منتدى الاقتصاد الإسلامي يدعو لإنشاء هيئة خليجية موحدة لمعايير المنتجات والخدمات المتوافقة مع الشريعة

مدير عام غرفة دبي: التوجه يدعم تعزيز التكامل التجاري بين دول المنطقة

جانب من جلسات منتدى الاقتصاد الإسلامي الذي اختتم أعماله يوم أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من جلسات منتدى الاقتصاد الإسلامي الذي اختتم أعماله يوم أمس («الشرق الأوسط»)
TT

منتدى الاقتصاد الإسلامي يدعو لإنشاء هيئة خليجية موحدة لمعايير المنتجات والخدمات المتوافقة مع الشريعة

جانب من جلسات منتدى الاقتصاد الإسلامي الذي اختتم أعماله يوم أمس («الشرق الأوسط»)
جانب من جلسات منتدى الاقتصاد الإسلامي الذي اختتم أعماله يوم أمس («الشرق الأوسط»)

أوصى منتدى الاقتصاد الإسلامي الذي اختتم أعماله، أول من أمس، في مدينة دبي الإماراتية، إنشاء هيئة خليجية موحدة لمعايير المنتجات والخدمات المتوافقة مع الشريعة، حيث أشار حمد بوعميم مدير العام لغرفة تجارة وصناعة دبي إلى أن توحيد المعايير من شأنه تعزيز التكامل التجاري بين دول المنطقة في قطاعات الاقتصاد الإسلامي.
وأضاف بوعميم في المؤتمر الصحافي الذي عقد، أمس، على هامش اختتام فعاليات الدورة العاشرة من منتدى الاقتصاد الإسلامي المنعقد في دبي أن «ذلك يسهل من عمليات الشراكة والاندماج، مما يساعد في دفع مسارات النمو المستدام نحو الازدهار ورخاء شعوب المنطقة».
وأطلقت غرفة تجارة وصناعة دبي وحدة متخصصة ضمن إدارة الأبحاث الاقتصادية بهدف تطوير دراسات حول أبرز الفرص والتحديات ومكامن القوة لقطاعات الاقتصاد الإسلامي، حيث أشارت المعلومات الصادرة من الغرفة إلى أن الوحدة ستقوم في مرحلة لاحقة بإطلاق منصات رقمية وتطبيقات ذكية تساعد مجتمع الأعمال المحلي في الاندماج ضمن المنظومة العالمية للاقتصاد الإسلامي، مما يوسع شريحة المستفيدين، ويعزز من ثقافة نشر المعرفة وتبادل الخبرات محليا وإقليميا ودوليا.
وكشف بوعميم عن تجاوز عدد حضور المنتدى أكثر من 3300 مشارك جاءوا من 104 دول حول العالم، منهم 181 متحدثا خلال جلسات المنتدى. وجاءت أكثر المشاركات في الحدث من دول ماليزيا والإمارات والمملكة المتحدة والهند وبنغلاديش. واستضاف المنتدى 37 جلسة نقاشية غطت 29 محورا من محاور الاقتصاد الإسلامي. بالإضافة إلى مشاركة 18 راعيا للحدث من 5 دول، تضم الإمارات والسعودية وأميركا وبريطانيا وماليزيا، و38 شريكا إعلاميا.
وقال: «سجل الحضور عدد من صناع القرار والرؤساء والمختصين في قطاع الاقتصاد الإسلامي، الذين ناقشوا مختلف قضايا المنتدى، من خلال طرح أفكارهم وطروحاتهم التي تشاركوا فيها مع نظرائهم من المشاركين. منوها بأن الحدث شهد توقيع 12 اتفاقية شراكة ومذكرة تفاهم».
إلى ذلك، وضمن أعمال اليوم الثالث للدورة العاشرة للمنتدى الاقتصادي الإسلامي العالمي ناقشت الجلسات الدور المهم الذي يلعبه الاقتصاد الإسلامي بقطاعاته من صكوك وصيرفة وتمويل ورأسمال، في دعم جهود التنمية والتطوير للمجتمعات، والمساهمة في التأسيس لاقتصاد مستدام يضمن رخاء وازدهار الشعوب.
وبدأت الفعاليات بجلسة نقاشية تحت عنوان «دور سوق رأس المال الإسلامي في النمو الاقتصادي»، تناولت دور أسواق رأس المال الإسلامي والصكوك الإسلامية في تعزيز تكامل النظام الاقتصادي وتلبية حاجات المستثمرين، مما يوفر تنوعا في مصادر دعم المشاريع في مختلف المجالات الزراعية والعقارات والنفط والغاز وغيرها.
وأكد الخبراء المشاركون أن وضع أسواق رأس المال الإسلامي خلال العقد الماضي شهد انتقال عدد من الأسواق النامية إلى أسواق ناشئة، حيث بلغ نصيب البنوك الإسلامية من الأصول 1.6 مليار دولار في عام 2013، مشيرين إلى أن الصكوك الإسلامية تحاكي السندات المالية في الأسواق العادية، وبالتالي يجب تطوير هذه الأدوات لخدمة مختلف احتياجات الأسواق العادية والإسلامية، مما يسهل أعمال الهيئات الرقابية.
وأشاروا إلى أن أسواق رأس المال الإسلامية تحظى باهتمام عالمي كبير، حيث يؤدي نمو رأس المال إلى رفاهية في المجتمع ككل. وتكمن مزايا الأسواق الإسلامية في الشفافية وتحمل المخاطر وإيجاد حصة في الأسواق، والسبب الحقيقي وراء السعي لتحفيز الأسواق الإسلامية يتلخص بكونه نظاما يعتمد على حصص الملكية مما يؤدي إلى تكون مزيد من الثروات، الأمر الذي يحفز المصارف وأسواق المال لاكتساب أهميتها.
وأشار المشاركون إلى أن أسواق الصكوك العالمية خلال 12 عاما ماضية حققت حجم نمو بلغ 21 في المائة، ووصل إصدار المستندات ذات السيادة إلى 23 في المائة، مما يدلل على وجود ابتكارات جديدة في هذا المجال، مؤكدين أن التمويل الإسلامي باعتماده على مبادئ الشريعة الإسلامية، يهدف إلى دعم جهود تنمية المجتمع والاهتمام بالأعمال الخيرية، حيث يرتكز النظام الإسلامي على الأخلاقيات والعدالة الاجتماعية، وتحسين حياة المواطنين من خلال إنتاج منتجات جديدة.
من جهته، أكد الدكتور عبد الحليم بن إسماعيل، خبير الصيرفة الإسلامية، على دور المصارف الإسلامية في دعم أنشطة الرعاية الاجتماعية، من خلال تطبيق المبادئ الخيرية القائمة على الشريعة الإسلامية، مشيرا إلى أن قطاع التمويل والصيرفة الإسلامية يحمل تاريخا طويلا في تنمية وتطوير المجتمعات منذ تأسيس البنك الإسلامي الأول في دبي في عام 1975.
وبين بن إسماعيل خلال جلسة خاصة على هامش المنتدى إلى أن قطاع البنوك والمصارف الإسلامية تسعى لتعزيز دورها في دعم الأنشطة الخيرية المجتمعية، عبر إدماج مصادر الوقف الإسلامي وجمع الصدقات ضمن نظامها المصرفي، كما دعا البنوك المركزية لأن تمنح المصارف الإسلامية تصاريح تمكنها من إنشاء «بيوت للزكاة» وشركات تكافل، وصناديق صدقات، بوصفها مؤسسات فرعية مهمتها جمع أموال الصدقات من مؤسسات القطاع الخاص والأفراد العاملين فيها، من أجل الاستثمار فيها واستخدام أرباح الاستثمارات في دعم الجمعيات الخيرية.
وأبدى سعادته بحجم الإقبال على منتجات البنوك الإسلامية، كالصكوك والتمويل من قبل غير المسلمين، حيث لم يكن يتوقع عند بداية العمل في هذا القطاع أن يستقطب هذا النوع من العمليات المصرفية هذا الكم من غير المسلمين.
وتحت عنوان «منصات التمويل للمشاريع المتوسطة والصغيرة»، ناقش مشاركون في الجلسة أهمية دور المشاريع المتوسطة والصغيرة في رفع معدلات النمو الاقتصادي وتعزيز البيئة الاجتماعية وتوفير فرص العمل، كونها تمثل العمود الفقري للاقتصاد والحافز الأساسي نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية للحكومات واستدامة النمو الاقتصادي.
واستعرض المشاركون أبرز القضايا الرئيسة التي تواجه المشاريع المتوسطة والصغيرة من حيث الحصول على التمويل المناسب، وأهمية الدعم الحكومي وتوفير البيئة المشجعة لحث المصارف على تقديم التمويل اللازم لهذه المشاريع.
وفي الإطار ذاته، ناقشت جلسة أخرى أهمية الدور الذي يلعبه قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة في نمو حركة التمويل الإسلامي، حيث بيّن حسين القمزي، عضو مجلس إدارة مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي والرئيس التنفيذي لمجموعة «نور الاستثمارية»، الحاجة إلى توفير الدعم المالي لتسهيل التجارة عبر الحدود.
وأشار القمزي إلى أن حصة التمويل الإسلامي من مجمل قطاع التمويل العالمي ما زالت ضئيلة للغاية ولا تتجاوز 1.5 في المائة، وشدد على الحاجة الماسة إلى تعزيز التمويل الإسلامي من خلال إجراءات توثيق مناسبة، ورفع الوعي لدى العملاء، وتوحيد المعايير في القطاع، وتوفير أطر تنظيمية داعمة بهدف دفع عجلة التطور في قطاع التمويل الإسلامي، وبالتالي التجارة الإسلامية.
وشهدت أعمال المنتدى الاقتصادي الإسلامي اتفاق مجموعة من سيدات ورائدات الأعمال المشاركات في المنتدى على أن تنمية وتطوير النشاطات الاقتصادية النسوية وتفعيل المشاريع والأعمال التي تملكها وتديرها وتشرف عليها سيدات ورائدات الأعمال ترتبط بشكل مباشر بالدعم الحكومي والتمويل وتعزيز التواصل والخبرات.
جاء ذلك خلال جلسة خاصة بعنوان «بزوغ رائدات الأعمال: تطور شبكة لسيدات الأعمال» تضمنت مشاركة نخبة من سيدات ورائدات الأعمال من مختلف أرجاء العالم. وأظهرت جلسة «التخطيط العمراني المستدام.. إنشاء بنى تحتية ذكية ومجتمعات شمولية» الحاجة الملحة والضرورية في إعادة النظر حول التخطيط العمراني لإيجاد توازن بين النمو الاقتصادي والممارسات المستدامة، وذلك من خلال الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية واستخدام الحلول الفعالة في تطوير البنى التحتية الذكية التي تحافظ على جودة الحياة والمجتمعات ذات الاكتفاء الذاتي، وتكون قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من السكان خلال السنوات المقبلة.



الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.