مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً في تصادم مروحيتين بدولة مالي

فرنسا تواجه تحديات استراتيجية وأمنية وإرهابية في بلدان الساحل

TT

مصرع 13 جندياً فرنسياً بينهم 12 ضابطاً في تصادم مروحيتين بدولة مالي

في أكبر خسارة يمنى بها الجيش الفرنسي منذ الهجوم الذي استهدف وحداته في بيروت في عام 1983 والمعروف باسم «هجوم دراكار» الذي أوقع 58 قتيلا في تفجير لمبنى كانوا يقيمون فيه في إطار عملهم داخل القوة الدولية في لبنان، قتل 13 ضابطا وصف ضابط في مالي ليلة أول من أمس بسبب اصطدام مروحيتين إحداهما هجومية من طراز «تايغر» والثانية للنقل من طراز «كوغار». ووقع الحادث جنوب شرقي مالي في المنطقة المعروفة باسم «ليبتاكو» التي تعد الأكثر خطورة بالنسبة لـ«عملية برخان» الفرنسية لمحاربة الإرهاب لكونها تقع داخل المثلث الحدودي لمالي وبوركينا فاسو والنيجر. وأفاد بيانان صادران عن وزارة الدفاع وقيادة الأركان الفرنسية بأن حادث الارتطام حصل خلال عملية إسناد جوي كانت تقوم بها الطوافتان إضافة لطائرة ميراج 2000 لمجموعة أرضية مقاتلة كانت تلاحق «إرهابيين» في المنطقة منذ عدة أيام.
حتى عصر أمس، لم تكشف السلطات العسكرية عن أسباب التحطم. وأفادت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي بأن تحقيقا قد فتح لجلاء أسباب «المأساة» التي تعد الخسارة الكبرى التي حلت بالقوة الفرنسية العاملة في مالي منذ عام 2013، وفي عام 2014 تحول اسم العملية الفرنسية من «سيرفال» التي كانت مهمتها، بداية، إنقاذ العاصمة المالية «باماكو» من هجوم مجموعات إرهابية كانت تحاول الوصول إلى العاصمة، إلى «برخان» وهو اسم تلة في مالي. وتنشر فرنسا، في إطار هذه القوة العسكرية التي مهمتها محاربة الإرهاب ليس في مالي وحدها بل أيضا فيما يسمى «دول الساحل» الممتدة من موريتانيا إلى التشاد، نحو 4500 جندي إضافة إلى قوة جوية. لكن هذه القوة تعمل بشكل أساسي في مالي التي يبدو وضعها الأمني الأكثر هشاشة من بين دول المنطقة كافة.
كان من الطبيعي أن تجمع الطبقة السياسية الفرنسية رئاسة وحكومة ومعارضة وأحزابا على التعبير عن تضامنها مع قوة «برخان» وعن تقديرها للدور الذي تقوم به دفاعا أولا عن فرنسا ومصالحها وفي محاربة الإرهاب المتنامي في كل دول المنطقة. ووصف الرئيس إيمانويل ماكرون في تغريدة العسكريين القتلى بـ«الأبطال الذين لم يكن لهم سوى هدف واحد هو حمايتنا». كذلك أشاد بـ«شجاعة» العسكريين وبـ«عزمهم الذي لا يلين» في إنجاز المهمة الموكلة إليهم. واستخدم رئيس الحكومة الكلمات الرئاسية نفسها في التعبير عن «العرفان الكبير لهؤلاء الأبطال» فيما أشار الرئيس الأسبق فرنسوا هولاند الذي اتخذ قرار إرسال القوات الفرنسية للقتال في مالي عام 2013 إلى أن فرنسا كلها تبكي قتلاها الذين كانوا «يحاربون الإرهاب بشجاعة».
ومع القتلى الـ13 الذين ينتمون إلى نخبة القوات الفرنسية، إذ إن بينهم 12 ضابطا وصف ضابط، تكون فرنسا قد خسرت في مالي وحدها 38 قتيلا يضاف إليهم ثلاثة سقطوا في أماكن أخرى في المنطقة. وينتظر أن يقام لهم في الأيام القليلة القادمة احتفال تكريمي، كما أن الجمعية الوطنية «البرلمان» التزم دقيقة صمت بعد ظهر أمس حدادا وتكريما. ومن بين القتلى، ابن أحد أعضاء مجلس الشيوخ «جان ماري بوكل» وهو طيار لمروحية. ولم ينج أحد من راكبي المروحيتين. وخلال أمس، ركزت عمليات الإنقاذ على استعادة جثث القتلى وتجميع ما أمكن من تسليح المروحيتين اللتين ارتطمتا على ارتفاع منخفض. والغالب أن العواصف الرملية والغبار لعبتا دورا في حصول الحادثة حينما كانت الطوافتان تحلق كل منهما على مسافة قريبة من الأخرى. ولا يخفي المسؤولون الفرنسيون قلقهم من الوضع الأمني في مالي وفي بقية بلدان الساحل رغم الجهود المبذولة، ليس فقط فرنسيا، وإنما أيضا على المستوى الأوروبي والدولي. ذلك أنه إلى جانب قوة «برخان»، توجد في مالي القوة الدولية العاملة تحت علم الأمم المتحدة والمسماة «مينوسما» «القوة الدولية متعددة المهام الخاصة باستقرار مالي» التي تعد الأكبر من بين مهمات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة؛ إذ إنها تضم 13 ألف رجل. وغالبية القوة الساحقة تأتي من الأفارقة أنفسهم وتحديدا من «المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب أفريقيا». وهذه القوة المنتشرة منذ عام 2013 خسرت نحو 200 رجل في مالي في عمليات إرهابية. لكن انتشارها في مالي رغم عددها الكبير لا يبدو مؤثرا كثيرا على الوضع الأمني كما أنها لا تحظى بتقدير واحترام السكان بسبب الاتهامات العديدة التي وجهت لبعض وحداتها ومنها الاغتصاب والتحرش. ويضاف إلى القوة الدولية «البعثة الأوروبية لتأهيل الجيش المالي» التي تضم نحو 700 جندي ينتمون إلى 28 بلدا أوروبيا وهم منخرطون في مهماتهم منذ ست سنوات. وعمد الاتحاد الأوروبي إلى تمديد مهمتها في 2018 لعامين إضافيين مع مضاعفة ميزانيتها لتقترب من 60 مليون يورو بسبب توسيع مهماتها لأنها أخذت تشمل تدريب ما يسمى «قوة مجموعة الـ5 في الساحل».
ومنذ عام 2013 وبداية عملياتها في مالي، تدعو فرنسا شركاءها الأوروبيين إلى توفير الدعم لها. وهذا الدعم رغم وجوده بأشكال مختلفة «لوجيستي، مالي - استخباري» لا يبدو كافيا بالنسبة لباريس التي تستفيد أيضا من الدعم الأميركي خصوصا الاستخباري؛ لذا، دفعت باريس باتجاه تشكيل قوة أفريقية مشتركة لبلدان الساحل الخمسة «موريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وتشاد». وأسفرت الجهود الفرنسية عن إطلاق قوة «جي 5 ساحل» أواخر عام 2015 والغرض منها التضامن والعمل المشترك في محاربة الإرهاب. لكن هذه القوة لم تنطلق حقيقة حتى اليوم لعدة أسباب أولها فقدان التمويل الكافي وثانيها الحساسيات القائمة بين بعضها. وحتى اليوم، لم تقم تلك القوة إلا بعمليات محدودة للغاية ويسعى الأوروبيون، في إطار بعثتهم المشار إليها سابقا، جاهدين إلى تسهيل العمل المشترك بين أفراد القوة التي تحتاج للتسليح والتمويل والتأطير، وبالتالي فإن خطة نقل مهمة محاربة الإرهاب والمحافظة على استقرار المنطقة إلى الأفارقة أنفسهم تحتاج إلى كثير من الجهود حتى تتحول إلى واقع.
ويطرح هذا الوضع تحديات عديدة على السلطات الفرنسية وأولها التساؤل حول المدة الزمنية التي ستبقى خلالها «برخان» فاعلة في أفريقيا. ذلك أن ستة أعوام لم تكن كافية لجبه التنظيمات الإرهابية، وأهمها «القاعدة» و«داعش» بأسماء مختلفة، إضافة إلى مجموعات أخرى أقل أهمية تدور حولهما. وفي زمن عصر النفقات، تبدو كلفة «برخان» مرتفعة إذ تبلغ سنويا 700 مليون يورو. وثمة قناعة مترسخة قوامها أن مهمة «برخان» ستدوم أيضا لسنوات وسنوات؛ لأن المجموعات الإرهابية توسع عملها في السنوات الأخيرة وسيطرت على مناطق واسعة كما هي الحال في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. ولا يمر أسبوع واحد من غير أن تقوم بعمليات إرهابية في هذا البلد أو ذاك. ولعل أبرز اعتراف بالعجز عن التغلب على الإرهاب في المدى القريب ما جاء على لسان رئيس الأركان الفرنسي الذي أكد أكثر من مرة أن «توفير الأمن على مجرى نهر النيجر الذي يقسم مالي قسمين ويمر في بوركينا فاسو قبل أن يصب في خليج غينيا سيحتاج إلى العديد من السنين ولن يتحقق إلا بتصاعد التعاون مع القوى الشريكة لنا ومع الفاعلين في توفير الاستقرار». تحديات كبيرة تواجهها فرنسا التي بدأت بسحب قواتها من أفغانستان عقب الهجوم الذي استهدفها في أوزبين عام 2008. لكن أفغانستان شيء وبلدان الساحل شيء آخر؛ إذ لفرنسا مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية كبيرة؛ وهي ملاصقة لبلدان شمال أفريقيا، حيث الملف الليبي يشكل مصدر قلق كبير لفرنسا ولكل الأوروبيين؛ ولذا سيكون من الصعب على أي رئيس فرنسي أن يفكر في الانسحاب من هذه المنطقة وبالتالي سيتعين على باريس أن تضاعف جهودها الدبلوماسية والسياسية والأمنية والعسكرية حتى لا يكون العبء الأكبر من نصيبها وحدها.


مقالات ذات صلة

وزير دفاع نيجيريا يزور الصين بحثاً عن التكنولوجيا والسلاح

أفريقيا الوفد النيجيري المرافق لوزير الدفاع في زيارته للصين (وكالة الأنباء النيجيرية)

وزير دفاع نيجيريا يزور الصين بحثاً عن التكنولوجيا والسلاح

بدأ وزير الدفاع النيجيري زيارة رسمية إلى الصين، على رأس وفد رفيع لإجراء مباحثات مع المسؤولين الصينيين بشأن «شراكة استراتيجية» بين البلدين في مجال الأمن والدفاع.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا صورة جماعية لقادة دول «إيكواس» خلال قمتهم في أبوجا بنيجيريا يوم 15 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

مفوضية الاتحاد الأفريقي: مالي تواجه الإرهاب نيابة عن أفريقيا ونحن نقف معها

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي يبدأ من مالي جولة في دول الساحل... ويعتبر تعليق عضويتها في المؤسسات الأفريقية لم يكن رغبة في عزلها.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا أفارد من الشرطة يؤدون واجبهم عند قلعة وندسور في بريطانيا 1 أبريل 2018 (رويترز)

توقيف 12 شخصاً لتهديدهم فعالية إسلامية في بريطانيا

أوقفت الشرطة البريطانية 12 شخصاً لتهديد إرهابي يميني متطرف مزعوم لفعالية إسلامية في سافولك بشرق إنجلترا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة موزعة للإرهابي طالب غولر بعدما جلبته الاستخبارات التركية من سوريا (إعلام تركي)

تركيا تلقي القبض على قيادي «داعشي» في عملية أمنية داخل سوريا

ألقت الاستخبارات التركية القبض على أحد العناصر القيادية في تنظيم «داعش» الإرهابي في عملية نفذتها داخل سوريا بالتنسيق مع أجهزتها الأمنية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية يرى أكراد تركيا أن إحراق عناصر من «حزب العمال الكردستاني» أسلحتهم يوم 11 يوليو 2025 خطوة نادرة لم تُستغل على مدى عام (أ.ف.ب)

أكراد تركيا يستعجلون الحكومة لإقرار «قانون السلام»

يسعى حزب مؤيد للأكراد بتركيا إلى إقرار «قانون إطاري» لـ«عملية السلام» التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته، قبل نهاية شهر يوليو (تموز) الحالي...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
TT

طاقم فضائي أميركي - روسي ينطلق إلى محطة الفضاء الدولية

انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)
انطلاق صاروخ «سويوز2.1» المعزز ومركبة الفضاء «سويوز إم إس29» التي تحمل رائد الفضاء التابع لوكالة «ناسا» أنيل مينون ورائدَيْ الفضاء التابعَين لوكالة «روسكوزموس» بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان يوم 14 يوليو 2026 (أ.ب)

انطلق طاقم فضائي أميركي - روسي بنجاح، الثلاثاء، في مهمة إلى محطة الفضاء الدولية تستغرق 8 أشهر، وفق ما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وانطلق رائد الفضاء في «وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)» أنيل مينون وزميلاه الروسيان بيوتر دوبوروف وآنّا كيكينا من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان، على متن مركبة «سويوز إم إس29» التابعة لوكالة «روسكوزموس»؛ لقضاء 8 أشهر في المحطة المدارية.

ومن المقرر أن يلتحموا بالمحطة بعد 3 ساعات من الإطلاق.

وحضر مدير وكالة «ناسا»، جاريد إيزاكمان، عملية الإطلاق. وهذه أول زيارة من رئيس «ناسا» إلى «بايكونور» منذ 8 سنوات، وقد سلّطت الضوء على التعاون المستمر في الفضاء بين موسكو وواشنطن على الرغم من التوترات بشأن العمل العسكري الروسي في أوكرانيا.

خلال عملية الإطلاق يوم 14 يوليو 2026 نحو الفضاء من قاعدة «بايكونور» الفضائية التي تستأجرها روسيا في كازاخستان (أ.ب)

وفي حديثه خلال اجتماع يوم الاثنين مع الطاقم، شكر إيزاكمان شركة الفضاء الحكومية الروسية «روسكوزموس»، على جهودها في إعداد المهمة، قائلاً إن «العمل المتكامل الذي أُنجز خلال الأشهر القليلة الماضية يعكس احترافية وتفاني جميع المشاركين».

والتقى إيزاكمان أيضاً رئيس «روسكوزموس»، ديميتري باكانوف، قبل الإطلاق الثلاثاء.

وهذه المهمة أول رحلة فضائية لمينون والثانية لدوبوروف وكيكينا.

وسينضم رواد الفضاء الثلاثة إلى رواد فضاء «ناسا»: جيسيكا مير، وجاك هاثاواي، وكريس ويليامز، ورائدة الفضاء في «وكالة الفضاء الأوروبية» صوفي أدينو، ورواد فضاء «روسكوزموس» سيرغي كود سفيرشكوف وسيرغي ميكايف وآندريه فيديايف.


«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
TT

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»... شهادات تتهم قوات بريطانية بانتهاكات في أفغانستان

قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)
قوات بريطانية في أفغانستان عام 2009 (أرشيفية - رويترز)

أفادت تحقيقات أجريت حول الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان بأن القوات البريطانية ألقت سجناء أفغاناً من رافعة شوكية «للتسلية»، وأن هناك جندياً بريطانياً وُصف بأنه «مؤيد لحركة طالبان» فقط لأنه أبدى مخاوفه بشأن مقتل ثلاثة مزارعين في غارة نفذتها القوات الخاصة.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد تواصلت مونيكا غرينفيل، وهي صحافية سابقة كانت تتواصل مع طاقم الدعم اللوجستي للقوات الخاصة البريطانية، وكريستوفر غرين، الجندي السابق في قوات الاحتياط بالجيش البريطاني، مع لجنة التحقيق في أفغانستان للإدلاء بشهادتهما بعد أن أصدر رئيس اللجنة طلباً للحصول على معلومات.

وتُحقق اللجنة في مزاعم ارتكاب القوات الخاصة البريطانية جرائم حرب في أفغانستان بين عامي 2010 و2013، وسط مزاعم بوجود محاولات للتستر على الوقائع.

«قتلنا الأبرياء»

قال غرين، الذي خدم بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2012، إنه حاول إثارة المخاوف بشأن مقتل ثلاثة أشقاء كانوا مزارعين في قرية رحيم.

ولفت إلى أنه تم إطلاق النار عليهم خلال عملية اعتقال، قال غرين إنها «سارت على نحو خاطئ» حيث قامت القوات الخاصة بإطلاق النار على المزارعين بزعم «الدفاع عن النفس».

وأضاف أن فريق الاستخبارات في وحدته كان «واضحاً تماماً في أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الأشقاء كانوا سوى مزارعين، فضلاً عن عدم وجود ما يثبت أنهم كانوا قادة في (طالبان)».

وأشار إلى أنه عندما أثار تساؤلات حول الواقعة، واجه رفضاً شديداً، موضحاً أن أحد الضباط وصفه بأنه «مؤيد لـ(طالبان)» بسبب تشكيكه في تصرفات القوات الخاصة.

وقال غرين إنه طلب مشاهدة لقطات فيديو لعمليات القتل، والتي أُطلق عليها اسم «تسجيلات إطلاق النار»، لمساعدته على فهم الحادث و«التواصل مع السكان المحليين لمحاولة تهدئة الوضع».

ومع ذلك، وعلى الرغم من حصوله على التصريح اللازم لمشاهدة الفيديو، فقد مُنع من ذلك، حسبما أفاد التحقيق.

استمعت لجنة التحقيق إلى شهادة تفيد بأن والدة الأشقاء، بيبي هازراتا، قد تلقت مبلغاً نقدياً يعادل 3634 جنيهاً إسترلينياً من الحكومة البريطانية بعد وفاة أبنائها، ووُصف هذا المبلغ بأنه «مساعدة مالية».

وأبلغ غرين رئيس لجنة التحقيق، اللورد هادون-كيف، أن هذه «سياسة غير مألوفة» وأنه اعتبرها «اعترافاً ضمنياً بقتل الأبرياء».

وقال: «لا يسعني إلا أن أعرب لكم عن أسفي لعدم إدلائي بهذا التصريح في وقت سابق».

«ألقوا سجناء من رافعة شوكية للتسلية»

قالت غرينفيل إن أحد الجنود أخبرها بأن بعض أفراد القوات الخاصة كانوا يسيئون معاملة المعتقلين، مضيفة: «أتذكر تحديداً أنه أخبرني بأنه كان يضع السجناء على رافعة شوكية، ثم يرفعهم ويقود بسرعة كبيرة حتى يسقطوا منها».

وأضافت: «لم أرَ أي مكان أسوأ من ذلك، وكان لدي شعور بأن الأشخاص أُطلق لهم العنان ليفعلوا ما يريدون»، مؤكدة: «كنت أشعر بأنه لا أحد يراقبهم».

ويبحث التحقيق أيضاً في مزاعم التستر على أنشطة غير قانونية، ومدى كفاية التحقيقات التي أجرتها الشرطة العسكرية الملكية.

وكانت تحقيقات سابقة قد أُجريت بشأن مزاعم إعدامات نفذتها القوات الخاصة البريطانية، من بينها مزاعم تتعلق بمقتل أطفال، إلا أنها انتهت دون توجيه اتهامات أو ملاحقات قضائية.

من جانبها، أكدت وزارة الدفاع البريطانية، في بيان، أن «الحكومة ملتزمة بالكامل بدعم التحقيق المستقل بشأن أفغانستان، وتقدر جميع العاملين الحاليين والسابقين في قطاع الدفاع الذين أدلوا بشهاداتهم»، مضيفة أنها «ستواصل تقديم الدعم الذي تستحقه القوات الخاصة، مع الحفاظ على الشفافية والمساءلة التي يتوقعها الشعب البريطاني من قواته المسلحة».

وأشارت إلى أنه «من الصواب السماح للتحقيق باستكمال عمله المهم قبل الرد بصورة كاملة».


الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.