اشتعال حرب التجارة الأميركية ـ الصينية يجهض «تحسنات يوليو»

بكين كثفت استيراد الصويا والنفط وتصدير العناصر النادرة لواشنطن

شهد شهر يوليو الماضي استيراد الصين شحنات كبيرة من فول الصويا الأميركي في ظل الهدنة المعلنة بين الطرفين (رويترز)
شهد شهر يوليو الماضي استيراد الصين شحنات كبيرة من فول الصويا الأميركي في ظل الهدنة المعلنة بين الطرفين (رويترز)
TT

اشتعال حرب التجارة الأميركية ـ الصينية يجهض «تحسنات يوليو»

شهد شهر يوليو الماضي استيراد الصين شحنات كبيرة من فول الصويا الأميركي في ظل الهدنة المعلنة بين الطرفين (رويترز)
شهد شهر يوليو الماضي استيراد الصين شحنات كبيرة من فول الصويا الأميركي في ظل الهدنة المعلنة بين الطرفين (رويترز)

أظهرت بيانات الجمارك الصينية أمس أن شهر يوليو (تموز) الماضي شهد نموا كبيرا في واردات رئيسية للصين من الولايات المتحدة، في مؤشر على أن حرب التجارة بين الطرفين كانت في طريقها للتحسن قبل التصعيد الأخير المتبادل بين الجانبين.
وأوضحت بيانات الجمارك الصينية أمس أن واردات الصين من فول الصويا الأميركي تضاعفت 3 مرات في يوليو مقارنة بالعام السابق، وذلك مع وصول شحنات البضائع التي طلبتها الشركات الصينية خلال مرحلة الهدنة التجارية، التي أعلنت بالتزامن مع إعادة المباحثات بين الجانبين.
واستوردت الصين، أكبر مشتر لفول الصويا في العالم، في يوليو أكثر من 911 ألف طن من البذور الزيتية من الولايات المتحدة، مقارنة بما يصل إلى 308 آلاف طن في الشهر المماثل من العام السابق، وبارتفاع نسبته 48.3 في المائة مقارنة بشهر يونيو (حزيران) 2019.
وفرضت بكين في يوليو من العام الماضي تعريفة بنسبة 25 في المائة على قائمة منتجات أميركية تضم فول الصويا، ردا على تدابير تجارية مماثلة فرضتها واشنطن على البضائع الصينية، ما أدى إلى شبه توقف لشحنات فول الصويا من أميركا إلى الصين.
لكن الشركات الحكومية الصينية استأنفت بعض عمليات الشراء بعد الهدنة الثنائية في ديسمبر (كانون الأول)، بيد أن التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم ما لبثت أن تصاعدت مجددا في الأسابيع الأخيرة، ما وضع الأسواق في حالة اضطراب.
وكانت وزارة التجارة الصينية قد أعلنت الأسبوع الماضي اعتزامها فرض رسوم إضافية على كمية من السلع الأميركية، قيمتها 75 مليار دولار، وقالت إنها ستفرض المزيد من الرسوم على سلع أخرى.
ومن جانبه، رد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ذلك برسالة قوية عبر موقع «تويتر»، حيث كتب أن هناك «كميات ضخمة من الأموال صنعتها وسرقتها الصين من الولايات المتحدة، سنة بعد سنة، على مدى عقود ويجب أن يتوقف هذا».
أيضا أظهرت بيانات جمركية يوم الأحد أن صادرات الصين من العناصر الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة انتعشت في يوليو مقارنة بالشهر السابق، حيث تراجعت المخاوف من أن بكين قد تحد من إمداداتها في إطار الحرب التجارية بين البلدين.
وبلغ إجمالي الشحنات إلى أميركا 447 طناً في الشهر الماضي، وفقاً لبيانات الإدارة العامة للجمارك، وهو أعلى إجمالي شهري في سجلات قاعدة البيانات الجمركية التي تعود إلى يناير (كانون الثاني) 2017 وارتفع الحجم بنسبة 8 في المائة عن شهر يونيو، عندما انخفضت الشحنات من أعلى مستوى في مايو (أيار) عند 431 طناً، ونحو 26 في المائة على أساس سنوي.
والصين هي المنتج المهيمن في العالم للعناصر الأرضية النادرة، والتي تستخدم على نطاق واسع في الأجهزة الطبية، والإلكترونيات، والصناعات الدفاعية. وقد لوحت سابقا باحتمال تقييد إمدادات العناصر النادرة إلى الولايات المتحدة، على الرغم من عدم الإعلان عن أي تدابير رسمية.
ومن بين التعريفات الانتقامية على 75 مليار دولار من البضائع الأميركية التي أعلنت في وقت متأخر من يوم الجمعة، فرضت وزارة المالية الصينية رسماً بنسبة 5 في المائة على واردات العناصر الأرضية النادرة الدائمة من الولايات المتحدة اعتباراً من 15 ديسمبر المقبل، على الرغم من أن هذه الواردات بلغت 4 أطنان فقط من الولايات المتحدة خلال النصف الأول من عام 2019، كما تم فرض تعريفة على واردات 11 مادة نادرة أخرى متعلقة بالأرض.
ومن المنتجات الأرضية النادرة الأخرى للولايات المتحدة اللانثانوم، والذي يستخدم في صناعة تكرير النفط. وأظهرت بيانات الجمارك أن صادرات الصين من أكسيد اللانثانوم إلى الولايات المتحدة بلغت 966 طناً في يوليو، وكان هذا هو أعلى إجمالي شهري منذ ديسمبر 2018، أي أكثر من ضعف المحقق في يونيو عند 433 طنا، وبزيادة 119.5 في المائة على أساس سنوي. وبلغت صادرات كربونات اللانثانوم 119 طناً، أقل بقليل من 120 طناً في يونيو، وبزيادة بنسبة 71.9 في المائة على أساس سنوي.
وارتفع إجمالي صادرات العناصر الأرضية النادرة في الصين، والتي يمكن أن تتقلب بعنف، بنسبة 32.2 في المائة في يوليو من الشهر السابق لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ديسمبر.
ومن جهة أخرى، تضاعفت واردات الصين من النفط الخام من الولايات المتحدة إلى 1.53 مليون طن خلال شهر يوليو الماضي، بالمقارنة مع 769 ألف طن في يونيو السابق عليه، وذلك بحسب ما ذكرته البيانات الجمركية الصادرة الأحد.
وأفادت وكالة «بلومبرغ» بأن الرقم يأتي بالمقارنة مع الرقم الذي تم تسجيله في يوليو من عام 2018، والبالغ حجمه 1.06 مليون طن. غير أن الشحنات في أول سبعة أشهر من العام انخفضت 63.4 في المائة مقارنة بها قبل عام، إلى 3.65 مليون طن أو 125 ألفا و745 برميلا يوميا، مع استمرار تأثير الخلاف التجاري بين البلدين على تجارة النفط بينهما. وكانت أسعار التعاقدات الآجلة للنفط في التعاملات الأميركية قد تراجعت يوم الجمعة مع تصاعد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، مما أجج المخاوف من تراجع الطلب العالمي على الطاقة.
وفي سياق ذي صلة، أظهرت بيانات الجمارك الصينية أن واردات الصين من النفط الفنزويلي هبطت 62 في المائة في يوليو مقارنة بالشهر السابق، مع تنامي التوترات بين واشنطن وحكومة مادورو مما أثار قلق مشتري الخام من الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية.
وأفادت بيانات الإدارة العامة للجمارك بأن كميات الخام التي استوردتها الصين من فنزويلا بلغت 703 آلاف و742 طنا في الشهر الماضي، أو 165 ألفا و720 برميلا يوميا، انخفاضا من 275 ألفا و646 برميلا يوميا في يونيو.
وتراجعت صادرات فنزويلا من النفط 17.5 في المائة في يوليو لتسجل ثاني أقل مستوى لها منذ أن فرضت واشنطن عقوبات في يناير، بحسب بيانات داخلية من شركة بي دي في إس إيه الفنزويلية التي تديرها الدولة ورفينيتيف أيكون. وأوقفت مؤسسة البترول الوطنية الصينية، أحد المشترين الرئيسيين للنفط الفنزويلي، عمليات التحميل في أغسطس (آب) الجاري وسط مخاوف من تعرضها لعقوبات. وأظهرت بيانات رفينيتيف لأبحاث النفط أن ثلاث شحنات تحمل 540 ألف طن من الخام غادرت فنزويلا للصين منذ بداية الشهر، أي نصف الرقم المسجل في يوليو.
وفي أول سبعة أشهر من العام تراجعت واردات الصين من الخام الفنزويلي 13.4 في المائة مقارنة بها قبل عام، إلى 9.37 مليون طن أو 322 ألفا و601 برميل. وارتفعت الواردات من إيران في يوليو إلى 926 ألفا و119 طنا، أو 218 ألفا و86 برميلا.
وظلت السعودية في مقدمة الدول التي تصدر النفط للصين في الشهر الماضي، إذ باعت لها 6.99 مليون طن أو 1.65 مليون برميل يوميا بحسب بيانات الجمارك، مقارنة مع 1.88 مليون برميل يوميا في يونيو. وبلغ حجم الواردات من روسيا 5.67 مليون طن أو 1.34 مليون برميل يوميا، بزيادة 6.5 في المائة على أساس سنوي، ولكن بانخفاض 23 في المائة مقارنة مع يونيو.


مقالات ذات صلة

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

خاص من مراسم استقبال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في الحديقة الجنوبية بالبيت الأبيض نوفمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

العلاقات السعودية - الأميركية... عام تعزيز المصالح السياسية والتعاون الدفاعي

كرّست الشراكة السعودية الأميركية في 2025 موقع الرياض كوسيط دولي موثوق انعكس أيضاً في حزمة اتفاقيات شملت الدفاع الاستراتيجي والذكاء الاصطناعي والطاقة وغيرها.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق «فيلا الحجر» أول مؤسّسة ثقافية سعودية - فرنسية مشتركة (حساب الأمير بدر على «إكس»)

«فيلا الحِجر» بالعلا... استثمار في الإبداع

وصف وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو «فيلا الحِجر» الإبداعية في العلا بأنها «مثل زهرة تتشكَّل من رمال الصحراء للمبدعين».

عبد الهادي حبتور (العلا)
يوميات الشرق ستندرج «فيلا الحجر» ضمن البيئة الثقافية للمملكة والمنطقة (الهيئة الملكية للعلا)

«فيلا الحجر»... جسر ثقافي بين السعودية وفرنسا يُزهر من رمال العلا

المشروع يُجسّد متانة العلاقات الفرنسية - السعودية، خصوصاً في مجالات السلام وتعزيز الحوار والثقافة على مستوى العالم.

عبد الهادي حبتور (العلا)
العالم العربي باتريك ميزوناف السفير الفرنسي لدى السعودية (الشرق الأوسط) p-circle

سفير فرنسا لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»: العمل المشترك وراء إنجاح مؤتمر نيويورك

شدد مسؤول فرنسي على ضرورة العمل لإنهاء المذبحة وإنقاذ الرهائن وحماية المدنيين في غزة، محذراً من أن أي ضمّ للضفة الغربية يشكل خطاً أحمر.

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
يوميات الشرق جانب من مراسم توقيع البرنامج التنفيذي في باريس الجمعة (واس)

تعاون سعودي - فرنسي في مجال الموسيقى

وقَّعت هيئة الموسيقى السعودية مع «فيلهارموني باريس»، برنامجاً تنفيذياً لترسيخ التعاون في عدة مجالات، بحضور الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي

«الشرق الأوسط» (باريس)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.