أجواء أمنية في طهران بعد دعوات لإحياء ذكرى الأربعين لقتلى المحتجين

السلطات توقف عائلة شاب قتل في الاحتجاجات... ونائب يكشف عن تدخل خامنئي لمنع مساءلة وزير الداخلية

صورة تم تداولها على «تويتر» لانتشار القوات الخاصة في مناطق متفرقة من طهران (شبكات التواصل)
صورة تم تداولها على «تويتر» لانتشار القوات الخاصة في مناطق متفرقة من طهران (شبكات التواصل)
TT

أجواء أمنية في طهران بعد دعوات لإحياء ذكرى الأربعين لقتلى المحتجين

صورة تم تداولها على «تويتر» لانتشار القوات الخاصة في مناطق متفرقة من طهران (شبكات التواصل)
صورة تم تداولها على «تويتر» لانتشار القوات الخاصة في مناطق متفرقة من طهران (شبكات التواصل)

عادت الأجواء الأمنية إلى العاصمة الإيرانية طهران أمس وفقاً لتسجيلات جرى تداولها على «تويتر»، وفي الوقت نفسه ردت مصادر رسمية إيرانية على تقرير لوكالة «رويترز» يكشف عن أن أوامر مباشرة من المرشد الإيراني علي خامنئي وراء قمع الاحتجاجات منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ما أدى إلى مقتل 1500 شخص بنيران قوات الأمن لتكون الاحتجاجات الأكثر دموية خلال 4 عقود.
وأظهرت تسجيلات تداولها ناشطون إيرانيون، أمس، انتشار قوات خاصة من الشرطة في مختلف مناطق طهران بعد دعوات للتجمهر بمدينة كرج لإحياء الذكرى الأربعين لقتلى الاحتجاجات.
في الأثناء، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية، أمس، بأن السلطات الإيرانية أوقفت والدي وأفراداً من عائلة شاب قتل في الاحتجاجات. وأوردت وكالة «مهر» الحكومية نقلاً عما وصفته بمصدر مطلع أن عائلة بويا بختياري الذي «قتل بشكل مثير للشبهات في أعمال الشغب الأخيرة» دُعيت لإجراء محادثات مع السلطات.
وذكرت الوكالة التي تمولها «منظمة الدعاية الإسلامية» التابعة لمكتب المرشد أن العائلة كانت «تنفّذ مشروعاً مناهضاً للثورة» وتقوم بـ«أنشطة معادية للمنظومة» الإيرانية. وأضافت: «نتيجة ذلك، تم توقيف هذه العناصر بناء على أمر قضائي لحماية النظام وأمن الأشخاص الشرفاء ومن تضرروا بسبب القائمين بأعمال الشغب».
وذكرت تقارير إعلامية أن بختياري (27 عاماً) قتل في مدينة كرج غرب طهران في اليوم الأول من انطلاق حملة القمع بمناطق غرب طهران.ى وأعلن حسابه في «إنستغرام»، الذي يعتقد حالياً أن والده يديره، أن الذكرى الأربعين لوفاته ستقام في مقبرة كرج الخميس. ودعت منظمة العفو الدولية إلى الإفراج فوراً عن ناهيد شيربيشه ومنوتشهر بختياري، والدي بويا بختياري.
وأفادت وكالة «رويترز»، أول من أمس، نقلاً عن 3 مصادر مسؤولة من وزارة الداخلية الإيرانية، بأن خامنئي جمع كبار المسؤولين الإيرانيين في أجهزة الأمن والحكومة؛ على رأسهم الرئيس حسن روحاني، وأصدر بنفاد صبر أوامر لهم: «افعلوا ما يلزم لوضع حد لها» وذلك خلال اجتماع عقد في 17 نوفمبر الماضي. وقالت المصادر إن خامنئي كان غاضباً من أن المحتجين أحرقوا صورة المرشد الأول الخميني ودمروا تمثالاً له في مدينة كرج غرب طهران. ونقل أحد المصادر عن المرشد الإيراني قوله للحاضرين: «الجمهورية الإسلامية في خطر. افعلوا ما يلزم لوضع نهاية لذلك. هذا هو أمري لكم».
وأوضحت تلك المصادر أن حملة القمع لإخماد الاحتجاجات، أسفرت عن مقتل 1500 شخص؛ بينهم 17 في سن المراهقة، ونحو 400 امرأة، وبعض رجال الأمن والشرطة. وقال مسؤولان إيرانيان إن الحصيلة مبنية على معلومات تم تجميعها من قوات الأمن والمشارح والمستشفيات ومكاتب الطب الشرعي.
وامتدت الاحتجاجات، التي بدأت في 15 نوفمبر الماضي إلى 29 محافظة من أصل 31 بعدما رفعت الحكومة فجأة أسعار البنزين بنسبة تصل إلى 300 في المائة، بسرعة إلى أكثر من 100 مدينة وبلدة وأخذت بعداً سياسياً مع مطالبة الشباب والمتظاهرين الذين ينتمون للطبقة العاملة بتنحي النخبة الدينية الحاكمة.
ولم تعلن طهران عن إحصاء رسمي، لكن منظمة العفو الدولية نشرت تقارير عدة عن حصيلة القتلى، وقالت في آخر تقرير لها إن 304 أشخاص على الأقل قتلوا؛ بناء على تقارير موثوق بها. ووثقت المنظمة القتلى بالأسماء. وقالت إنها جمعت «شهادات مروعة» تشير إلى أنه بعد ارتكاب السلطات «مجزرة» بحق المتظاهرين، قامت بتنظيم «حملة واسعة النطاق» للتغطية على عدد القتلى. وأشارت إلى أنه «تم اعتقال آلاف المحتجين، إضافة إلى صحافيين ومدافعين عن حقوق الإنسان والطلاب (...) لمنعهم من التحدث علناً عن القمع الإيراني القاسي». وقال مبعوث الولايات المتحدة الخاص لشؤون إيران برايان هوك إن قوات الأمن الإيرانية ربما قتلت أكثر من ألف شخص.
غير أن وكالات رسمية إيرانية هاجمت تقرير «رويترز» لأنها نقلت عن مصادر لم تذكرها بالاسم. وفي هذا الإطار نسبت «وكالة نادي المراسلين الشباب» ووكالة «إيسنا» الحكومية لمصدر مسؤول مقرب في مكتب المرشد الإيراني، دون أن تذكر اسمه، أن المرشد «لم يكن لديه أي اجتماع مشترك مع الرئيس وأعضاء الحكومة لا في يوم 17 نوفمبر ولا بعده». وصرح أيضاً بأن «الأوامر الوحيدة» الصادرة من المرشد حول الاحتجاجات تمثلت في الرد على تقرير أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، والذي نشرته وسائل إعلام إيرانية.
في السياق نفسه، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية أن «مسؤولاً إيرانياً نفى تقريراً في وسائل إعلام أجنبية الاثنين أشار إلى أن العدد بلغ 1500 قتيل، مؤكداً على أنه مبني على (حملة دعائية كاذبة)». وأفاد رئيس «مركز العلاقات والإعلام» في الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي رضا ظريفيان بأنه «لا جديد في هذه الطريقة في كتابة الأخبار وتوجيه الاتهامات». ونقلت وكالة «تسنيم»؛ المنبر الإعلامي لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، عنه قوله إن التقارير مجرّد «سلسلة من الادعاءات المثيرة للسخرية».
وكان خامنئي قد وصف الاحتجاجات بأنها «مؤامرة خطرة للغاية» من أعداء إيران، منحياً باللائمة على «معارضي السلطة وأعدائها بالخارج». وفي تعليق آخر، قال: «دحرنا العدو خلال الأحداث الأمنية في الأيام الأخيرة».
بداية هذا الشهر، اعترف التلفزيون الرسمي بقتل المحتجين دون أن يذكر أرقاماً، وجاء ذلك قبل ساعات من قول الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن إيران «تقتل ربما آلافاً وآلافاً من الأشخاص الآن ونحن نتكلم». وقال التلفزيون الرسمي: «كان مثيرو الشغب مسلحين بالسكاكين والأسلحة. احتجزوا الناس رهائن من خلال إغلاق جميع الطرق في بعض المناطق. لم يكن أمام قوات الأمن خيار سوى أن تواجههم بحسم... ولقي مثيرو شغب حتفهم في الاشتباكات».
وبعد أسبوع من اندلاع الاحتجاجات، قال نائب قائد «الحرس الثوري» علي فدوي إن «بعض المحتجين المسلحين أطلقوا النار من مسافة قصيرة ومن الخلف على الناس» وأضاف أن «الرصاص أطلق من بين صفوف المتظاهرين». وخلال اجتماع جرى في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي بين وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي وعدد من النواب الغاضبين، نقل النائب محمود صادقي أن «نواب بعض المدن سألوا وزير الداخلية عن إمكانية إطلاق النار من الظهر إلى الأسفل، لماذا أطلق النار هكذا (على الرأس)؟!». وقال إن «الوزير أجاب: أطلق النار على الأرجل، أيضاً» وأثارت «برودة دم الوزير» استغراب النواب}.
في وقت سابق من الشهر الحالي كانت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة ذكرت أنّ 7 آلاف شخص على الأقل اعتقلوا في إيران منذ اندلاع الاحتجاجات في منتصف نوفمبر الماضي. وقال خبراء حقوقيون في الأمم المتحدة في بيان الأسبوع الماضي: «ذكرت تقارير أن المعتقلين يتعرضون للتعذيب أو يعانون من أشكال أخرى من سوء المعاملة أحياناً لانتزاع اعترافات بالإكراه». وتابعوا: «ذكرت التقارير أيضاً أن البعض حرموا من العلاج الطبي، وخصوصاً لمداواة جروح أصيبوا بها بسبب استخدام قوات الأمن القوة المفرطة».
وتفاعلت الأوساط مع تقرير وكالة «رويترز». وتناقل الناشطون المعنيون بحقوق الإنسان في إيران أجزاءً من تقرير الوكالة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في وقت طالب فيه دبلوماسيون وسياسيون غربيون بتحقيق دولي حول المعلومات التي وردت في تقرير الوكالة.
ومع ذلك، نقلت وكالة «إرنا» الرسمية أمس عن قائد القوات الجوية في الجيش الإيراني اللواء يوسف قرباني أن «المرشد الإيراني يحبط المؤامرات كافة في 90 دقيقة».
وخلال هذه الفترة لم تسفر دعوات رددها نواب في البرلمان لتشكيل لجنة تقصي حقائق، عن نتائج في ظل التصريحات المتضاربة بين المسؤولين حول هوية المقتولين وأسباب إطلاق النار.
وكان رئيس «كتلة الأمل» الإصلاحية محمد رضا عارف بين أبرز النواب الذين طالبوا بتشكيل لجنة تقصي حقائق لمساءلة الأجهزة المعنية.
وحذر النائب محمود صادقي في بداية ديسمبر الحالي في تغريدة: «إذا لم تقدم المراجع المسؤولة إحصائية دقيقة عن القتلى والجرحى والمعتقلين، فسيكون النواب مضطرين لنشر إحصاءات تستند إلى تقارير الناس».
في غضون ذلك، حمل النائب علي مطهري، الرئيس الإيراني مسؤولية ما شهدته إيران من احتجاجات، وعدّه «المتهم الأول»، لكنه قال إن مساءلة روحاني «في ظل الأوضاع الحالية لا تخدم المصلحة».
وقال النائب عن مدينة طهران إن تدخل خامنئي أوقف مسار مساءلة وزير الداخلية. ونقلت عنه وكالة «ايلنا» العمالية أن رئاسة البرلمان تمتنع عن تفعيل طلب لاستجواب الوزير بسبب معارضة المرشد الإيراني.



غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة، يواجه النازحون في المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات، قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

وتتفاقم هذه المعاناة في ظل ارتفاع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف، وما يوفّره ذلك من بيئة مواتية لانتشار الحشرات في ظروف بيئية وصحية كارثية في المخيمات.

يحمل محمد الرقب طفله البالغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي عضّه جرذ وهو نائم في خيمة العائلة في مدينة خان يونس في جنوب القطاع.

ويقول بينما يعمل على تثبيت مصيدة للفئران في الخيمة: «العرسة (الجرذ) عضّت ابني في أنفه وهو نائم. لا أستطيع النوم طوال الليل لأنني مضطر لمراقبة أطفالي باستمرار».

ويضيف: «العرس والفئران تهاجمنا كلّ يوم، لقد أتلفت الخيمة وأغراضنا».

أطفال يسيرون وسط ملاجئ مؤقتة للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفقاً للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم أو نظراً إلى أنّ حوالى نصف مساحة القطاع ما زال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الظروف المعيشية في هذه المخيمات «تتسم بانتشار القوارض والطفيليات»، وذلك استناداً إلى زيارات ميدانية لطواقمه في مارس (آذار).

تتفقد غالية أبو سلمى النازحة إلى غرب مدينة خان يونس ملابس مليئة بالثقوب داخل حقائب قماشية، وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أُتلفت ملابس ابنتي العروس بسبب الجرذان والفئران، بعدما قضينا أربعة أشهر نستعدّ» لهذه المناسبة.

وبينما تشير إلى حفر كبيرة تتسلل منها القوارض في أرض خيمتها، تضيف: «كلّ شيء أصبح ملوثاً وينقل الأمراض. القوارض أضرّت الجميع، حتى الأثاث والملابس تضرّر، والبراغيث تسبّبت بحساسية جلدية للكبار والصغار».

ومنذ بدأت درجات الحرارة في الارتفاع «ظهرت القوارض والبراغيث بشكل غير مسبوق»، وفق غالية أبو سلمى، التي تؤكد أنّ «هذه ليست مشكلة فردية، بل يعاني منها جميع النازحين».

كلب ينظر من خلال غطاء قماش مشمع لمأوى مؤقت مهجور في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«نقص الأدوية والعلاجات»

تمتد غالبية المخيمات على طول غرب الشريط الساحلي المطل على البحر الأبيض المتوسط، بينما تتكدس ملايين الأطنان من الركام والنفايات.

وبينما لا تزال إسرائيل تسيطر على المعابر التي تربط القطاع بالخارج، فإنّ جميع البضائع تخضع للتفتيش وغالباً ما تُردّ الشاحنات، بحسب منظمات غير حكومية والأمم المتحدة.

من جانبها، تشير بلدية غزة إلى تكدّس النفايات في قلب المدينة والدمار الكبير في البنية التحتية والمنشآت وأزمة النزوح، إضافة إلى تردّي أماكن العيش والخيام، وتسرّب المياه العادمة في الشوارع.

وتقول صابرين أبو طيبة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعيش في خيام ومدارس تغمرها مياه الصرف الصحي. ابني يعاني من طفح جلدي في كل جسمه، لا نستطيع النوم، أخذته إلى الأطباء من دون جدوى».

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبحسب رئيس قسم الأطفال في مستشفى «شهداء الأقصى»، الطبيب هاني الفليت، «هناك زيادة كبيرة في الأمراض الجلدية بين الأطفال، مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والمياه».

ويقول: «نستقبل يومياً إصابات بجرب والتهابات جلدية فيروسية وبكتيرية، في ظل نقص الأدوية والعلاجات».

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرق الهدنة، بينما قُتل 777 فلسطينياً على الأقل منذ سريانها، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» في القطاع.

واندلعت الحرب في غزة إثر هجوم غير مسبوق شنته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وأسفر عن مقتل 1221 شخصاً، وفق حصيلة تستند إلى أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بشن حرب هي الأعنف منذ عقود، أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألفاً و553 شخصاً في القطاع.


«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
TT

«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

يواصل «حزب الله» هجومه على السلطة في لبنان، اعتراضاً على قرار خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ويصر على وجوب تراجعها عن هذا المسار مع التهديد بإسقاطه بالقوة، لاعتبار أنه يتطلب تفاهماً وطنياً عارماً مفقوداً، وتوعد بأن يكون مصير هذه المحادثات وأي اتفاق يصدر عنها، مماثلاً لاتفاق 17 مايو (أيار) 1983.

وهذا الاتفاق الذي يعود إلى 43 عاماً إلى الوراء، هو عبارة عن معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل تضمنت ترتيبات أمنية تنهي حالة الحرب بين البلدين، وتؤدي بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وتنظيم وضع الحدود المشتركة.

وأتى هذا الاتفاق بعدما اجتاحت إسرائيل لبنان في يونيو (حزيران) 1982، وتمكنت من الوصول إلى العاصمة بيروت واحتلال أجزاء كبيرة من البلاد. وتلا ذلك انسحاب الفصائل الفلسطينية من لبنان، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية؛ هو أمين الجميل الذي قاد المفاوضات.

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع عنصر في الحزب في منطقة الشويفات جنوب بيروت (أ.ف.ب)

إلا أن هذا الاتفاق الذي تم برعاية أميركية، عاد وتراجع عنه في 5 مارس (آذار) 1984، بعد رفض داخلي واسع من قوى لبنانية (خصوصاً قوى وطنية ويسارية وإسلامية)، ورفض سوري قاطع في وقت كان فيه الوجود العسكري السوري مؤثراً في لبنان.

فارق في الظروف

وعلى الرغم من المعارضة الشرسة من قبل «حزب الله» لمسار التفاوض المباشر، يُنظر إلى هذا المسار على أن ظروفه تختلف عما كان الأمر عليه في عام 1983، وهو ما يؤكده النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» الدكتور سليم الصايغ، مذكراً بأنه «في 17 مايو 1983، كانت الحكومة اللبنانية والرئاسة والمجلس يواجهون سوريا وحلف (وارسو) وسوء نية إسرائيل وضعف الالتزام الأميركي مجتمعين. أما اليوم فتغيرت الأحوال الإقليمية، وأصبح (حزب الله) بلا مدى حيوي استراتيجي، كما أن قدراته محدودة جداً»، لافتاً إلى أن «أي خطوة ناقصة يقوم بها في الشارع، يعني تحويل كل الشارع اللبناني ضده».

ويضيف الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إضافة إلى ذلك، هناك موقف صارم من الحكومة اللبنانية التي ستضرب بيد من حديد»، مضيفاً: «كما أن التشكيك في قدرة الجيش ليست في محلها؛ إذ إن لديه معرفة بالأرض حجراً وبشراً، وما كان ينقصه هو المعركة الواضحة المعالم؛ إذ إن أي جيش لا يستطيع أن يزج نفسه في معركة مفتوحة الأفق. إنما إذا أراد (حزب الله) الذهاب إلى الفوضى والفتنة، فإنه سيجد في وجهه جيشاً متماسكاً وشعباً موحداً».

غضب وتهديد

وساد غضب واستياء كبير في صفوف جمهور «الثنائي الشيعي» (أمل وحزب الله)، بعد تناقل صور ومشاهد الاجتماع الذي ضم السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن الثلاثاء الماضي، ما دفع إعلاميين وناشطين محسوبين عليهما، للتهديد بأن يكون مصيره مثل مصير «17 أيار». وقال النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله، في تصريح له، إن «هناك فئة كبيرة ترفض مسار السلطة، وهي من أسقطت مع القوى الوطنية اتفاق (17 أيار)، ولن تسمح اليوم بتكرار التجربة»، لافتاً إلى أن «الموضوع لا يخص الطائفة الشيعية فقط؛ إذ هي فئة أساسية من الشعب اللبناني وترفض مسار التفاوض المباشر، ولن يستطيع أحد تجاوز دورها».

عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب حسن فضل الله (أ.ف.ب)

ويعتبر الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا إمكانية أيضاً لدى الحزب لتشكيل أي بديل، كما كان يحدث مع جماعة سوريا بلبنان في الماضي؛ إذ كان كل تخريب في لبنان يصب في مصلحة سوريا. أما إسرائيل فكانت غارقة وقتها في تناقض داخلي أثّر عليها بشكل كبير، ما جعلها تفضل الإدارة الأمنية للملف اللبناني بالتوافق مع سوريا تماماً، كما حصل في اتفاق الخطوط الحمر الذي غطى دخول سوريا إلى لبنان عام 1976»، لافتاً إلى أن «الفائدة راهناً من الفوضى صفرية بعد فصل المسارين اللبناني والإيراني. كذلك فإن إسرائيل لن تساوم على الملف اللبناني؛ إذ اكتشفت أن تقوية الدولة في بيروت يؤمن لها ما تريد جنوباً مع احترام السيادة اللبنانية على كل المستويات».

حرب أهلية فتقسيم!

وإن كان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور هلال خشان، يوافق الصايغ على اختلاف الظروف بين المرحلتين، فإنه ييدو أكثر تشاؤماً بما يتعلق بوضعية لبنان المقبلة، معتبراً أن «الدور الأساسي لسوريا وقتها بإسقاط الاتفاق، غير موجود اليوم، والصراع بين دمشق وتل أبيب على لبنان لا وجود له راهناً».

ويشير خشان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ما تسعى إليه إسرائيل حالياً هو اتفاقية السلام تغطيها وتعطيها المشروعية لمواصلة قتال (حزب الله)، ويبدو واضحاً ألا أحد يستطيع إيقافها، والقرار نهائي بالنسبة إليها بإنهاء الوجود العسكري للحزب».

ويرى خشان أن هذا التصعيد يحمل مخاطر من أن يكون لبنان «يسير باتجاه حرب أهلية مع احتمالية تدخل سوريا، انطلاقاً من الشمال اللبناني»، معتبراً أن «ما يعزز هذا السيناريو هو انتشار عناصر الحزب في كل المناطق اللبنانية». ويضيف: «نخشى أيضاً أن تؤدي هذه الحرب إلى انقسام الجيش كما تقسيم البلد».

ويعتبر خشان أن «التفات (حزب الله) لتفجير الوضع الداخلي مرتبط بتطور المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وما قد ينتج عنه، علماً بأن إسرائيل نفسها لا تعول كثيراً على هذه المفاوضات».


جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)
المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)
TT

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)
المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

يقود المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ جهوداً متواصلة لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية، عبر انخراط مباشر مع مسؤولين من مختلف أطراف النزاع الدائر في البلاد منذ عام 2014.

المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

وقالت إزميني بالا، المتحدِّثة باسم مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن لـ«الشرق الأوسط» إن «استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد، ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين».

وأضافت: «كما يُشكل ذلك جزءاً من جهود أوسع لدعم مصادر دخل أكثر استدامة وتنوعاً على المدى الطويل».

وتكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى من أجل دعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

وتوقفت الصادرات النفطية اليمنية بشكل شبه كامل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بسبب هجمات الحوثيين على موانئ التصدير (الضبة والنشيمة) في محافظتي حضرموت وشبوة، الأمر الذي حرم الحكومة اليمنية من أبرز مصادر إيراداتها التي تشكل نحو 70 في المائة من الموازنة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال استقباله المبعوث الأممي قبل أيام (سبأ)

وتؤكد المتحدثة باسم المبعوث الأممي في اليمن أن «مكتب المبعوث الخاص يواصل الانخراط بشكل منتظم مع مسؤولين من أطراف النزاع، بالإضافة إلى تجار الوقود والجهات المعنية في القطاع».

ورغم التحديات التي يفرضها المناخ السياسي والإقليمي الراهن - حسب المتحدثة باسم مكتب المبعوث الأممي - فإن «هذه المناقشات تهدف إلى تقييم المتطلبات الفنية والمالية واللوجيستية لاستئناف الصادرات، وتحديد نقاط انطلاق محتملة تُسهم في بناء الثقة».

ويشغل الدبلوماسي السويدي هانس غروندبرغ منصب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن منذ أغسطس (آب) 2021، خلفاً للبريطاني مارتن غريفيث.

وناقش غروندبرغ مطلع أبريل (نيسان) الحالي مع وزير النفط والمعادن اليمني محمد بامقاء، الذي أكد للبمعوث الأممي أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية.

إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن أهمية إعادة تصدير المنتجات النفطية للحكومة الشرعية تكمن في أنها «مصدر تمويل حقيقي وغير تضخمي للموازنة، وعدم اعتمادها على المساعدات والهبات أو اعتمادها على وسائل تضخمية في تمويل الموازنة».

ولفت الآنسي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «هذه الخطوة مهمة لكي تتمكن الحكومة الشرعية من تقديم خدماتها للمواطنين، وتسهيل الحياة في المناطق المحررة التي أصبحت الطرق فيها غير صالحة للاستخدام».

وتابع: «كذلك هناك مشاريع كثيرة متوقفة، والمستشفيات تحتاج إلى إعادة تأهيل وتمويل وكذا المدارس (...) ولا بد للحكومة أن تحسن من إيراداتها، وأهم مصدر لها هو تصدير النفط، لكن يجب أن يتم ذلك تحت رقابة مشددة من البرلمان ومن أجهزة الدولة الرقابية».

المبعوث الأممي خلال لقائه في عدن مع وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وكان هانس غروندبرغ أجرى سلسلة لقاءات رفيعة خلال زيارته الأخيرة للعاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وتسعى الأمم المتحدة - حسب مراقبين - إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.