سياسات البنوك المركزية... فعل أم رد فعل لتباطؤ الاقتصاد العالمي؟

مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
TT

سياسات البنوك المركزية... فعل أم رد فعل لتباطؤ الاقتصاد العالمي؟

مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)
مقر مجلس الاحتياطي الاتحادي «البنك المركزي الأميركي» في واشنطن (رويترز)

خفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس ليصل إلى 1.75 - 2 في المائة. وكان ذلك التخفيض الثاني من نوعه خلال العام 2019 متوقعاً بصفة عامة من قبل الأسواق، إلا أنه لم ينجح في دفع الدولار الأميركي نحو الانخفاض.
وتأتي تلك الخطوة بعد أسبوع واحد فقط من قرار البنك المركزي الأوروبي بتخفيض أسعار الفائدة على الودائع وإطلاق برنامج التيسير الكمي. وسيطر على بيان الاحتياطي الفيدرالي نفس النبرة التي تبناها في بيان السياسة النقدية الصادر عنه يوليو (تموز) الماضي، والذي أشار إلى تراجع الصادرات والاستثمارات التجارية في ظل تبرير البنك بأن خفض أسعار الفائدة يستهدف تعزيز نمو الاقتصاد الأميركي، نظراً لحالة «عدم اليقين» المتعلقة بالنمو الاقتصادي في المستقبل.
انتقد الرئيس دونالد ترمب كالمعتاد جيروم باول محافظ الفيدرالي الأميركي نظراً لافتقاده «الشجاعة»، حيث اعتاد الرئيس الأميركي على انتقاد الاحتياطي الفيدرالي مراراً وتكراراً لتباطؤه الشديد في خفض أسعار الفائدة. وقال تقرير صادر عن وحدة الدراسات الاقتصادية العالمية في بنك الكويت الوطني إن الأسواق تسعر حالياً قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرة واحدة على الأقل هذا العام. إلا أنه على الرغم من ذلك، سيطر انقسام في الآراء بين المسؤولين بشأن اتخاذ القرار والحاجة إلى خفض أسعار الفائدة في المستقبل. حيث قام سبعة أعضاء بالتصويت لصالح خفض أسعار الفائدة في اجتماع الأربعاء الماضي، في حين أراد عضوان الإبقاء عليها دون تغير، وسعى عضو آخر إلى المزيد من التخفيض.
وعلى الرغم من معاناة الاقتصاد من بعض نقاط الضعف وتراجع معدلات التضخم عن المستويات المستهدفة، فإن نمو الإنفاق الاستهلاكي ما زال مستمراً بما أدى إلى ارتفاع مبيعات التجزئة واستقرار سوق العمل. وعلى الرغم من خفض أسعار الفائدة مرتين هذا العام، فإن أسعار الفائدة في الولايات المتحدة لا تزال أعلى بكثير مقارنة بدول أخرى، حيث تصل إلى معدلات سلبية في أوروبا واليابان. ما يدل على تفاوت في الإجراءات، وفقا لتقديرات كل بنك مركزي للظروف المحلية ومدى تأثرها بالمناخ الاقتصادي العالمي.
أضاف التقرير: «اضطربت الأسواق على مدار عدة أيام بعد اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي حيث ارتفعت معدلات اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو) يوم الثلاثاء الماضي، الأمر الذي أجبر البنك المركزي على التدخل. وبلغت تكاليف الاقتراض في سوق إعادة الشراء ما يقارب 10 في المائة مقابل 2 في المائة قبل أسبوع فقط... بما دفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى ضخ مليارات الدولارات في النظام المالي».
حيث بدأ البنك المركزي الأميركي في البداية بضخ 53 مليار دولار نقداً في النظام المالي، ثم أعلن لاحقاً عن عمليتين مماثلتين. وتكشف تلك الخطوة عن نقص السيولة، وإن كان ذلك مبرراً، حيث أرجع باول ذلك النقص في السيولة إلى حاجة الشركات إلى المزيد من النقد لتسديد الضرائب والمستثمرين لشراء السندات الحكومية. وأضاف في وقت لاحق أن تلك القضايا ليس من شأنها ترك أثر واسع النطاق على الاقتصاد، مؤكداً قيام البنك بدوره بشكل مناسب.
الأسهم وسندات الخزانة
سجلت الأسهم في البورصات العالمية مكاسب طفيفة يوم الجمعة الماضي، وذلك بعد أن أشارت قرارات البنوك المركزية إلى تدابير تيسير كمي جديدة، حيث ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 3.34 في المائة منذ بداية شهر سبتمبر (أيلول) وبلغ مستوى 2.992 نقطة، مقترباً من أعلى مستوياته على الإطلاق عند مستوى 3.027 نقطة التي بلغها منذ بضعة أشهر. واتبع مؤشر «داو جونز» الصناعي مساراً مشابهاً، حيث سجل نمواً بنسبة 3.4 في المائة خلال الفترة ذاتها، ويتداول حالياً عند مستوى 27.094 نقطة. من جهة أخرى، تراجعت عائدات سندات الخزانة الأميركية بعد الإعلان عن خفض أسعار الفائدة، حيث انخفض عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى 1.768 في المائة لكن عاودت الارتفاع في وقت لاحق. واقترب منحنى عائد السندات لأجل عامين ونظيرتها لأجل عشر سنوات من الانعكاس في ظل ارتفاع عائدات السندات قصيرة الأجل وتراجع عائدات السندات ذات الآجال الأطول.
بنك إنجلترا المركزي
صوت بنك إنجلترا بالإجماع على إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير عند مستوى 0.75 في المائة على خلفية انتظاره للمزيد من الوضوح فيما يتعلق بمعضلة انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي. وفي بيان صادر عن البنك صرح بأن معدل التضخم ربما يصبح أضعف من المتوقع في حال استمرار الغموض المحيط بانفصال المملكة عن الاتحاد الأوروبي، في حين كشفت البيانات الصادرة قبل أيام قليلة عن تراجع معدل التضخم السنوي إلى أدنى مستوياته في ثلاثة أعوام بانخفاضه من 2.1 في المائة إلى 1.7 في المائة. وأظهر محضر اجتماع لجنة السياسات النقدية أن التأخير في التوصل إلى اتفاق بالنسبة لعلاقة المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يضر بمعدلات ثقة المستهلكين والشركات، وهو الأمر الذي تفاقم نتيجة للحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والتي أدت إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي في الدولتين هذا العام. وانكمش اقتصاد المملكة المتحدة في الربع الثاني من العام بنسبة 0.2 في المائة. أما على صعيد الآفاق الاقتصادية، يتوقع البنك أن يسجل الاقتصاد نمواً بنسبة 0.2 في المائة في الربع الثالث على أمل تجنب الركود بمفهومه الفني الذي يعرف بأنه حصول انكماش على مدى ربعين متتاليين.
ومن أهم ما تضمنه محضر الاجتماع استعراضه للمرة الأولى للنتائج المتوقعة لانفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، موضحاً أن ذلك سيؤدي إلى ضعف معدلات النمو وارتفاع التضخم وانخفاض الجنيه الإسترليني مجدداً. وأشار صناع السياسة النقدية إلى أنه من المرجح أن ترتفع معدلات الفائدة تدريجياً مقارنة بأدنى مستوياتها المسجلة بعد العام 2008 إلا إذا كان هناك «انفصال سلس عن الاتحاد الأوروبي». وفي ظل عدم وجود اتفاق فسوف تتراجع قيمة الجنيه الإسترليني، ويرتفع التضخم ويتباطأ نمو الاقتصاد بما يؤدي إلى خفض أسعار الفائدة أو زيادتها وفقاً لبنك إنجلترا.
البنك الوطني السويسري
أبقى البنك الوطني السويسري (المركزي) أسعار الفائدة ثابتة متجاهلاً الضغوط العالمية المتزايدة وخفض توقعات النمو للعام الحالي، حيث أبقى على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى - 0.75 في المائة، مستشهداً بضعف آفاق النمو في الخارج. علاوة على ذلك، قام البنك الوطني بتعديل أساس حساب الفائدة السلبية على الودائع تحت الطلب لدى البنك الوطني السويسري، حيث أصبح بإمكان البنوك بدءاً من الآن إيداع المزيد من الأموال لدى البنك المركزي السويسري قبل تطبيق معدلات سلبية على ودائع البنوك التي تتخطى 25 ضعف الحد الأدنى من الاحتياطي المودع لدى البنك المركزي مقابل معدل 20 ضعف المطبق حالياً. وفي العام 2018 دفعت البنوك ما يقارب نحو ملياري فرنك سويسري من معدلات الفائدة السلبية والتي ظلت مطبقة منذ نحو خمسة أعوام حتى الآن. وبالنسبة للعام الحالي، خفض البنك الوطني السويسري توقعات التضخم إلى 0.4 في المائة مقابل توقعاته السابقة البالغة 0.6 في المائة، كما يتوقع أن يصل التضخم إلى 0.2 في المائة في العام 2020 مقابل 0.7 في المائة المتوقعة في الربع السابق.
آخر البنوك المتشددة
واصل البنك المركزي النرويجي السباحة عكس التيار السائد على صعيد السياسة النقدية العالمية واتجه نحو رفع أسعار الفائدة للمرة الرابعة منذ العام الماضي، حيث رفع البنك أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس لتصل إلى 1.5 في المائة. وأشار إلى أن احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال العام المقبل أكثر من احتمالات خفضها. واتجهت معظم البنوك المركزية الرئيسية في العالم لتطبيق سياسة تيسيرية تتمثل في خفض أسعار الفائدة أو الإبقاء عليها دون تغير، إلا أن رئيس البنك المركزي النرويجي أويستين أولسن يصر على أن قوى مثل البترول والصناعات ذات الصلة هي التي تقود النمو الحالي الذي تفتقر إليه البلدان الأخرى. وأضاف أن البنك «كان عليه أن يتخذ الخطوات المناسبة للاقتصاد النرويجي في الوقت الحاضر» والتي تتمثل في زيادة سعر الفائدة. وعلى الرغم من ذلك، فقد أضاف في وقت لاحق أن حالة عدم اليقين بشأن النمو العالمي كانت السبب الرئيسي للإشارة إلى أن تلك الزيادة في أسعار الفائدة قد تكون الأخيرة خلال الدورة الحالية، وبالنظر إلى التضخم، فقد انخفض المعدل السنوي إلى 1.6 في المائة في أغسطس (آب) مقابل 1.9 في المائة في الشهر السابق - فيما يعد أبطأ وتيرة يسجلها منذ يناير (كانون الثاني) 2018.
التضخم العنيد في اليابان
بالانتقال إلى آسيا، فقد أبقى البنك المركزي الياباني على سعر الفائدة قصيرة المدى عند مستوى - 0.1 في المائة في ظل مساعيه الرامية إلى إدارة تأثير خفض أسعار الفائدة الأميركية وتباطؤ الاقتصاد العالمي. ولا يزال البنك متردداً بشأن إضافة المزيد من سياسة التحفيز النقدي ووعد بمراجعة الأوضاع في اجتماعه المقبل، كما قدم تحذيراً صريحاً أكد فيه قلقه بشأن مخاطر التعافي الاقتصادي. وساهم خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة في تقليص فجوة العائد بين السندات اليابانية والأميركية بما قد يؤدي إلى ارتفاع قيمة الين الياباني، وهو الأمر الذي قد يتسبب في إحداث المزيد من الضرر للصادرات اليابانية الواقعة تحت ضغط هائل بالفعل نتيجة لتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني.
وواصل بنك اليابان جهوده الحثيثة على مدار الأعوام الستة الماضية ليقترب معدل التضخم المستهدف من مستوى 2 في المائة، ويعتقد عدد كبير من المسؤولين الحاليين أن تطبيق المزيد من إجراءات خفض الفائدة قد يشكل خطراً على الاستقرار المالي وقد يؤدي إلى نتائج عكسية بما يؤثر سلباً على التضخم بدلاً من دفعه إلى الاقتراب من مستوى 2 في المائة. إلا أن المحافظ كورودا قد وعد مراراً باتخاذ ما يلزم إذا تطلب الأمر للحفاظ على الزخم من أجل الوصول إلى مستوى التضخم المستهدف.
وعلى صعيد سوق العملات فقد ارتفع الدولار الأميركي أمام الين الياباني نحو 1.62 في المائة هذا الشهر، ويتداول حالياً حول مستوى 107.58، والين الياباني يعتبر ملاذا آمنا في سوق العملات.



السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)

قال وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف، إن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات الاقتصاد الجديد بالمملكة تسارع بنسبة 162 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، في وقت ارتفع فيه إجمالي تكوين رأس المال الثابت بنسبة 52 في المائة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تركز على الانتقال من زيادة حجم الاستثمارات إلى تحسين جودتها وإنتاجيتها وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

وأوضح الوزير، خلال جلسة حوارية في مؤتمر البترول العالمي بالرياض، أن المملكة تستهدف استقطاب أنواع مختلفة من المستثمرين، سواء الباحثين عن الموارد أو الأسواق أو الأصول الاستراتيجية أو الكفاءة والمرونة، من خلال بناء منظومات اقتصادية مترابطة وتعزيز ارتباطها بشبكات القيمة العالمية.

وبيّن أن قطاع الطاقة استحوذ على أكثر من 22 في المائة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في المملكة، بينما تجاوزت مشاركة القطاع الخاص 75 في المائة من الاستثمارات خلال السنوات الخمس الماضية.

وأشار إلى أن القطاعات التي شهدت تسارعاً في الاستثمار الأجنبي المباشر تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتصنيع المتقدم، والابتكار والخدمات اللوجستية، والصناعة، والطاقة المتجددة، والمياه، لافتاً إلى أن تطوير هذه القطاعات يتطلب تعزيز التكامل بينها وبين الخدمات والبنية التحتية والقطاع المالي.

تجمعات صناعية

وأضاف أن المملكة تعمل على بناء تجمعات صناعية متكاملة، مستشهداً بتطوير تجمع لصناعة السيارات في المنطقة الغربية، إلى جانب منظومة مترابطة في المنطقة الشرقية تشمل بناء السفن والصناعات البتروكيماوية والموانئ وخطوط الأنابيب والخدمات اللوجستية.

وأكد أن رفع الإنتاجية والكفاءة يمثل محوراً رئيسياً في تعزيز قدرة المملكة على المنافسة عالمياً في استقطاب الاستثمارات، موضحاً أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ستسهم في تعزيز أداء القطاعين العام والخاص ورفع قدرتهما التنافسية.

وشدد على أهمية استقرار السياسات الاقتصادية واستمرارية التوجهات الحكومية في تعزيز ثقة المستثمرين، مبيناً أن مستهدفات «رؤية 2030» تمثل محطة ضمن مسار اقتصادي طويل الأجل، وليست نهاية للتحول الذي تشهده المملكة.

ولفت إلى أن السياسات المالية المستدامة أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين من خلال توفير بيئة أكثر قابلية للتنبؤ، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد.

الأنشطة غير النفطية

من جانبه، ذكر عبد المحسن الخلف، نائب وزير المالية السعودي، أن الأنشطة غير النفطية ارتفعت إلى 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة للمرة الأولى في تاريخها، في تحول هيكلي يعكس التقدم المحقق في تنويع الاقتصاد منذ إطلاق «رؤية 2030».

وبحسب الخلف، فإن الإيرادات الحكومية غير النفطية ارتفعت من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في عام 2015، إلى نحو 500 مليار ريال (133.3 مليار دولار) حالياً، ما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة المتغيرات الاقتصادية والاستجابة للصدمات.

وتابع أن معدل البطالة بين السعوديين انخفض إلى نحو 6 في المائة، بالتزامن مع نمو قطاعات اقتصادية واعدة، تشمل السياحة والترفيه والرياضة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإصلاحات المنفذة في إطار «رؤية 2030» عززت مرونة الاقتصاد السعودي، ومنحته قدرة أكبر على التعامل مع الظروف المتغيرة، مع مواصلة تنفيذ الأولويات الوطنية.


أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية؛ في خطوة تستهدف الحد من التدفقات المتسارعة إلى الأسواق الأوروبية، وتجنب تصعيد النزاع التجاري بين الجانبين.

وكشف مسؤول في «المفوضية الأوروبية»، الاثنين، عن أن الاتفاق، الذي يمتد 4 سنوات، يحدد واردات السيارات الهجين من الصين عند 350 ألف سيارة سنوياً، مع زيادة الحصة بنسبة 6 في المائة كل عام. ومن المتوقع بدء تطبيق الإجراءات الأوروبية الأولية مطلع ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ويأتي الاتفاق بعد نمو استثنائي لصادرات السيارات الهجين الصينية إلى أوروبا، مستفيدة من عدم خضوعها للرسوم الإضافية التي فرضها «الاتحاد الأوروبي» على السيارات الكهربائية الصينية بالكامل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

ويعكس التفاهم محاولة لتحقيق توازن بين حماية صناعة السيارات الأوروبية والحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين، في وقت تواجه فيه الشركات الصينية تباطؤ المبيعات المحلية وتبحث فيه عن فرص للنمو الخارجي.

وارتفعت قيمة صادرات الصين من السيارات الهجين إلى دول «الاتحاد الأوروبي» الـ27 إلى 7.5 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 2.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات الجمارك الصينية.

وتعادل هذه القيمة نحو 9 أضعاف صادرات عام 2021 بأكمله، التي بلغت 845 مليون دولار؛ مما يعكس التحول السريع في استراتيجية الشركات الصينية نحو السيارات الهجين القابلة للشحن.

وساعد ضَعف البنية التحتية للشحن في بعض المناطق الأوروبية على زيادة الطلب على هذه السيارات، التي تجمع بين المحركات الكهربائية والوقود التقليدي، وتوفر مدى قيادة أطول مقارنة ببعض السيارات الكهربائية بالكامل.

وبعد فرض الرسوم الأوروبية الإضافية على السيارات الكهربائية الصينية، أصبحت السيارات الهجين قناة رئيسية للحفاظ على نمو الصادرات وتوسيع الحصة السوقية.

ووفق تقديرات «جيفريز» للخدمات المالية والمصرفية والاستثمارية، فقد استحوذت شركات «سايك موتور» و«بي واي دي» و«شيري» على أكثر من 90 في المائة من مبيعات السيارات الهجين الصينية في «الاتحاد الأوروبي»، بينما شكلت هذه الفئة أكثر من نصف مبيعاتها الأوروبية.

ويعني ذلك أن الشركات الثلاث ستكون الأكبر تعرضاً لتداعيات الاتفاق، خصوصاً إذا أدت الحصص الجديدة إلى تقييد نمو الواردات مقارنة بالمستويات الحالية.

بكين تتمسك بمبدأ عدم التمييز

وأكدت وزارة التجارة الصينية، الاثنين، أن الاتفاق جاء بعد مشاورات مكثفة مع «الاتحاد الأوروبي» شملت السيارات الهجين والكهربائية، إلى جانب القضايا التجارية والاقتصادية الأوسع.

وأوضحت أن التفاهم يضمن للصين حصة تصديرية لا تقل عن الحصص الممنوحة لأي مُصدر آخر للواردات الأوروبية، مع التزام الإجراءات الأوروبية عدم استهداف المنتجات الصينية أو التمييز ضد شركاتها.

وأضافت أن الجانبين اتفقا على تعديل حجم صادرات السيارات الهجين بالزيادة مقارنة بأرقام عام 2025، بما يتيح استمرار النمو ويوفر بيئة تجارية واستثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.

وعدّت الوزارة أن الاتفاق يحمي المصالح العملية للشركات الصينية ويساعد على تجنب تصاعد الاحتكاكات التجارية.

لكن المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفتشوفيتش، كان قد أشار، الجمعة، إلى أن الاتفاق قد يخفض واردات السيارات الهجين الصينية بأكثر من النصف، مقارنة بالمسار الذي كانت ستسلكه دون قيود.

وتعكس التصريحات المختلفة تركيز كل طرف على جانب من التفاهم؛ إذ تؤكد بكين ضمان استمرار الصادرات، بينما تبرز «بروكسل» قدرة الاتفاق على احتواء نمو الواردات.

ولا يزال بعض التفاصيل التنفيذية، بما فيها آليات توزيع الحصص والاستثناءات المحتملة والحدود السعرية، خاضعة للمفاوضات الفنية.

الشركات الصينية تعيد حساباتها

استقبل المستثمرون الاتفاق بوصفه تخفيفاً لمخاطر فرض رسوم جمركية إضافية على السيارات الهجين الصينية، لكنه في المقابل أدخل قيوداً كمية على الصادرات.

وتراجع سهم «بي واي دي» بنسبة 1.8 في المائة، بينما ارتفع سهما «شيري» و«سايك» بنسبتَي 0.25 و0.4 في المائة على التوالي.

ووصف محللو «جيفريز» التحول بأنه انتقال من مخاطر الرسوم الجمركية إلى مخاطر الحصص التصديرية، مع احتمال دفع الشركات نحو بيع طرازات أعلى سعراً لتعويض محدودية الكميات.

وقد يزيد ذلك المنافسة مع العلامات الألمانية الفاخرة، خصوصاً إذا ركزت الشركات الصينية على السيارات ذات الهوامش الربحية الأعلى.

ويرى محللو «سيتي» أن الاتفاق يخفف بعض المخاطر التجارية، لكن أثره النهائي سيعتمد على القواعد التنفيذية المتعلقة بحجم الواردات والأسعار والاستثناءات.

وفي المقابل، يتوقع خبراء تسارع استثمارات الشركات الصينية في مصانع السيارات الأوروبية، لتقليل اعتمادها على الصادرات المباشرة.

وقال بيل روسو، مؤسس شركة «أوتوموبيليتي» للاستشارات في شنغهاي، إن تقييد الوصول إلى السوق عبر الواردات يجعل الإنتاج بالقرب من المستهلك الأوروبي أعلى جاذبية.

لكنه حذر بأن التصنيع المحلي يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة؛ مما قد يدفع بالشركات الصينية الصغرى إلى إعادة تقييم خطط توسعها الأوروبي.

«معرض باريس» يكشف عن شدة المنافسة

يتزامن الاتفاق مع انطلاق «معرض باريس للسيارات»، الاثنين، حيث تستعد الشركات الأوروبية والصينية للكشف عن نحو 60 طرازاً جديداً، في إحدى أبرز جولات المنافسة على المستهلِك الأوروبي.

وتشارك نحو 20 علامة صينية في المعرض، بينها «بي واي دي» و«شيري»، أي ضعف عدد المشاركين الصينيين في نسخة عام 2024.

وتشمل المشاركة علامات جديدة مثل «آيتو»، بينما تستعد «تشانغان» لتقديم علامتي «نيفو» و«أفاتر»، في مؤشر على استمرار اهتمام الشركات الصينية بالسوق الأوروبية رغم القيود التجارية.

وفي المقابل، تكثف الشركات الأوروبية جهودها لاستعادة حصصها السوقية.

وتطرح مجموعة «ستيلانتيس» 6 طرز جديدة عبر علاماتها الأوروبية، إلى جانب 9 سيارات اختبارية، في تحول ملحوظ عن مشاركاتها المحدودة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيسها التنفيذي، أنطونيو فيلوسا، أن المجموعة تعمل على إعادة ابتكار علاماتها التاريخية، بما في ذلك تطوير نسخة كهربائية يسيرة التكلفة مستوحاة من سيارة «سيتروين2CV» الشهيرة.

أما الرئيس التنفيذي لمجموعة «فولكسفاغن»، أوليفر بلومه، فرحب بالتقدم في المحادثات التجارية، لكنه شدد على ضرورة ضمان المنافسة العادلة داخل الأسواق الأوروبية.

وأكد أن الشركات التي تبيع سياراتها في أوروبا ينبغي أن تتنافس وفق شروط متكافئة، وأن تسهم في خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية محلياً.

التصنيع المحلي يصبح أولوية

تتجه الشركات الصينية بالفعل إلى توسيع حضورها الصناعي داخل أوروبا، تحسباً للقيود التجارية والتشريعات المرتقبة المتعلقة بالمحتوى المحلي.

وتعمل «المفوضية الأوروبية» على إعداد قواعد تتضمن متطلبات «صنع في أوروبا»، وقد تشترط نسباً محددة من المكونات والإنتاج المحلي للحصول على فرص أوسع لدخول السوق.

وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت «جيلي أوتو» خططاً لإنتاج سيارات رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية في مصنع تابع لشركة «فورد» بإسبانيا.

كما أكد رئيسها التنفيذي، أليكس نان، التزام الشركة تعزيز وجودها الأوروبي وتوسيع شراكتها مع «رينو» الفرنسية.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية متنامية بعدما تراجعت مبيعات السيارات في الصين بنسبة 20 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026، وسط منافسة سعرية حادة وضغوط على أرباح الشركات.

ومع صعوبة دخول السوق الأميركية، أصبحت أوروبا الوجهة الخارجية الرئيسية لصانعي السيارات الصينيين.

مرحلة جديدة لصناعة السيارات

يفتح الاتفاق الأوروبي - الصيني مرحلة مختلفة من المنافسة، تنتقل فيها الشركات من الاعتماد على زيادة الصادرات إلى البحث عن التوازن بين الحصص التجارية، والتصنيع المحلي، وتطوير الطرازات الأعلى قيمة.

وبينما تسعى «بروكسل» إلى حماية الصناعة والوظائف الأوروبية، تحاول بكين ضمان استمرار وصول شركاتها إلى إحدى أهم الأسواق العالمية.

وقد يخفف الاتفاق احتمالات اندلاع مواجهة جمركية أوسع، لكنه لن ينهي المنافسة المتصاعدة بين الجانبين.

وستحدد التفاصيل التنفيذية المنتظرة، إلى جانب قدرة الشركات الصينية على توسيع إنتاجها داخل أوروبا، حجم التأثير الفعلي للحصص الجديدة في الأسعار والمبيعات والاستثمارات.

وفي ظل التحولات المتسارعة لصناعة السيارات العالمية، يبدو أن مستقبل المنافسة لن يتحدد فقط بالتكنولوجيا والأسعار، بل أيضاً بمواقع المصانع، وقواعد التجارة، والقدرة على التكيف مع السياسات الصناعية الأوروبية.


محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
TT

محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)

قالت ديستري دامايانتي، المحافظة الجديدة للبنك المركزي الإندونيسي، في مقابلة مع «رويترز»، الاثنين، إن البنك يتمتع باستقلالية كاملة في تحديد أسعار الفائدة، رغم تعاونه بصورة أوثق مع الحكومة في إطار ما وصفته بـ«التكامل» في السياسات.

وتولت دامايانتي منصب محافظة بنك إندونيسيا الشهر الماضي، عقب الاستقالة المفاجئة لسلفها في أواخر يوليو (تموز).

وقالت إن التنسيق بين صانعي السياسات المالية والنقدية، لضمان تحركهم في الاتجاه نفسه، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد.

وأوضحت أن الحكومة دُعيت إلى حضور جزء من الاجتماعات الشهرية لمراجعة السياسة النقدية، كما أنها تشارك في اجتماعات مع الرئيس برابوو سوبيانتو، لكن ذلك لا يمنحها سلطة اتخاذ القرار بشأن أسعار الفائدة.

وأضافت: «عندما نكون بصدد اتخاذ قرار بشأن السياسة النقدية، سواء برفع أسعار الفائدة أو خفضها أو استخدام حوافز أخرى، فإن لدينا كامل الصلاحية لاتخاذ هذا القرار».

وتُعد المخاوف من التدخل السياسي في البنك المركزي أحد العوامل التي أسهمت في تصاعد قلق المستثمرين بشأن إندونيسيا، كما أنها من الأسباب التي جعلت الروبية الإندونيسية العملة الأسوأ أداءً في الأسواق الآسيوية الناشئة.

وكان برابوو قد عيّن هذا العام أحد أقاربه، وهو ابن شقيقه، في منصب رفيع بالبنك المركزي، بينما وسّع البرلمان صلاحيات البنك لتشمل التركيز بصورة أكبر على دوره في دعم النمو الاقتصادي.

ويشعر المستثمرون أيضاً بالقلق إزاء الأوضاع المالية العامة في إندونيسيا، والتغييرات في سياسات التصدير، وقضايا الشفافية في سوق الأسهم.

وقالت دامايانتي إن الحكومة والبنك المركزي يناقشان بانتظام استراتيجية إصدار السندات بالروبية والعملات الأجنبية، وإدارة الاحتياطيات النقدية، والآليات المستخدمة لتحفيز الطلب على القروض.

وأضافت: «في إندونيسيا، الرئيس هو رئيس الحكومة ورئيس الدولة في الوقت نفسه. وبما أن البنك المركزي يتبع دولة إندونيسيا، فمن الطبيعي، في رأيي، أن يرغب الرئيس في الاطلاع على التطورات».

الالتزامات المستقبلية بالعملات الأجنبية ستُجدَّد

رفع بنك إندونيسيا أسعار الفائدة بإجمالي 100 نقطة أساس خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، بهدف دعم الروبية التي تراجعت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق في يونيو. وكانت دامايانتي آنذاك عضواً في مجلس إدارة البنك، وتشغل ثاني أعلى منصب فيه.

وأبقى البنك أسعار الفائدة من دون تغيير منذ ذلك الحين، لكنه قدّم خصماً على أدوات التحوط من تقلبات أسعار الصرف. ووصفت دامايانتي هذه الخطوة بأنها «مبتكرة»، مشيرة إلى أنها قد تزيد عوائد المستثمرين الأجانب من الأصول المقوّمة بالروبية بما يعادل 40 نقطة أساس، من دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.

ورداً على سؤال بشأن احتمال استئناف دورة التشديد النقدي، قالت إن قرارات أسعار الفائدة ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية، مؤكدة استعداد البنك للتحرك عند الضرورة.

ووصفت حالة عدم اليقين العالمية والصراع في الشرق الأوسط بأنهما «ماراثون» يصعب التنبؤ بمساره، مشددة على ضرورة تعزيز قدرة البنك المركزي على تحمّل هذه الظروف ومواجهتها.

وبلغت احتياطيات إندونيسيا من العملات الأجنبية 146.3 مليار دولار في نهاية سبتمبر (أيلول)، وهو مستوى قالت دامايانتي إنه كافٍ للمساعدة في استقرار الروبية، رغم أن جزءاً من هذه الاحتياطيات يتكون من ودائع بالدولار الأميركي تضعها البنوك التجارية لدى البنك المركزي.

وتقدّر بعض الجهات في السوق الالتزامات المستقبلية المرتبطة بالاحتياطيات الأجنبية بنحو 30 مليار دولار.

وقالت دامايانتي إن معظم البنوك توظف أموالها في أدوات تستحق بعد عام واحد، وإن هذه التوظيفات تُجدَّد عادة عند الاستحقاق.

وأضافت: «لديهم عادة ما يُعرف بالمخزون الاحتياطي الثابت، وهو مركز مضمون الوجود باستمرار»، مشيرة إلى أن تحسن الصادرات من شأنه أن يعزز احتياطيات النقد الأجنبي بصورة أكبر.

تسويات بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار

يواصل بنك إندونيسيا إبرام اتفاقات مع شركائه التجاريين، ومن بينهم الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، لاستخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.

وقالت دامايانتي إن قيمة المعاملات التي جرت تسويتها بالعملات المحلية ارتفعت بقوة، لتصل إلى 49.42 مليار دولار خلال الفترة الممتدة حتى أغسطس (آب) من العام الحالي، مقارنة مع 25.74 مليار دولار خلال العام الماضي بأكمله.

وأضافت أن اليوان الصيني استحوذ على نحو ثلاثة أرباع إجمالي هذه المعاملات.

وأشارت إلى أن إندونيسيا تعمل أيضاً على إبرام اتفاق لتسوية المعاملات بالعملات المحلية مع الهند.