أوبرا «لا بوهيم».. «كلاسيكية معاصرة» لا يمل العالم من إعادة إنتاجها

أعادها جوناثان ميللر وأخرجتها ناتاشا ميذيريل أخيرا.. ولندن استقبلتها بحفاوة

جنيفر هولواي (موزيتا) تغني في مقهى موميس (الصورة لتوماس بوويلز، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)  -  إنجل بلو (ميمي) وديفيد بت (رودولفو) (الصورة لتوماس بويل، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)
جنيفر هولواي (موزيتا) تغني في مقهى موميس (الصورة لتوماس بوويلز، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO) - إنجل بلو (ميمي) وديفيد بت (رودولفو) (الصورة لتوماس بويل، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)
TT

أوبرا «لا بوهيم».. «كلاسيكية معاصرة» لا يمل العالم من إعادة إنتاجها

جنيفر هولواي (موزيتا) تغني في مقهى موميس (الصورة لتوماس بوويلز، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)  -  إنجل بلو (ميمي) وديفيد بت (رودولفو) (الصورة لتوماس بويل، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)
جنيفر هولواي (موزيتا) تغني في مقهى موميس (الصورة لتوماس بوويلز، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO) - إنجل بلو (ميمي) وديفيد بت (رودولفو) (الصورة لتوماس بويل، الأوبرا الوطنية الإنجليزية ENO)

استقبل عشاق فن الأوبرا في لندن، إحياء جوناثان ميللر لرائعة جياكومو بوتشيني، أوبرا «لا بوهيم»، التي تعرض حاليا، على مسرح الكوليسيوم، وسط العاصمة البريطانية، بترحيب استثنائي، انعكس في الإقبال الشديد على المشاهدة، وفي الحفاوة النقدية لوسائل الإعلام التي اعتبرتها عملا «كلاسيكيا حديثا»، أبدعت «الأوبرا الوطنية الإنجليزية» في تقديمه، بعد 5 سنوات على عرضها الأول عام 2009.
«لا بوهيم» تعرض منذ 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، لـ14 عرضا، تنتهي في 6 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
تدور أوبرا «لا بوهيم»، حول قصة حب مأساوية، بين الشاب رودولفو، الشاعر المفلس الذي يشارك أصدقاءه الفنانين البوهيميين، الرسام مارتشيللو، والفيلسوف كولين، والموسيقي شونارد، الإقامة في شقة من غرفة واحدة، وبين جارته الخياطة ميمي.
تقع أحداث الأوبرا عشية الحرب العالمية الثانية، في ثلاثينات القرن الماضي. في تلك الفترة، كانت باريس أرضا خصبة للبوهيميين، الذين أسسوا اتجاها حرا في الأدب والفن. ويربط عدد من الكتاب البرجوازيين الذين أسسوا هذا الاتجاه، من أمثال فيكتور هيغو وهنري مورجيه البوهيمية بباريس وبالحي اللاتيني على الضفة اليسرى لنهر السين.
ولا بوهيم في الأصل، رواية لهنري ميرجيه بعنوان «مشاهد من الحياة البوهيمية» نشرت سنة 1851، واعتبرت من الأدب الفرنسي الكلاسيكي البسيط. وبعد 45 عاما، بذل الموسيقي الإيطالي جياكومو بوتشيني جهدا كبيرا، لتحويل النص إلى أوبرا. وجرى أول عرض لها، في تورين في أول فبراير (شباط) 1896 على مسرح «ثياترو ريجيو»، بقيادة أرتور توسكاني. ومنذ ذلك الحين أخذت «لا بوهيم» موقعها ومكانتها في تاريخ الأوبرا الإيطالية، واعتبرت من مخزونها الكلاسيكي، وأصبحت، فيما بعد، من أكثر أعمال الأوبرا «شعبية» في العالم، الذي لم يتوقف عن إنتاجها وإعادة إنتاجها وتقديمها من حين لآخر.
أما العرض الحالي الذي تقدمه الأوبرا الوطنية الإنجليزية، فقد أخرجه، في الأصل، جوناثان ميللر عام 2009، وقدمه العام الماضي أيضا. وفي عودتها الثالثة إلى لندن، تولت ناتاشا ميذيريل، التي عملت مساعدة لميللر قبل ذلك، إخراج الأوبرا وفقا لمنظورها. وكان ميللر استوحى عمله من الصور الأصلية المثيرة، للحياة في الحي اللاتيني في باريس في ثلاثينات القرن الماضي، بعد أن أدخل تعديلات على تفاصيل الوضع البوهيمي آنذاك، عكست حال الفقر الصارخ الذي ساد تلك الفترة.
لعب الأدوار الرئيسية، حسب تتابع الغناء، جورج فون بيرغن في دور مارتشيللو، وديفيد بت فيليب، الشاعر العاشق رودولفو، وبارنابي ري في دور كولين المثقف الفيلسوف، وجورج هامفريس في دور الموسيقي شونارد، وأندرو شور في دور مالك البيت بنوا، وإينجل بلو التي أدت ببراعة استثنائية دور ميمي. ومن بين الأدوار الغنائية، تميزت جينيفر هولواي بأدائها دور المغنية موزيتا، التي أضفت حيوية إلى مشاهد النصف الأول من الأوبرا، بالإضافة إلى أندرو شور الذي لعب دور صديقها. إلى جانب هؤلاء، شارك عدد من الممثلين، والأطفال الصغار الذين ظهروا في الفصل الثاني، وتدين لهم الفرقة بمشاركتهم في العروض اليومية وأدائهم الرائع.
تتألف «لا بوهيم»، من 4 فصول:
في الفصل الأول يظهر مارتشيللو الرسام، يرتب المائدة في الغرفة استعدادا لسهرة تجمعهم عشية عيد الميلاد، في أمسية شديدة البرودة. ولتوفير بعض الدفء، يستغني رودولفو عن مسودة مسرحية كتبها ويضعها في المدفأة ويشعل فيها الثقاب. يدخل الصديقان الآخران، كولين وشونار، الأول جاء يائسا من فشله في بيع أي من كتبه. أما شونار فهو على العكس من ذلك، يدخل مبتهجا يحمل إلى الجميع، بعض الطعام والنبيذ الذي يليق بالمناسبة، ويقترح عليهم الاحتفال في مقهى موميس. يصل مالك البيت بنوا، فجأة قبل أن يغادر الأصدقاء الأربعة الشقة، ويطالب مارتشيلو ورودلفو بالأجرة المتأخرة. يتخلص الشابان من المالك بأن يسكراه، ويخرج الجميع عدا رودلفو الذي يطلب 5 دقائق فقط لإنهاء مقال يكتبه.
يسمع طرق على الباب. إنها ميمي، جارتهم الخياطة، الضعيفة التي تكاد يغمى عليها، بعد أن أسقطت مفتاح بيتها في الظلام. يفتح رودولفو الباب. تدخل ميمي وتطلب شمعة تساعدها في البحث عن المفتاح. في الظلمة تتلامس أيدي الشابين ويقعان في الغرام من أول لمسة. تسمع صيحة الأصدقاء في الخارج يتعجلون رودلفو، الذي يلحق بهم إلى المقهى.
في الفصل الثاني، خارج «مقهى موميس»، حيث نشاهد اللحظات الأخيرة للتسوق لعيد الميلاد. وقد ساهم الديكور والإضاءة المناسبة والملابس، وأداء الكورس، في نقل المشاهدين إلى قلب الحياة في تلك الفترة. يقدم رودلفو ميمي إلى أصدقائه. تظهر موزيتا صديقة مارتشيللو (الرسام) القديمة برفقة اليتشيندورو، الذي ينتمي إلى طبقة عليا، يفقدها مارتشيللو أعصابها ويدفعها نزقه إلى التصرف بطريقة فاحشة. في النهاية، تدفع موزيتا اليتشاندرو ليخلع لها حذاءها، ومن ثمّ تلقي بنفسها بين ذراعي مارتشيللو. يأتي النادل بالحساب. تطلب موزيتا إضافة حساب الأصدقاء جميعا إلى حسابها. اليتشاندرو الغني يتحمل الفاتورة بالنتيجة.
أما الفصل الثالث، فتدور أحداثه في يوم بارد من أيام فبراير. الناس في المنطقة يبحثون عن عمل. ميمي تطلب من مارتشيلو التحدث إلى حبيبها رودلفو الذي تعتقد أنه يغار عليها كثيرا، وأن تصرفاته تلك ستجعل استمرار علاقتهما مستحيلا. وتسمع ميمي حوار الصديقين اللذين لم يلحظا وجودها. يعتقد رودولفو أن ميمي مريضة جدا، وأن خلاصها يكمن في الابتعاد عنه وتركه هو حياة الفقر التي يعيشها. يتشاجر مارتشيللو وموزيتا، في الوقت الذي يواجه فيه رودولفو وميمي معضلة الانفصال.
أما الفصل الرابع والأخير، فيجري في الربيع. مارتشيللو ورودلفو وحدهما في البيت يحاول كل منهما ممارسة عمله، بينما يفكر في حبيبته الغائبة. يأتي شونار وكولين وقد أحضرا غذاء بائسا. يتظاهر الأصدقاء الأربعة بأنهم يستمتعون بعشاء راقص. يقطع احتفالهم ظهور موزيتا المفاجئ لتخبرهم أن ميمي تحتضر، وتريد أن تكون إلى جانب رودولفو. يفعل الأصدقاء ما يستطيعون، ولكن بعد فوات الأوان.
ثمة أسباب كثيرة للاستمتاع بهذا العرض الأوبرالي الرائع، أهمها وجود رودلفو (ديفيد بات فيليب، العضو السابق في الأوبرا الملكية)، الذي يظهر للمرة الأولى ضمن «الأوبرا الإنجليزية القومية». أداء رودولفو كان محببا، وكان هو «مهضوما» وقريبا من القلب، يتحرك على خشبة المسرح ببساطة وتواضع. وقد أشاع غناؤه جوا دافئا لصوت تينور. ثم هناك الأداء المتكامل أيضا واللافت للأصدقاء الأربعة الذين عملوا كفريق واحد.
كل هذا فرض سيطرته الكاملة على حواس المشاهد الذي يشعر في لحظات كثيرة، أنه بات جزءا من المشهد، إذ تحمله الموسيقى والغناء خفيفا، إلى خشبة المسرح مرة، أو تأتيه بما على المسرح من مشاهد وحوارات مغناة. هنا ظهرت براعة المايسترو جيانلوكا مارتشيانو، الذي حافظ بدقة على توازن مذهل بين الأوركسترا التي يقودها وبين ما يجري على المسرح. شخصيا، عشت الأحداث بكل تفاصيلها، واستمتعت بالموسيقى والمشاهد المختلفة. غير أن المشاهد الأخيرة للأوبرا أسرتني تماما، وأخذت حواسي كلها معها إلى نبض التفاصيل: مشاهد احتضار ميمي بين يدي رودلفو، اليدان اللتان كانتا مفتاح العلاقة العاطفية بينهما، حين تلامستا في العتمة في الفصل الأول، فوقع الشابان معا، في الحب من «أول لمسة». وعلى الرغم من عدم وضوح بعض الكلمات خلال هذه المشاهد، ولميمي (إينجل بلو) «عذرها» فقط كانت تحتضر، إلا أن ترجمة أماندا هولدن المعروضة أعلى المسرح، مكنت من التقاط ما كان يمكن أن يضيع في ازدحام المشاعر الحزينة. أدت إينجل بلو دورا مذهلا. ولم يكن غناؤها في لحظات احتضارها، يفطر القلب وحسب، ولكن يذكره أيضا، بأن يأخذ كل ما شاهده معه بعد انتهاء العرض، إلى حيث يبقيه في الذاكرة إلى الأبد.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.