«الأمن الوقائي»... الجهاز الحوثي السري «الأكثر نفوذاً»

تقرير أممي: يعمل خارج الهياكل المعروفة ويرتبط بزعيم الجماعة

يمنيون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
TT

«الأمن الوقائي»... الجهاز الحوثي السري «الأكثر نفوذاً»

يمنيون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)
يمنيون في سوق وسط صنعاء (إ.ب.أ)

وصف أحدث تقرير لفريق الخبراء الأمميين التابعين لمجلس الأمن الدولي في شأن اليمن جهازَ الأمن الحوثي السري المعروف بجهاز «الأمن الوقائي» بأنه أكثر أجهزة الجماعة نفوذاً، كما كشف عن أبرز مهامه القمعية، مؤكداً أنه يعمل خارج الهياكل الأمنية المعروفة، ويتبع زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي مباشرة.
وفي حين يعد هذا الجهاز الحوثي المحفوف بكثير من الغموض في شأن قياداته الأكثر قمعاً ومساهمة في حماية الجماعة من الداخل -بحسب التقرير الأممي- بات دوره أكثر بروزاً بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2017.
وذكر التقرير الأممي المرسل إلى مجلس الأمن، نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي يقوده أحد أكثر الشخصيات الحوثية قوة، لكنه لم يشر إلى اسم الشخص في التقرير، وفضل أن يورد معلومات أكثر عنه في الملحق السري الرابع من التقرير نفسه.
وأوضح التقرير أن عمل هذا الجهاز الحوثي ينصب على رصد حركة الجماعة وحمايتها من التسلل، كما أن من مسؤولياته الأخرى استعراض تقارير المشرفين الحوثيين، وضمان عدم فرار مقاتلي الجماعة من الجبهات، وتولي الفصل بين عناصر الجماعة في حالة المواجهات البينية، وكذا اعتقال قادة الجماعة ومسؤوليها المتهمين من قبل زعيم الجماعة.
وأكد الفريق الأممي أنه أجرى مقابلة مع إحدى النساء، حرمها قيادي في الميليشيات الحوثية من حريتها وتحرش بها جنسياً لاحتجاجها على الجماعة، حيث تبين أنه من عناصر جهاز «الأمن الوقائي».
وتطرق التقرير الأممي إلى أجهزة الجماعة القمعية الأخرى، ومن بينها جهاز «الأمن والمخابرات» الذي أنشأته العام الماضي، بعد أن قامت بتفكيك جهازي «الأمن السياسي» و«الأمن القومي»، وألقت القبض على عشرات من الضباط الذين كانوا موالين للرئيس السابق علي صالح.
وأشار المحققون الأمميون إلى جهاز الحوثي النسائي المعروف بـ«الزينبيات»، وقال إن عناصر هذا الجهاز من النساء يتم اختيارهن من أسر هاشمية، حيث يتم توجيههن نحو النساء اليمنيات، ويقمن بتفتيش المنازل، وتلقين أفكار الجماعة، والسيطرة على سجون النساء.
وأفاد التحقيق الأممي الأحدث بأنه وثق جانباً من انتهاكات «الزينبيات»، التي شملت الاحتجاز والاعتقال التعسفيين، والنهب، والاعتداء الجنسي، والضرب والتعذيب، وتيسير الاغتصاب في مراكز الاحتجاز السرية.
وكانت «الشرق الأوسط» قد علمت من مصادر أمنية في صنعاء أن الحوثيين استعانوا في القضاء على حليفهم الرئيس السابق علي عبد الله صالح بقوة أمنية سرية متعددة المهام، يطلق عليها اسم «الأمن الوقائي»، وتتلقى أوامرها مباشرة من زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.
وكشفت المصادر حينها أن عناصر «الجهاز الأمني» الحوثي عملوا منذ أشهر على رصد تحركات الرئيس السابق كافة، بما في ذلك اتصالاته ولقاءاته، واتصالات المقربين منه، والأماكن التي يتنقل بينها، كما حصلوا على معلومات دقيقة عن حجم القوات الموالية له، ونوع التسليح الذي تمتلكه.
وأكدت أن الحوثي عمل من خلال جهازه السري على شراء واستئجار المئات من المنازل في «الحي السياسي»، والمناطق المحيطة بالمنازل التي يمتلكها صالح وأقاربه والقيادات القريبة منه، وقاموا بتكديس الأسلحة داخلها، كما جعلوها مأوى للمئات من المسلحين، في انتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على صالح وأعوانه.
وأفادت المعلومات التي حصلت عليها هذه المصادر بأن هذه القوة الحوثية استطاعت زراعة أجهزة تنصت داخل منزل صالح، واشترت مقربين منه ضمن حراساته وطاقمه الإعلامي لرصد كل تحركاته، بما فيها اتصالاته مع زعماء القبائل المحيطة بصنعاء، كما أنها ساهمت بشكل مباشر في اقتحام منزله وتصفيته فجر الرابع من ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، مع عدد من أعوانه، وتلفيق رواية أخرى زعمت مقتله في أثناء هروبه في الضواحي الجنوبية للعاصمة.
ويقدر حجم عناصر هذا الجهاز القمعي -وفق المعلومات- بـ3 آلاف شخص، بينهم خبراء في المعلوماتية ومهندسين في تقنيات الاتصال والرصد والتحليل، إلى جانب وحدة عسكرية مدربة للمهام الخاصة، وظيفتها تنفيذ الاقتحامات والاغتيالات وصناعة المتفجرات، إضافة إلى وحدة أخرى مهمتها التجنيد والاستقطاب، وأخرى تقوم بالعمل الإرشادي الدعوي (الأمن الثقافي)، ووظيفتها -بحسب المصادر- نشر أفكار الجماعة وملازم مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي، واختراق الوسط الإعلامي، وتنظيم الدورات والندوات وورش العمل، سواء داخل اليمن أو في بيروت وإيران.
ويحيط الغموض والسرية حياة أفراد الجهاز الأمني الحوثي، ولا تتوفر معلومات كبيرة إلا النزر اليسير عن قيادات هذه القوة الأمنية، حتى داخل أنصار الميليشيات وقياداتها المدنية والعسكرية.
وأسس زعيم الجماعة هذه القوة الأمنية في صعدة (مسقط رأسه) من عناصر شديدة الولاء له. كما تقدر المصادر أن عناصر من المخابرات الإيرانية وعناصر أمنية تابعة لـ«حزب الله» ساهمت في تدريب هذه القوة السرية، قبل أن توسع دائرة نطاق هذه القوة جغرافياً إلى صنعاء وكل المحافظات التي باتت تحت سيطرة الجماعة بعد اجتياح العاصمة في سبتمبر (أيلول) 2011.
وتمثل هذه القوة الأمنية متعددة المهام الذراع الاستخباراتية لزعيم الجماعة، وتتجاوز وظيفتها دائرة الخصوم إلى عناصر الجماعة نفسها، حيث ترصد كل تحركات قيادات الميليشيات، وتقدم تقارير يومية إلى زعيم الجماعة، تشمل كل التفاصيل عن أداء قادة الجماعة.
واطلعت «الشرق الأوسط» على نموذج رسمي لاستمارة انتساب عناصر «الأمن الوقائي» الحوثي تتضمن ديباجتها «الشعار الخميني» وعبارة «المسيرة القرآنية»، بصفتها مؤسسة موازية للجمهورية اليمنية الغائبة، بقيادة زعيم الجماعة الحوثي، وتحتها عبارة «الجانب الجهادي». كما تتضمن خانات لاسم الشخص المنتسب، واسمه الحركي، ورقمه، ونوع تخصصه، ورقم الملف، وتاريخ الانتساب.
وهناك ترجيحات لأن يكون فريق الاغتيالات في هذا الجهاز هو المسؤول عن تصفية عدد من عناصر الميليشيات وقياداتها الذين حاولوا تجاوز الخطوط الحمراء لزعيم الجماعة، ومن بينهم الإعلامي عبد الكريم الخيواني، وعضو البرلمان عبد الكريم جدبان، وعضو مؤتمر الحوار الوطني أحمد شرف الدين، والقيادي الحزبي محمد عبد الملك المتوكل.
وكان جدبان وشرف الدين من العناصر المتزنة في الجماعة التي تبنت أفكاراً وطنية ضمن سياق الإجماع العام، واغتيل الأول مع المتوكل في حادثين منفصلين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، بينما اغتيل شرف الدين في يناير (كانون الثاني) 2014، في اليوم الذي كان مقرراً لإقرار المسودة النهائية لمخرجات الحوار الوطني.
ويعتقد مراقبون أن الدكتور محمد عبد الملك المتوكل، القريب عقائدياً من الجماعة، كان يمثل صداعاً لعبد الملك الحوثي، لجهة أفكاره العلمانية وثقله السياسي ومعارضته للمشروع العام للجماعة بسبب إيمانه بمشروع الدولة المدنية.
ولا تستبعد المصادر أن يكون الجهاز الأمني الحوثي هو المسؤول عن الاغتيالات التي طالت ضباطاً عسكريين وقيادات أمنية إبان فترة حكم هادي، ووجوده في صنعاء، إضافة إلى حوادث أخرى استهدفت قيادات حوثية في مناطق سيطرة الجماعة في الأعوام الأخيرة.
كما ترجح مصادر قريبة من الجماعة أن يكون جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي سبباً في إطاحة قيادات كثيرة من مناصبها القيادية، إما لجهة استحواذها على أموال دون علم زعيم الجماعة أو لجهة تقاعسها في تنفيذ أوامره.
ورغم سيطرة الجماعة الانقلابية على كل أجهزة الدولة اليمنية الاستخباراتية والأمنية بعد الانقلاب على الحكومة الشرعية، فإنها أبقت عمل هذه الأجهزة شكلياً، بعد أن أزاحت قياداتها السابقة، وعينت موالين لها للسيطرة على موارد هذه الأجهزة المالية والفنية لصالح الجهاز الأمني السري الذي أنشأه زعيم الجماعة.
ويبدو أن الحوثي لم يثق بأجهزة الدولة الأمنية التي استولى عليها لجهة أن كثيراً من عناصرها تلقوا تدريباً أميركياً، بخاصة جهاز الأمن القومي الذي كان يديره نجل شقيق الرئيس السابق، عمار صالح، وهو ما جعله يقوم بتفكيكه، مع جهاز «الأمن السياسي»، ويقيم على أنقاضهما ما أطلق عليه جهاز «الأمن والمخابرات».
ويقول موالون لحزب «المؤتمر الشعبي» إن جهاز الحوثي السري هو الذي تولى منذ مقتل صالح حملات الملاحقة ضد أنصاره والاعتقالات وعمليات التصفية ودهم المنازل ونهبها وتفجير بعضها.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا تناقشان جهود حفظ أمن المنطقة

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)
وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

ناقش الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، خلال اتصالٍ هاتفي مع نظيرته الكندية أنيتا أناند، الجمعة، مستجدات التصعيد في المنطقة، والجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار.

من جانب آخر، بحث وزير الخارجية السعودي، في اتصالٍ هاتفي تلقاه من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تطورات التصعيد في الشرق الأوسط، والموضوعات ذات الاهتمام المشترك.

إلى ذلك، أشاد سفراء الدول الأوروبية في الرياض بالجهود التي تبذلها السعودية لصون الأمن والاستقرار بالمنطقة، والحفاظ على أمن أراضي المملكة، والتصدي بكفاءة لكل الهجمات الإيرانية السافرة.

أوضح الاجتماع موقف السعودية تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها (واس)

وأوضح اجتماع عقده المهندس وليد الخريجي نائب وزير الخارجية السعودي مع سفراء الدول الأوروبية، في الرياض، مساء الخميس، موقف المملكة تجاه الأحداث الجارية وتطوراتها.

وجدَّد السفراء خلال الاجتماع إدانة بلدانهم للاعتداءات الإيرانية الغاشمة على السعودية ودول الخليج، وأخرى عربية وإسلامية، مُعربين عن تقديرهم للمساعدة التي قدمتها المملكة لإجلاء مواطنيهم وتسهيل عودتهم إلى بلدانهم.

حضر الاجتماع من الجانب السعودي، السفير الدكتور سعود الساطي وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، والسفير عبد الرحمن الأحمد مدير عام الإدارة العامة للدول الأوروبية.


السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.