«واتساب» وسيلة التواصل في أفغانستان... في الحرب والسلام

الأميركيون ناقشوا تطوير بديل له لتفادي «مخاطره الأمنية» على البلاد

مسؤولون أفغان أشادوا بمميزات «واتساب» في مواجهة «طالبان» التي يعتمد مقاتلوها التطبيق في التواصل فيما بينهم (نيويورك تايمز)
مسؤولون أفغان أشادوا بمميزات «واتساب» في مواجهة «طالبان» التي يعتمد مقاتلوها التطبيق في التواصل فيما بينهم (نيويورك تايمز)
TT

«واتساب» وسيلة التواصل في أفغانستان... في الحرب والسلام

مسؤولون أفغان أشادوا بمميزات «واتساب» في مواجهة «طالبان» التي يعتمد مقاتلوها التطبيق في التواصل فيما بينهم (نيويورك تايمز)
مسؤولون أفغان أشادوا بمميزات «واتساب» في مواجهة «طالبان» التي يعتمد مقاتلوها التطبيق في التواصل فيما بينهم (نيويورك تايمز)

عندما أحاط المئات من مقاتلي جماعة «طالبان» مركز ضاحية بالا مرغب، غرب أفغانستان، مطلع أبريل (نيسان) الماضي، علمت القوات الأفغانية المتمركزة هناك أنها في خطر. ولم تتمكن هذه القوات من التواصل مع قوات الكوماندوز التابعة لها، وكان الدعم الجوي الأميركي أملها الأخير.
بعد ذلك، خيمت السحب على الأجواء، ولم يتمكن الأميركيون من رؤية الأفغان. وسعياً وراء تنسيق الهجمات الجوية، لجأ القائد الأفغاني إلى الأداة المفضلة في ملايين التليفونات عبر العالم: تطبيق «واتساب».
خلال السنوات الخمس الأخيرة، احتل «واتساب» المرتبة الثانية بعد «فيسبوك» كوسيلة تواصل بين الأفغان ومع العالم الخارجي. واليوم، اخترق التطبيق المملوك لـ«فيسبوك»، بصورة كاملة أعلى مراتب الحكومة الأفغانية والمؤسسة العسكرية، إلا أن مسؤولين أميركيين يقولون إنه رغم تأكيد «واتساب» أن رسائله مشفرة، فإنه يشكل مخاطرة أمنية.
وقد طلبت القوات الأميركية من «البنتاغون» تطوير بديل، خاصة للاتصالات العسكرية، بحيث يتمكن الأفغان من تنزيله على هواتفهم، ويتميز بقدر أكبر من الأمان. وقالت وزارة العدل الأميركية إنها بحاجة إلى ثغرة في تشفير «واتساب» و«فيسبوك مسنجر» حتى تتمكن من الدخول إليهما على نحو قانوني لمحاربة الجريمة والإرهاب.
ومع ذلك، قال مسؤولون أفغان عسكريون إن «واتساب» يتميز بفوائد فريدة في مواجهة «طالبان» التي يعتمد مقاتلوها على التطبيق في التواصل مع القيادات وأقرانهم. وتحولت المعركة إلى حرب من المكاسب التكتيكية الصغيرة والسريعة ـ ضاحية هنا وقرية هناك ـ ولذلك، يقولون إن مميزات التطبيق تفوق كثيراً أخطاره المحتملة.
بصورة أساسية، يتميز «واتساب» بالسرعة والمرونة، ولم يعد هناك حاجة لإرجاء اتخاذ قرارات عاجلة بخصوص شن هجوم وشيك من جانب وزراء وقادة وعسكريين للوصول إلى مركز عمليات آمن. وتحول «واتساب» إلى مراكز عمليات افتراضية، مع إرسال وزراء وقادة قراراتهم من داخل غرف النوم، وفيما بين الاجتماعات، بل ومن داخل صالة المطار.
وفي هذا الصدد، قال عبد القادر بهادورزاي المتحدث الرسمي باسم «فيالق 215» المتمركزة جنوب إقليم هلمند، حيث تسيطر «طالبان» على كثير من أرجاء الإقليم، في مواجهة قوة أفغانية تنزف منذ سنوات: «كان أداة مفيدة للغاية، فهو سهل الاستخدام ويصل إلى المستويات الأعلى من القيادة. وقد استغرق الأمر بضع دقائق، مقارنة بالتواصل معهم عبر إشارات الراديو، بل وفي بعض الأحيان الهواتف تكون مشغولة.
مع فتح جبهات معارك متعددة عبر البلاد، ووقع هجمات في بعض الأحيان في 24 من إجمالي 34 إقليماً بالبلاد، تعتمد القيادات الأمنية على كثير من مجموعات «واتساب»، كي يتمكنوا من خلالها من تنسيق الموارد عبر مواقف طارئة. وتستمر بعض المجموعات خلال فترة تنفيذ عملية معينة، بينما تتسم عمليات أخرى باستدامة أطول. ويجري ضم قيادات محلية وحذفها من المجموعات حسب الحاجة.
في حالات نادرة، مثل العملية الدائرة في بالا مرغب، جرت إضافة قيادات عسكرية أميركية إلى مجموعات صغيرة، حسبما ذكر مسؤولون أفغان. ومع ذلك، تبقى معظم مجموعات «واتساب» للتواصل مع قيادات أمنية أفغانية وأخرى على الأرض.
وفي بعض الأحيان، يستخدم مسؤولو الأمن الأفغان «واتساب» للتواصل مع الجنرال أوستن إس ميلر، القائد الأميركي الأعلى بالبلاد، وينتقلون إلى خطوط آمنة من أجل مناقشة قرارات حساسة.
من ناحيتهم، يتواصل المسؤولون العسكريون الأميركيون عبر شبكات راديو مشفرة وبوابات إنترنت سرية لتبادل نمط المعلومات الذي يتبادله نظراؤهم الأفغان عبر هواتفهم الذكية. ولا يبدي قادة «طالبان» داخل ضواحي موسى كالا وسانغين، قلقاً من المخاطر الأمنية المرتبطة بـ«واتساب». وأشاروا إلى أنه، بجانب الراديو، كان «واتساب» السبيل الأسرع للتواصل.
ورغم أن بعض مقاتلي قادة «طالبان» يفتقرون إلى معرفة القراءة والكتابة، فإن خدمة الرسائل الصوتية تخدمهم ولا تجعل هذه الأمية عائقاً أمامهم.
وقال أحد قادة «طالبان» في سانغين: «لا يتطلب (واتساب) معرفة مهارات الكتابة، وإنما مجرد إرسال رسالة صوتية، وانتظار الرد عندما تشغل الهاتف الجوال».
وخلال مفاوضات سلام عُقدت مؤخراً مع «طالبان» في الدوحة، جرى استغلال «واتساب» بصورة مكثفة من جانب مفاوضي الجماعة والمفاوضين الأميركيين رفيعي المستوى. ومزح أحد مسؤولي الولايات المتحدة بأن زلماي خليل زاده، المبعوث الأميركي إلى أفغانستان، كان يدير عملية السلام بأكملها عبر «واتساب».
وخلال شهور المحادثات، كان أفراد الجانبين يتحركون في ظروف على بوابة النادي الدبلوماسي، حيث كانت تجري المناقشات. وأثناء استراحات الغداء واحتساء القهوة والصلاة، كانوا يحصلون على هواتفهم.
وبدا أن مفاوضي «طالبان» والدبلوماسيين الأميركيين على وشك وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق، قبل أن يلغي ترمب الأمر برمته، بعث أحد كبار قادة «طالبان» برسالة صوتية على مدار 17 دقيقة، أعرب خلالها عن قلقه من أن المفاوضين على وشك التوقيع على اتفاق.
وفي بعض الأحيان، كان صوت قائد «طالبان» يختنق بالدموع. وانتشرت الرسالة التي كانت موجهة إلى كبير مفاوضي «طالبان» عبر مختلف أرجاء مجموعات «طالبان»، عبر «واتساب» وفيما وراءها.
وفي رسالة ردّ استمرت ستّ دقائق، جرى تخصيص نحو 30 ثانية منها للتحية والدعاء لصاحب الرسالة الأولى، فنّد قائد آخر من «طالبان» المنطق الذي طرحه القائد الأول، ودافع عن المفاوضات وفريق المفاوضين عبر طرح تفسيرات مختلفة لذات الآيات القرآنية التي دفعه بها صاحب الرسالة الأولى.
ومن بين أولى الأمثلة وأبرزها على استخدام «واتساب»، كان قائد أفغاني يدعى الجنرال عبد الرازق، قائد الشرطة في إقليم قندهار، الذي تعرّض للاغتيال، العام الماضي، بدأ حارس حدود برتبة صغيرة، وكان يفتقر إلى التعليم الأساسي، لكنه بمرور السنوات أصبح جنرالاً حوّل قوات أمن محلية إلى وحدة عسكرية قوية اعتمدت عليها القوات الأميركية في الدفاع عن جنوب البلاد في مواجهة «طالبان».
اضطر الجنرال عبد الرازق بفضل تنامي مكانته السياسية واتساع دائرة مصالحه التجارية إلى السفر باستمرار إلى كابل وما وراءها. واحتاج للبقاء على اتصال وثيق مع قيادة الوحدة التي يترأسها، وهنا ظهرت أهمية «واتساب». وأثناء وجوده في باريس أو دبي، كان الجنرال الأفغاني يستغل «واتساب» للتوجيه بإرسال ذخائر إلى قواته أو مخزونات وقود.

- خدمة «نيويورك تايمز»



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).