شعراء وروائيون مصريون يتحدثون عن ثوراتهم الخاصة

يرون أن التمرد سلاحهم للبحث عن حياة وكتابة جديدتين

سهير المصادفة  -  عزة رشاد  -  أسامة حداد  -  عبد الحميد البرنس  -  ديما محمود  -  صبحي قمحاوي
سهير المصادفة - عزة رشاد - أسامة حداد - عبد الحميد البرنس - ديما محمود - صبحي قمحاوي
TT

شعراء وروائيون مصريون يتحدثون عن ثوراتهم الخاصة

سهير المصادفة  -  عزة رشاد  -  أسامة حداد  -  عبد الحميد البرنس  -  ديما محمود  -  صبحي قمحاوي
سهير المصادفة - عزة رشاد - أسامة حداد - عبد الحميد البرنس - ديما محمود - صبحي قمحاوي

تتعدد السلطات والقيود التي يعترض ويتمرد عليها المبدع، ليكتسب مساحة استثنائية للتعبير عن همومه وثورته الخاصة، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، لكن ما حقيقة هذا التمرد؟ وما جدواه ودلالته؟ وكيف ينعكس على عملية الكتابة نفسها التي كثيراً ما تتحول إلى قيد وسلطة يجب التمرد عليها؟
هنا آراء لشعراء وكتاب حول أثر التمرد في تشكيل وجدانهم، وفتح آفاق جديدة للإبداع، أكثر حرية واتساعاً وانفتاحاً على قضايا الوجود والإنسان.
- سهير المصادفة (روائية): القراءة سراً
عندما كنت طفلة، عرف أبي أنني سأكون مبدعة، إذ كنت لا أفوت فرصة إلا وأتمرد على كل ما يظنون أنه راسخ أبدي، مثل أن أجلس في البيت بينما يلعب أخي في الشارع حتى ساعة متأخرة؛ أواصل قراءة ألغاز المغامرين الخمسة وأنتهي منها بسرعة، وأسأل: لماذا لا أخرج؟ فيقول لي أبي: لأن الشباب في الشوارع ذئاب. أقول: لماذا لا يتعلمون أن يكونوا بشراً حتى أستطيع الخروج؟ يقول: لأنك ضعيفة، فأتمرد على قراءة الألغاز، وأبدأ في قراءة كتب نوال السعداوي سراً، فأعرف أن المرأة مثل الرجل، وأن ما يُشاع عن ضعفها هو مجرد أكذوبة كبرى حتى يحافظ الرجل على مكتسباته، ومن ثم أخرج للمجتمع فأتمرد على كل أشكال التمييز والظلم والتنمر.
في جميع حواراتي الصحافية، كانوا يسألونني فور صدور رواية جديدة لي عن تحطيم التابوهات الثلاثة الشهيرة، وكنت أرد دائماً: وعن ماذا أكتب إذا لم أكتب عن السياسة والدين والجنس؟ ماذا يتبقى لي للكتابة؟ في «لهو الأبالسة»، روايتي الأولى، تمردت على أسباب الجهل والمرض، وازدراء المرأة، والفساد السياسي، وصعود تيارات التطرف الديني؛ كنت أعرف أن هذا كله لن يؤدي إلى شيء سوى مزيد من الانهيار والتطرف. أغضبت الرواية أحد النواب الإخوان في مجلس الشعب عام 2010، فقدم ضدها طلب إحاطة لمصادرتها! ولكني واصلت مشواري الإبداعي حتى صدرت روايتي السادسة «يوم الثبات الانفعالي» عام 2019.
ومن واقع تجربتي أقول: استحالة أن يكون المبدع غير متمرد؛ إن الإبداع هو التمرد على المألوف، وهو أيضاً حالة خلق عمل من العدم، ولكي يكون هذا العمل فارقاً، عليه أن يتمرد على كل ما قبله. نحن نعرف روائيين عبر التاريخ الإبداعي تمردوا على أسلوب السرد القديم، فأصبحوا رواداً، وتمردوا على كل معطيات مجتمعاتهم، فحققوا انتصارات للإنسانية، ونذكر منهم دوريس ليسنج وكافكا ونجيب محفوظ.
- عزة رشاد (روائية): التمرد على {كورونا}
عشت مع أمي وأبي في مدينة صغيرة، ناجية من ويلات القرى، ومن انفتاح المدن الكبيرة، غمرتنا محبة شملت الأهل والأقارب، والروابط التي تمنحك الأمان، وتدفئك رويداً رويداً حتى تدمجك، وتصهرك وتذيبك وتفقدك ذاتك.
تعرفت على ذاتي في المعرفة، معرفة الناس والعالم، المعرفة نقيض التلقائية والنمطية، وكذلك القراءة، المعرفة هي أن تجرح طمأنينتك وبديهياتك لتنقلك لمناطق مظلمة، وفي العموم لولا التمرد على السائد ما تطور العالم. وبالنسبة لي، فبالأخص فترة الجامعة كانت لاكتشاف قوانين الطبيعة والاقتصاد والفن، والأدب هذا الذي تعلقت به.
بالوعي اخترت حياتي واستقلاليتي، فكراً وممارسة، اخترت ألا تستأثر ممارسة الطب بحياتي، وتمردي دائماً لصالح الكتابة، وفيها تبعتُ شغفي، ولم أتبع موضة أو شللية أو تملق للكبار، ولم يشغلني سعي لتنال كتاباتي شهرة أو تقديراً ما، ودفعت ثمن اختياري.
اخترت لنجومي «المتمردة»، في روايتي «ذاكرة التيه»، أن تكون نجوماً منطفئة (أولئك الذين يجافيهم النوم، ويبقون عالقين في سماوات الحلم البعيدة، لأنهم يمقتون أن يكونوا صوراً أو ظلالاً)، ولم أروض كتابتي لكي تمنح نفسها بسهولة سعياً وراء قارئ ما، بل سعيت في قصصي للتجديد من أجل خصوصية صوتي ونبرتي ورؤياي وتمردي. أما اليوم فلدي تمرد آخر، أتمرد الآن على الخوف من كورونا، على التقدم بالعمر، وعلى الأمراض المزمنة، وأرفض أن أنعم بالحجر المنزلي، بل أؤدي واجبي بصفتي طبيبة بالصف الأمامي.
- صبحي قمحاوي (روائي): سلطة الأب
تمردت على أبي الذي كان لا يتوانى عن ضربنا كلما اختلف أحدنا معه على موضوع، وأمام تلك الضربة، تمردت ومسكت يده ومنعته من الضرب، بعد أن كنا لا نرفع أعيننا في والدي إذا ضرب أحدنا، حينها شعر أبي أنه مقيد اليد، فلم يعد يضربني بعدها. ومن ثم، أصبحت أومن بأن الكتابة لا تكون إلا اعتراضية، فلو كتبت أن شوارع المدينة نظيفة وكل شيء جميل، فلا داعي لأن أكتب، ولكنني إذا كتبت أنها لا أرصفة لها، فإن هذا النقد قد يكون له فائدة التصليح والتصحيح، وكذلك إذا تمردت على الاحتلال، فإنه قد يشعر بانكشاف بشاعته. بالطبع، انعكس ذلك على ما أكتبه، فمثلاً رفضت كون المرأة ممنوعة من قيادة السيارة في روايتي «حرمتان ومحرم»، وذلك قبل 14 عاماً، وفرحت يوم سُمح للمرأة بقيادة السيارة، وكذا تمردت على التعقيدات الكبيرة في الحدود العربية في تلك الرواية، فكتبت «الحدود دود دود»، وهكذا فالتمرد الإيجابي المدروس يؤدي إلى التطور الاجتماعي، والشخصي أيضاً.
- عبد الحميد البرنس (روائي): نزعة فطرية نحو الحرية
هناك نزوع فطري للإنسان نحو الحرية والتمرد على القيود. ففي طفولتي، في الثامنة تقريباً، أخذ أبي في توبيخي لأمر ما. كان يعمل وقتها مفتشاً زراعياً في إحدى قرى النيل حيث الغيط. في تلك الليلة، قررت أن أهجر البيت، وبعد مسيرة نحو 3 كيلومترات، صادفت أحد الرعاة يعد في خيمته الإفطار، كنت جائعاً فلبيت دعوته، وفي أثناء الحديث نصحني بالعودة إلى أهلي.
كنت ساخطاً على معاملة أبي، ولم يكن لديّ خارج حدود ذلك السخط أي تصور عن الحياة خارج سلطة الأب، المهم عدت إلى القرية. وقد مرت ساعات، كنت خلالها بأعلى شجرة كثيفة الأغصان أتابع جهود أبي المثيرة للشفقة بعربته اللاندروفر للبحث عني. قبيل الغروب، عدت إلى البيت، وجاء أبي، جلس صامتاً ولم يشرع أبداً في سؤالي، وبعد أيام سمعت من أمي أن قلبه كان يحدثه أنني ربما أكون مختبئاً في تلك الشجرة.
في تصوري، لا يوجد إبداع حقيقي من دون أن ينطوي على نزعة تمرد، وأن الإبداع ينتمي إلى ما يسميه لوسيان جولدمان في المقابل أشكال الوعي الممكن، الوعي الذي ينطوي على رؤية نقدية لما هو معتمد بصفته منظومة قيم وطريقة حياة، ويطرح في آن منظومة وقيماً للحياة أكثر قابلية للعيش، واتساقاً مع الرغبات الأصلية للإنسان. ومن ثم، كلما كان ما يطرحه المبدع في السياق ذا تحول جذري، تكون درجة قوة الصدام بينه وبين الواقع المعني.
- أسامة حداد (شاعر): الانقلاب على الذات
لا أتصور وجود شخص في هذا العالم لم يتمرد أو يفكر في التمرد، ولا أثق في قبول الواقع والاستكانة إلى الحياة وتحولاتها، فالتمرد يكمن في الرفض ومواجهة التقاليد الاجتماعية المتجمدة بطبيعتها وفعل الانتهاك، وفي النقد بمستوياته ضد ما هو قائم، وفي الانحراف عن النصوص السابقة في بنية اللغة والمجاز والانحياز الجمالي.
التمرد له طابعه الكوني؛ إنه يبدأ من شجرة الخلد مروراً بتحطيم التماثيل، ولا يكمن فقط في الثورة ضد سلطة سياسية، فثمة سلطات متعددة متشابكة في آن تشكل شبكة معقدة من العلاقات، بداية من العلوم والتاريخ والمجتمع إلى الأسرة، والتمرد ضد الأب، بل ضد الذات بتناقضاتها، إننا إذن نواجه سلطات متعددة قد تتجاوز في عنفها وقسوتها أعتى الطغاة، وكان الصعاليك من شعراء العرب رمزاً فارقاً في التمرد على تقاليد القبيلة وسلطويتها.
التمرد في الكتابة لا يكون واضحاً فحسب ضد النصوص السابقة من خلال الموقف النقدي والجمالي، وكذلك الانزياح الدلالي المتواصل، بل في مفهوم التفاعل النصي، إنه لا يكمن في المقولة الشهيرة بقتل الأب أو تجاوزه، بل بمجاورته كنص آخر يحمل سياقاته الجمالية والمعرفية، ومثلت قصيدة النثر نموذجاً واضحاً، وصنعت انحرافاتها ومواجهتها للموروث الشعري، ولمؤسسية النوع الأدبي، وأرى أن ما يحمله النص من تجديد يشكل تمرداً يفترض أنه ضد ما كتب من قبل حتى من الكاتب ذاته. لذلك أرى أن أعلى مستويات التمرد هو الانقلاب على الذات، فعلى الكاتب مواصلة التمرد على ما اقترفه من كتابة، وعلى البشر البحث عن استمرارية التمرد، فهو الطريق الوحيد للحياة التي يبحثون عنها.
- ديما محمود (شاعرة): التمرد طريقة حياة
كنت الطفلة المسالمة الهادئة التي تمارس رفضها بهدوء وعلى مراحل، لا تحتفي ذاكرتي عادة بخلفية الأشياء، وأقصد هنا أن النتيجة ما يهمني، ولذلك أعرف فقط أنني لم أستسلم يوماً لأن أكون رهينة لأحد ولا لفكرة.
وفي فترات سابقة من حياتي، اتخذ التمرد والتغيير شكلا سُلّمِيّاً، كان يرتفع لأعلى بقدر صغير ثم يمتد عرضياً شبيهاً بالدالة «الدّرجية»، بمعنى أن كل مرحلة تالية لم تكن بالضرورة ذات صلة بما قبلها أو نتيجة لها. لكن منذ أن أمسكتني القصيدة بعصاها السحرية تغير الأمر، ليصبح التمرد غير محسوب بالمرة، غدا أقرب إلى رسومات لونية وإيقاعات بصرية ليس من السهل تحديد أيهما أقوى أو أكثر غنى، لأن الأمر نسبي متفاوت.
أعرف أنني لست الشخص المناسب لتشخيص قصيدتي، لكن الأكيد أنها اختصرت كل ثوراتي القديمة والحالية واللاحقة، وجعلتني متوّجة على نفسي، متمردة أكثر، لكنني في الوقت نفسه أخرج في كلّ مرة أكثر سلميّة وهدوءاً ويقيناً بأن التمرد هو طريقة حياة. تناولت فكرة التمرد بشكل صريح في نص «رسالة إلى سيلفر»، لكنني حينما أقول إن القصيدة هي عصاي السحرية الجديدة لممارسة تمردي لم أعنٍ هذا النص ولا هذا التناول، الأمر أكبر من ذلك بكثير، فالقصيدة هي لغتي التي أواجه بها كل أنماط الحياة والأفكار بلا استثناء. أحياناً ربما يخطر ببالي أن التغيير المستمر نمط متعب، ولا يعطي مجالاً للاستمتاع أو استئناف الحياة بشكل طبيعي، لكن هذا في رأيي غير صحيح أبداً. وبالنسبة لي الاستمتاع الحقيقي يكون من خلال تغيير أنماط الحياة والأفكار، والخروج عليها باستمرار، والبقاء على فكرة أو أفكار وأساليب حياة ثابتة بالضرورة يفضي لليقين، وطالما ساد اليقين والإطلاق فالحكم في رأيي هو للموت البطيء أو العيش ميتاً.



«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended


جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
TT

جامعة الرياض للفنون تفتح أبوابها سبتمبر المقبل

جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)
جامعة الرياض للفنون تعدّ الأولى المتخصصة بالثقافة والفنون في السعودية (وزارة الثقافة)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، الاثنين، فتح باب التقديم والتسجيل بـ«جامعة الرياض للفنون» شهر مايو (أيار) المقبل، لتبدأ الدراسة في أروقتها خلال سبتمبر (أيلول)، لتكون مركزاً رائداً للتعليم الثقافي بالمملكة.

وعدَّ الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وهو رئيس مجلس أمناء الجامعة، إطلاقها خطوةً غير مسبوقة في تطوير القطاع الثقافي السعودي، مبيناً أنها «ستكون حجرَ الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي، وستزوّد طلابَنا بالمهارات والمعرفة والرؤية التي تؤهلهم للإسهام في تشكيل مستقبل الثقافة في المملكة».

وأوضح أن الجامعة ستقدم مجموعةً واسعة من التخصصات الأكاديمية التي تمكّن الطلاب من إثراء الصناعات الإبداعية، والإسهام في تنمية القطاع الثقافي بما يتماشى مع «رؤية السعودية 2030».

وأضاف وزير الثقافة: «نهدف من خلال دعم المواهب والاحتفاء بإرثنا الثقافي إلى تمكين الجيل القادم من الإسهام في نمو الاقتصاد الإبداعي، وترك بصمتهم الفريدة على الساحة الثقافية المحلية والدولية».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

وتطمح الجامعة لتكون ضمن قائمة أفضل 50 جامعةً دولية متخصصة في الفنون والثقافة على مستوى العالم، وذلك عبر توفير بيئةٍ تعليمية مبتكرة تحفّز الطلاب إلى اكتشاف شغفهم، وتطوير مواهبهم، والإسهام الفاعل في الاقتصاد الإبداعي.

ستتبنّى الجامعة نهجاً تدريجياً يُلبّي احتياجات المستويات التعليمية، ويشمل جميع القطاعات الثقافية، مُقدِّمةً برامج أكاديمية متكاملة تضمن استمرارية التعليم في مجالات الثقافة والفنون، وتشمل الدوراتِ القصيرةَ، وبرامج الدبلوم، والبكالوريوس، والدبلوم العالي، والماجستير، والدكتوراه.

ويقع الحرم الجامعي في مدينة الرياض، على أن يبدأ عند بدء الدراسة خلال سبتمبر المقبل باستقبال الطلبة في أربع كليات أوّليّة وثمانية برامج أكاديمية تابعة لكليات «الموسيقى، والأفلام، والمسرح والفنون الأدائية، والإدارة الثقافية» على أن تتوسع لاحقاً بشكلٍ تدريجي لتصل إلى 13 كليةً تقدم برامج تعليمية متنوعة تغطي المجالات والقطاعات الثقافية.

ووقَّعت الجامعة خلال الفترة الماضية شراكاتٍ مع مؤسساتٍ دولية رائدة؛ لتصميم برامج أكاديميةٍ متطورة، والتعاون في مجال البحث العلمي، وتقديم برامجَ تعليميةٍ وثقافية ثرية، فضلاً عن دعم مسار تنمية المواهب الوطنية عن طريق تعزيز الإبداع وبناء المهارات الريادية، الذي يُمكّن الفنانين، والباحثين، والقادة الثقافيين من دفع عجلة الاقتصاد الإبداعي والمستقبل الثقافي للبلاد.

وستقدم جامعة الرياض للفنون منحاً دراسية للدفعة الأولى على أن يتم الإعلان عن تفاصيلها مع بدء فتح باب القبول والتسجيل في مايو المقبل.

وتعمل وزارة الثقافة على تطوير جميع جوانب القطاع في السعودية، مع التركيز على تعزيز الأطر التشريعية والتنظيمية، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة مساهمته في الاقتصاد الوطني بما يتماشى مع «رؤية 2030».

وتسعى الوزارة من خلال برامجها ومبادراتها المتنوعة إلى دعم بناء القدرات وتطوير المواهب، كما تُشرف على 11 هيئةً ثقافية، والعديد من الكيانات الثقافية الأخرى، إسهاماً في بناء منظومةٍ ثقافية متكاملة ومستدامة.