شعراء وروائيون مصريون يتحدثون عن ثوراتهم الخاصة

يرون أن التمرد سلاحهم للبحث عن حياة وكتابة جديدتين

سهير المصادفة  -  عزة رشاد  -  أسامة حداد  -  عبد الحميد البرنس  -  ديما محمود  -  صبحي قمحاوي
سهير المصادفة - عزة رشاد - أسامة حداد - عبد الحميد البرنس - ديما محمود - صبحي قمحاوي
TT

شعراء وروائيون مصريون يتحدثون عن ثوراتهم الخاصة

سهير المصادفة  -  عزة رشاد  -  أسامة حداد  -  عبد الحميد البرنس  -  ديما محمود  -  صبحي قمحاوي
سهير المصادفة - عزة رشاد - أسامة حداد - عبد الحميد البرنس - ديما محمود - صبحي قمحاوي

تتعدد السلطات والقيود التي يعترض ويتمرد عليها المبدع، ليكتسب مساحة استثنائية للتعبير عن همومه وثورته الخاصة، اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، لكن ما حقيقة هذا التمرد؟ وما جدواه ودلالته؟ وكيف ينعكس على عملية الكتابة نفسها التي كثيراً ما تتحول إلى قيد وسلطة يجب التمرد عليها؟
هنا آراء لشعراء وكتاب حول أثر التمرد في تشكيل وجدانهم، وفتح آفاق جديدة للإبداع، أكثر حرية واتساعاً وانفتاحاً على قضايا الوجود والإنسان.
- سهير المصادفة (روائية): القراءة سراً
عندما كنت طفلة، عرف أبي أنني سأكون مبدعة، إذ كنت لا أفوت فرصة إلا وأتمرد على كل ما يظنون أنه راسخ أبدي، مثل أن أجلس في البيت بينما يلعب أخي في الشارع حتى ساعة متأخرة؛ أواصل قراءة ألغاز المغامرين الخمسة وأنتهي منها بسرعة، وأسأل: لماذا لا أخرج؟ فيقول لي أبي: لأن الشباب في الشوارع ذئاب. أقول: لماذا لا يتعلمون أن يكونوا بشراً حتى أستطيع الخروج؟ يقول: لأنك ضعيفة، فأتمرد على قراءة الألغاز، وأبدأ في قراءة كتب نوال السعداوي سراً، فأعرف أن المرأة مثل الرجل، وأن ما يُشاع عن ضعفها هو مجرد أكذوبة كبرى حتى يحافظ الرجل على مكتسباته، ومن ثم أخرج للمجتمع فأتمرد على كل أشكال التمييز والظلم والتنمر.
في جميع حواراتي الصحافية، كانوا يسألونني فور صدور رواية جديدة لي عن تحطيم التابوهات الثلاثة الشهيرة، وكنت أرد دائماً: وعن ماذا أكتب إذا لم أكتب عن السياسة والدين والجنس؟ ماذا يتبقى لي للكتابة؟ في «لهو الأبالسة»، روايتي الأولى، تمردت على أسباب الجهل والمرض، وازدراء المرأة، والفساد السياسي، وصعود تيارات التطرف الديني؛ كنت أعرف أن هذا كله لن يؤدي إلى شيء سوى مزيد من الانهيار والتطرف. أغضبت الرواية أحد النواب الإخوان في مجلس الشعب عام 2010، فقدم ضدها طلب إحاطة لمصادرتها! ولكني واصلت مشواري الإبداعي حتى صدرت روايتي السادسة «يوم الثبات الانفعالي» عام 2019.
ومن واقع تجربتي أقول: استحالة أن يكون المبدع غير متمرد؛ إن الإبداع هو التمرد على المألوف، وهو أيضاً حالة خلق عمل من العدم، ولكي يكون هذا العمل فارقاً، عليه أن يتمرد على كل ما قبله. نحن نعرف روائيين عبر التاريخ الإبداعي تمردوا على أسلوب السرد القديم، فأصبحوا رواداً، وتمردوا على كل معطيات مجتمعاتهم، فحققوا انتصارات للإنسانية، ونذكر منهم دوريس ليسنج وكافكا ونجيب محفوظ.
- عزة رشاد (روائية): التمرد على {كورونا}
عشت مع أمي وأبي في مدينة صغيرة، ناجية من ويلات القرى، ومن انفتاح المدن الكبيرة، غمرتنا محبة شملت الأهل والأقارب، والروابط التي تمنحك الأمان، وتدفئك رويداً رويداً حتى تدمجك، وتصهرك وتذيبك وتفقدك ذاتك.
تعرفت على ذاتي في المعرفة، معرفة الناس والعالم، المعرفة نقيض التلقائية والنمطية، وكذلك القراءة، المعرفة هي أن تجرح طمأنينتك وبديهياتك لتنقلك لمناطق مظلمة، وفي العموم لولا التمرد على السائد ما تطور العالم. وبالنسبة لي، فبالأخص فترة الجامعة كانت لاكتشاف قوانين الطبيعة والاقتصاد والفن، والأدب هذا الذي تعلقت به.
بالوعي اخترت حياتي واستقلاليتي، فكراً وممارسة، اخترت ألا تستأثر ممارسة الطب بحياتي، وتمردي دائماً لصالح الكتابة، وفيها تبعتُ شغفي، ولم أتبع موضة أو شللية أو تملق للكبار، ولم يشغلني سعي لتنال كتاباتي شهرة أو تقديراً ما، ودفعت ثمن اختياري.
اخترت لنجومي «المتمردة»، في روايتي «ذاكرة التيه»، أن تكون نجوماً منطفئة (أولئك الذين يجافيهم النوم، ويبقون عالقين في سماوات الحلم البعيدة، لأنهم يمقتون أن يكونوا صوراً أو ظلالاً)، ولم أروض كتابتي لكي تمنح نفسها بسهولة سعياً وراء قارئ ما، بل سعيت في قصصي للتجديد من أجل خصوصية صوتي ونبرتي ورؤياي وتمردي. أما اليوم فلدي تمرد آخر، أتمرد الآن على الخوف من كورونا، على التقدم بالعمر، وعلى الأمراض المزمنة، وأرفض أن أنعم بالحجر المنزلي، بل أؤدي واجبي بصفتي طبيبة بالصف الأمامي.
- صبحي قمحاوي (روائي): سلطة الأب
تمردت على أبي الذي كان لا يتوانى عن ضربنا كلما اختلف أحدنا معه على موضوع، وأمام تلك الضربة، تمردت ومسكت يده ومنعته من الضرب، بعد أن كنا لا نرفع أعيننا في والدي إذا ضرب أحدنا، حينها شعر أبي أنه مقيد اليد، فلم يعد يضربني بعدها. ومن ثم، أصبحت أومن بأن الكتابة لا تكون إلا اعتراضية، فلو كتبت أن شوارع المدينة نظيفة وكل شيء جميل، فلا داعي لأن أكتب، ولكنني إذا كتبت أنها لا أرصفة لها، فإن هذا النقد قد يكون له فائدة التصليح والتصحيح، وكذلك إذا تمردت على الاحتلال، فإنه قد يشعر بانكشاف بشاعته. بالطبع، انعكس ذلك على ما أكتبه، فمثلاً رفضت كون المرأة ممنوعة من قيادة السيارة في روايتي «حرمتان ومحرم»، وذلك قبل 14 عاماً، وفرحت يوم سُمح للمرأة بقيادة السيارة، وكذا تمردت على التعقيدات الكبيرة في الحدود العربية في تلك الرواية، فكتبت «الحدود دود دود»، وهكذا فالتمرد الإيجابي المدروس يؤدي إلى التطور الاجتماعي، والشخصي أيضاً.
- عبد الحميد البرنس (روائي): نزعة فطرية نحو الحرية
هناك نزوع فطري للإنسان نحو الحرية والتمرد على القيود. ففي طفولتي، في الثامنة تقريباً، أخذ أبي في توبيخي لأمر ما. كان يعمل وقتها مفتشاً زراعياً في إحدى قرى النيل حيث الغيط. في تلك الليلة، قررت أن أهجر البيت، وبعد مسيرة نحو 3 كيلومترات، صادفت أحد الرعاة يعد في خيمته الإفطار، كنت جائعاً فلبيت دعوته، وفي أثناء الحديث نصحني بالعودة إلى أهلي.
كنت ساخطاً على معاملة أبي، ولم يكن لديّ خارج حدود ذلك السخط أي تصور عن الحياة خارج سلطة الأب، المهم عدت إلى القرية. وقد مرت ساعات، كنت خلالها بأعلى شجرة كثيفة الأغصان أتابع جهود أبي المثيرة للشفقة بعربته اللاندروفر للبحث عني. قبيل الغروب، عدت إلى البيت، وجاء أبي، جلس صامتاً ولم يشرع أبداً في سؤالي، وبعد أيام سمعت من أمي أن قلبه كان يحدثه أنني ربما أكون مختبئاً في تلك الشجرة.
في تصوري، لا يوجد إبداع حقيقي من دون أن ينطوي على نزعة تمرد، وأن الإبداع ينتمي إلى ما يسميه لوسيان جولدمان في المقابل أشكال الوعي الممكن، الوعي الذي ينطوي على رؤية نقدية لما هو معتمد بصفته منظومة قيم وطريقة حياة، ويطرح في آن منظومة وقيماً للحياة أكثر قابلية للعيش، واتساقاً مع الرغبات الأصلية للإنسان. ومن ثم، كلما كان ما يطرحه المبدع في السياق ذا تحول جذري، تكون درجة قوة الصدام بينه وبين الواقع المعني.
- أسامة حداد (شاعر): الانقلاب على الذات
لا أتصور وجود شخص في هذا العالم لم يتمرد أو يفكر في التمرد، ولا أثق في قبول الواقع والاستكانة إلى الحياة وتحولاتها، فالتمرد يكمن في الرفض ومواجهة التقاليد الاجتماعية المتجمدة بطبيعتها وفعل الانتهاك، وفي النقد بمستوياته ضد ما هو قائم، وفي الانحراف عن النصوص السابقة في بنية اللغة والمجاز والانحياز الجمالي.
التمرد له طابعه الكوني؛ إنه يبدأ من شجرة الخلد مروراً بتحطيم التماثيل، ولا يكمن فقط في الثورة ضد سلطة سياسية، فثمة سلطات متعددة متشابكة في آن تشكل شبكة معقدة من العلاقات، بداية من العلوم والتاريخ والمجتمع إلى الأسرة، والتمرد ضد الأب، بل ضد الذات بتناقضاتها، إننا إذن نواجه سلطات متعددة قد تتجاوز في عنفها وقسوتها أعتى الطغاة، وكان الصعاليك من شعراء العرب رمزاً فارقاً في التمرد على تقاليد القبيلة وسلطويتها.
التمرد في الكتابة لا يكون واضحاً فحسب ضد النصوص السابقة من خلال الموقف النقدي والجمالي، وكذلك الانزياح الدلالي المتواصل، بل في مفهوم التفاعل النصي، إنه لا يكمن في المقولة الشهيرة بقتل الأب أو تجاوزه، بل بمجاورته كنص آخر يحمل سياقاته الجمالية والمعرفية، ومثلت قصيدة النثر نموذجاً واضحاً، وصنعت انحرافاتها ومواجهتها للموروث الشعري، ولمؤسسية النوع الأدبي، وأرى أن ما يحمله النص من تجديد يشكل تمرداً يفترض أنه ضد ما كتب من قبل حتى من الكاتب ذاته. لذلك أرى أن أعلى مستويات التمرد هو الانقلاب على الذات، فعلى الكاتب مواصلة التمرد على ما اقترفه من كتابة، وعلى البشر البحث عن استمرارية التمرد، فهو الطريق الوحيد للحياة التي يبحثون عنها.
- ديما محمود (شاعرة): التمرد طريقة حياة
كنت الطفلة المسالمة الهادئة التي تمارس رفضها بهدوء وعلى مراحل، لا تحتفي ذاكرتي عادة بخلفية الأشياء، وأقصد هنا أن النتيجة ما يهمني، ولذلك أعرف فقط أنني لم أستسلم يوماً لأن أكون رهينة لأحد ولا لفكرة.
وفي فترات سابقة من حياتي، اتخذ التمرد والتغيير شكلا سُلّمِيّاً، كان يرتفع لأعلى بقدر صغير ثم يمتد عرضياً شبيهاً بالدالة «الدّرجية»، بمعنى أن كل مرحلة تالية لم تكن بالضرورة ذات صلة بما قبلها أو نتيجة لها. لكن منذ أن أمسكتني القصيدة بعصاها السحرية تغير الأمر، ليصبح التمرد غير محسوب بالمرة، غدا أقرب إلى رسومات لونية وإيقاعات بصرية ليس من السهل تحديد أيهما أقوى أو أكثر غنى، لأن الأمر نسبي متفاوت.
أعرف أنني لست الشخص المناسب لتشخيص قصيدتي، لكن الأكيد أنها اختصرت كل ثوراتي القديمة والحالية واللاحقة، وجعلتني متوّجة على نفسي، متمردة أكثر، لكنني في الوقت نفسه أخرج في كلّ مرة أكثر سلميّة وهدوءاً ويقيناً بأن التمرد هو طريقة حياة. تناولت فكرة التمرد بشكل صريح في نص «رسالة إلى سيلفر»، لكنني حينما أقول إن القصيدة هي عصاي السحرية الجديدة لممارسة تمردي لم أعنٍ هذا النص ولا هذا التناول، الأمر أكبر من ذلك بكثير، فالقصيدة هي لغتي التي أواجه بها كل أنماط الحياة والأفكار بلا استثناء. أحياناً ربما يخطر ببالي أن التغيير المستمر نمط متعب، ولا يعطي مجالاً للاستمتاع أو استئناف الحياة بشكل طبيعي، لكن هذا في رأيي غير صحيح أبداً. وبالنسبة لي الاستمتاع الحقيقي يكون من خلال تغيير أنماط الحياة والأفكار، والخروج عليها باستمرار، والبقاء على فكرة أو أفكار وأساليب حياة ثابتة بالضرورة يفضي لليقين، وطالما ساد اليقين والإطلاق فالحكم في رأيي هو للموت البطيء أو العيش ميتاً.



المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».


احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
TT

احتفالات مصرية بمئوية ميلاد يوسف شاهين

تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)
تكريم شاهين في مئوية ميلاده (مهرجان الأقصر)

تنطلق خلال أيام بالقاهرة احتفالات عدة بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير 1926- 27 يوليو 2008) والتي تشهد عرض فيلم وثائقي عنه، وإقامة حفل لموسيقى أفلامه، كما يحتفي به مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية بإصدار طبعة جديدة لكتاب للناقد إبراهيم العريس عنه، وتحتفي به «أفلام مصر العالمية» التي أسسها شاهين، وأنتج من خلالها أفلامه، حيث تقيم احتفالاً بمكتبه في شارع «شامبليون» بوسط القاهرة، كما تواصل ترميم أفلامه وإصدارها في نسخ رقمية جديدة.

وأعلنت قناة «الوثائقية» التابعة للشركة المتحدة عن عرض فيلم وثائقي خلال أيام عبر شاشتها بعنوان «شاهين... ابن النيل» يوثق سيرة يوسف شاهين بصفته أحد أهم صناع السينما في مصر والعالم.

ويستعرض الفيلم رحلة شاهين منذ البدايات الأولى بمدينته الإسكندرية، وشغفه بالفن وسفره لدراسة السينما بأميركا وعودته لمصر لتقديم أول أفلامه «بابا أمين» 1950 الذي انحاز فيه لقيمة الأسرة، ثم فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951 الذي حمل رؤية واقعية لأخطار الفيضان على حياة المصريين البسطاء، لتتوالى أفلامه ومن بينها «الناصر صلاح الدين» 1963 كما يتطرق لإصراره بوصفه مفكراً سينمائياً، على مواجهة هزيمة 1967 عبر أفلام «الأرض» 1970، و«العصفور» 1972، كما يتطرق الفيلم لحرص المخرج الراحل على عرض فصول من سيرته الذاتية ومزجها ببعض المحطات التاريخية على غرار «إسكندرية ليه»، و«إسكندرية كمان وكمان»، و«إسكندرية نيويورك»، ويتحدث بالفيلم حشد من رفاق رحلته من صناع السينما ونجوم الفن والنقاد.

بينما اختار معرض القاهرة الدولي للكتاب أن يحتفي بمئوية شاهين في افتتاح دورته 57 بحفل موسيقي كبير يقام 23 يناير (كانون الثاني) الحالي بمسرح المنارة (شرق القاهرة) في افتتاح استثنائي غير معتاد، ويقود الأوركسترا المايسترو نادر عباسي، ويشارك بها كورال الاتحاد الفيلهرموني لتقديم موسيقى وأغاني أفلام المخرج الكبير.

ويقيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية دورته الخامسة عشرة 30 مارس (آذار) - 5 أبريل (نيسان) 2026، تحت عنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، وكشف المهرجان عن ملصق دورته الذي يحمل صورة شاهين والمستوحى من شخصيته وعالمه الديناميكي، حيث يتنقل شاهين في فضاء بصري يجمع معالم بعض الدول الأفريقية ليعكس وحدة القارة وشخصية شاهين التي كانت، ولا تزال رمزاً للحركة والحرية والفكر المتمرد في الفن السابع، بحسب بيان المهرجان.

وقالت عزة الحُسيني مدير مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية إن المهرجان أعَد لاحتفالية ضخمة تليق بمسيرة المخرج الكبير تتضمن ندوات وعروض أفلام بالتعاون مع أفلام مصر العالمية، وبحضور بعض نجوم أفلامه.

ملصق الفيلم الوثائقي عن يوسف شاهين (قناة الوثائقية)

وأضافت الحُسيني لـ«الشرق الأوسط» أن «المهرجان أيضاً سيقيم معرضاً لأفيشات وصور أفلامه»، واصفة المخرج الراحل بأنه «ليس شخصية فريدة كفنان سينمائي فقط، بل هو مخرج مرموق حظي بتقدير عالمي، وحاز السعفة الذهبية من مهرجان كان عن أفلامه، وقدم أفلاماً كشفت كثيراً من تمرده، علاوة على أفلام عبَّر فيها عن سيرته الذاتية، وهو نسق لم يكن موجوداً في أفلامنا من قبل».

وفي السياق تحتفي شركة أفلام شاهين «مصر العالمية» بمئوية ميلاد يوسف شاهين عبر احتفالات عدة تبدأ من مكتبه بشارع شامبليون بوسط القاهرة الذي شهد مولد أفلامه، وسوف يستقبل في مئويته صناع أفلام ونجوماً شاركوه مسيرته ومخرجين عملوا معه، بتنظيم من ابنة شقيقته المخرجة والمنتجة ماريان خوري.

من جانبه، أكد المنتج السينمائي جابي خوري أن «مئوية يوسف شاهين بها جانب احتفالي في مصر وخارجها، وجانب آخر يُعْنَى بالحفاظ على إرثه السينمائي»، مؤكداً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يعنيني بالدرجة الأولى هو الحفاظ على تراث يوسف شاهين بكل أشكاله».

يوسف شاهين على ملصق الدورة الـ15 لمهرجان الأقصر (مهرجان الأقصر)

ويضيف: «نقوم بتحويل هذا التراث لنسخ ديجيتال حتى يستفيد به الباحثون وصناع الأفلام، بما يتضمنه من سيناريوهات أفلامه، والمقالات التي كُتبت عن أعماله، والكتب التي صدرت عنه، وحواراته، وهذا ما نسعى إليه لنحقق خطوة مهمة هذا العام، إلى جانب ترميم بقية أفلامه».

وكان مهرجان الجونة السينمائي قد احتفى في دورته الماضية بمئوية يوسف شاهين، حيث أقام ديكوراً على شكل قطار على غرار فيلم «باب الحديد» تضمن شاشة كبيرة لعرض بعض أفلامه، كما أقام ندوة موسعة تحدث فيها مخرجون عرب تأثروا بأعمال يوسف شاهين، واحتفى مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الـ46 بمئوية شاهين بعرض فيلمي «المهاجر» و«الناس والنيل» في نسخ مرممة حديثاً.

وحاز المخرج يوسف شاهين شهرة عالمية، وشارك بأفلامه في مهرجانات دولية، وتم اختيار 12 من أفلامه ضمن أفضل 100 فيلم مصري في استفتاء مهرجان القاهرة السينمائي عام 1996، وأخرج شاهين على مدى مسيرته 39 فيلماً أثار بعضها جدلاً كبيراً، وحازت بعض أفلامه جوائز مهمة، من بينها «الدب الفضي» من مهرجان برلين 1979 عن فيلم «إسكندرية ليه»، و«السعفة الذهبية» لمهرجان كان عن مجمل أعماله، و«التانيت الذهبي» لمهرجان قرطاج 1970 عن فيلم «الاختيار».


«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
TT

«آثار معاصرة»... رؤية جديدة للمعالم التاريخية في معرض قاهري

المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)
المعرض تضمن لوحات تحمل العديد من الرموز التاريخية (بيت السناري)

في أروقة «بيت السناري» الأثري وسط القاهرة، تصطف لوحات وأعمال فنية متنوعة تقدم رؤية معاصرة للآثار القديمة، سواء كانت هذه الآثار مادية أو معنوية أو رمزية، ضمن المعرض الفني «آثار معاصرة» الذي تنظمه مبادرة «وحدات الحياة» بالتعاون مع سفارة النمسا بالقاهرة.

المعرض الذي افتتح في 11 يناير (كانون الثاني) الجاري، ويستمر حتى 24 من الشهر نفسه في المركز الثقافي «بيت السناري» التابع لمكتبة الإسكندرية، ضم أعمالاً متنوعة لـ21 فناناً من 10 دول، هي: مصر والمملكة العربية السعودية والنمسا والولايات المتحدة الأميركية، ورومانيا، والنرويج، وبلجيكا، والهند، وتايوان، وآيرلندا.

ويقدم الفنانون المشاركون أعمالاً تعكس مقاربات معاصرة تنطلق من مرجعيات تراثية وبصرية ممتدة، ضمن رؤية فنية تسعى إلى إعادة طرح العلاقة بين الماضي والحاضر في سياق فني عالمي.

لوحات المعرض تنتمي لأساليب فنية متنوعة (بيت السناري)

ويضم المعرض أعمال كل من: لينا أسامة، مهني ياؤود، فائق رسول، تانيا رشيد، شروق بنت فهد، عبد السلام سالم، أليكس سيجيرمان، أفيجيت موكيرجي، بريت بطرس غالي، كارمين بيترارو، سيسيليا فونج، يوليا موركوف، لين بيشيا، مايكل هايندل، بيتر بلودو، روايري أوبراين، سكايلر سميث، سابينا ديلاهاوت، توم شوانج، وهيروين سينز.

وأوضحت الفنانة لينا أسامة، منسقة المعرض ومؤسسة مبادرة «وحدات الحياة» هي والفنان مهني ياؤود أن المبادرة انطلقت عام 2016 لتنظيم المعارض الدولية، انطلاقاً من إيمانهما المشترك بأن «الفن أفضل وسيلة للتواصل بين الشعوب وتصحيح المفاهيم الخاطئة والتبادل الثقافي والحوار المشترك عبر لغة بصرية تتجسد في المعارض الفنية التي أقيمت تحت عناوين مختلفة وبشكل شبه دوري».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المعرض الحالي في بيت السناري استغرق التحضير له نحو عام ونصف العام، والشريك الرئيسي فيه سفارة النمسا، بالإضافة إلى سفارة رومانيا ومؤسسة المحروسة».

ولفتت إلى أن كل الفنانين جاءوا من حضارات عريقة ومتأثرين بتراث بلدانهم، وجاءت أعمالهم بمثابة إعادة صياغة ومعالجة وتشخيص لهوية تلك البلدان، ويتضمن المعرض تنوعاً لافتاً في الأساليب والتقينات من رسم وتصوير فوتوغرافي ونحت معاصر، و«تكست آرت» وتجهيز في الفراغ لمهني ياؤود ولوحات جدارية لشروق بنت فهد متأثرة بالكثير من التاريخ وتعبر عن الهوية العربية، بالإضافة إلى أعمال الحفر لعبد السلام سالم، وفوتوغرافيا تانيا رشيد، وهي نمساوية عراقية لها أسلوبها الخاص.

وعن المعارض السابقة التي قدمتها المبادرة تقول لينا إن «أول معرض أقيم في 2016 وكان بعنوان (عن الذات والآخر وقصص أخرى) وضم 9 فنانين وسافر إلى النمسا في العام نفسه، وفي السنة التالية نظمنا معرضاً باسم (جينات متوارية) عن الجينات المخفية في البشر والتي تسمح بالتشابه أكثر من المتخيل، وضم هذا المعرض نحو 20 فناناً من جنسيات كثيرة بين مصر وإيطاليا والمغرب وأقيم في مركز الجزيرة للفنون وفي جوتة».

أعمال المعرض تناولت حضور معالم أثرية في حياتنا المعاصرة (بيت السناري)

وفي متحف التراث الأمازيغي في المغرب، نظمت المبادرة معرضاً بعنوان «ابن بطوطة حلم عابر للأوطان» يعتمد على فكرة التجوال والترحال الجغرافي وشارك فيه فنانون من دول مختلفة، ومن مصر شارك عمر الفيومي ومحمد عبلة وأحمد صقر ومن السودان صلاح المر، كما أقامت المبادرة معرضاً في متحف الحضارة المصرية بعنوان «7 درجات من لون البشرة»، شاركت فيها 9 فنانات من دول مختلفة مثل مصر ورومانيا وآيرلندا وموزمبيق وغيرها، كما توضح مؤسسة المبادرة.

افتتاح المعرض في بيت السناري التابع لمكتبة الإسكندرية (بيت السناري)

وبالنسبة للوحة التي شاركت بها في المعرض الأحدث تقول لينا: «نظمنا من قبل معرض ابن بطوطة للترحال عبر الجغرافيا؛ فأعتبر هذا المعرض الجديد (آثار معاصرة) ترحالاً عبر الزمن، ومن هذا المنطلق قدمت عملاً به كثير من الرموز والتكوينات المرتبطة بالحضارة المصرية القديمة ومحاولة ربطها بالواقع المعاصر عبر فتاتين تقفان بجوار بعضهما البعض وتم تضفير شعرهما في ضفيرة واحدة، مستندة في ذلك إلى الموروث الشعبي وإلى رمزية الياسمين، تلك الشجرة التي تطرح زهوراً كل ليلة، وتسقط هذه الزهور في الصباح ليتجدد الأمر بلا توقف».

إحدى لوحات المعرض (بيت السناري)

وصاحب افتتاح المعرض الفني فقرات موسيقية وغنائية قدمتها كل من لينا عمر التي تسعى إلى توظيف الغناء والعزف على الغيتار وكتابة الأغاني كوسيلة لتحويل المشاعر إلى تعبير فني صادق، يستند إلى حضور أدائي لافت على خشبة المسرح. وفق بيان لـ«بيت السناري» بالقاهرة.

كما قدمت الفنانة بسمة البنداري رؤية موسيقية معاصرة تنطلق من التراث الغنائي المصري، عبر مشروع فني يمزج بين الروح الشرقية وإيقاعات الفلامنكو، من خلال مصاحبة العود للغيتار، في حوار موسيقي مع عازف العود إيهاب زكريا.