إيليا كازان... سيرة مخرج عانى ما يكفي من السياسة

شهد على رفاقه خلال الحملة المكارثية

من اليمين: جون غارفيلد ودوروثي ماغواير وغريغوري بك في «اتفاق جنتلماني»
من اليمين: جون غارفيلد ودوروثي ماغواير وغريغوري بك في «اتفاق جنتلماني»
TT

إيليا كازان... سيرة مخرج عانى ما يكفي من السياسة

من اليمين: جون غارفيلد ودوروثي ماغواير وغريغوري بك في «اتفاق جنتلماني»
من اليمين: جون غارفيلد ودوروثي ماغواير وغريغوري بك في «اتفاق جنتلماني»

إحدى التظاهرات السينمائية الملغاة في إطار ما تقدمه جامعة UCLA في لوس أنغليس واحدة عمادها أفلام المخرج المعروف إيليا كازان. ذلك السينمائي التركي المولد (1909)، اليوناني الهوية الذي شارك الآلاف سواه في تعرضه وعائلته إلى التفرقة العنصرية خلال العقد العاشر من مطلع القرن الماضي عندما كانت عائلته تعيش وتعمل في مدينة إسطنبول.
عكس بعض تلك الذكريات في كتابه «أميركا أميركا» الذي تحوّل إلى فيلم من إخراجه سنة 1963 حيث وصف فيه ما تعرّض له وأسرته من اضطهاد وكيف قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة محملاً برغبته في الانعتاق من الماضي والقبول على عالم جديد حيث دخل مدرسة الدراما سنة 1932 ليؤسس بعد ذلك فرقة مسرحية ثم ليدخل السينما من العام 1945 وما بعد.
شق كازان طريقه بصعوبة لكن ما ذلل مشاقه اندفاعه الشديد وموهبته في تشكيل سينما تسرد ما يمكن للمشاهد أن ينجذب إليه في كل عنصر من عناصر العمل، انطلاقاً من اختيار الموضوع إلى اختيار الممثلين، و- بالطبع - طريقة الإخراج.
أول مسرحية قُدمت باسمه كانت «بشرة أسناننا» تأليف ثورنتون وايلدر، تبعها بمسرحية «عربة اسمها اللذة» لتنيسي وليامز. أخرج كذلك نسخته من مسرحية آرثر ميلر «موت رجل أعمال» قبل أن يعود إلى رحاب تنيسي وليامز ليخرج «قطة فوق صفيح ساخن».
بعد نحو عشر سنوات من العمل في المسرح جرّب الإخراج السينمائي بفيلم قصير (مفقود اليوم) عنوانه «أناس كمبرلاند» (1937) ثم عاد للمسرح حتى سنة 1945 عندما قرر إخراج «شجرة تنمو في بروكلين»، المقتبسة عن رواية للمؤلفة بَتي سميث بعد عامين أنجز فيلماً أفضل وأهم هو «ارتداد» (Boomerang). دانا أندروز، من نجوم الفترة، لعب دور وكيل النيابة الذي يكتشف أن من سيعمل على إدانته هو بريء مما أسند إليه. هذا الفيلم من أفضل أعمال كازان ومن أكثرها تعرضاً لتجاهل النقاد والمؤرخين حين يقارنون بينه وبين «عند الميناء» و«قطة على صفيح ساخن» عندما قام كازان بتحويل المسرحيتين إلى فيلمين بارزين في منتصف الخمسينات.
- شيوعي سابق
قبل ذلك، وفي سنة 1947 قام بتحقيق «اتفاق جنتلماني»(Gentleman‪‬s Agreement) عن رواية لموس هارت حول الصحافي الذي ينطلق في تحقيق يكتشف من خلاله مواقف معادية للسامية.
في العام التالي كوفئ الفيلم بأربع جوائز أوسكار كأفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل تمثيل نسائي أول (لوريتا يونغ) وأفضل ممثلة مساندة (سيليستا هوم) وذلك من بين ثمانية ترشيحات في الإجمال.
بعد فيلم لم يحرز أي نجاح اسمه «بينكي» (1949) قام بإخراج «ذعر في الشوارع» Panic in the Streets). هنا حاول المخرج استحضار المعالجة التسجيلية لحكاية تدور في رحى يومين نرى فيهما محاولة طبيب عسكري (رتشارد ودمارك) والأجهزة الأمنية اكتشاف مكان اختباء قاتل مصاب بجرثومة قد تشكل وباء. ينتمي الفيلم إلى السينما التشويقية وفيه عدد من كبار المشخصين (Character Actors) من بينهم زيرو موستل والممثلة باربرا بل جيديس. كذلك كان الدور الأول للممثل جاك بالانس.
اختار كازان الممثل زيرو موستل مصراً على إسناد الدور الذي قام به في الفيلم، رغم أن موستل كان على قائمة مكارثي كشيوعي ما أدّى إلى امتناع هوليوود عن العمل معه. لكن المخرج بعد عامين وجد نفسه في المحكمة المكارثية ماثلاً أمام لجنة التحقيقات التي طلبت منه الإفصاح عن أسماء الفنانين والمثقفين الذين كانوا معه في الحزب الشيوعي.
كان كازان انضم للحزب الشيوعي في مطلع الثلاثينات ثم ترك الحزب بعد نحو عامين ووجد نفسه بعد كل تلك الفترة مهدداً بضمه إلى لائحة الممتنعين عن الإدلاء بشهاداتهم وما سيجرّه ذلك عليه من ردود فعل هوليوود. تمنّع في البداية ثم كشف عن أسماء ثمانية من رفاقه وبذلك أمّن استمراره، لكن لم يؤمّن الكثير من علاقاته إذ وضعه ذلك في موقف حرج أمام رفاق وزملاء اعتبروا ما قام به خيانة. أحدهم كان الكاتب آرثر ميلر الذي قطع علاقته معه.
- مع براندو
كتب كازان في مذكراته ما يلي: «اكتشفت باكراً أن الميول التي قادتني للانضمام إلى الحزب كانت مثالية. لكن العالم ليس كذلك. اعترضت على ما واجهته من محاولة استئثار في الرأي وتحكيم نظم كانت تقيّدني أكثر مما تفيدني».
وعلى صفحة أخرى نقرأ: «كان لدي كل سبب جيد لكي أؤمن بأن ذلك الحزب عليه أن يُطرد من مخابئه، لكني لم أفعل شيئاً في البداية حتى لا يُقال عني إني خائن. ما فعلته (لاحقاً) فعلته لأني صادق مع نفسي».
لكن الحياة تستمر وها هو كازان يقدم على إخراج «عربة اسمها اللذة» سنة 1951 ثم «عند الميناء» (أو On the Water Front) . وهما الفيلمان اللذان حققا له تألقاً كبيراً رغم أن أولهما عانى من حصر معظم مشاهده داخلياً. لم يكن بإمكان كازان فعل الكثير أمام مسرحية كتبها وليامز على أساس وقوعها في غرفة واحدة، لكن معظم النقاد آنذاك تجاوز هذا الوضع وخرج الفيلم بأربع جوائز أوسكار ليس من بينها أوسكار كان مارلون براندو يستحقه في هذا اللقاء الأول بينه وبين كازان الذي تكرر مرتين لاحقاً.
بدوره نال «عند الميناء» ثماني جوائز أوسكار من بينها أوسكار أفضل ممثل وذهبت إلى براندو الذي ميّز الفيلم بحضوره وأدائه المتميز. بين الفيلمين ظهر براندو تحت إدارة كازان في فيلم متوعك عنوانه «فيفا زاباتا» (1953). وفي حين واصل المخرج تقديم سلسلة لامعة من الأفلام بينها «وجه في الزحام» (1957) و«بديع على العشب» (1961) بدأ المخرج يحوم حول تحقيق فيلم عن تجربته الشخصية فكان «أميركا أميركا» سنة 1963. آخر فيلمين لكازان لم يكن مستواهما بمستوى ما سبق وهما «الزائران» (1972) و«التايكون الأخير» (1976) الذي كان آخر أعماله وأنجزه قبل 27 سنة من وفاته.
في لقاء معه تم خلال دورة لمهرجان القاهرة قال لهذا الناقد: «لا أندم على أي شيء قمت به عن قناعة. وما قمت به آنذاك (الحقبة المكارثية) كنت مقتنعاً به. كنت أفرق بين السينما والسياسة ولم أترك عملي يضيع بسبب مواقف سياسية كدت أن أتورط بها».
- وراء الكاميرا
> وافقت الحكومة الأميركية على تقديم منحة مالية لأصحاب الصالات السينمائية الذين اضطروا لإغلاق أبواب صالاتهم في الولايات المتحدة وكندا. المنحة هي جزء من تريليونين و200 مليار دولار كان الكونغرس قد توصل إلى إبرامها.
قررت محطة NBC تأجيل عرض حلقة درامية من مسلسل «نيو أمستردام» كان من المقرر بثها في الأسبوع المقبل. كان تصوير الحلقة تم قبل انتشار «كورونا» وتناولت حكاية تفشي وباء غامض بين الأميركيين.
من الأفلام التي توقف العمل عليها الجزء الجديد من «جوراسيك وورلد» الذي تقود بطولته برايس دالاس هوارد وكريس برات. الممثلة هوارد كانت كذلك في صدد إخراج فيلمها الأول «الأصليون».


مقالات ذات صلة

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز