صوعان: فضية سيدني كلفتني سنوات من الجدية والانضباط والالتزام

البطل السعودي تحسّر على إضاعة فرصة التتويج بالذهبية في سباق 400 متر حواجز

هادي صوعان يرفع علم المملكة في الأولمبياد (الشرق الأوسط)
هادي صوعان يرفع علم المملكة في الأولمبياد (الشرق الأوسط)
TT

صوعان: فضية سيدني كلفتني سنوات من الجدية والانضباط والالتزام

هادي صوعان يرفع علم المملكة في الأولمبياد (الشرق الأوسط)
هادي صوعان يرفع علم المملكة في الأولمبياد (الشرق الأوسط)

يعد البطل الأولمبي هادي صوعان علامة فارقة في سماء الرياضة السعودية، وأحد الأبطال الذين سيخلدهم التاريخ طويلا، فهو صاحب أول ميدالية أولمبية سعودية، وأول من رفع العلم الأخضر عاليا في سماء المحفل الدولي الكبير، عقب إنجازه التاريخي في مسابقة 400م حواجز بأولمبياد سيدني 2000.
ورغم مرور 20 عاما على هذا المنجز إلا أن اسم البطل السعودي دائما ما يلوح في الأفق عند الحديث عن تطلعات الرياضيين السعوديين قبل أي أولمبياد أو محفل دولي، فهو أيقونة ومحفز ومصدر إلهام ومحط أنظار للمواهب المحلية والعربية ليس على مستوى ألعاب القوى فحسب، بل يمتد تأثيره إلى بقية الرياضات الأخرى.
ويرى صوعان أن ألعاب القوى السعودية تحتاج إلى النهوض من جديد بعد تراجعها الكبير في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن عدم الاهتمام بالبنية التحتية ونوعية المدربين يعد من المسببات الرئيسية لذلك الأمر. ويبدي صوعان ثقته في أن ألعاب القوى السعودية ستعود بقوة في ظل الدعم والاهتمام الذي تقدمه وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية السعودية، ويطالب الأندية بالمشاركة والمساهمة في صناعة الأبطال الأولمبيين بموازاة العمل الذي تقدمة الجهات المسؤولة عن الرياضة في البلاد.
صوعان تحدث في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن الكثير من الجوانب التي تخص رياضة ألعاب القوى السعودية ومستقبلها وتطلعاتها، كما أدلى بدلوه فيما يتعلق بالخطوات الواجب اتباعها لإعادة توهج هذه الرياضة.
> رغم مرور 20 عاما على الإنجاز، إلا أن الكثيرين ما زالوا يستحضرون لحظة تتويجك بفضية 400م حواجز في أولمبياد سيدني كأول ميدالية سعودية في هذا المحفل الكبير، كيف تجد ذلك؟
- لا أخفي عليك مدى فخري بتحقيق هذه الميدالية، وأن أكون جزءا من عمل كان نتاجه هذه الميدالية التي سجلت باسم المملكة، والحقيقة ما كان هادي صوعان ليحققها لولا توفيق الله ثم العمل الجماعي بدءا من القيادة الرياضية للجنة الأولمبية وحتى أصغر القائمين عليها في ذلك الوقت. لقد عملت لسنوات لتحقيق هذا المنجز وكان هذا المشروع الذي توجنا من خلاله بأول ميدالية في الأولمبياد وحقيقة أنا فخور وسعيد أن أكون جزءا من هذا العمل وأدخل التاريخ كأول عداء سعودي يحقق هذه الميدالية، ولقد تكرر الإنجاز في نفس الأولمبياد من خلال البطل الأولمبي الفارس خالد العيد، حيث حقق الميدالية البرونزية، وبعدها بـ12 عاما تحققت الميدالية الثالثة وكانت برونزية في أولمبياد لندن، وصحيح أن تاريخنا ليس بالتاريخ القوي على المستوى الأولمبي ولكن مستقبلنا بإذن الله سيكون حافلا بالإنجازات خصوصاً مع توجه القيادة الرياضية واللجنة الأولمبية لصناعة أبطال سعوديين.
> كيف تصف لحظات الفرحة ومن أول من اتصل بك بعد التتويج؟
- كانت بوادر تحقيق إنجاز في ذلك اليوم واضحة، خصوصاً بعد المستويات المذهلة في المراحل التأهيلية، وقتها كان الأمير نواف بن فيصل «نائب رئيس رعاية الشباب» حاضرا، وأيضاً الأمير نواف بن محمد، رئيس الاتحاد السعودي لألعاب القوى، وكانا أول المهنئين في الميدان بعد نهاية السباق، وبعد التتويج توالت اتصالات التهاني وتلقيت أول اتصال من الأمير سلطان بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب والكثير من القيادات الرياضية والأصدقاء، ولم تسعني الفرحة في تلك اللحظة.
>عند خط النهاية كان التنافس بينك وبين صاحب المركز الأول كبيرا، هل تعتقد أنه كان بإمكانك الحصول على الذهبية حينها؟
- قبل انطلاق السباق كنت أنا وبقية المتسابقين نمني النفس بأي ميدالية من الميداليات الثلاث، خاصة أن جميع المتسابقين لم يسبق لهم التتويج في الألعاب الأولمبية، وإذا تحدثنا عن إنجازات المتسابقين وجاهزيتهم، فالجميع كان على أتم الاستعداد وسجل حضوره خلال الموسم الرياضي، والأرقام كانت تتفاوت بيننا ولم أكن الأفضل في المجموعة وكانوا يتفوقون على مستوى الحضور والرقم الزمني ما قبل التأهيل للأولمبياد والبطولات، ولكن مع مرور الأدوار التمهيدية وفي الدور النصف النهائي كنت الأكثر جاهزية والأفضل تأهيلا وكانت لي حظوظ كبيرة في الحصول على إحدى الميداليات والأقرب للذهبية. كان نصيبي مع الميدالية الفضية وشعرت لحظتها بالحسرة، ولكن عندما رجعت للمنطق فقد كسبت الميدالية الفضية ونجحت بالتفوق على لاعبين كانوا يتفوقون علي بالمستوى بالإضافة أن صاحب المركز الأول الأميركي انجيلو تايلور هو المصنف الأول عالمياً وأنهى الموسم كأفضل لاعب على مستوى العالم ومع ذلك حصوله على الميدالية الذهبية لم يأتِ بسهولة بل واجه صعوبة بالغة، وفي هذا السباق خرجت بمكاسب عدة منها تحسن زمني وتحقيق رقم آسيوي جديد ودخلت من أفضل 10 أزمنة في تاريخ السباق، وسجلت اسمي على مستوى التاريخ الأولمبي مع أساطير السباق ولا أخفيك أخذتني العاطفة في ذلك الوقت بخسارتي للميدالية الذهبية وكنت على بعد أجزاء من المائة من الثانية، وتخيل الفارق البسيط جداً حيث سجلت زمن 47.53 والأميركي تايلور سجل 47.50.
> منافسات ألعاب القوى من أشد واصعب الرياضات إلا أنك حققت العديد من الإنجازات والأرقام الشخصية، وكنت الأبرز بين أبناء جيلك، ما هو السر في ذلك؟
- لو تحدثنا عن الجيل الذي مثل المنتخب السعودي للألعاب القوى في ذلك الوقت فأنا لست أكثر اللاعبين موهبة ولا أكثرهم قدرة وقوة، ولكن كنت أتميز عن زملائي اللاعبين بمزايا كانت هي المفتاح للتفوق والنجاح، منها الرغبة والانضباط والجدية وهذا ليس تقليلا من قدراتهم ولكن، كان تركيزي عاليا وكنت أعطي الأمور حقها وزيادة وهذه المزايا التي ركزت فيها صنعت مني بطلا أولمبيا وواصلت حصد الكثير من الألقاب في الكثير من المشاركات.
> من خلال مشاركاتنا في الأولمبياد أو الدورات الرياضية المجمعة، دائما ما تتصدر رياضة ألعاب القوى المشهد في عدد الميداليات، كيف تجد ذلك؟
- بالفعل رياضة ألعاب القوى السعودية سجلت حضورا مشرفا في العديد من المشاركات على المستوى العالمي والقاري وهذا العمل خطط له من سنوات لصناعة جيل يستطيع المنافسة وليس ألعاب القوى السعودية فقط بل هناك العديد من المنتخبات العالمية تخطط لصناعة أبطال في هذه الرياضة فمثلا منتخب كندا عام 1995 و1996 وكذلك المنتخب الإنجليزي عام 2012 ونحن نتحدث عن 23 مسابقة في هذه الرياضة ومثل هذا العمل يحتاج إلى جهد كبير وما قام به الاتحاد السعودي لألعاب القوى في فترة التسعينيات جنيت ثماره عام 2000 واستمرت الإنجازات حتى عام 2006 وكان الإنفاق المادي ونوعية المدربين ونوعية المعسكرات والتركيز العالي وساعات العمل العالية هي من صنعت هذا الجيل وكان هادي صوعان محظوظا أن يكون مع ذلك الجيل، وكان لدينا تفوق في منافسات الوثب الطويل والوثب الثلاثي والسرعات والحواجز والمسافات المتوسطة ورمي الجلة وكنا الأوائل على مستوى القارة من حيث الحضور والأرقام والميداليات ولكن للأسف مع مرور الوقت تقلصت الإنجازات بسبب اختلاف نوعية العمل وضعف في بعض المسابقات واعتزال الجيل الذهبي وعدم استمرار المدربين المميزين والآن هناك خطط وعمل وبرامج يتم الإعداد لها مستقبلاً لعودة اللعبة من جديد.
> شاهدنا الكثير من العدائين الذين سجلوا حضورا مميزا في المشاركات الأولمبية ولكن اختفوا مع مرور الوقت أمثال يوسف مسرحي ومحمد الصالحي وسلطان الحبشي، ما السبب برأيك؟
- لو عدنا لأعمار هؤلاء اللاعبين نجدهم لا يقلون عن 30 عاما وهذا الجيل تقريباً شبه انتهى، وأعتقد أنهم أدوا أدوارهم بنجاح في الملاعب، ففي سن النضوج والعطاء نجد أنهم حققوا الميداليات في الدورات الآسيوية والتأهل لبطولة العالم والتأهل للأولمبياد ولسنوات متتالية ومثل هذا الظهور لا بد أن تخلفه أجيال متتالية، وهذا ما نفتقده في السعودية، فلا بد أن يكون لدينا جيل جديد يعوض هؤلاء اللاعبين وهذا أعتبره خللا وهؤلاء اللاعبون الذين ذكرتهم قدموا كل ما لديهم، وعلى سبيل المثال البطل سلطان الحبشي الذي حقق الميدالية الذهبية في رمي الجلة في ثلاث دورات آسيوية، فأنت تتحدث عن ثماني سنوات متتالية من التفوق وهو بطل للقارة، ومن الظلم أن تأتي بعد 12 عاما وتطالبه بميدالية، أيضا العداء يوسف مسرحي في مسابقة 400 متر كان أول ظهور له في أولمبياد لندن 2012 ووصل إلى الدور نصف النهائي، وكان أيضا متواجدا خلال الـ4 سنوات في سباقي نهائيات في بطولات العالم 2013 و2015 خلاف ذلك بطل دورة الألعاب الآسيوية وحقق رقما قياسيا آسيويا ويعتبر من أفضل ثمانية عدائين على مستوى العالم لسنوات وللأسف سوء الطالع حرمه من ميدالية في بطولة العالم 2015 ولو وفق ووزع مجهوده في ذلك السباق لتوج بميدالية، فالخلل ليس في اللاعبين وإنما في تجهيز البديل، وكان لا بد من وجود مجموعة بديلة لتغطية هؤلاء اللاعبين بعد انتهاء أعمارهم الافتراضية، فالمشكلة التي نواجهها هي التركيز على الأفراد وننسى التركيز على المجموعة.
> كيف ترى مشاركتنا في أولمبياد طوكيو المقبل؟
- مرحلة التأهيل لم تأخذ وقتها وبالتالي من الظلم أن تحدد كم لاعبا سيشارك في الأولمبياد وجاء التوقف بسبب أزمة فايروس كورونا ومن المفترض أن تكون نهاية مرحلة التأهيل في أواخر شهر يونيو (حزيران) فاللاعبون حتى الوقت الراهن لم يبدأوا موسمهم فتوقفت التدريبات والمشاركات لذلك لا يمكن تحديد عدد المتأهلين في رياضة ألعاب القوى أو الرياضات الأخرى ولكن وفق حديثي مع رئيس الاتحاد العميد هادي القحطاني ومع الفنيين يتوقع تأهل من 4 إلى 6 لاعبين.
> كيف ترى مستقبل رياضة ألعاب القوى السعودية؟
- بكل صراحة حاضر ألعاب القوى السعودية للأسف دون مستوى التطلعات وتحتاج إلى جهود مضاعفة حتى تعود إلى سابق عهدها، وبالنسبة إلى اهتمام الأندية يعتبر ضعيفا للغاية حتى الموسم الحالي، فخلال الـ7 سنوات الماضية للأسف كانت البنية التحتية ضعيفة بسبب قلة الإنفاق على الألعاب المختلفة بما فيها ألعاب القوى وأيضا لا يوجد مدربون على كفاءة عالية، وأيضا كانت الأدوات والمستلزمات ضعيفة. والآن بدأت تتغير الأمور فالإنفاق والرؤية والتطلعات اختلفت ودعم ورعاية الأندية اختلفا وأصبحنا الآن الأفضل من ناحية الإنفاق على مستوى الوطن العربي وحتى نجني ثمار هذا العمل نحتاج على أقل تقدير من موسمين إلى ثلاثة مواسم ويعتمد على عمل الأندية والذي سيصبح قاعدة أساسية للمنتخبات ونستطيع صناعة بطل أولمبي إذا أحسنت الأندية التصرف والإدارة، والتي تعتبر اللبنة الأولى. ولتكتمل المنظومة لا بد من تفعيل أكثر لدور الرياضة المدرسية، ومتى ما تهيأت سنصبح قادرين بإذن الله على تحقيق تطلعات القيادة الرياضية واللجنة الأولمبية.


مقالات ذات صلة

مصدر في «فيفا» لـ«الشرق الأوسط»: تصويت الجماهير هو سبب تفوق فالفيردي على العويس والعمري

خاص فيدريكو فالفيردي نجم أوروغواي (أ.ف.ب)

مصدر في «فيفا» لـ«الشرق الأوسط»: تصويت الجماهير هو سبب تفوق فالفيردي على العويس والعمري

أكد مصدر خاص في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لـ«الشرق الأوسط»، أن السبب الرئيسي وراء فوز فيدريكو فالفيردي بجائزة رجل المباراة هو تصويت الجماهير.

نواف العقيّل (ميامي)
رياضة سعودية علي عبد الرؤوف (نادي الخليج)

الخليج يجدد عقد الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028

جددت إدارة نادي الخليج المنافس في الدوري السعودي لكرة القدم عقد لاعب الوسط الشاب علي عبد الرؤوف حتى 2028 ليستمر في صفوف الفريق.

علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية تصدر اسم العويس عناوين الصحف والمواقع الرياضية العالمية (أ.ب)

«البطل» و«الجدار» و«جلاد ميسي»... صحافة العالم تحتفي بملحمة العويس أمام الأوروغواي

تحول الحارس السعودي محمد العويس إلى أحد أبرز نجوم الجولة الأولى من كأس العالم 2026 بعدما قاد المنتخب السعودي لانتزاع تعادل ثمين بنتيجة 1 - 1 أمام الأوروغواي

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة سعودية العمري بات أول لاعب سعودي من نادي النصر وأول مدافع يسجل في المونديال (المنتخب السعودي)

كيف أعاد خيسوس ودونيس بناء العمري حتى أصبح بطل ليلة الأوروغواي؟

في الدقيقة الأربعين من ملحمة السعودية والأوروغواي في كأس العالم 2026 انشقت الأرض داخل منطقة جزاء المنتخب اللاتيني

أحمد الجدي (الرياض) علي القطان (الدمام)
رياضة عالمية أبعد العويس كثيراً من الكرات الخطرة عن مرمى بلاده (رويترز)

رغم 9 تصديات حاسمة... لماذا ذهبت جائزة رجل المباراة لفالفيردي بدلاً من العويس؟

أثار إعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) منح جائزة رجل مباراة السعودية وأوروغواي للنجم الأوروغوياني فيديريكو فالفيردي، موجة من التساؤلات في الأوساط الرياضية.

حامد القرني (تبوك)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.