الصين تحاول السيطرة على العالم اقتصادياً بـ«طريق الحرير»

فرض خيارات جديدة أمام الدول عبر ما يعد «أكبر مشاريع الاستثمار في التاريخ»

الصين تحاول السيطرة على العالم اقتصادياً بـ«طريق الحرير»
TT

الصين تحاول السيطرة على العالم اقتصادياً بـ«طريق الحرير»

الصين تحاول السيطرة على العالم اقتصادياً بـ«طريق الحرير»

يبدو أن دور المعدات العسكرية والخطط الحربية التقليدية قد تراجع، وأصبح في طور التلاشي في القرن الحادي والعشرين، كأداة لسيطرة القوى العظمى وهيمنتها على العالم، حيث ظهرت أدوات جديدة، لتحل محل الأدوات القديمة البالية، ومنها على سبيل المثال السيطرة الاقتصادية والاستثمارية، وهي الأداة التي قررت الصين استخدامها لبسط نفوذها الجيوسياسى على العالم أجمع، لترسخ أقدامها كثاني أكبر قوة اقتصادية فوق هذا الكوكب.
وتنفيذاً لهذه السياسية، أعلن الرئيس الصيني شي جينبينغ في عام 2013 عن مشروع ضخم سيسمح للصين بفرض نفسها على الساحة الدولية كثاني أكبر قوة اقتصادية عالمية، وهو المشروع المسمى «طريق الحرير»، الذي يشمل بُعدين أساسيين: يتعلق الأول بطريق برى، بينما يكمن الثاني في حزام بحري، ليرسما ويحددا الرهانات الجيوسياسية على مستويات كثيرة لا تكشفها العلاقات الدولية ولا تتعرض لها، حيث يعتمد المشروع على إجمالي العلاقات الاقتصادية، ليس فقط في آسيا ولكن أيضاً يمتد إلى ربط وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. ونظراً لأهمية هذا المشروع، ليس فقط على الساحة الاقتصادية الآسيوية ولكن على الساحة الدولية، فقد صدر منذ بضعة أيام فقط عن دار النشر الكندية «آسيا المعاصرة» كتاب «طريق الحرير الجديد - البعد الجيوسياسى لمشروع صيني ضخم»، الذي جاء في 300 صفحة من القطع المتوسط.
ويتمتع الكتاب بأهمية كبيرة، ليس لأنه يكشف النقاب عن الوجه الحقيقي للمشروع الصيني ولكن أيضاً لأنه يمثل عملاً موسوعياً لهذا المشروع الضخم، من خلال جهد كبير لعدد من الباحثين المتخصصين، تحت إشراف وإدارة ثلاثة من ألمع العقول في هذا المجال، وهم: بارتليمي كورمنت الأستاذ بجامعة ليل الفرنسية مدير الأبحاث بمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية بفرنسا، وإل إريك موتيه أستاذ الجغرافيا السياسية بقسم الجغرافيا بجامعة الكيبك بمونتريال بكندا، وفريدريك لاسيير الأستاذ بقسم الجغرافيا بجامعة لافال بالكيبك بكندا الباحث في «معهد الكيبك للدراسات الدولية العليا» مدير «مجلس الكيبك للدراسات الجيوسياسية»، الأمر الذي يضفي على الكتاب طبيعة خاصة، وميزة نوعية في هذا المجال.
وفي إطار سعي المؤلفين لتعميق الجانب المعرفي حول عمليات تحول المجتمعات والدول الآسيوية، يسعى الكتاب للرد على عدد من الأسئلة المهمة، مثل: ما مردود الانشقاقات الناجمة عن ظهور القوى العظمى في القرن التاسع عشر؟ هل هناك مفهوم للتنمية المستدامة في آسيا؟ وغيرهما من الأسئلة التي تأتي على خلفية اهتمام الكتاب بأنماط كثيرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، إضافة إلى تحديد مكانة آسيا المعاصرة في ديناميكية العولمة الاقتصادية التي ترتكز على النموذج الغربي وعالم أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية.

- حقائق وأرقام
يؤكد الكتاب أن صعود الصين القوي على الساحة الدولية، وترسيخ مكانتها كقوة دولية، إنما يمثل وبحق رهانات مهمة للعلاقات الدولية، وهي رهانات كان يتم تجاهلها في السابق، إلا أنها تفرض نفسها اليوم بقوة على الساحة الدولية، حيث تؤكد الأرقام هذه الحقيقة، كما تشير الإحصائيات إلى أن صافي الناتج المحلي الصيني سيتجاوز نظيره الأميركي خلال بضع سنوات، وستتربع الصين دون شك على قمة هرم القوى الاقتصادية العالمية، بفضل ما تتبناه من استراتيجيات اقتصادية تسمح لها بالحفاظ على القمة. ولتحقيق ذلك، فإن الأمر يتطلب من الصين قلب المعطيات والتوازنات والمؤسسات الراهنة، مروراً برسم علاقات جديدة بين الدول والمجتمعات، وهي السياسة التي تسعى الصين منذ عام 2000 نحو تنفيذها، حيث حدد الرئيس الصيني شي جينبينغ الأهداف التي ينبغي إنجازها، مثل «صعود الصين السلمي 2003» و«المجتمع المتجانس 2004» أو «القوى الناعمة»؛ وكلها تسميات تحمل في طياتها مشروعات السياسة الداخلية أو الخارجية للصين، كما أنها تعود في واقع الأمر إلى حقيقة تاريخية لها جذور عميقة في ثقافات وحضارات الصين وأوروبا. وقد رأت الصين أن السبيل لتحقيق ذلك يكمن في إحياء أسطورة مشروع «طريق الحرير» التجاري البري، وشقه البحري الرابط بين شرق آسيا وغرب أوروبا، مروراً بالشرق الأوسط، الأمر الذي يعزز من الوجود الصيني، ليس فقط في جنوب شرقي آسيا ولكن أيضاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأوروبا. ولذلك، فقد اتخذت الصين قراراً منذ نحو 20 عاماً يكمن في الانفتاح على العالم أجمع، واضعة قدراتها وإمكانياتها المهمة في مجالات متنوعة بين اقتصادية وعسكرية وثقافية. وفي أقل من عشرة أعوام، نجح الرئيس الصيني، من خلال شعار «الكل رابح»، في البدء بمشروعات طويلة المدى، من شأنها أن تسمح بترسيخ أقدام الصين كقوة دولية فاعلة عن طريق مثلث ثلاثي الأضلاع: يكمن الأول في الاقتصاد، والثاني في القدرات العسكرية، بينما يكمن الضلع الثالث في البعد الثقافي الذي يمثل أهمية خاصة كقوة ناعمة.

- مغزى طريق الحرير
الثابت أن «طريق الحرير»، كما يوضح الكتاب، ليس بجديد، إذ تعود تسميته للقرن التاسع عشر للألماني فردناند فون ريشوفيم، ويقصد به (ولقرون عدة) العلاقة الأساسية للتبادلات التجارية بين دول غرب أوروبا والصين. كما أكد بعض أساتذة الجامعات البريطانية على الأهمية النوعية لهذا الطريق، وعلى رأسهم البريطاني بيتر فرامتوبان الذي أكد بدوره على أهمية هذا الطريق خلال القرنين الماضيين، خصوصاً أنه يتعلق بإقامة بنى تحتية عملاقة آسيوية تربط الصين بباقي الدول الآسيوية وأوروبا وأفريقيا، وذلك بإقامة محاور نقل بري، وسكك حديدية عبر آسيا، وهي أفكار ليست بجديدة، إذ تعود لعام 1959، على يد الأمم المتحدة وبعض المؤسسات، ولكن التفكير في الفكرة اليوم ومدى نجاحها يعتمد على قدرة الصين المالية التي تسعى لتصدر المشهد من خلال هذا الطريق، ولكن بطابع استثماري لإضفاء الصفة الشرعية، وتعزيز أهمية المشروع الذي لن يتنازل الصينيون عن تنفيذه، إيماناً منهم بمدى أهميته للإنسانية. ولذلك، فقد حركوا التاريخ والجغرافيا لتسويق هذا المشروع الضخم عالمياً في غلاف أنه يحمل الخير والنماء للبشرية جمعاء.
ويوضح الكتاب أنه إضافة إلى البعد الاقتصادي لهذا المشروع الذي لا يمكن إغفال المبالغ الضخمة المستهدفة للاستثمار فيه، التي تتجاوز ديون بعض الدول الشريكة، فإن هذا المشروع يستفيد وبقوة من التحرك الدبلوماسي الصيني، وقوة بكين الناعمة الهائلة في القرن الـ21. كما يأتي هذا المشروع كذلك في إطار استمرار جهود إغواء وجذب المجتمع الدولي، وهو المسعى الذي تتجه نحوه الصين منذ أكثر من عشرة أعوام، استفادة من وضعها وصورتها الإيجابية في مناطق كثيرة في العالم، خصوصاً الدول النامية، وكذلك الدول التي ضربتها مؤخراً أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، بهدف تحويل علاقات القوة في المجتمع الدولي إلى خدمة الصين، ودعم هدفها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع تعديل المدركات ووضع الرهانات الثقافية في قلب اللعبة الجيوسياسية، وذلك من خلال مشروع مهيمن يراه الغرب على أنه يهدف إلى خلق نظام عالمي جديد، الأمر الذي يعنى وضع هرم جديد للمجتمع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، كما تم تسويق المشروع على أنه يحمل الأمل والرخاء والنماء للمجتمعات الناشئة.

- هدف اقتصادي أم أداة للقوة؟
يؤكد الكتاب أن أهداف مشروع «طريق الحرير» تتجاوز الأهداف التقليدية، لا سيما أنه يعد أكبر مشروع استثماري دولي في تاريخ البشرية، ليتجاوز بذلك تعديل أوضاع الفقراء في غرب الصين، وذلك بالانفتاح على العالم أجمع، من خلال إبرام شراكات اقتصادية وتجارية مستدامة، تكون الصين المستفيد الأساسي منها، هذا بالإضافة إلى مبدأ «الكل رابح» الذي يهدف بدوره إلى تعزيز قوة ووضع الصين اقتصادياً. كما يهدف أيضاً إلى تحقيق طموحات أوسع من ذلك، لا تتوقف عند الصين كقوة إقليمية في قطاع واحد فقط، وهو القطاع الاقتصادي، ولكن يمثل أداة مهمة لخدمة القوة الصينية من خلال استراتيجية التأثير التي تنتهجها الصين منذ حقبتين زمنيتين في مجالات كثيرة، باستخدام البعد الثقافي في المقدمة، والبعد الاقتصادي كوسيلة وليس غاية. كما أن هذا المشروع يأتي في إطار استراتيجية «القوة الناعمة» التي أعلنتها الصين رسمياً في 2007، وتتميز بتعدد المبادرات، والانفتاح على مئات المعاهد الدولية، كما أن استراتيجية النفوذ الصيني تكمن كذلك في ظهور نموذج للحوكمة وإدارة وضبط مفردات العلاقات الدولية، في الوقت الذي تجابه فيه سياسة تعددية القطب تحديات كثيرة، وتتراجع فيه قوة الولايات المتحدة الأميركية، بينما تسعى الصين بخطى حثيثة نحو تنفيذ مشاريع مهمة ذات طابع دولي؛ أي أننا أمام مشروع يمثل تحولاً حقيقياً في علاقة الصين بباقي دول العالم، لأنها تكرس وجودها بفرض نموذج جديد يجسد وضعها الجديد كقوة فاعلة في الساحة الدولية.
ويخلص الكتاب إلى سؤال مهم، فحواه: ما العمل في مواجهة الصين؟ ويلفت إلى أن الإجابة عنه تكمن في أن الرابط بين مشروع «طريق الحرير» وظهور الصين كقوة دولية إنما يشغل ليس فقط الدوائر السياسية والمجتمع الصيني فحسب، بل يمتد للعالم أجمع، خصوصاً في ظل مخاوف البعض الذين حققوا بعض المكاسب من الهيمنة الصينية، لكن الشيء المؤكد الآن يكمن في أن صعود الصين يشغل الجميع، ويبرر وضع سياسات تهدف من شأنها إلى مجابهة الديناميكية الصينية، أو السير في ركابها، يعزز ذلك أن المشروع الصيني يعد نموذجاً لتأكيد قوة الصين، ويستهدف جميع دول العالم، ويبرر وضع سياسات مرتبطة بذلك. هذا، مع حالة الترقب التي تجتاح القارة الأوروبية بين متحمس في الشرق ومنقسم في الغرب حول المشروع، فيما يسود انقسام داخل القارة الأفريقية حول الأهداف الصينية، رغم القمم «الأفريقية - الصينية»، وهو الأمر نفسه بالنسبة للوضع في أميركا اللاتينية والشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالدول الآسيوية المرتبطة بالمشروع بشكل مباشر، فتشهد حالة من التنافر الشديد يمكن أن تؤدى إلى الارتباك في جهود الاندماج الإقليمي. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك بعض التباين في تقدير المشروع، وفقاً للمستوى الاقتصادي للدول المعنية بالمشروع، فالدول النامية ترى أن المشروع يمثل فرصة للاستفادة أكثر من كونه يمثل مجازفة جراء التبعية، بينما يسيطر على القوى العظمى القلق على مصالحها، وما حققته من تقدم ملحوظ، ولكن موقفها في مواجهة الصعود الصيني يترافق مع استراتيجيات مختلفة أحياناً بين اغتنام الفرصة والبحث عن تبادل لاستئناف مبادرة إيمانويل ماكرون خلال زيارته للصين في يناير (كانون الثاني) 2018، أو محاولة وضع خيارات للتبادل مع اليابان والهند والولايات المتحدة الأميركية.


مقالات ذات صلة

خالد بن سلمان يبحث التعاون الدفاعي مع أميركا وفرنسا واليونان

الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (الشرق الأوسط)

خالد بن سلمان يبحث التعاون الدفاعي مع أميركا وفرنسا واليونان

أجرى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اتصالات بنظيره اليوناني نيكوس ديندياس ووزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ووزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاثرين فوترين

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

خالد بن سلمان يناقش أمن المنطقة مع هيغسيث وفوترين

ناقش الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي مع وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ووزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاثرين فوترين، جهود تعزيز أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص ولي العهد والرئيس ماكرون خلال ترؤسهما اجتماع الطاولة المستديرة الفرنسي - السعودي للاستثمار (واس)

خاص السفير الفرنسي لـ«الشرق الأوسط»: الطيران يقود صادراتنا إلى السعودية

دفعت زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى باريس، العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين السعودية وفرنسا إلى مرحلة جديدة.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
الاقتصاد مشروع الجبيل لتحلية مياه البحر (أكوا)

«أكوا» و«فيوليا» الفرنسية تتعاونان لتحسين كفاءة محطات التحلية في السعودية وخارجها

وقَّعت «أكوا» السعودية و«فيوليا» الفرنسية مذكرة تفاهم لتطوير كفاءة محطات التحلية وخفض استهلاك الطاقة في السعودية وعدد من الأسواق الدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج لقاءات ومناسبات متعددة جمعت محمد بن سلمان وماكرون خلال زيارة الأول إلى فرنسا الأحد والاثنين (أ.ف.ب) p-circle

القمة السعودية - الفرنسية... تعزيز التعاون الدفاعي وترسيخ التنسيق السياسي

عزّز البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إلى فرنسا، من مستوى «الشراكة الاستراتيجية» بين البلدين.

غازي الحارثي (الرياض)

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون
TT

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كاثرين جيزير-مورتون
كاثرين جيزير-مورتون

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر، بعدما حولت الأجهزة الذكيّة تطبيقات التواصل الاجتماعي إلى خبز يوميّ لا تستغني عنه مليارات من البشر، وأصبحت أقرب إلى أدوات لإعادة هندسة وعي الجمهور وفق اعتبارات سياسية وتجاريّة تتحكم فيها نخبة متنفذة فوق الحكومات والحدود.

بروفسورة علم الاجتماع الأميركية كاثرين جيزير-مورتون في كتابها «قصة حياتك: كيف تشكّل وسائل التواصل الاجتماعي تجربتنا لكل شيء - 2026»*، تتجاوز تلك التحذيرات المألوفة نحو منطقة أكثر عمقاً، وربما أشد إزعاجاً، إلى حيث تتشكل السرديات التي يرويها الأفراد في المجتمعات الحديثة عن أنفسهم وفق قوالب جاهزة تفرضها الخوارزميات، لتغدو العلامة التجارية الشخصية التي يسوّقها المرء عن ذاته بنية تحتية للهوية، وهواء يستنشقه يومياً داخل فضاءات رقمية تعيد نحت أدق تفاصيل الحياة العائلية والشخصية لتلائم صيغة العرض على الآخرين.

غلاف كتابها

ينطلق «قصة حياتك»، الذي يستند بشكل كبير إلى مادة عمود المؤلفة الدوري في مجلة «ذا كت» الأميركية وأطروحتها للدكتوراه حول «المؤثرات الأمهات»، من فكرة مركزية مفادها أن المنصات الرقمية تحولت إلى «مواقع للعرافة»، يبحث فيها المستخدمون عن نماذج سردية يستعيرونها لحياتهم، وعن قوالب جاهزة يصوغون بها تجاربهم اليومية، ما يفرض التساؤل حول تأثير تلك القوالب المستعارة على التجارب الإنسانية، وعن الثمن الذي يدفعه الفرد عندما يستبدل بالتعقيد الإنساني اللانهائي خيوط سرديات مكتملة ومعدة مسبقاً للعرض. وتلاحظ جيزير-مورتون أن الأجيال الشابة التي نشأت مع الهواتف الذكية تجد صعوبة في إدراك العلامة التجارية الشخصية كمفهوم منفصل عن ذواتها؛ لأنها تشبه الهواء الذي تنفسوه طوال حياتهم، ما يجعل الكتاب أقرب إلى سجل تاريخي يلتقط حالة «هستيريا» جماعية تتجاوز السلوك الفردي.

تقدم المؤلفة تحليلاً لما تسميه «فرط الواقعية الخانق»، وهي الحالة التي يذعن فيها الواقع لمتطلبات الصورة، فيتحول العالم إلى مسرح مصمم لإنتاج المحتوى، والوجهات السياحية إلى خلفيات للعرض الرقمي، وحفلات الزفاف إلى معارض تجارية لمقاولين متخصصين، وتصمم المطاعم والفنادق لتوفر زوايا تصوير مناسبة، وتقدّم الوجبات كمادة خام لمحتوى بصري... وتلتقط هذا التحول بلغة سلسة تمزج التحليل الاجتماعي المتقدم بالسرد الشخصي الحميم، مع نبرة ترفض الوعظ الأخلاقي، وتتجنب لوم المستخدمين الذين يقعون ضحايا، ويكونون شركاء فاعلين في الوقت ذاته.

يتميز الطرح في «قصّة حياتك» بقدرته على إظهار كيف أدى التبسيط السردي الذي تفرضه الخوارزميات، والذي يكافئ الإيجاز المخلّ والدراما والتطرف العاطفي، إلى تواري تجارب إنسانية كاملة من الفضاء العام مثل التّردد في خيارات الحياة، والارتياح لما يخالف الموضة، والاستسلام للحزن، وخيبة الأمل، والقبول بالواقع. ويوثّق كذلك كيف تلمّع المنصات لحظات التحول الكبرى والقصص ذات «أقواس التضحية المكتملة» كما تسميها، وهو نمط أميركيّ بامتياز حيث يخرج المرء من كل محنة معافى وممتناً، فكأن السرديات الرائجة تنتمي إلى عالم آخر يختلف عن عالم البشر العاديين الذي نعيشه، في وقت يخضع فيه السرد عن الضعف لقواعد اجتماعية صارمة، القاسم المشترك بينها جميعاً هو إعادة تقديمه لضمان بقاء العلامة التجارية الشخصيّة على المنصات قوية وتحظى بالمتابعة.

ولا شك أن أحد أهم فصول الكتاب ذلك الذي يحلل ما يمكن تسميته بتبني قواعد الخوارزمية في عادات النشر، فيشير إلى تعلّم المستخدمين التفكير مثل الخوارزميات، وممارسة الأفراد للرقابة الذاتية والتحريف والكذب «بسهولة التنفس»، في سياق رسم صورة بديلة عن أنفسهم تكون «قابلة للتسعير» من قبل الآخرين، سواء كانت العائدات من ذلك مالية أو رمزية أو متخيلة. وتؤكد جيزير-مورتون ما سبق أن ذهب إليه كوري دوكتورو في «الإنشيتيفيكيشن - 2025» عن حتميّة تردي المنصات الرقمية مع مرور الوقت، فتقول إن سنوات الشعور بالحرية والمرح على وسائل التواصل تزامنت مع أوقات كانت فيها الشركات المالكة للتطبيقات خارج مرحلة توقع تحقيق الأرباح، في حين أدى تصاعد المتطلبات التجارية لاحقاً إلى تغيير صيغة التعامل مع المستخدمين وممارسة الضغوط عليهم كي يقدموا أنفسهم بشكل متزايد كسلع.

ثمة سؤال بالغ الأهمية يطرحه الكتاب حول علاقة السرديات المعلّبة ببعض أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة مثل العدالة الاجتماعية والمساواة، وقدرة الأفراد على تأكيد هويات أطفالهم، والصحة النفسية للبالغين والمراهقين، وتفتح الباب لربطها بأزمات الصحة النفسية المتفشية بدلالة أن «العلامة التجارية» قد تكون حلت محل الذات نفسها، وأن استيعاب قواعد الخوارزمية يجعل الأفراد يعيدون اجترار القوالب التي تخدم مصالح شركات كبرى تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق.

قواعد الخوارزمية تعمل على تحويل التجارب الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسويق

تستدعي جيزير-مورتون في معرض التدليل على استنتاجاتها سرديات شخصية ومقابلات مع مؤثرين وعاملين في قطاعات متعددة، من عروض الأزياء إلى حفلات الزفاف المبالغ فيها، ما يمنح نصّها دفئاً وصدقاً، مع إدراك القارئ بالطبع لمحدودية تمثيل تلك الحكايا إحصائياً لأجيال كاملة نشأت في ظل هذه المنصات، على أن قوتها تظل في قدرتها على التقاط لحظة تاريخية فارقة؛ أي تلك اللحظة التي أصبح فيها «الشخص الرقمي» يدير مجمل العرض، في حين يكتفي «الشخص الفعلي» بالمشاهدة من بعيد مدركاً أن شيئاً ما قد ضاع منه بيدَيه. ويبدو هذا التباين واضحاً بين الجيل الذي عاش طفولته في فضاءات ما قبل الرقمنة، والجيل الذي تشكّل وعيه داخل هذه الفضاءات، وهو تباين يشير إلى تحول عميق في بنية التجربة الإنسانية ذاتها.

في الفصل المخصص للإعلانات المستهدفة إضاءة على صعوبة التمييز بين منشورات الأصدقاء والمواد المدفوعة، وهو تداخل يجعل الوعي اختباراً يومياً عندما تتفكك الحدود بين العلاقات الشخصية والعلاقات التجارية، ويتحوّل كل تفاعل اجتماعي إلى مادة للاستثمار الرأسمالي.

وتعترف المؤلفة ضمنياً بأن البديل لهذا النظام التحفيزي المنحرف الذي تقدمه وسائل التواصل الاجتماعي يظل قيد البحث، وتتقبل حقيقة أن العيش داخل هذه السرديات الافتراضية هو بدوره جزء من تجربة الوجود ذاتها، والطريق إلى الخروج منها يظل متاحاً لمن أراد، في حين تظل موضوعة السردية التي يتبناها الفرد قضية وجودية وسياسية في ذات الآن، ومسألة تستحق التأمّل العميق بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الحلول السريعة.

*The Story of Your Life How Social Media Shapes the Way We Experience Everything, Kathryn Jezer-Morton, Icon Books, 2026.


«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات
TT

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية؛ فمحطة القطار، التي تبدو مسرحاً واحداً تتوالى عليه الشخصيات، تنطوي على ديناميكية لا تهدأ، قوامها اللهاث والعبور وتلاقي المصائر. وتستثمر الكاتبة هذه الطبيعة في بناء عالم تتقاطع فيه الحركة الخارجية مع تحوّلات إنسانية أكثر خفاءً، وتتجاور فيه أزمنة لا تتطابق، وأصوات لا تصدر عن وعي واحد، رغم انتظامها جميعاً حول راوٍ ثابت.

ومن خلال هذه الجدلية لا يعود ثبات المكان نقيضاً للحركة، بل شرطاً لرصدها، فيما تتجاوز المحطة وظيفتها بوصفها مكاناً للسفر، لتصبح إطاراً لاختبار ما يتغيّر في الإنسان، وما يظل عالقاً فيه، حتى حين يواصل العالم حركته.

ورغم تصنيف «حكايات الغماز» (دار العين للنشر- القاهرة) بوصفه متتالية قصصية، فإن البناء يتيح أكثر من صيغة للتلقي؛ إذ يمكن قراءة الحكايات بوصفها نصوصاً تحتفظ باستقلالها النسبي، أو فصولاً من رواية قصيرة تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات المتكررة واستمرار الصوت السردي، ولا يبدو هذا التردد بين الأجناس الأدبية مجرد مسألة تصنيفية، بل نتيجة لطريقة تنظيم المادة الحكائية؛ فالشخصيات تدخل المشهد وتغادره، فيما يستمر عالم المحطة خارج حدود كل حكاية منفردة. ومن ثم، لا تتحقق وحدة العمل بتتابع الأحداث حول بطل مركزي، وإنما بتراكم الخبرات الإنسانية داخل فضاء واحد.

اختيار الراوي

تمنح الكاتبة هذا الفضاء راوياً فانتازياً هو عمود نور المحطة، الذي يقول: «أقف هنا منذ الأزل». وهو اختيار يضاعف المفارقة المؤسسة للعمل؛ فالراوي أكثر عناصر المكان ثباتاً، لكنه الأكثر اتصالاً بحركة الآخرين، والأقدر على الاحتفاظ بأثر عبورهم. غير أن ثباته المادي لا يعني سكوناً في وعيه؛ إذ تمنحه الكاتبة القدرة على الإصغاء والتعاطف والحنين، بل وإدراك عجزه عن التدخل، لتتجاوز فانتازيا أنسنة الجماد مجرد إضفاء صفات بشرية على شيء، لتؤسس مسافة بين القدرة على إدراك العالم والأمل في تغييره.

يشمل هذا التحوّل الشخصيات التي تبدو جزءاً مستقراً من المكان، فيما تخضع في داخلها لتحوّلات اجتماعية ونفسية متباينة، فالقط العجوز «جاكوار»، الذي ينتقل من حياة القط المنزلي إلى حياة الشارع، لا يواجه تغيراً في شروط معيشته فحسب، وإنما يبدأ في إعادة تشكيل تصوره لذاته وعلاقته بمحيطه، وتبرز في حكايته فكرة الاستقواء بالانتماء إلى «نقابة»، بما تحمله من محاكاة ساخرة لأشكال التنظيم والتضامن، حين تصبح الجماعة وسيلة لتعويض فقدان الأمان الفردي.

لا تبدو هذه الآلية بعيدة عن شخصية الطفل اللقيط الذي يتحوّل إلى أحد أبناء المحطة، ويستعير بدوره لغة الاستقواء، لتقيم الكاتبة بين القط والطفل تناظراً يتجاوز التشابه في الهامشية أو التشرد؛ فكلاهما يتعلم أن البقاء في فضاء مكشوف يقتضي أن يتحوّل الضعف إلى قوة أدائية، تتجلى في اللغة والمظهر وطريقة الحضور.

وفي مقابل هذه التحولات التي تفرضها شروط البقاء، تنفتح المجموعة على تحوّلات أخرى أكثر التصاقاً بالعلاقات العائلية والذاكرة، فحضور شخصية الأم المصابة بألزهايمر يضع علاقة الأمومة والبنوة أمام اختلال بالغ التعقيد؛ ويطرح سؤالاً عن مصير الروابط الإنسانية حين تتراجع قدرة أحد أطرافها على استحضار تاريخها المشترك، كما تفتح علاقة الابن والأب مجالاً لمساءلة الأدوار العائلية، بما تنطوي عليه من اعتماد متبادل، وتوقعات، ومسافات قد تتسع رغم استمرار رابطة القرابة.

تتقاطع هذه العلاقات مع حضور الأنوثة في مراحل عمرية مختلفة، حيث يتكرر من خلال أكثر من شخصية الوعي بقصر المدة التي يسمح فيها المجتمع للمرأة بأن تظل مرغوبة أو مرئية وفق معاييره، وبهذا المعنى لا يكون التحوّل مرتبطاً دائماً بانتقال الشخصية من وضع إلى آخر، بل قد ينشأ من تغير نظرة الآخرين إليها، أو من إدراكها أن الزمن يعيد تحديد موقعها داخل العلاقات الاجتماعية.

 تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة وزمن الذاكرة وزمن الانتظار وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه

زمن نفسي

يؤدي الوقت وظيفة بنائية في تنظيم هذه التحولات، ففي محطة القطارات يصبح الزمن الكرونولوجي جزءاً من نظام المكان، وتستهل الكاتبة عدداً من مشاهدها بتحديد دقيق للوقت: «السابعة والنصف والمحطة تعج بأطياف من البشر بين القادم والمسافر»، غير أن هذا الزمن الخارجي، الذي تضبطه حركة القطارات ومواعيدها، يتقاطع مع أزمنة داخلية لا تخضع لمنطقه. ففي حكاية الحبيبة التي تواصل انتظار حبيبها الغائب، وتحاول أن تشرح له أن مواعيد القطارات تغيرت، تنشأ المفارقة بين زمن موضوعي يمضي ويعيد ترتيب العالم، وزمن نفسي يستبقي علاقة لم تعد تستجيب لتحولاته.

وهنا يتجاوز الانتظار وظيفته بوصفه فعلاً مؤقتاً يسبق الوصول، ليصبح وضعاً وجودياً تستقر فيه الشخصية، حتى حينما يتغير كل ما يحيط بها. وفي المقابل، فإن العمود الذي يقف «منذ الأزل» لا يعيش الزمن بوصفه تعاقباً محايداً للساعات، وإنما من خلال تراكم الحكايات التي يشهدها.

وهكذا تتجاور داخل المحطة أزمنة متعددة: زمن الساعة، وزمن الذاكرة، وزمن الانتظار، وزمن الشاهد الذي لا يغادر مكانه. ولا تقتصر أهمية هذا التعدد على اختلاف خبرات الشخصيات، بل تمتد إلى تشكيل إيقاع السرد نفسه، بين الحركة المتسارعة للمشهد الخارجي والاستبطاء الذي تفرضه الخبرات الفردية.

اللافت أن وحدة الصوت السردي لا تحول دون تمايز أصوات الشخصيات، التي تتكشف عبر الحوارات، وتفضح أحياناً طرائق تفكيرها دون حاجة إلى تدخل تفسيري مباشر، ويبرز هنا صوت شخصية «المتحرش» الذي يجد في ازدحام المحطة ملاذاً آمناً لممارسة انتهاكاته، ويتباهى بأنه يتحرك «بخفة فهد» ليكون دقيقاً وسريعاً ومباغتاً، مستدعياً مفردة «الدوبامين» لوصف اللذة التي يستمدها من أفعاله. لتصبح المحطة التي تمنح بعض شخصياتها فرصة للنجاة أو الاختباء من هشاشتها، هي من توفر للمتحرش غطاءً لممارسة العنف، فالازدحام الذي يجعل الجميع مرئيين لا يجعلهم بالضرورة محميين.

وهذه إحدى المفارقات الاجتماعية التي يتيحها اختيار المكان السردي في المتتالية، فالفضاء المفتوح لا ينتج معنى واحداً للأمان أو الخطر، وإنما تتحدد وظيفته وفق موقع كل شخصية داخله، فهو مأوى للطفل اللقيط، ومجال لإعادة التكيف بالنسبة إلى القط العجوز، ووعد للحبيبة، وغطاء للمتحرش، وبذلك تتجنب المحطة أن تكون مسرحاً محايداً، لتتحوّل إلى بنية اجتماعية مُصغرة تتجاور داخلها علاقات الحماية والافتراس، والانتماء والاستبعاد.


كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»
TT

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»، ثم برسالة إلى القارئ تقول: «ارتدِ أجمل ما لديك، وتَعطّر، واقرأ، وتعلّم، واعتنِ بنفسك كل يوم؛ فالمناسبة الحقيقية هي أنك ما زلت حياً».

وتوضح الكاتبة في مقدمة كتابها الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026)، أن نصوصها موجّهة إلى «كل شخص شعر يوماً أنه عالق، أو ضائع، أو متأخر، أو أن الطريق أمامه مغلق»، مؤكدة أن هذه النصوص إن استطاعت أن تغيّر فكرةً واحدةً بداخل القارئ، أو توقظ رغبةَ البدء من جديد في نفسه، فهذا يكفي ليكون الكتاب قد حقّق هدفه.

ويتضمن الكتاب الواقع في نحو 135 صفحة موزعة على 53 فصلاً قصيراً تدور جميعها في فلك فكرة واحدة، يشير إليها العنوان في البدء، وهي أن الوصول إلى القاع لا يعني نهاية الطريق، بقدر ما يمكن أن يتحول إلى محطة عابرة في الحياة. نقرأ في هذا السياق: «القاع لا يأتي دائماً ليهدمك، بل ليعيد بناءك»، وتضيف المؤلفة: «لم نُخلَق للقاع... خُلقنا لنعبره ونتغير خلاله، ثم نخرج منه ونحن بأجمل وأرقى وأعظم وأنجح صورة لنا».

لذا تبدو قائمة عناوين النصوص شبيهةً إلى حد بعيد بخريطة تقود طريق القارئ للخروج من ذلك القاع، وتحثّه على طرح عديد من الأسئلة ذات الأبعاد الوجودية: «لم نُخلَق عبثاً»، و«مداخل الألم»، و«الإنسان»، و«وضوح»، و«إلهام»، و«الأحلام»... ثم يتجه الكتاب إلى مواجهة الخوف عبر: «الخوف... القاتل الصامت»، و«الشجاعة»، و«لا تنظر لنفسك بعين الفشل»، ليأتي فصل: «إجابات معلّقة بين السؤال والوقت» مستحضراً قصصاً من التراث الديني لتأكيد أن الحكمة قد تتأخر عن الحدث.

ويخصص الكتاب مساحة لفهم النفس، فيقسّم الإنسان في فصل «افهم نفسك أولاً» إلى قلب وعقل وروح، وتستعين فيه المؤلفة بكتابَي «لغات الحب الخمس» و«مَن حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟»، يتبعه فصل بعنوان «الضمير»، ثم قائمة عملية بعنوان «21 عادة تزيد ثقتك بنفسك»، وفصل «كن طيباً دون أن يستغلّك أحد».

ويحمل الفهرس ثلاث إشارات بنيوية لافتة، فقد وَسمت الكاتبة ثلاثة فصول بأنها «القلب»، و«العقل»، و«الروح» للكتاب، الأول فصل «القاع (قلب الكتاب)»، والثاني «استرجع عقلك (عقل الكتاب)»، والثالث «علاقتك بالله (روح الكتاب)». وتمثل هذه الأضلاع الثلاثة، حسب الكاتبة، مدخلاً لفهم الإنسان لنفسه، ذلك الفهم الذي لا يكتمل إلا بالموازنة بين هذه الأضلاع الثلاثة.

اعتمدت المؤلفة في نسج نصوصها على عديد من الحكايات التي تصنع أحداثَها شخصياتٌ معروفة، منها قصة أسطورة مايكل جاكسون، وأقراط مورغان فريمان، وقصة صبي ياباني يحمل جسد شقيقه الميت على ظهره... وفي الشأن المعاصر يتناول الكتاب «الثراء الحقيقي»، و«علاقتنا بالمال» مستلهماً كتاب «أغنى رجل في بابل»، ويتوقف عند «التعفن الدماغي» الذي تصفه المؤلفة بأنه حالة يعتاد فيها العقل على المحتوى السريع والسطحي، لتقدم في فصل «استرجع عقلك» خطة من مرحلتين هما: «ترميم الدماغ» ثم «بناء الدماغ» وتشمل التنفس والتأمل والقراءة الورقية والتغذية والنوم.

وتتصل الفصول الأخيرة من الكتاب بموضوعات القيم والأثر من مثل: «قوة النوايا»، و«لماذا تُعَدّ الأخلاق أساس بقاء الأمم والأفراد؟»، و«قوة الاستمرار الهادئ»، و«استمتع بالرحلة... فالوصول لحظة»... وينتهي الكتاب بخاتمة من ثلاثة أسطر تقول الكاتبة فيها: «إنه وقت المتاهة. لقد بدأت متاهتك الآن... انطلق».