ماربيا درّة تاج السياحة الأندلسيّة

أسسها العرب في القرن الحادي عشر وموجات السيّاح العرب وضعتها على خريطة السياحة الراقية

منظر بانورامي لماربيا
منظر بانورامي لماربيا
TT

ماربيا درّة تاج السياحة الأندلسيّة

منظر بانورامي لماربيا
منظر بانورامي لماربيا

من خصائص اللغة الإسبانيّة أنها تذكّر البحر عموماً، لكنها تؤنّثه على لسان الصيّادين عندما يكون بطنه عامراً بالغلال، وفي أحاديث العشق وكلام الشعر التي يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها. ومن هنا يقال إن ماربيا اشتقّت اسمها منذ أن كانت مرفأ صغيراً للصيّادين وبلدة وادعة على الطرف الشرقي للساحل الأندلسي الجميل عند سفح جبال السلسلة البيضاء التي تضفي على مناخها اعتدالاً ورقّة طوال العام.
ماربيا اليوم هي درّة تاج السياحة الأندلسيّة منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، والنسخة الإسبانية من مونتي كارلو أو سات تروبي لسياحة «الغلامور» والثراء الذي اشتهرت به الريفييرا الفرنسية. ويقال، عن حق، إن الدافع الرئيسي وراء انطلاقتها وشهرتها كان توافد السيّاح الخليجيين إليها، وفي طليعتهم أبناء السعودية وبعض أفراد عائلتها المالكة، بعد نشوب الحرب الأهلية في لبنان الذي كان وجهتهم السياحيّة المفضّلة حتى ذلك الوقت.
أسسها العرب في القرن الحادي عشر عندما كانت الحواضر الأندلسية مراكز الإشعاع الحضاري الرئيسية في أوروبا، وما زالت آثار السور العربي وبقايا من أبراجه العشرة تشهد على ذلك في وسط البلدة القديم إلى اليوم. لكنها لم تظهر على الخريطة السياحية الإسبانية والعالمية، إلا في مطلع الثمانينات بعد أن قرر أحد المقاولين المعروفين في إسبانيا، الأندلسي «خوسيه بانوس»، إنشاء مرفأ ترفيهي فخم على مقربة منها، وتبعته عدة شركات عالمية للفنادق افتتحت عدداً من المنتجعات الراقية على امتداد شاطئها.
شكّل افتتاح «بورتو بانوس» مرحلة مفصليّة في تاريخ ماربيا السياحي من حيث تجهيزاته الحديثة وأحواضه الواسعة والعميقة التي تتيح استقبال اليخوت الكبرى وتقدّم لها كل خدمات الصيانة. وقد جرى الافتتاح بحضور الأمير خوان كارلوس، الذي كان على وشك الجلوس ملكاً على عرش إسبانيا، وزوجته الأميرة صوفيا، وفي حضور أمير موناكو رونيه وزوجته الممثلة الأميركية غريس كيلي، وعدد كبير من الشخصيات الأرستقراطية والفنية. أقيم الحفل على أنغام صوت مطرب صاعد يدعى خوليو إيغليزياس.
منذ ذلك التاريخ أصبحت بلدة الصيّادين الهادئة محطة لازمة على جدول السياحة الترفيهية الراقية ووجهة يتهافت عليها مشاهير السينما والفن والرياضة، ويقتني فيها الأثرياء بيوتاً للإقامة لفترات من السنة. كما كثُرت فيها المطاعم ومتاجر دور الأزياء العالمية الراقية، وصالات عرض الأعمال الفنّية ومخازن المجوهرات المعروفة.
أكثر من خمسة ملايين سائح يزورون مرفأ بانوس وحده كل عام، يتمتّعون بمشاهدة أفخم اليخوت في العالم ويلتقطون الصور التذكارية جنبها مطلقين أشرعة أحلام لا تكلّف شيئا... وقد تتحقق يوما ما. أما الطريق العريض الذي يؤدي إلى مرفأ الأحلام، فقد أُطلق عليه اسم «بوليفار الشهرة»، على غرار الشارع المعروف في هوليوود، وفيه لوحات مخصصة لمن تميّز بتقديمه خدمات سياحية واجتماعية للبلدة. تقوم على مدخله منحوتة ضخمة على شكل وحيد القرن للفنان العالمي سالفادور دالي.
ومنذ العام 2013 أصبحت ماربيا «مدينة ذكيّة» راهنت بقوة على التكنولوجيا المتطورة لتقديم خدمات سريعة ونظيفة لسكّانها وزوّارها، وتوفير أحدث المبتكرات في مجالات الطاقة المتجددة وسلامة المرور والأمن وشحن السيارات الكهربائية.
لكن ماربيا ليست مجرد واجهة فخمة ينبهر السيّاح ببريق النجوم والمشاهير التي يرتادونها، ويشبعون فضولهم بمراقبتهم ومتابعة أنشطتهم وتحركاتهم. وهي ليست معرضاً للثراء ومظاهره المتعددة فحسب، إنها 26 كيلومتراً من أجمل الشواطئ الأندلسية الذهبية، تسطع الشمس في سمائها أكثر من 320 يوماً في العام وتنعم بحرارة معدّلها 19 درجة بفضل موقعها الجغرافي المميّز الذي يضفي الاعتدال والجفاف على صيفها ويخفّف من قسوة مناخها في الشتاء.
وسطها التاريخي حول ساحة النارنج الوارفة يعود إلى بهاء الحقبة الأندلسية، ويطيب فيه التنزّه والجلوس في المقاهي والمطاعم التقليدية التي تقدّم أطايب المطبخ الذي تشكّل النكهات العربية أحد عناصره الأساسية. وفي ماربيا مجموعة من الحدائق العامة التي نادراً ما يتوقّف السيّاح عندها ويضيّعون فرصة التمتع بالتجوال فيها، وأجملها حديقة La Alameda التي تعود إلى القرن الثامن عشر وتشتهر بكثرة أشجارها المعمّرة وعشرات الأجناس النباتية التي تنفرد بها في أوروبا بلاد الأندلس.
لكن لعلّ المكان الذي يختصر أفضل من غيره روح هذه البلدة التي حافظت على أصالتها رغم الشهرة العالمية التي أصابتها وملايين السيّاح الذين يزورونها كل عام، هو المرفأ القديم الذي ما زالت ترسو في خليجه الصغير وتنطلق منه كل ليلة قوارب الصيّادين من أبنائها. يعودون مع طلوع الفجر محمّلين بثمار البحر وغلاله التي يتنافس عليها أصحاب المطاعم الفخمة المنتشرة بكثافة حول «بويرتو بانوس». وليس ألذّ من وجبة سمك طازج في أحد المقاهي الصغيرة حول الميناء القديم أمام القوارب المتهادية على صفحة المياه التي تفوح منها رائحة البحر.
تبعد ماربيّا 60 كيلومتراً عن مطار مالاغا الدولي، وتحيط بها مجموعة من القرى الجميلة التي تستحق الزيارة، أبرزها «روندا» التي أسسها العرب في القرن العاشر وما زالت فيها آثار كثيرة تشهد على دورها البارز أيام الحكم العربي في الأندلس. وفي روندا تدور بعض أحداث رواية همنغواي الشهيرة «لمن تُقرع الأجراس»، وفيها عاش لفترة الشاعر الألماني الكبير ريلكه وكتب مجموعة من أشعاره. ولا تبعد ماربيا أكثر من 70 كيلومتراً عن جبل طارق، الصخرة التي نزل عند أقدامها طارق بن زياد ليقود جيشه في أحد الفتوحات الأندلسية، والتي هي اليوم آخر مستعمرة في أوروبا تابعة للتاج البريطاني.
موجات السيّاح العرب، وخصوصا الخليجيين، هي التي وضعت ماربيا على خريطة السياحة الراقية قبل أن يتوافد عليها السيّاح من كل أنحاء أوروبا والعالم. وبعد أن حطّمت إسبانيا كل الأرقام القياسية السياحية في السنوات الأخيرة، حيث بلغ عدد السيّاح الوافدين إليها ضعف عدد السكّان وأصبح قطاع السياحة يشكّل 11 في المائة من إجمالي الناتج القومي، تسعى اليوم إلى المراهنة على النوعيّة بدلاً من الكميّة، وقد وضعت برنامجاً خاصاً يهدف إلى استقطاب السيّاح المسلمين الذين بلغ عددهم في العالم 136 مليوناً في العام الماضي، أنفقوا 65 مليار دولار في أوروبا وحدها، وينتظر أن يرتفع هذا العدد بنحو 156 مليوناً في العام المقبل. وتفيد منظمة السياحة العالمية، ومقرّها في مدريد، أن إسبانيا هي الوجهة الأوروبية الثانية، بعد روسيا وقبل فرنسا، للسيّاح المسلمين الذين بلغ عدد الذين زاروا إسبانيا منهم 1.7 مليون العام الفائت.
وتعتمد إسبانيا، في هذا البرنامج الذي يستهدف السيّاح المسلمين من ماليزيا وإندونيسيا إضافة إلى بعض الدول العربية، على الآثار والمعالم الإسلامية الشهيرة في الأندلس، وأبرزها مسجد قرطبة وقصر الحمراء في غرناطة الذي يحتلّ منذ عقود المرتبة الأولى بين المعالم السياحية الإسبانية من حيث عدد الزوّار.
ومن الطبيعي أن تكون ماربيا «رأس حربة» هذا البرنامج، لموقعها على أجمل سواحل المنطقة التي حكمها العرب المسلمون نيّفاً وسبعة قرون، ولما تزخر به من خدمات سياحية ومنتجعات فاخرة ذاع صيتها في العالم ويتردد عليها المشاهير من كل الأنحاء.



السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
TT

السياحة الصحية... رحلة العافية والاسترخاء على ساحل البحر الأحمر

لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)
لقطة لمنطقة المسبح العائلية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

لم تعد السياحة الصحية تقتصر على الاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة اليومية، بل باتت تشمل تجارب تجمع بين اللياقة البدنية، والتغذية، والعلاج الطبيعي، وتحسين النوم؛ في محاولة لمساعدة الأفراد على فهم احتياجاتهم الصحية وتطوير عادات أطول استدامة.

يتوسط مدخل منتجع جاياسوم أمالا عمل فني سعودي لبندول محاط بأعمال من السدو (الشرق الأوسط)

وعلى ساحل البحر الأحمر شمال غربي السعودية، تقدم «وجهة أمالا»، ضمن مشروعات «شركة البحر الأحمر الدولية»، نموذجاً لهذا التوجه، من خلال برامج تجمع بين الحركة، والعلاجات، والاستشارات الصحية. وفي منتجع «جاياسوم أمالا»، تتوزع التجربة بين أنشطة بدنية، وممارسات للاسترخاء، وخيارات غذائية، مع برامج تُصمَّم وفق أهداف الضيوف واحتياجاتهم.

لكن تنوع الخدمات لا يمثل، في نظر كارين كامبل، الرئيسة التنفيذية لعلامة «جاياسوم»، جوهر تجربة العافية «بقدر ما يمثل فهم الفرد ما يحتاج إليه فعلاً، وسط نمط حياة تزداد فيه المطالب وتتقلص فيه المساحة المتاحة للتأمل والراحة».

مطعم «لومي رو» المستوحى من المطبخ اللبناني السعودي في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

العافية تبدأ بالإصغاء إلى الذات

تقول كامبل، في حديثها إلى صحيفة «الشرق الأوسط»، إن وفرة المعلومات والأدوات المتعلقة بالصحة لم تجعل تحديد الاحتياجات الشخصية أمراً سهلاً بالضرورة؛ «إذ قد يصعب على الإنسان، وسط المطالب اليومية المتنافسة على انتباهه، معرفة ما يساعده على الشعور بالعافية وما يحتاج إلى تغييره في نمط حياته».

وتوضح أن الفكرة حاضرة في تصميم البرامج، التي تجمع بين التغذية، والحركة والراحة، وممارسات اليقظة الذهنية، مع مراعاة اختلاف أهداف الضيوف. والغاية، وفق تصورها، هي «توفير مساحة تسمح لهم بإبطاء إيقاعهم وإعادة التواصل مع أنفسهم، ثم نقل ما يناسبهم من عادات إلى حياتهم اليومية».

وترى كامبل أن العافية ليست نتيجة تجربة مؤقتة، «بل ممارسة تتشكل من الخيارات التي يلتزمها الإنسان باستمرار. ومن هنا، فلا تقاس قيمة الرحلة بعدد العلاجات التي يستكشفها الزائر، بل بقدرته على التعرف إلى احتياجاته واتخاذ خيارات أعمق وعياً بعد العودة إلى المنزل».

الحركة والعلاج البدني ضمن تجربة متكاملة

تبدأ البرامج بجلسة مع مستشار للعافية، تُحدَّد خلالها الأهداف والتطلعات، قبل وضع مسار شخصي يجمع بين الاستشارات والأنشطة البدنية والعلاجات المناسبة.

وتشمل التجربة جلسات للياقة والبيلاتس والعلاج الطبيعي، إلى جانب أنشطة مائية وممارسات للاسترخاء. ويعكس هذا التنوع اتجاهاً نحو الجمع بين الحركة والراحة ضمن برنامج واحد، بدلاً من التعامل معهما على أنهما مساران منفصلان.

وتختلف طبيعة هذه البرامج باختلاف احتياجات المشاركين، سواء أتعلق الأمر بتحسين الحركة، أم تعزيز اللياقة، أم الحد من الإجهاد. ومع ذلك، فإنه يظل من المهم التمييز بين الأنشطة التي تستهدف الاسترخاء وتحسين الشعور العام بالعافية، والتدخلات العلاجية التي تستلزم تقييماً مختصاً، خصوصاً عند التعامل مع إصابات أو حالات صحية محددة.

أحد غرف العلاجية في منتجع جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

الموروث العلاجي في مواجهة أسئلة الطب الحديث

يمثل الطب العربي والإسلامي التقليدي أحد المداخل التي تستكشفها التجربة، إلى جانب ممارسات علاجية مستمدة من ثقافات أخرى. وتقول كامبل إن «هذا الموروث يحمل معارف غنية تتصل بالتوازن، والتغذية، والوقاية، وعلاقة الإنسان بمحيطه. واستكشافُ سبل الاستفادة منه يتيح فتح حوار بين الممارسات التقليدية والطب الحديث».

ويطرح هذا التوجه سؤالاً يتجاوز استعادة المعارف القديمة إلى كيفية تقييمها في سياق صحي معاصر. فالجمع بين الموروث والطب الحديث يتيح مساحة للاستكشاف، لكنه يتطلب أيضاً التمييز بين القيمة الثقافية للممارسات التقليدية، وفاعليتها العلاجية التي ينبغي أن تستند إلى الأدلة العلمية المتاحة.

قبة أيموري الصوتية واحدة من ضمن علاجات جاياسوم أمالا (الشرق الأوسط)

«الثقافة والمكان» جزء من العافية

لا تحصر كامبل مفهوم العافية في التجربة الفردية، بل تربطه أيضاً بالبيئة والعلاقات الاجتماعية. وتشير إلى أن «الضيافة والروابط الأسرية في المجتمع السعودي تتيحان النظر إلى العافية بوصفها تجربة يمكن مشاركتها، من خلال الأنشطة المشتركة وتخصيص وقت للتواصل مع الأشخاص الأقرب».

ويَظهر هذا الارتباط بالمكان أيضاً في حضور أعمال لفنانين سعوديين وتفاصيل تصميمية مستوحاة من الحرف المحلية، ومنها السدو في منطقة تبوك. وترى كامبل أن «الفن واستكشاف الثقافة يمكن أن يوفرا للضيف مساحة للتأمل، وأن يجعلا التجربة أوثق اتصالاً بالبيئة التي تحتضنها».

وتؤكد أن «العمل في السعودية يتطلب التعلم المستمر والتكيف مع الثقافة المحلية»، في مقاربة ترى أن «تجربة العافية لا يمكن فصلها تماماً عن المجتمع والمكان، حتى عندما تتشابه بعض الخدمات المقدمة مع تجارب في وجهات أخرى».

يقدم منتجع «جاياسوم أمالا» على ساحل البحر الأحمر أكثر من 200 علاج وتجربة صحية

التغذية والعادات التي تستمر بعد الرحلة

تحتل التغذية والنوم والراحة موقعاً مكملاً للأنشطة البدنية؛ إذ تتضمن الإقامةُ وجباتٍ صحيةً وخياراتٍ مستوحاةً من مطابخ متعددة، مع التركيز على المكونات الطازجة والموسمية. وتندرج هذه العناصر ضمن تصور أوسع يربط العافية بمجموعة من العادات اليومية؛ لا بخدمة منفردة.

كما يتيح البرنامج إمكانية استمرار الإرشاد بعد انتهاء الإقامة، بما يساعد الضيوف على نقل بعض الممارسات إلى حياتهم المعتادة. ويظل هذا الجانب مهماً في تجربة تقوم على تخصيص البرامج وفق احتياجات الأفراد، وعلى فكرة أن التغيير المستدام يتطلب الاستمرارية أكثر مما يتطلب الابتعاد المؤقت عن الروتين.

جانب من داخل أحد فلل منتجع جاياسوم أمالا بإطلالة ساحلية (الشرق الأوسط)

على ساحل البحر الأحمر، تلتقي السياحة الصحية باللياقة والعلاج البدني والتغذية، في تجربة تتجاوز مفهوم الاستجمام التقليدي. غير أن جوهرها، وفق رؤية كامبل، «لا يكمن في كثرة الخيارات المتاحة، بل في إيجاد مساحة تساعد الإنسان على فهم ما يحتاج إليه، والتمييز بين ما يناسبه وما لا يناسبه، وبناء علاقة أعمق وعياً بصحته في حياته اليومية».


دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)
TT

دروب لبنان... رحلات على إيقاع الطبيعة والتاريخ

مسار المسيلحة (فيسبوك)
مسار المسيلحة (فيسبوك)

ليس ضرورياً أن تكون الوجهة السياحية مدينةً مزدحمة أو شاطئاً بحرياً حتى تستحقّ الرحلة. ففي لبنان، يمكن للمشي أن يتحوّل إلى تجربة استكشافية متكاملة، تنقل زائرها بين الغابات والوديان والأنهار والقرى القديمة، وتتيح له الاقتراب من الطبيعة والتعرّف إلى حكايات الأمكنة التي يعبرها. وتشكّل دروب المشي المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية خياراً لمحبي المغامرة والباحثين عن الهدوء في آن؛ إذ تتفاوت مستوياتها بين مسارات سهلة تناسب النزهات العائلية وأخرى تتطلّب لياقة بدنية وخبرة في السير الجبلي.

ومن شمال لبنان إلى جنوبه، تبرز ثلاثة مواقع تستحقّ أن تكون على خريطة هواة المشي: درب المسيلحة في قضاء البترون، ووادي قاديشا في الشمال، وغابة الصنوبر في بلدة بكاسين الجنوبية. لكلّ منها طبيعته الخاصة، ولكلّ درب حكاية مختلفة، تجمع بين المشهد الطبيعي والإرث التاريخي والذاكرة المحلية.

درب المسيلحة... بين النهر والحصون القديمة

في محيط البترون، لا تقتصر متعة المشي على اجتياز المسافات، بل تمتدّ إلى اكتشاف علاقة الطبيعة بتاريخ المنطقة. ويقدّم درب المسيلحة، المرتبط بمجرى نهر الجوز، تجربة تجمع بين المساحات الخضراء والمياه والجسور الحجرية القديمة وطواحين المياه التي تروي جانباً من الحياة الريفية في الماضي.

ويشكّل النهر، الذي يشقّ طريقه وسط الوادي وتنتشر أشجار الجوز على ضفافه، عنصراً أساسياً من جاذبية المسار. فخلال الرحلة، تتبدّل المشاهد بين الممرّات الطبيعية والغطاء النباتي والمعالم الحجرية، في تجربة تتيح للمشاة الابتعاد عن ضجيج الطرق الرئيسية والتعرّف إلى وجه آخر من البترون، بعيداً عن صورتها البحرية المعتادة.

تكتسب المنطقة أهمية تاريخية، بفضل قلعة المسيلحة، القائمة على نتوء صخري طويل قرب النهر. وقد شُيّدت في عهد الأمير فخر الدين الثاني خلال القرن السابع عشر، لحماية الطريق الذي كان يصل بيروت بطرابلس، ويمنح موقعها المرتفع، الزائر فرصة تأمّل المشهد المحيط بها، حيث تلتقي التضاريس الصخرية بالخضرة ومجرى المياه.

لا ينحصر درب المسيلحة في مسار واحد؛ إذ تتوافر مسارات تربط المنطقة بمحيط نهر الجوز وقرى مجاورة، من بينها كفرحي وكفتون. وتشير بعض الرحلات المنظّمة إلى مسافة تقارب 12 إلى 13 كيلومتراً. وتناسب هذه الوجهة محبي المشي الذين يفضّلون الجمع بين الطبيعة والمعالم التاريخية، على أن يُختار المسار وفق مستوى اللياقة البدنية والظروف الميدانية.

مسار وادي قاديشا (فيسبوك)

وادي قاديشا... دروب تحمل ذاكرة الوادي المقدّس

في وادي قاديشا، يصبح المشي أشبه برحلة في طبقات التاريخ. فهنا، بين الجروف الصخرية والمنحدرات العميقة والأشجار التي تتوزّع على السفوح، تتجاور الطبيعة مع أديرة قديمة ومغاور لجأ إليها النساك والمتعبّدون عبر قرون طويلة. ولهذا، لا يُختصر استكشاف الوادي بجماله الطبيعي، بل يشمل أيضاً التعرّف إلى إرث روحي وثقافي جعل منه أحد أبرز المواقع التاريخية في لبنان.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) وادي قاديشا، المعروف بالوادي المقدّس، على قائمة التراث العالمي عام 1998، تقديراً لأهميته في تاريخ الحياة الرهبانية المسيحية. وتنتشر في محيطه أديرة ذات قيمة تاريخية، من بينها دير مار أنطونيوس قزحيا، ودير سيدة حوقا، ودير قنوبين، ودير مار ليشع.

وتتيح دروب الوادي الاقتراب من هذه المعالم سيراً على الأقدام، وسط مشاهد تتغيّر مع اختلاف الارتفاعات ونقاط الانطلاق. ففي بعض المقاطع، يرافق المشاة مجرى النهر، فيما تقوده مسارات أخرى إلى الأديرة والمغاور والمواضع التي اختارها النساك للعزلة والتأمّل. وبين هذه المحطات، تبرز المدرّجات الزراعية القديمة التي تشهد على حياة المجتمعات التي سكنت الوادي واستفادت من أرضه ومياهه.

ولا تقتصر التجربة على المشهد البصري؛ إذ يفرض المكان إيقاعاً مختلفاً على زائره. فالصعود والهبوط على الممرّات الجبلية، والتوقّف عند الأديرة، ومراقبة تفاصيل الطبيعة، تجعل الرحلة أقرب إلى استكشاف هادئ لموقع يحمل ذاكرة دينية واجتماعية عريقة.

بكاسين من أجمل المناطق اللبنانية (فيسبوك)

بكاسين... نزهة في ظلال غابة الصنوبر بجنوب لبنان

تقدّم بلدة بكاسين صاحبة لقب «أفضل القرى السياحية في العالم»، تجربة مختلفة لهواة المشي. وتأتي غابة الصنوبر الممتدّة على مساحة واسعة تحيط بالبلدة عنواناً لها، وتشكّل جزءاً أساسياً من هويتها الطبيعية. ويكفي السير تحت أشجارها العالية لاكتشاف سبب تحوّلها إلى وجهة يقصدها محبو الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن وازدحامها.

وتُعدّ غابة بكاسين من أبرز غابات الصنوبر المثمرة في لبنان والشرق الأوسط، وتمتدّ، وفق بيانات سياحية محلية، على نحو 200 هكتار. ولا تقتصر أهميتها على المشهد الطبيعي؛ إذ ترتبط أيضاً بإنتاج الصنوبر وبالحياة الاقتصادية والاجتماعية لأبناء البلدة، ما يجعل الحفاظ عليها جزءاً من حماية إرث محلي.

وتتنوّع خيارات المشي في المنطقة، من جولات قصيرة بين الأشجار إلى مسارات أطول تصل الغابة بمحيط جزين وقلعة نيحا وبعض الأودية والقرى المجاورة. ويتيح أحد المسارات اكتشاف الغابة انطلاقاً من ساحة البلدة باتجاه عين الزعرور والرمانة، مع إطلالات تمتدّ نحو صيدا والبحر الأبيض المتوسط. أما المسار الذي يربط بكاسين بقلعة نيحا، فيمرّ بمشاهد طبيعية أكثر تنوّعاً، تشمل وادي جزين ووادي بسري، إلى جانب جسر عثماني قديم وطاحونة مياه محفوظة.

وتختلف مسافة الرحلة ودرجة صعوبتها بحسب الطريق المختار؛ فهناك جولات قصيرة نسبياً تناسب من يبحثون عن نزهة في أحضان الطبيعة، فيما تتطلّب المسارات الطويلة قدرة أكبر على المشي وصعود المرتفعات واجتياز بعض الدروب الوعرة.

ولا تكتمل زيارة بكاسين من دون التوقّف في البلدة نفسها، حيث البيوت التقليدية ذات القرميد الأحمر والأزقّة الهادئة، إلى جانب كنيسة القديسة تقلا التي تشكّل معلماً بارزاً فيها.

وهكذا، يمكن تحويل النزهة إلى يوم سياحي يجمع بين المشي والتعرّف إلى الحياة الريفية، وتذوّق المنتجات المحلية، بما فيها المنتجات المرتبطة بموسم الصنوبر.


من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
TT

من الأقصر إلى السعودية... خريطة جديدة للسياحة الطبية

تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)
تعتمد السياحة الخليجية على التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي (واس)

لم تكن فكرة السفر من أجل الصحة جديدة عندما ظهرت عبارة «السياحة الطبية» بصورتها الحديثة. فمنذ القرن التاسع عشر، كان الأوروبيون يسافرون إلى مدن وبلدان بحثاً عن مناخ أكثر ملاءمة للراحة والعلاج، وكانت الأقصر المصرية واحدة من الوجهات التي جذبت الزوار بفضل مناخها الجاف والدافئ.

معالم الأقصر من عناصر الجذب للسياحة الثقافية (الهيئة العامة للاستعلامات)

اليوم تغيرت الصورة

ولا يزال فاحشو الثراء ينفقون آلاف الدولارات على تجارب لإنقاص الوزن قد تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى الحرمان منها إلى الرفاهية. ففي عيادة «ماير» الأصلية في النمسا، لا تزال أنظمة غذائية شديدة الانخفاض في السعرات، تصل في بعض البرامج إلى نحو 800 سعرة حرارية يومياً، تحظى بإقبال بين المشاهير والباحثين عن طرق سريعة لتغيير أوزانهم. هنا لا يدفع الزائر مقابل الطعام فحسب، بل مقابل تجربة كاملة تجعل حتى الوجبة الصغيرة جزءاً من أسلوب حياة فاخر.

ويكشف حجم هذه السوق تصنيف أفضل 50 وجهة للسياحة الطبية لعام 2026، الذي أعدته «Travel And Tour World» ونشرته «Time Out».

جاءت تركيا في المركز الأول، تلتها تايلاند والهند والمكسيك وكوريا الجنوبية، بينما حلت الإمارات في المركز التاسع. وجاءت مصر في المركز 36 والسعودية في المركز 39 ضمن القائمة الكاملة.

علب من «أوزيمبيك» و«مونجارو» (رويترز)

لكن الأرقام ليست القصة كلها

فالسياحة الطبية لم تعد تعني السفر لإجراء عملية جراحية والعودة إلى المنزل. المريض اليوم يقارن بين الخبرة الطبية والتكنولوجيا والكلفة ومدة الانتظار، كما ينظر إلى الفندق والمدينة والخدمات التي سترافقه خلال فترة العلاج والتعافي.

مواقع أثرية بالأقصر تشهد إقبالاً (وزارة السياحة والآثار)

السعودية... سوق تتوسع

في السعودية، يتجه الاهتمام بالسياحة الطبية إلى بناء منظومة متكاملة للمرضى الدوليين، بالتوازي مع توسع خدمات علاج السمنة وإدارة الوزن.

وفي مايو (أيار) 2026، أطلق المجلس السعودي لاعتماد المنشآت الصحية «CBAHI» وشركة «Temos International» برنامج اعتماد مشتركاً للسياحة الطبية، بهدف تطوير معايير خدمات المرضى القادمين من الخارج ورفع جودة الرعاية المقدمة لهم. وكان المركز الطبي الدولي في جدة أول منشأة تبدأ المشاركة في البرنامج.

وفي مجال إنقاص الوزن، تتسع الخيارات من جراحات السمنة إلى البرامج غير الجراحية والعلاج الدوائي والتغذية والمتابعة الطبية.

وفي أغسطس (آب) 2026، وافقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء على تسجيل علاج فموي جديد لإدارة الوزن، في خطوة تعكس اتساع سوق علاجات السمنة إلى ما هو أبعد من العمليات والحقن.

(بيكسلز)

مصر... العلاج وسط الرحلة

أما مصر، فلديها ميزة مختلفة. فالسياحة العلاجية تمتلك تاريخاً طويلاً، بينما توفر البلاد قاعدة طبية واسعة وتكاليف قد تكون أكثر جذباً لبعض المرضى القادمين من الخارج.

وتبقى الأقصر مثالاً واضحاً على قدرة مصر على الجمع بين العلاج والسياحة. فالمدينة التي جذبت الزوار تاريخياً بحثاً عن الراحة والمناخ، تضم اليوم منشآت طبية حديثة، ويمكن للزائر أن يجمع بين العلاج والإقامة وزيارة المعابد والنيل.

لكن المفاجأة في سوق اليوم أن فقدان الوزن نفسه أصبح سبباً للسفر. هناك من يسافر لإجراء جراحة سمنة، ومن يختار برنامجاً غذائياً ورياضياً متكاملاً، ومن يبحث عن متابعة طبية، بينما يذهب آخرون إلى منتجعات العافية بعيداً عن ضغط العمل والمطاعم والعادات اليومية.

ثم جاءت حقن الـGLP-1 لتغير المعادلة

أدوية مثل «ويغوفي» و«مونجارو» جعلت علاج السمنة أكثر حضوراً في الحياة اليومية، وأصبح إنقاص الوزن في حالات معينة جزءاً من خطة علاجية طويلة الأمد. وبالنسبة إلى البعض، يصبح السؤال بسيطاً: لماذا أسافر وأقيم في مصح لأسابيع إذا كان بإمكاني الحصول على علاج يصفه الطبيب والعودة إلى حياتي المعتادة؟

لكن الحقنة لم تنه المصح وربما أعطته وظيفة جديدة

فالدواء يمكن أن يكون جزءاً من العلاج، بينما يمنح المصح الشخص فرصة للابتعاد عن بيئته المعتادة. بطعام محسوب، ونشاط بدني، ونوم أكثر انتظاماً، وفحوص واستشارات، وأحياناً دعم سلوكي واسترخاء.

وتلعب الكلفة دوراً في اختيار الوجهة، لكن المقارنة ليست دائماً بين سعر دواء وسعر إقامة. فالعلاج الدوائي قد يكون أقل كلفة، لكنه مستمر، بينما تشمل بعض برامج المصحات الإقامة والطعام والفحوص والتمارين والمتابعة.

لذلك، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: المصح أم الحقنة؟

هناك من يريد علاجاً يندمج في حياته اليومية، وهناك من يحتاج إلى الابتعاد عن حياته لبعض الوقت حتى يبدأ تغيير عاداته.

وفي الشرق الأوسط، تحاول السعودية ومصر الاستفادة من هذا التحول، كل وفق إمكاناتها وموقعها. فالسوق لم تعد تبحث عن مستشفى فقط، بل عن رحلة صحية كاملة.

وفي زمن أصبح فيه إنقاص الوزن ممكناً بعلاجات حديثة، لا يزال بعض الناس يريدون شيئاً لا توفره وصفة طبية وحدها: مكاناً يبتعدون فيه قليلاً عن حياتهم القديمة، ليعودوا إليها بعادات جديدة... وربما بوزن أقل.