«برنامج الأغذية العالمي»: صراع الشرق الأوسط يدفع الملايين إلى الجوع

رغم تراجع نسبي لأسعار الغذاء العالمية في مايو

امرأة نازحة في الصومال تعد الطعام لأطفالها (رويترز)
امرأة نازحة في الصومال تعد الطعام لأطفالها (رويترز)
TT

«برنامج الأغذية العالمي»: صراع الشرق الأوسط يدفع الملايين إلى الجوع

امرأة نازحة في الصومال تعد الطعام لأطفالها (رويترز)
امرأة نازحة في الصومال تعد الطعام لأطفالها (رويترز)

قال «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة، يوم الجمعة، إن الصراع في الشرق الأوسط يدفع الملايين من الناس نحو الجوع؛ إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الوقود والنقل إلى زيادة أسعار المواد الغذائية، في حين يجبر نقص التمويل وكالات الإغاثة على تقليص حجم المساعدات. وتسببت الضربات الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أواخر فبراير (شباط)، في اندلاع صراع إقليمي يمتد عبر الخليج، وصولاً إلى لبنان، مما أدى إلى تعطيل طرق الشحن الرئيسية بما في ذلك مضيق هرمز، لتضطر السفن إلى تغيير مسارها، ‌مما يؤدي إلى اضطراب تدفقات الطاقة ‌العالمية وسلاسل الإمداد بشكل حاد، بحسب «رويترز». وفي مارس (آذار)، ‌توقع «برنامج الأغذية العالمي» أن يصل عدد من قد يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد إلى 45 مليون شخص إذا ظلت أسعار النفط عند نحو 100 دولار للبرميل حتى يونيو (حزيران). وقال إن هذا السيناريو يتحقق الآن مع بقاء أسعار النفط الخام أعلى من هذا المستوى منذ أوائل مارس. وتُعدّ الأسر في ⁠أفغانستان والصومال وسريلانكا من بين الأكثر تضرراً، وتواجه ‌ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف ‌الوقود وأسعار المواد الغذائية وفقد الدخل وتعطل التجارة.

ويتوقع البرنامج أن ‌يواجه في الصومال 6.5 مليون - ما يقرب من ثلث السكان - ‌جوعاً شديداً في عام 2026. في حين قد يتأثر 17.4 مليون بالأزمة في أفغانستان. ومن المتوقع أن تتفاقم الأوضاع مع مواجهة 2.5 مليون صومالي و2.3 مليون أفغاني خطر انعدام الأمن الغذائي، ‌إذا استمرت الاضطرابات. ويعتمد كلا البلدين على واردات الطاقة والغذاء. وتحدث أزمة الشرق الأوسط وسط نقص ⁠حاد ⁠في تمويل وكالات الإغاثة. ويتوقع برنامج الأغذية العالمي أن يقل عدد المستفيدين من خدماته على مستوى العالم بنحو 1.5 مليون شخص في 2026، وتسعة ملايين آخرين إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو لستة أشهر.

وفي أفغانستان، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف نقل المساعدات بما يصل إلى خمسة أمثال، وزادت مدة التسليم من 10 أيام إلى ما يصل إلى 75 يوماً؛ إذ تضطر الشاحنات إلى استخدام ممرات بديلة، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي. وفي الصومال، يقول البرنامج إن ارتفاع أسعار وقود الطائرات يزيد تكاليف التشغيل لخدمة النقل الجوي الإنسانية التابعة للأمم المتحدة؛ وهي الوسيلة الوحيدة الآمنة لبلوغ مناطق يصعب الوصول إليها.

• تراجع طفيف

وفي غضون ذلك، قالت «منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)»، يوم الجمعة، إن أسعار الغذاء العالمية انخفضت في مايو عن مستوى أبريل (نيسان) المعدل؛ حيث انخفضت أسعار الزيوت النباتية لأول مرة هذا العام، بينما ارتفعت أسعار الحبوب والسكر.

وبلغ متوسط مؤشر «منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء»، الذي يقيس التغيرات في سلة من السلع الغذائية المتداولة عالمياً، 130.8 نقطة في مايو، بانخفاض قدره 0.2 في المائة عن مستواه المعدل في أبريل البالغ 131.0 نقطة، ولكنه ارتفع بنسبة 2.9 في المائة مقارنة بالعام السابق. ورغم التصحيح الطفيف لبيانات أبريل، ظل المؤشر قريباً من أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2023، وأقل بنسبة 18.4 في المائة من ذروته، في مارس (آذار) 2022.

وارتفعت أسعار الحبوب بأكثر من 2.6 في المائة خلال الشهر، مع ارتفاع أسعار القمح للشهر الرابع على التوالي نتيجة لانخفاض توقعات حصاد الصادرات، بما في ذلك في الولايات المتحدة، وارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة المرتبطة بالنزاع الإيراني.

وأضافت المنظمة أن أسعار الذرة تلقت دعماً أيضاً من زيادة الطلب على الواردات وانخفاض الإمدادات في البرازيل والولايات المتحدة.

وفي المقابل، انخفضت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 4.6 في المائة مقارنة بالشهر الماضي، مسجلةً أول انخفاض شهري لها هذا العام؛ حيث طغى انخفاض أسعار زيت النخيل وزيت فول الصويا على ارتفاع أسعار زيت بذور اللفت وزيت عباد الشمس. وبعد ارتفاعها لخمسة أشهر متتالية، تراجعت أسعار زيت النخيل العالمية، مما يعكس توقعات ضعف الطلب العالمي على الواردات، وحالة عدم اليقين في أسواق النفط الخام.

وكانت أسعار الزيوت النباتية، في المتوسط، لا تزال أعلى بنسبة تزيد عن 20 في المائة من أسعار العام الماضي؛ حيث أدى ارتفاع تكاليف الطاقة عقب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز إلى زيادة الطلب على الوقود الحيوي المصنوع من مواد عضوية، مثل النباتات الغنية بالزيوت.

وقفزت أسعار السكر بنسبة 7.5 في المائة مقارنة بالشهر الماضي لتصل إلى 95.1 نقطة، لكنها ظلت أقل بنسبة 13.1 في المائة من مستواها قبل عام.

ويعود هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى المخاوف من انخفاض متوقَّع في إمدادات السكر العالمية خلال الأشهر المقبلة. وفي تقرير منفصل حول إمدادات الحبوب، ذكرت «منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)» أنها تتوقع انخفاض إنتاج الحبوب العالمي - بما في ذلك الأرز المطحون - بنسبة 2 في المائة في موسم 2026 - 2027 ليصل إلى 2.98 مليار طن.

ومن المتوقع انخفاض إنتاج جميع الحبوب الرئيسية، وإن كان ذلك بالنسبة لكثير منها مقارنة بالمستويات القياسية التي سُجلت في عام 2025، مع توقع أكبر انخفاض سنوي من حيث النسبة المئوية للقمح، وأقل انخفاض للذرة والشعير.


مقالات ذات صلة

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الاقتصاد الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد منظر عام لميدان تقسيم في إسطنبول (رويترز)

أزمة صناديق الاستثمار تدفع تركيا لتعديل قوانين الأسواق

تتحرك تركيا لتعديل قانون أسواق رأس المال في محاولة لاحتواء الاضطرابات التي ضربت جزءاً من قطاع صناديق الاستثمار

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد محطة للوقود في العاصمة الألمانية برلين (رويترز)

أوروبا تتحرك لاحتواء أزمة الديزل وتهديدات واشنطن

تصاعدت المواجهة بين أوروبا والولايات المتحدة حول أزمة الوقود العالمية، الجمعة، بعدما رفض الاتحاد الأوروبي تهديداً أميركياً بحظر صادرات الديزل.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد عاملات في مصنع لتعبئة التمور بمدينة بني خالد بتونس (إ.ب.أ)

أسعار الغذاء العالمية تقترب من ذروة 4 سنوات

ارتفعت أسعار الغذاء العالمية خلال سبتمبر (أيلول) إلى أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، مع تزايد تأثير اضطرابات الشحن والمخاوف المناخية على أسواق المحاصيل

«الشرق الأوسط» (روما)
الاقتصاد مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

اليابان تعلن انتهاء عصر التيسير المفرط

أعلنت الحكومة اليابانية انتهاء المرحلة التي كان فيها الاقتصاد بحاجة إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير لدفع التضخم إلى الارتفاع

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
TT

انقسامات بين أكبر اقتصادات العالم بشأن فائض الإنتاج

الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)
الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير يتحدث خلال اليوم الثاني من المؤتمر الوزاري للتجارة لمجموعة العشرين في مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن - 1 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

قال مكتب الممثل التجاري الأميركي إن «عدداً قليلاً» من وزراء التجارة في مجموعة العشرين رفضوا دعوات الولايات المتحدة للحد من فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية والسياسات «غير القائمة على آليات السوق»، مما كشف عن انقسامات داخل المجموعة التي تضم أكبر اقتصادات العالم.

وأصدرت الولايات المتحدة، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين هذا العام، هذا البيان بعد يوم من اجتماع تجاري في ميلووكي أظهر أن دولتين فقط، هما المكسيك والأرجنتين، انضمتا إلى بيان قادته واشنطن يدعو إلى بذل المزيد من الجهود والتعاون لاستبعاد السلع المنتجة بالعمل القسري من سلاسل الإمداد.

ويأتي رفض الغالبية العظمى من دول مجموعة العشرين بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسوماً جمركية 10 في المائة أو 12.5 في المائة على السلع الواردة من 59 دولة والاتحاد الأوروبي، بدعوى أنها لا تطبق حظر العمل القسري بشكل كاف.

ولم يسم بيان المكتب الدول التي اعترضت على بيان فائض الطاقة الإنتاجية. لكن الصين اعترضت على بيان مماثل لمجموعة العشرين يندد بالعمل القسري والسياسات الاقتصادية غير القائمة على آليات السوق التي تؤدي إلى فائض الصادرات، وذلك خلال اجتماع لوزراء المالية قبل شهر في ولاية نورث كارولاينا.

وقال البيان: «حظي مشروع البيان الوزاري بتأييد جميع الأعضاء باستثناء عدد قليل منهم، إذ رفض بعض هؤلاء بشكل قاطع إنشاء هذا المسار نحو عمل تعاوني» بشأن فائض الطاقة الإنتاجية، مضيفاً أن ذلك أصاب رئاسة الولايات المتحدة لمجموعة العشرين «بخيبة أمل شديدة».

وكانت قضية فائض الطاقة الإنتاجية الصناعية في الصين والدعم الحكومي للصناعة من أبرز المحاور في اجتماعات وزراء مجموعة العشرين بقيادة الولايات المتحدة هذا العام. وترفض بكين الاتهامات بأن سياساتها الصناعية أدت إلى فائض في الطاقة الإنتاجية، متهمة الدول الغربية باستخدام هذه القضية لتبرير إجراءات حماية تجارية.

وقالت الولايات المتحدة إن وزراء التجارة في مجموعة العشرين توصلوا إلى توافق بشأن إدانة استخدام تجارة الغذاء كسلاح، مع اتفاق الأعضاء على عدم استخدام تجارة المواد الغذائية أو مستلزمات الإنتاج الزراعي أداة للإكراه الاقتصادي أو السياسي.

وفي البيان المشترك لمجموعة العشرين، عرف الوزراء استخدام الغذاء سلاحاً بأنه اتخاذ إجراءات تهدف إلى «إبطاء أو وقف أو عرقلة أو توجيه تدفقات الغذاء ومستلزمات الإنتاج الزراعي» بغرض ممارسة ضغوط قسرية لانتزاع تنازلات جيوسياسية غير مرتبطة بالموضوع.

وقال وزراء التجارة في مجموعة العشرين: «نندد باستخدام الغذاء سلاحاً، لأنه يشكل تهديداً إنسانياً واقتصادياً كبيراً».

وبعد ضغوط من ترمب تضمنت التهديد بفرض حظر أميركي على صادرات الديزل، اتفقت دول مجموعة السبع يوم الجمعة، على سحب ما يقارب 100 مليون برميل من احتياطيات الديزل في محاولة لخفض أسعاره في الولايات المتحدة التي بلغت مستويات قياسية مرتفعة. ويستخدم الديزل على نطاق واسع في الإنتاج الزراعي.


تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تريليونات الذكاء الاصطناعي أمام اختبار العوائد والإنتاجية

ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في مجال التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (أ.ف.ب)

يضخ العالم أموالاً غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن تتجاوز استثمارات مراكز البيانات وحدها 30 تريليون دولار بحلول 2050. لكن ضخامة الإنفاق تطرح سؤالاً اقتصادياً أكثر إلحاحاً: هل ستظهر مكاسب الإنتاجية والعوائد اللازمة لتبرير هذه الاستثمارات بالسرعة التي تتوقعها شركات التقنية والأسواق، أم أن الاقتصاد سيحتاج عقوداً قبل أن يترجم هذه الثورة إلى نمو واسع ومستدام؟

لم يشهد قطاع تكنولوجي حديث تدفقاً بهذا الحجم من الأموال كما يحدث حالياً مع الذكاء الاصطناعي، متجاوزاً، وفق تقديرات «بي دبليو سي»، حجم الإنفاق الذي رافق طفرتي السكك الحديدية والإنترنت حتى بعد احتساب أثر التضخم.

وفي خضم هذا السباق الاستثماري، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوة لافتة في 29 سبتمبر (أيلول)، عندما أصدر أمراً تنفيذياً يلزم الجهات التنفيذية باستخدام مصطلحي «الذكاء الفائق» و«SI» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» و«AI» في المراسلات والوثائق والاتصالات الرسمية، في خطوة تعكس تركيز إدارته على التطور المتسارع لقدرات هذه التقنية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تضخ فيه شركات التكنولوجيا الأميركية مليارات الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية اللازمة لتوسيع قدرات الذكاء الاصطناعي، وسط رهان على أن تتحول هذه الاستثمارات إلى مكاسب كبيرة في الإنتاجية وإيرادات جديدة.

وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي التراكمي على مراكز البيانات قد يتجاوز 30 تريليون دولار بحلول 2050، في حين تكشف نشرة طرح عام أولي لشركة «أنثروبيك» اطلعت عليها «رويترز» أن الشركة تخطط لإنفاق 518 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، وهو ما يزيد على 100 ضعف إيراداتها في 2025.

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات «ديجيتال رياليتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتعكس هذه الأرقام حجم الرهان على أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد تقنية جديدة، بل محركاً لتحول اقتصادي واسع يعيد تشكيل سوق العمل والإنتاج والبحث العلمي، وربما يفتح أسواقاً لم تكن موجودة من قبل.

لكن هذا الرهان يصطدم حتى الآن بفجوة بين ضخامة الاستثمار والنتائج الاقتصادية القابلة للقياس. وكتبت «جي بي مورغان» في أغسطس (آب) أن مكاسب الإنتاجية واسعة النطاق في الولايات المتحدة، التي تتصدر سباق الذكاء الاصطناعي، «لا تزال بعيدة المنال»، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الشركات على تحقيق العوائد التي تبرر تقييماتها المرتفعة وحجم الإنفاق الجاري.

وترى «باين آند كومباني» للاستشارات الإدارية أن مكاسب الإنتاجية من الأسواق القائمة وحدها لن تكون كافية لتغطية حجم الإنفاق الحالي، وأن سد فجوة التمويل يتطلب ظهور أسواق جديدة بالكامل. وقد تشمل هذه الأسواق استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتطوير مواد جديدة للبطاريات وأشباه الموصلات وغيرها من التطبيقات.

وتقدر «باين آند كومباني» أن شركات البنية التحتية السحابية العملاقة الأميركية، إلى جانب الشركات الأخرى المنخرطة في سباق الذكاء الاصطناعي، تحتاج إلى إيجاد أكثر من 4.2 تريليون دولار من الإيرادات الجديدة خلال السنوات الخمس المقبلة لتمويل التوسع في البنية التحتية.

وتكمن المسألة الاقتصادية الأساسية في توقيت ظهور هذه الإيرادات. فكلما تأخرت التطبيقات التجارية القادرة على توليد تدفقات نقدية، طال الوقت الذي يتعين فيه على الشركات والمستثمرين تمويل البنية التحتية قبل استرداد تكلفتها.

استثمار أميركي بنحو 9 تريليونات دولار

وتبدو الفجوة أكثر وضوحاً في الولايات المتحدة، التي تستحوذ، وفق بعض التقديرات، على نحو ثلاثة أرباع الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي.

ويقدر ستين فان نيورينبورغ، أستاذ الاقتصاد في كلية كولومبيا للأعمال، أن الاستثمارات الأميركية في القطاع قد تصل إلى نحو 9 تريليونات دولار بين 2025 و2032، بما يعادل إنفاقاً سنوياً يبلغ 3.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وبحسب تقديراته، سيحتاج قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي إلى تحقيق نحو 3.55 تريليون دولار من الإيرادات السنوية بحلول 2032 لتحقيق عائد على الاستثمار يبلغ 10 في المائة، مقابل إيرادات لا تزال أقل بكثير من هذا المستوى حالياً.

وتزيد طبيعة تمويل جزء كبير من البنية التحتية عبر الديون من حساسية القطاع تجاه أي تباطؤ في الطلب أو تأخير في تنفيذ المشروعات أو انخفاض في قيمة الأصول. وفي هذه الحالة، يمكن لتراجع محدود في الطلب أن يتضخم أثره على الخسائر بسبب الرافعة المالية.

إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركات «إكس إيه آي» و«سبايس إكس» يقف أمام الجناح الغربي للبيت الأبيض (إ.ب.أ)

«إنفيديا» واختبار الإنتاجية

ويبرز تقييم شركة «إنفيديا» باعتباره أحد الأمثلة على حجم الرهان الذي تضعه الأسواق على المكاسب المستقبلية للذكاء الاصطناعي.

وتقدر «جي بي مورغان» أن نمو الإنتاجية الأميركية يحتاج إلى بلوغ ما بين 3 و5 في المائة سنوياً خلال العقد المقبل لتبرير تقييم «إنفيديا»، مقارنة بخط أساس يبلغ 1.75 في المائة سنوياً وفق توقعات مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي للفترة نفسها.

وهذه الفجوة لا تعني أن الذكاء الاصطناعي لن يحقق مكاسب اقتصادية، لكنها تبرز حجم التحسن في الإنتاجية الذي تفترضه بعض التقييمات الحالية، والسرعة التي يجب أن تتحقق بها هذه المكاسب حتى تتناسب مع حجم الاستثمارات.

شعار «إنفيديا» (رويترز)

ثورة قد تحتاج عقوداً

وتقدم التجارب السابقة في التحولات التكنولوجية سبباً للحذر بشأن سرعة ظهور العوائد الاقتصادية. فاقتصادية جامعة كامبريدج ديان كويل تقول إن أثر التقنيات الثورية السابقة على الإنتاجية استغرق عادة بين 10 و50 عاماً حتى ينتقل إلى الاقتصاد على نطاق واسع.

وهذا يضع سباق الذكاء الاصطناعي أمام مفارقة زمنية: شركات التقنية تبني قدرات حوسبة ومراكز بيانات بوتيرة سريعة، بينما قد يحتاج الاقتصاد الحقيقي سنوات طويلة لاستيعاب هذه التقنيات وإعادة تنظيم عمليات الإنتاج وسلاسل القيمة وسوق العمل حولها.

وتقدر وحدة الاقتصاد في «أنثروبيك» أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع النمو السنوي في 2030 إلى 2.4 في المائة في سيناريو تأثير محدود، و5.4 في المائة في سيناريو تأثير كبير، و15.4 في المائة في سيناريو بالغ التأثير، مقارنة بخط أساس يبلغ 2 في المائة في اقتصاد من دون أثر للذكاء الاصطناعي. ولا تمنح الدراسة احتمالات لهذه السيناريوهات.

وفي المقابل، قد تأتي مكاسب الإنتاجية مصحوبة بتغيرات كبيرة في سوق العمل. وقالت «أنثروبيك» إن النمو الأعلى في سيناريوهاتها يعني فقدان مزيد من الوظائف، بينما توقع رئيسها التنفيذي داريو أمودي العام الماضي أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اختفاء نصف وظائف المبتدئين في الأعمال المكتبية خلال خمس سنوات.

لكن التأثير الفعلي حتى الآن يبدو أكثر محدودية. فقد أشارت دراسات في الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تباطؤ توظيف العاملين في بداية مسيرتهم المهنية في وظائف مكتبية تتعرض بدرجة أكبر لمهام يمكن للذكاء الاصطناعي تنفيذها، رغم بقاء إجمالي التوظيف قوياً.

وأظهرت دراسة لباحثين في جامعة ستانفورد أن توظيف العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عاماً في قطاعات أكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي، مثل المحاسبة والمساعدة القانونية، كان أقل بنسبة 19 في المائة مقارنة بوظائف أقل تعرضاً لقدرات التقنية، مثل عمال النظافة والبناء.

جناح شركة «أوبن إيه آي» في مؤتمر مطوري «أوبن إيه آي» في فورت ماسون، سان فرانسيسكو (أ.ف.ب)

الاستثمار لا يختفي حتى إذا انفجرت الفقاعة

ومع ذلك، فإن تباطؤ العوائد لا يعني بالضرورة أن الإنفاق الحالي سيذهب هباءً. فالتجارب التاريخية تظهر أن البنية التحتية التي تبقى بعد انتهاء موجات المضاربة قد تصبح أساساً لمكاسب اقتصادية لاحقة.

فالسكك الحديدية استمرت في العمل بعد أزمة 1873 التي أفلست شركات وبارونات في القطاع، كما لم تختفِ «الإنترنت» بعد انفجار فقاعة شركات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل الاقتصادية في سباق الذكاء الاصطناعي: قد تكون التكنولوجيا قادرة فعلاً على تغيير الاقتصاد، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل استثمار فيها سيحقق العائد المتوقع، أو أن مكاسب الإنتاجية ستظهر بالسرعة التي تعكسها تقييمات شركات التقنية اليوم.

وهذا يجعل المرحلة المقبلة اختباراً مزدوجاً: قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق أسواق وإيرادات جديدة من جهة، وقدرة الاقتصاد على تحويل الإنفاق الهائل على البنية التحتية إلى إنتاجية ملموسة من جهة أخرى.


محضر «الفيدرالي» يحدد مسار الفائدة بعد تباطؤ الوظائف

رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

محضر «الفيدرالي» يحدد مسار الفائدة بعد تباطؤ الوظائف

رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
رجل يمر أمام مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

تترقب الأسواق محضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشهر سبتمبر (أيلول) هذا الأسبوع، بحثاً عن إشارات إلى توقيت رفع الفائدة المقبل، بعدما بددت بيانات الوظائف الضعيفة رهانات التشديد في أكتوبر (تشرين الأول)، في وقت لا تزال فيه ضغوط التضخم والطاقة تعقّد حسابات السياسة النقدية في الولايات المتحدة وأوروبا.

ويراهن المستثمرون على أن يكشف المحضر الذي سيصدر يوم الأربعاء، حجم الانقسام داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن الحاجة إلى مزيد من التشديد، وما إذا كان الرفع المقبل سيأتي في أكتوبر أو يؤجل إلى ديسمبر (كانون الأول).

وتراجعت رهانات رفع الفائدة في أكتوبر بصورة حادة بعد صدور بيانات الوظائف الأميركية لشهر سبتمبر، التي أظهرت إضافة الاقتصاد 29 ألف وظيفة فقط، مقارنة بنحو 90 ألفاً كانت متوقعة، فيما جرى تعديل بيانات أغسطس (آب) بالخفض. وارتفع معدل البطالة إلى 4.2 في المائة من 4.1 في المائة، بينما تباطأ نمو الأجور، في مؤشرات تقلل الحاجة إلى تحرك سريع ضد اقتصاد لا يبدو في حالة سخونة مفرطة.

وبحسب تسعيرات أسواق العقود الآجلة، بلغت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع 27 و28 أكتوبر، نحو 25 في المائة، بعدما كانت الرهانات على زيادة جديدة قد ارتفعت بقوة خلال الأيام السابقة. وفي المقابل، أصبحت زيادة ديسمبر السيناريو الأكثر تداولاً في الأسواق، مع بقاء المسار مرهوناً ببيانات التضخم المقبلة.

متداولون يعملون بينما تعرض شاشة مؤتمراً صحافياً لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان سعر الفائدة (رويترز)

وكان مسؤولو «الفيدرالي» قد أشاروا بعد اجتماع سبتمبر، إلى احتمال رفع الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام إذا استمرت الحرب في إيران والصدمات الأخرى في دفع التضخم إلى الارتفاع. لكن نائب رئيس «الفيدرالي» فيليب جيفرسون ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك جون وليامز، دعوا خلال الأسبوع إلى انتظار مزيد من البيانات قبل اتخاذ قرار جديد.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في شيكاغو أوستان غولسبي، إن جميع الخيارات لا تزال مطروحة في الاجتماع المقبل، لكنه شدد على أن التضخم هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في مهمة البنك المركزي، مشيراً إلى ضرورة عدم السماح له بالخروج عن السيطرة.

ويأتي تقرير الوظائف في وقت يحاول فيه «الفيدرالي» الموازنة بين خطر التشديد المفرط الذي قد يضر بسوق العمل، وخطر التحرك ببطء في مواجهة تضخم لا يزال أعلى من هدف البنك البالغ 2 في المائة. وبلغ التضخم وفق المقياس المفضل لدى «الفيدرالي» 3.4 في المائة في أغسطس، متجاوزاً الهدف بفارق واضح.

وتتجه الأنظار لذلك إلى بيانات أسعار المستهلكين والمنتجين المقبلة، إلى جانب أسعار الوقود والتطورات الجيوسياسية، باعتبارها عوامل قد تكون أكثر تأثيراً في قرار أكتوبر من بيانات الوظائف وحدها. وقدّر كبير الاقتصاديين الأميركيين في «جيه بي مورغان» مايكل فيرولي، أن قراءة قوية جداً للتضخم ستكون ضرورية لإبقاء اجتماع أكتوبر مفتوحاً أمام رفع الفائدة، فيما يرجح استمرار التوجه نحو زيادة في ديسمبر إذا بقي التضخم الأساسي مرتفعاً.

الرئيس دونالد ترمب يصافح رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في يوم مراسم تنصيبه (أرشيفية - رويترز)

عوائد السندات والدولار تحت المجهر

تأتي رهانات الفائدة في وقت تشهد فيه سوق السندات الأميركية تحركات قوية، بعدما ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 10 و30 عاماً إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، بينما تجاوزت عوائد الرهن العقاري 7 في المائة.

ومن شأن محضر أكثر تشدداً من التصريحات التي أدلى بها مسؤولو «الفيدرالي» أخيراً، أن يعيد دعم الدولار ويدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، مع احتمال تعرض الأسهم لضغوط، في حين قد يؤدي محضر أقل تشدداً إلى تعزيز الرهانات على تأجيل الرفع.

وتترقب الأسواق أيضاً بيانات مؤشر «آي إس إم» لقطاع الخدمات لشهر سبتمبر، مع التركيز على مكوني الأسعار والتوظيف، إضافة إلى بيانات التجارة، وطلبات إعانة البطالة، والقراءة الأولية لمؤشر جامعة ميشيغان لثقة المستهلكين في أكتوبر، لا سيما توقعات التضخم لأجل عام و5 أعوام.

التضخم الأوروبي يزيد الضغط

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، يترقب المستثمرون الخميس، محضر اجتماع البنك المركزي الأوروبي لشهر سبتمبر، بعدما أظهرت بيانات التضخم عودة ضغوط الأسعار إلى الارتفاع.

وقفز التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8 في المائة في سبتمبر، من 3.2 في المائة في أغسطس، متجاوزاً توقعات «رويترز» عند 3.6 في المائة، مدفوعاً بصورة رئيسية بارتفاع أسعار الوقود والغاز الطبيعي، وبدرجة أقل أسعار الغذاء.

كما ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.5 في المائة من 2.4 في المائة، مع استمرار ارتفاع أسعار الخدمات، ما يزيد حساسية البنك المركزي الأوروبي تجاه انتقال صدمة الطاقة إلى بقية مكونات الأسعار.

لوحة إعلانية رقمية تعرض أسعار الوقود في محطة بنزين ببرلين (أ.ف.ب)

وتراقب الأسواق محضر الاجتماع بحثاً عن حجم التأييد داخل مجلس المحافظين لرفع جديد في أكتوبر، في وقت لا تزال فيه رهانات السوق على هذه الخطوة محدودة، بينما قد يتيح استمرار التضخم المرتفع للبنك تأجيل الحسم إلى ديسمبر.

ويأتي ذلك وسط اضطرابات في أسواق السندات الأوروبية، بعدما أدت المخاوف المالية والسياسية في فرنسا إلى اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية، وارتفاع عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2002.

آسيا تترقب الهند واليابان والصين

وفي آسيا، تتركز الأنظار على قرار البنك المركزي الهندي، في ظل تعقيد ارتفاع أسعار الطاقة لمسار التضخم والفائدة، بينما يترقب المستثمرون أي إشارات بشأن موعد الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة اليابانية.

وفي الصين، تعود الأسواق إلى التداول بعد عطلة «الأسبوع الذهبي»، فيما تتابع الأسواق العالمية انعكاسات تطورات الطاقة والتضخم على توقعات النمو والسياسة النقدية.