ليبيا يجب أن يتحقق من خلال عملية سياسية، وليس بوسائل عسكرية». وأوضحت، أن اللقاء «ركّز على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء العمليات القتالية الهجومية من كل الأطراف».
ورغم هذا التعبير الواضح على رفض القتال «الهجومي»، فإن تصريحات مسؤولي «الوفاق» ومسؤولين أتراك أكدت لاحقاً رفضهم وقف النار قبل انسحاب «الجيش الوطني» من سرت والجفرة.

{الخط الأحمر} المصري
حددت القيادة المصرية، على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي، خطاً أحمر لتركيا في ليبيا. تمثّل الموقف المصري في البدء بدعوة إلى استئناف محادثات التسوية السياسية بين الأطراف الليبية والتزام هدنة؛ ما يعني بقاء خطوط الانتشار العسكرية كما هي بعد انسحاب «الجيش الوطني» من غرب البلاد. لكن تركيا وحلفاؤها استمروا في التهديد بالتوجه شرقاً، والسيطرة على سرت والجفرة، وسط تقارير عن جسر جوي جديد للطائرات التركية إلى مصراتة، ونقل مزيد من الأسلحة والتعزيزات. واستدعى ذلك، كما يبدو، انتقال الرئيس السيسي بنفسه إلى قاعدة سيدي براني غرب مصر، حيث أبلغ جنوده بالاستعداد لاحتمال القيام بعمل عسكري في ليبيا، معلناً بشكل واضح أن سرت والجفرة خط أحمر لأمن بلاده القومي.
وواضح أن المصريين يعتبرون أن خطط تركيا لليبيا تتضمن استهدافاً مباشراً لهم، من خلال إنشاء نظام تهمين عليه جماعة «الإخوان» في طرابلس، مع ما يعني ذلك من إمكان انتقال «إخوان مصر»، الذين تؤويهم تركيا، إلى ليبيا كي يكونوا على خط تماس مباشر مع مصر (بعدما فقدوا قاعدة أخرى لهم في السودان). وتنظر مصر، كما يبدو، إلى مثل هذا الاحتمال بقلق، رافضة السماح بعودة الوضع إلى سابق عهده عندما كان متشددون مصريون يتخذون من ليبيا قاعدة لهم (مجموعة هشام عشماوي في درنة أحد أبرز الأدلة على ذلك).

فرنسا ـ تركيا
الموقف الفرنسي الحالي شديد الوضوح بمعارضته للدور التركي في ليبيا، وقد عبّر عنه علناً الرئيس إيمانويل ماكرون. ويخشى الفرنسيون أن يستخدم الرئيس رجب طيب إردوغان ليبيا لابتزاز أوروبا مثل ما فعل سابقاً بورقة المهاجرين، الذين فتح حدود بلاده أمامهم لـ«غزو» أوروبا، بحسب ما يقول منتقدون لسياساته.
وإضافة إلى ذلك، يخشى الفرنسيون أيضاً أن ينجح إردوغان في إنشاء قاعدة لتيارات الإسلام السياسي المتشدد في ليبيا، مشيرين إلى نقل الأتراك إلى هذا البلد ما يصل إلى 10 آلاف مرتزق سوري من جماعات، بعضها يوصف بالتشدد، وبعضها كان جزءاً من «داعش» و«النصرة».
ويجادل الأتراك، في المقابل، بأن الفرنسيين كانوا يدعمون «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، الذي يعتبرونه «غير شرعي»، بينما هم جاءوا إلى ليبيا بناءً على طلب من «الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة»، في إشارة إلى حكومة فائز السراج المنبثقة من «اتفاق الصخيرات» بالمغرب في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015.
وتعترف الأمم المتحدة بالفعل بحكومة السراج، لكن منتقدين يقولون إن هذه الحكومة تفتقد الشرعية كونها لم تحصل على ثقة مجلس النواب الليبي، وكون فترة صلاحيتها المنصوص عليها في اتفاق الصخيرات تتحدث عن سنة ونصف السنة فقط، وهي فترة انقضت منذ زمن طويل.
وعلى رغم استمرار اتصالات فرنسا مع حكومة السراج، فإن هناك احتمالاً بأن تلجأ باريس إلى سحب غطاء الشرعية عنها؛ ما يعني اقترابها أكثر من الموقف المصري، الذي يتحدث عن جهة واحدة لها الشرعية في ليبيا، هي مجلس النواب المنتخب من الشعب (انتخابات 2014). وقد أعلن رئيس هذا المجلس، المستشار عقيلة صالح عيسى، دعمه الواضح للموقف المصري، بما في ذلك إمكان التدخل عسكرياً إذا حاولت تركيا السيطرة على سرت والجفرة، والتقدم شرقاً نحو الهلال النفطي.

مجلس النواب الليبي
برز دور رئيس مجلس النواب الليبي بشكل لافت أخيراً؛ إذ ظهر في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس السيسي مع المشير حفتر، والذي أُعلنت فيه مبادرة إطلاق الحوار الليبي – الليبي (إعلان القاهرة). كما سافر عقيلة صالح إلى الجزائر، وقابل رئيسها عبد المجيد تبّون الذي عرض وساطة بين الليبيين واستقبل لاحقاً، في إطار مسعاها هذا، فائز السراج. ومعلوم أن رئيس مجلس النواب الليبي كان يُصنّف سابقاً بأنه من معرقلي الحل في ليبيا (فرضتها عليه لجنة العقوبات في مجلس الأمن). وكان لافتاً في الفترة الماضية أن الأميركيين أطلقوا إشارات إلى رصدهم «اختماراً» للحراك السياسي في شرق ليبيا، في إشارة إلى وجود أصوات لا تدين بولاء كامل للمشير حفتر. ومعلوم أن خلافات نشأت بين الرجلين في الفترة الماضية، وتصاعدت بعد محاولة حفتر الحصول على «تفويض شعبي» خلال محاولته الفاشلة للتقدم نحو طرابلس، علماً بأنه معيّن في منصبه من مجلس النواب، الذي يتخذ من طبرق مقراً له. وتتبع لهذا البرلمان حكومة موازية في شرق البلاد برئاسة عبد الله الثني.
ويترافق رصد الأميركيين لـ«الاختمار» السياسي في شرق ليبيا مع استياء واضح يبدونه إزاء حفتر والحكومة الموازية. ومن مؤشرات هذا الاستياء انفتاح حكومة الشرق على حكومة الرئيس بشار الأسد في دمشق، وإعادة فتح سفارة ليبيا في العاصمة السورية، وهو أمر يتعارض كلياً مع سياسة واشنطن، الهادفة إلى عزل النظام السوري وخنقه اقتصادياً، ومنع أي تعامل معه (بما في ذلك معاقبة من يقوم بذلك).
كما كان لافتاً أن الأميركيين قالوا أخيراً إنهم قلقون من أنباء عن رصد طائرة المشير حفتر في كراكاس، علماً بأن واشنطن تحاول أيضاً خنق نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإطاحته.
وهناك نقطة خلاف أخرى بين الأميركيين وحكومة شرق ليبيا وجيشها الوطني، وهي ورقة صادرات النفط الليبية المتوقفة منذ نهاية العام الماضي. إذ منع مناصرون لحكومة الشرق والمشير حفتر تصدير النفط من موانئ الهلال النفطي، ومن حقول النفط في جنوب البلاد من أجل الضغط على حكومة السراج لوقف تمويلها التدخل التركي، بما في ذلك دفع رواتب المرتزقة السوريين من خزينة الدولة الليبية. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا أمس (الجمعة)، إن مرتزقة روساً ومن جنسيات أخرى دخلوا حقل الشرارة النفطي (بجنوب البلاد) لمنع استئناف الصادرات النفطية.



إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تستعرض «فريق القتال الروبوتي» في جنوب لبنان

مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)
مسيّرات إسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

يتجه الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام «الروبوتات» والوسائل غير المأهولة في عملياته البرية بجنوب لبنان، في موازاة شهادات للأهالي عن دخول مسيّرات صغيرة إلى منازلهم وانفجار بعضها في محيطهم.

وبينما ترى قراءات عسكرية أن هذه التقنيات تمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على الاستطلاع والتقدم وتقليل الخسائر البشرية، تبرز مخاوف من تأثيرها على السكان ومن قدرة الأنظمة الذاتية على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

زامير: تسريع الدمج

وخلال جولة في منطقة الخيام، الأربعاء، اطّلع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير على نموذج «فريق القتال الروبوتي» الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وفق بيان للجيش الإسرائيلي.

وقال زامير إن «الوسائل الروبوتية والتكنولوجية تعمل أمام القوات وإلى جانبها لتعزيز فاعليتها وحمايتها»، وأمر بتسريع دمج هذه القدرات في الوحدات المقاتلة.

طائرة مسيّرة إسرائيلية تحلّق في أجواء زوطر الغربية بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

تطور تكنولوجي

وفي تحليل لبناني لما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الحلو إن «توسّع الجيش الإسرائيلي في استخدام الأنظمة غير المأهولة والتقنيات الروبوتية في عملياته البرية بجنوب لبنان يعكس تطوراً في طبيعة الوسائل العسكرية المعتمدة، سواء على مستوى الاستطلاع والمراقبة أو تنفيذ العمليات الميدانية».

وأشار إلى أن «الإعلان الإسرائيلي عن هذه القدرات لا يقتصر على البعد العسكري والتقني، بل يحمل أيضاً رسائل نفسية ومعنوية موجّهة إلى (حزب الله) والدولة اللبنانية، فضلاً عن الداخل الإسرائيلي».

حرب روبوتية

وأوضح الحلو، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الحديث عن حرب روبوتية يعني الانتقال إلى استخدام أنظمة وتقنيات تتمتع بقدرة على العمل واتخاذ القرارات بصورة ذاتية، سواء كانت مسيّرات جوية أو منصات وآليات أرضية تعمل بواسطة تقنيات الروبوتيك».

وأضاف أن «هذه الأنظمة تتلقى المعلومات والمعطيات من محيطها، وتحللها، ثم تتخذ القرارات المتعلقة بحركتها وطريقة تنفيذ مهامها بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى تدخل مباشر من المشغّلين البشريين في كل مرحلة من مراحل عملها»، لافتاً إلى أن «هذا التطور يرفع مستوى الفاعلية العملياتية، ويحدّ من تأثير عامل التعب والإرهاق البشري على الأداء العسكري».

وأشار إلى أن «أحد أبرز الفوارق بين الأنظمة الروبوتية والعنصر البشري يتمثل في القدرة على العمل لفترات طويلة ومتواصلة؛ إذ إن الإنسان يحتاج إلى الراحة والطعام وتلبية احتياجاته الجسدية، في حين تستطيع الأنظمة غير المأهولة مواصلة تنفيذ مهامها لفترات أطول، وفق قدراتها التقنية والتشغيلية».

وضرب مثالاً على ذلك بأن «طائرة غير مأهولة قد تتمكن من البقاء في الجو لمدة تصل إلى ثلاثين ساعة، في حين أن الطيار البشري لا يستطيع مواصلة التحليق طوال هذه المدة من دون راحة»، عادَّاً أن «هذا الفارق يمنح الأنظمة الروبوتية ميزة عملياتية مهمة، خصوصاً في المهام التي تتطلب مراقبة واستطلاعاً مستمرين».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

مسيَّرات داخل البيوت

ونُقل، الخميس، عن سكان في ميفدون بقضاء النبطية روايات عن مسيّرات صغيرة دخلت منازلهم. وتحدثت طفلة من عائلة ملي عن مسيّرة انفجرت بعدما اقتربت منها ومن شقيقها، في حين روى أحد أفراد العائلة دخول مسيّرة أخرى منزلَه وتحليقها بين الغرف والنوافذ.

وفي هذا السياق، رأى العميد المتقاعد سعيد قزح أن «إعلان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير دمج أنظمة غير مأهولة في العمليات البرية بجنوب لبنان يؤكد التفوق التكنولوجي الكبير الذي تتمتع به إسرائيل، إلى جانب الولايات المتحدة، ويعكس التحول المتسارع نحو استخدام الروبوتات والمسيّرات والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية؛ بهدف تقليل المخاطر على الجنود والحد من الخسائر البشرية»، محذراً في المقابل من أن «الاعتماد على الأنظمة القتالية المبرمجة مسبقاً يطرح مخاطر جدية على حياة المدنيين، ويثير إشكاليات مرتبطة بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني».

وأوضح قزح، لـ«الشرق الأوسط»، أن «هذه التطورات تؤكد حجم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والأميركي، لكنها ليست مفاجئة؛ إذ سبق أن استُخدمت المسيّرات للدخول إلى المنازل، وهناك روايات عديدة عن تجهيز بعضها بميكروفونات تتيح التواصل مع الموجودين في الداخل».

مسيّرة إسرائيلية تحلّق فوق العاصمة اللبنانية بيروت صباح الأربعاء (أ.ف.ب)

ولفت إلى أن «إسرائيل تمتلك أنواعاً متعددة من الروبوتات والآليات العسكرية غير المأهولة، التي يمكن تشغيلها والتحكم بها عن بُعد، وبعضها مزود بمدافع صغيرة أو رشاشات، وتستطيع تنفيذ مهمات الاستطلاع والمراقبة والاشتباك والقتال، فضلاً عن التعامل مع الألغام والعبوات المفخخة»، موضحاً أن «الهدف الأساسي من استخدام هذه الوسائل هو الحد من تعريض العسكريين للخطر؛ إذ بات بإمكان الجيوش إرسال آليات غير مأهولة إلى مناطق خطرة، بدلاً من الدفع بالجنود مباشرة إلى داخلها».

مخاطر كبيرة

ورأى أنّ «ما يحصل اليوم ليس مستغرباً، بل يشكل امتداداً لتطورات تكنولوجية كان متوقعاً أن تدخل إلى الميدان العسكري». لكنه حذَّر من أن «هذا التطور ينطوي على مخاطر كبيرة، خصوصاً عندما تكون الروبوتات أو المسيّرات مبرمجة مسبقاً للتعامل مع أهداف محددة، بحيث تطلق النار تلقائياً بمجرد رصد هدف يتطابق مع المعايير الموضوعة لها، من دون العودة إلى قرار بشري مباشر».

وأوضح أن «المشكلة تكمن في احتمال إصابة أشخاص أبرياء أو مدنيين غير مشاركين في القتال، أو سقوط ضحايا آخرين موجودين بالقرب من الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن «هناك نقاشاً واسعاً بين المختصين في حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني بشأن استخدام هذه الأنظمة، ولا سيما عندما تكون مبرمجة مسبقاً لاتخاذ قرار إطلاق النار، بدلاً من أن تكون خاضعة لمشغّل في غرفة عمليات يستطيع مشاهدة الهدف وتقييمه قبل اتخاذ القرار».

وفيما يتعلق بإمكان توظيف هذه التقنيات في أي عملية تقدم بري إسرائيلية جديدة داخل الأراضي اللبنانية، أكد قزح أن «الجيش الإسرائيلي يستطيع استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة عن بُعد في مراحل التقدم المختلفة، خصوصاً للتعامل مع الألغام والعبوات المفخخة وتفجيرها، وفتح مسارات آمنة نسبياً أمام القوات البرية، بما يسمح بتقليل المخاطر على الوحدات العسكرية المتقدمة».


فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
TT

فوز «عبدول» في انتخابات الكونغرس يثير جدلاً مصرياً

عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد السيد يصافح أنصاره بعد إعلانه الفوز في سباق مجلس الشيوخ بولاية ميشيغان (أ.ف.ب)

جدل تشكَّل سريعاً عقب فوز الديمقراطي الأميركي من أصل مصري، عبد الرحمن السيد، المعروف باسم «عبدول»، في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، خصوصاً وسط اتهامات ينفيها بانتمائه إلى تنظيم «الإخوان» الذي حظرته السلطات المصرية منذ 2013، وأحاديثه الأخيرة التي تطالب بتقليل المساعدات الأميركية العسكرية للقاهرة.

فوز مثير للجدل

وفاز السيد بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، الأربعاء، ليصبح بذلك أول مسلم ينتخب في ذلك المجلس، متغلباً على منافسه الجمهوري مايك روجرز (63 عاماً).

وسبق أن أثار السيد جدلاً في مصر خلال خطاب في مدينة ديترويت الأميركية بعد فوزه في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية بميشيغان في أغسطس (آب) الماضي، عقب قوله: «لولا هجرة والدي لجامعة وين ستيت لكنت سائق تاكسي في مصر كأبناء عمومتي»، وهو ما أثار عاصفة انتقادات ضده.

وتجدد الجدل في مصر عقب فوز السيد، بعد أيام من حديثه عن ركيزة أساسية في علاقة واشنطن بالقاهرة، ألا وهي المساعدات العسكرية الأميركية، إذ دعا إلى خفض هذا التمويل، إلى جانب المساعدات المقدمة لإسرائيل، حسبما ذكرت شبكة «سي إن إن» الأميركية، الأربعاء.

يُذكر أن السيد وُلد عام 1984 في ولاية ميشيغان لعائلة مصرية مهاجرة من مدينة الإسكندرية الساحلية، ودرس الطب في جامعتَي ميشيغان وكولومبيا، وتخصص في علم الأوبئة. وفي عام 2015، عاد السيد إلى ميشيغان لتولي إدارة الصحة العامة في مدينة ديترويت.

عبد الرحمن السيد السيد خلال حفل أُقيم ليلة الانتخابات في «ذا ديبارتمنت آت هادسونز» بمدينة ديترويت بميشيغان خلال وقت مبكر من يوم 4 نوفمبر 2026 (أ.ف.ب)

تباينات

وتعليقاً على فوز السيد، كتب الصحافي المصري أحمد الطاهري، الرئيس السابق لقطاع القنوات الإخبارية بالشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للدولة: «عبدول في خطاب عام 2012 ضمن مجموعة من الجالية وعدد من أعضاء التجمعات المرتبطة بتنظيم الإخوان أعلن دعمه (للرئيس المصري الراحل المنتمي للإخوان محمد مرسي) في الإعلان الدستوري وحصار المحكمة الدستورية». وأضاف: «هذه مرجعيته بغض النظر عن الأداء الملحمي في الانتخابات الذي يُحسب له، ولا نتجنى عليه، لكن إخوانيته جزء من تكوينه وصناعته».

في المقابل، احتفى مدونون مصريون على مواقع التواصل الاجتماعي بفوز السيد، معتبرين أن وصول شخصية من أصول مصرية إلى موقع سياسي أميركي يستحق الاهتمام، فيما ركز آخرون على حضور ملامح من الشخصية المصرية في طريقة حديثه ومواجهاته السياسية.

وعبَّر عضو مجلس نقابة الصحافيين محمد سعد عبد الحفيظ، عبر «فيسبوك» عن أنه «سعيد جداً بفوز عبدول»، وعدّه «هزيمة لترمب ولكل ما يمثله، وهزيمة لإسرائيل»، مضيفاً: «من يقول لي أصل عبدول إخوان، ووقَّع على مذكرة لمرسي، سأقول: إعلاميون وصحافيون كبار من المتصدرين للشاشات والمشهد العام حالياً غازلوا الإخوان ي أثناء حكمهم، ثم أصبحوا اليوم يهاجمونهم ويهاجمون كل من يعارض النظام الحالي أو يختلف معه».

وعلى شاكلة هذه التباينات جاءت آراء نائب مصري وخبراء تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إذ يرى أحمد علاء فايد، عضو لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب المصري، أن فوز السيد «شأن أميركي بحت».

وشبَّه فايد الاهتمام الجماهيري العابر بالدعم التشجيعي للأندية الرياضية العالمية الذي لا يغير من الواقع المعيشي للمشجع شيئاً، مشدداً على ضرورة قراءة المشهد السياسي الخارجي بموضوعية بعيداً عن المبالغة في التوقعات أو ردود الفعل.

وأوضح فايد أن أي مواطن يتم انتخابه في الكونغرس، بغض النظر عن خلفيته أو أصوله، يعبِّر في المقام الأول والأخير عن اهتمامات ورغبات وأولويات الناخب الأميركي الذي قام بانتخابه لضمان استمراريته السياسية.

ويرى الخبير السياسي المصري عمرو الشوبكي أن حسابات مثل هذه الشخصيات وتوجهاتها تلتزم في المقام الأول بالبيئة السياسية والاجتماعية لدولها، وليست بالضرورة انعكاساً للواقع المحلي المصري.

وعن جدل الانتماء السياسي للسيد، أضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»، أن جزءاً كبيراً من هذه النقاشات يُعد محط تجاذبات إعلامية وسياسية داخلية وخارجية، مبيناً أهمية تفكيك هذه القضايا بعيداً عن المزايدات، والنظر بموضوعية إلى طبيعة الدور الذي تلعبه هذه الشخصيات ضمن سياقها الحزبي.

وعن تقديره للموقف المحتمل من عبد السيد تجاه مصر، نبّه الشوبكي إلى أن الأجندة السياسية للديمقراطيين لا سيما في ملفات بينها حقوق الإنسان ستكون بوصلته.

موقفه من القاهرة

بدوره، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عاطف سعداواي، لـ«الشرق الأوسط»، إن التقييم يجب أن يخضع لمعايير النظام السياسي الأميركي الذي يعمل السيد في إطاره، بعيداً عن الانتماءات، مشيراً إلى أن حديثه خلال حملته الانتخابية عن مصر ومستقبله فيها حال لم يهاجر، «لا يشي بأي تفاؤل أو دعم للقاهرة، وسيكون مرتبطاً بسياسات الحزب الديمقراطي المعروفة بتشددها ضد مصر».

وأشار إلى أن التاريخ يثبت عدم صواب الرهانات على جذور المسؤولين الأميركيين، مستشهداً بحالة الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي حظي باحتفاء عربي غير مسبوق عند وصوله للسلطة، بينما جاءت سياساته العملية خلال فترتي حكمه متناقضة مع تلك التوقعات ومسَّت القاهرة مراراً عبر ضغوط.

ويعتقد منير أديب، الباحث المصري المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الأمن القومي والإرهاب، أن فوز السيد «يمثل تطوراً يستحق المتابعة المصرية، ليس بسبب أصوله المصرية أو خلفيته الدينية، وإنما بالنظر إلى مواقفه السياسية السابقة، ورؤيته لقضايا الشرق الأوسط، وطبيعة علاقاته بالتيارات السياسية والدينية والمنظمات ذات الحضور في الولايات المتحدة».

وأضاف أديب أن تقييم تأثير أي عضو في الكونغرس على العلاقات المصرية - الأميركية يجب ألا ينطلق من جنسيته الأصلية أو ديانته، وإنما من مواقفه المعلنة، وسجله التشريعي، وتحركاته داخل المؤسسات الأميركية، وقدرته على التأثير في دوائر صنع القرار، فعضوية مجلس الشيوخ تمنح صاحبها أدوات مهمة، تشمل المشاركة في مناقشة المساعدات الخارجية، والرقابة على السياسة الخارجية، والتصويت على التعيينات والاتفاقيات ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي.

وأكد أن «عبدول سبق أن واجه اتهامات سياسية بوجود صلات له بجماعة الإخوان المسلمين، استند بعضها إلى مواقف وتصريحات سابقة، من بينها توقيعه على رسالة عام 2012 مؤيدة لقرارات الرئيس الأسبق محمد مرسي»، مشدداً على أنه «رغم نفيه مراراً وجود أي صلة له بالجماعة، فإنه يتبنى رؤية الإخوان وتصوراتهم بواقع انتمائه إلى جناح في الحزب الديمقراطي يتقاطع مع قراءات الإخوان لبعض أبرز ملفات المنطقة».


جبهات الحوثيين تحت الضغط العسكري في الجوف وشمال لحج

مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
TT

جبهات الحوثيين تحت الضغط العسكري في الجوف وشمال لحج

مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)
مقاتلون من الجيش اليمني يتمركزون في أحد المواقع في محافظة الجوف (أ.ف.ب)

نقلت القوات الحكومية اليمنية المواجهات مع الحوثيين إلى مرحلة جديدة من العمليات الهجومية في محافظتي الجوف ولحج، بالتزامن مع إحباط محاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في مأرب وتعز، في تطورات ميدانية تعكس اتساع نطاق العمليات العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن».

وفي أحدث التطورات، تمكنت القوات الحكومية من تثبيت مواقعها في سلاسل جبلية استراتيجية شرقي محافظة الجوف، بعد إحراز تقدم ميداني في مناطق كانت خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في خطوة من شأنها تعزيز مواقعها العسكرية وتهيئة الظروف لمواصلة التقدم باتجاه مدينة الحزم، مركز المحافظة.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي أن وحدات من الفرقتين الأولى والثالثة طوارئ تمكنت من استعادة مواقع كانت تتمركز فيها الجماعة الحوثية في مناطق أم لفيفة وقرون الصبير ودحيضة العاقر، ضمن العمليات العسكرية المتواصلة في المحافظة.

وقال النزيلي، في بيان، إن القوات الحكومية حققت تقدماً ميدانياً في جبهات الجوف، مشيراً إلى استمرار العمليات العسكرية لاستعادة المواقع التي سيطرت عليها الجماعة، بدعم من الطيران الحربي والمسيّر.

قوات الجيش اليمني أحرزت تقدماً ميدانياً باتجاه مركز محافظة الجوف (أ.ف.ب)

ووفقاً لموقع «سبتمبر نت» التابع لوزارة الدفاع اليمنية، تقدمت القوات الحكومية في سلسلة جبال الدحيضة، وتمكنت من اقتحام تحصينات وثكنات حوثية والاستيلاء على أسلحة ومعدات قتالية، في حين استهدف الطيران الحربي والمسيّر تجمعات ومخازن أسلحة للجماعة في مواقع متعددة.

ويكتسب التقدم في هذه المناطق أهمية عسكرية بالنظر إلى طبيعة التضاريس الجبلية وموقعها بالنسبة إلى الطرق المؤدية إلى مدينة الحزم، التي تمثل مركز الثقل الإداري والعسكري للجماعة الحوثية في المحافظة، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية تثبيت مكاسبها وتأمين المواقع المستعادة قبل توسيع نطاق تقدمها.

وفي محاولة لاحتواء هذا التقدم، شنّت الجماعة الحوثية هجوماً واسعاً على مواقع القوات الحكومية في منطقة حلحلان بمديرية رغوان، غرب المحافظة، غير أن القوات تمكنت من التصدي للهجوم وإجبار المهاجمين على التراجع، وفقاً لمصادر عسكرية حكومية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم الحوثي في حلحلان استهدف الضغط على القوات المتقدمة في الجوف، ومحاولة إرباك تحركاتها العسكرية والالتفاف على مواقعها الجديدة، إلا أن القوات الحكومية كانت مستعدة لهذا التحرك وتمكنت من إحباطه، وفق المصادر نفسها.

هجوم مضاد في لحج

وفي جبهة لحج، استعادت القوات الحكومية المبادرة بعد إعادة تنظيم انتشارها العسكري في محور طور الباحة، وبدأت هجوماً مضاداً لاستعادة المناطق التي تقدمت إليها الجماعة الحوثية في مديرية المقاطرة، المحاذية لمديرية طور الباحة.

وتمكنت القوات، بإسناد من الطيران الحربي، من دخول أولى مناطق المديرية، والتقدم إلى قرية بني عبدان، مع استمرار المعارك في محيطها، في حين امتدت العمليات إلى مواقع حوثية في حيفان والزريقة الشام، بمحافظة تعز، ضمن تحرك عسكري متزامن على أكثر من محور.

وتشير هذه التطورات إلى أن القوات الحكومية انتقلت من مرحلة احتواء الاندفاعة الحوثية في مناطق المقاطرة إلى تنفيذ هجمات لاستعادة المواقع، بعد تعزيز انتشارها وإعادة ترتيب القيادة العسكرية في محور طور الباحة، بما أتاح لها استعادة زمام المبادرة في هذه الجبهة.

وفي سياق متصل، أفادت معلومات ميدانية بمشاركة كتائب من ألوية العمالقة في تحرك التفافي واسع بجبال المضاربة، استهدف مواقع وعناصر حوثية، وأدى، بحسب الأرقام التي أوردتها تلك المعلومات، إلى مقتل وإصابة عشرات الحوثيين واستعادة معدات قتالية.

تعز بين الهجمات والخسائر المدنية

في مدينة تعز المحاصرة، تواصلت المواجهات على نحو متقطع في عدد من الجبهات، مع إحباط القوات الحكومية والمقاومة الشعبية هجمات حوثية ومحاولات تسلل، خصوصاً في الجبهة الشمالية والشمالية الغربية، بالتزامن مع استمرار الاشتباكات في المحور الجنوبي الشرقي.

وأعلنت القوات الحكومية كسر هجوم حوثي باتجاه عبارة العواضي في منطقة الأربعين، شمال المدينة، وإجبار المهاجمين على التراجع، في حين شهدت جبهة الشقب تحركات وتعزيزات حوثية، تضمنت أطقماً ودبابات وصلت من اتجاه الدمنة، وفقاً لمصدر عسكري نقل عنه موقع «سبتمبر نت».

قوات الحكومة اليمنية استعادت زمام المبادرة في جبهات الجوف ولحج ضد الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي جبهة الأقروض، جنوب شرقي تعز، تمكنت قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية، الخميس، من كسر هجوم شنته الجماعة الحوثية واستمر نحو 4 ساعات، وشمل محاور حمة والكريف ورأس النقيل والقحفة. وأسفرت المواجهات، بحسب مصادر ميدانية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المهاجمين.

لكن التصعيد الحوثي في المحافظة لم يقتصر على المواجهات العسكرية؛ إذ أسفر قصف بصاروخ باليستي استهدف منزلاً في عزلة الأثاور بمديرية حيفان عن مقتل أربعة مدنيين من أسرة واحدة، بينهم 3 أطفال، وإصابة 4 آخرين، وفقاً لما أعلنه مدير عام المديرية علي راوح.

وأوضح راوح أن الصاروخ استهدف منزل المواطن علي عبد الحق الأثوري، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، وامرأة تبلغ 35 عاماً، وإصابة 4 آخرين، بينهم أطفال، فضلاً عن تضرر عدد من المنازل وإثارة حالة من الخوف والهلع بين السكان.

ويأتي هذا الاستهداف في ظل اتساع رقعة المواجهات في جنوب تعز، حيث تتزامن العمليات العسكرية في المقاطرة وحيفان والزريقة الشام مع استمرار محاولات الجماعة الحوثية الضغط على مواقع القوات الحكومية في محيط المدينة، وفتح جبهات جديدة لتشتيت قدراتها.