مبدعون مصريون يعربون عن سعادتهم بافتتاح متحف محفوظ أخيراً... ولكن!

يستعيد أزمنة «الثلاثية» و«أولاد حارتنا»

سلوى بكر  -  مصطفى عبد الله  -  نعيم صبري
سلوى بكر - مصطفى عبد الله - نعيم صبري
TT

مبدعون مصريون يعربون عن سعادتهم بافتتاح متحف محفوظ أخيراً... ولكن!

سلوى بكر  -  مصطفى عبد الله  -  نعيم صبري
سلوى بكر - مصطفى عبد الله - نعيم صبري

أعرب مبدعون مصريون عن سعادتهم بافتتاح متحف نجيب محفوظ بعد سنوات طويلة منذ رحيله عام 2006، وقد نشبت حالة من الجدل في الأوساط الثقافية بين الكتاب والمسؤولين حول تخصيص متحف له، ولم تخلُ الفرحة بالمتحف من بعض الانتقادات الموجهة إلى وزارة الثقافة والقائمين على تجهيز المتحف، حول اختفاء بعض مقتنيات صاحب نوبل، وغياب أرشيفه، والاستسهال في الإعداد للمتحف.
«الشرق الأوسط» زارت المتحف وسألت ابنة نجيب محفوظ، ومديره عن هذه الانتقادات، كما استطلعت آراء بعض الكتاب، حول كيفية استثمار المتحف بوصفه مزارا ثقافيا وسياحيا.
- أرشيف نجيب محفوظ
الروائي يوسف القعيد، مدير المتحف، يرد على الانتقادات حول غياب أرشيف صاحب «ثرثرة فوق النيل» قائلا: «افتتاح المتحف هو خطوة أولى في سلسلة خطوات تخليد الأديب العالمي نجيب محفوظ. وبالطبع فإن المتحف سوف يضم في مرحلة لاحقة جميع أرشيفه، وبالفعل قد حصلنا على كمية ضخمة من أرشيفه، وسوف نستمر في مخاطبة كل المؤسسات المهتمة بأعمال نجيب محفوظ، مثل أرشيف الأفلام المصرية، ودار الكتب والوثائق، والمركز القومي للسينما، للحصول على كل صورة له، وكل جريدة كتب فيها، وكل فيلم ومسلسل، لضمها إلى المتحف».
إن التخطيط للمتحف وخروجه بهذه الصورة، تم من خلال الاستعانة بمحاضر لجان الجلسات التي كانت قد انعقدت منذ بدء التفكير في إنشاء المتحف منذ عام 2006، في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.
ويتابع القعيد: «المتحف يخاطب كل الفئات العمرية المهتمة بالأدب عموماً، وبأدب نجيب محفوظ خاصة، سواء في مصر أو الوطن العربي، أو العالم كله، حيث نعمل الآن على وضع برنامج ثقافي متكامل، يتضمن لقاءات ثقافية، وندوات أدبية، وعروضا سينمائية، ومعارض فنية، بحيث يصبح المتحف مؤسسة ثقافية متكاملة لكل المهتمين بأدب الأديب العالمي، وبالثقافة سواء من المتخصصين، أو القراء، أو المتابعين».
- تحديات التصميم
وحول ما تردد عن اختفاء السجادة التي أهداها الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي لصاحب نوبل، يفسر المعماري كريم الشابوري، مصمم العرض المتحفي، الأمر قائلا: «قيمة السجادة غير مرتبطة بشخص نجيب محفوظ أو أدبه، ومع ذلك جاء قرار عدم عرضها في الغرفة المخصصة لعرض مكتبه الخشبي، لأسباب فنية، متعلقة أولا بصغر مساحة الغرفة عن حجم السجادة، وثانياً للرغبة في الحفاظ عليها من التلف، فلم يكن من الممكن وضعها على الأرض، مما يعرضها لاحتمالية تلفها نتيجة زيارة الجمهور... إنها تحتاج إلى أسلوب عرض متحفي مختلف».
ويجري حاليا التنسيق مع وزارة الآثار من أجل ضم الطابق الثالث للمتحف، ومن المنتظر أن يكون هناك إمكانية لزيادة القاعات المتحفية، وحينذاك يمكن عرض السجادة بأسلوب يحافظ عليها، ويليق بها.
وعن التحديات التي واجهته أثناء تصميمه للعرض المتحفي بالمتحف، يقول: «التحدي الأول تمثل في طريقة التعامل مع المبنى الأثري (تكية محمد أبو الدهب)، الذي تطلب الحرص الشديد في تصميم المتحف، حتى لا يتعرض المبنى لأي ضرر، أما التحدي الثاني فيرجع إلى عالم نجيب محفوظ الكبير الذي يصعب احتواؤه في مساحة محددة، وإيجاد طريقة مثالية لتقديمه في صورة تليق به، وليس مجرد عرض متحفي لمقتنياته فحسب. أما التحدي الثالث فكان عامل الوقت، إذ أسندت إلي مهمة تصميم المتحف منذ أربعة شهور فقط، وكانت غير قابلة للتمديد، نظراً لرغبة الجميع في سرعة افتتاح المتحف، الأمر الذي شعرت معه بضغط شديد».
من جانبها، تتجاوز أم كلثوم ابنة الأديب العالمي، عن تلك الأشياء التي تصفها بالبسيطة مقابل فرحة افتتاح المتحف الذي تأخر سنوات طويلة، وتقول: «لم أكن أثق في خروج المتحف إلى النور بعد تأخره كل هذه السنوات، الأمر الذي أصابني بالإحباط خوفاً من فقدان المقتنيات والمتعلقات الشخصية لوالدي، لكن فرحة الافتتاح جاءت تعويضاً عن تأخره طويلاً»، وأشارت إلى أنها قد تهدي وزارة الثقافة بعضا من مقتنيات والدها الأخرى بعد ضم الطابق الثالث إليه.
- طموحات ثقافية متنوعة
وحول كيفية استثمار المتحف كمزار ثقافي وسياحي، يقول الناقد الأدبي دكتور حسين حمودة: «من أجل استكمال رسالة هذا المركز أتصور أنه يجب إعداد برامج ثقافية متنوعة، وأنشطة إبداعية أيضاً، تقيم جسراً بين القيم الثقافية والإبداعية التي انطلق منها محفوظ، من ناحية، والجمهور الذي يحتاج إلى هذه القيم من ناحية أخرى. كذلك من المهم وضع هذا المركز الثقافي على خريطة المزارات السياحية المصرية، بحيث يعرف به ويستطيع الوصول إليه عدد كبير من السائحين الذين يزورون مصر، ويريدون التعرف على حضاراتها وثقافتها».
وتؤكد الكاتبة والروائية سلوى بكر أن متحف نجيب محفوظ - رغم تأخر افتتاحه بسبب تفاصيل بيروقراطية - يمثل قيمة ثقافية وتاريخية وسياحية، وسوف يقصده السائحون من بلدان العالم المختلفة. وتشير إلى ضرورة أن يصبح مركزاً للإشعاع الثقافي، وتقول: «اقترحت على وزيرة الثقافة إيناس عبد الدايم، أن تُعد خطة ثقافية ليصبح من خلالها المتحف منارة ثقافية حقيقية في منطقة الأزهر، يجذب كل المهتمين بأدب صاحب نوبل، وعالمه الأدبي، وأن تقام ندوات وحلقات ثقافية تجتذب أبناء حي الأزهر، ليتمكنوا من الاقتراب من عالم نجيب محفوظ».
وتطالب سلوى بكر بأن يستضيف المتحف ملتقى سنوياً إقليمياً أو دولياً، لمناقشة رسائل الماجستير والدكتوراه التي تتناول أدب نجيب محفوظ، وتقول: «هناك مقترحات كثيرة ومتعددة في سبيل وضع رؤية ثقافية لتنشيط المتحف، لا بد أن توضع عبر لجنة مكونة من مجموعة من المثقفين، يتناقشون ويتداولون فيما بينهم ما يمكن القيام به من أجل الهدف الذي نسعى إليه».
من جهته، يبدي الكاتب الصحافي مصطفى عبد الله، دهشته من تصريح الروائي يوسف القعيد الذي يقول فيه إنه يود أن يصبح متحف نجيب محفوظ متحفاً للسرد المصري، وليس لنجيب محفوظ فقط. ويقول: «فوجئت بهذا التصريح لأننا نعلم جميعاً أن نجيب محفوظ لا يقل قيمة عن هيمنغواي، وويليام فوكنر، وديستوفيسكي، الذين يقصد الباحثون متاحفهم خصيصاً... كيف لنا أن نغير من طبيعة المتحف الذي خصصناه لنجيب محفوظ؟».
ويوجه مصطفى عبد الله عدداً من الملاحظات حول المتحف، قائلا: «أتساءل لماذا لا يضم المتحف سوى نسبة ضئيلة من المتعلقات والمخطوطات والصور والمراسلات التي تخص صاحب نوبل، بخاصة أنه ما زال هناك كثير من تراث محفوظ موجودا داخل بيوت كثيرين ممن تعاملوا معه في حياته على مدى نصف قرن أو يزيد... المتحف يحتاج لصياغة جديدة لاستيعاب ما لم يضمه حتى الآن من تراث محفوظ، ليس عن طريق إضافة حجرات جديدة فقط، بقدر ما يحتاج إلى إعادة صياغة للمساحات والفراغات الموجودة بالفعل في قاعات المتحف».
ويضيف عبد الله: «أعجب كيف نحتفل بافتتاح متحف لنجيب محفوظ، ونوقف نشر (دورية نجيب محفوظ) التي أصدر الدكتور حسين حمودة منها تسعة أعداد عن المجلس الأعلى للثقافة، كذلك عدم احتوائه على سلسلة حوارات معه نُشرت تحت عنوان (خبيئة في الإسكندرية). وأندهش من أن المتحف لا يشير من قريب أو بعيد إلى فترة مهمة في حياة صاحب ميرامار، وهي الفترة التي كان يقضيها في مدينة الإسكندرية صيفاً، ويلتقي فيها عبر لقاءات أسبوعية كثيرا من الأدباء والكُتاب أمثال (محمد الجمل، وعبد الله الوكيل، ونعيم تكلة، ومحمد زكي العشماوي، وفوزي عيسى، وغيرهم)، رغم أن هناك كثيرا من الصور التي تسجل هذه اللقاءات الأسبوعية، فضلا عن غيرها من الصور التي تسجل لقاءات سابقة عليها، مثل لقاءاته مع توفيق الحكيم وثروت أباظة».
واختتم مصطفى عبد الله حديثه، بالتأكيد على أهمية افتتاح متحف نجيب محفوظ، باعتباره إنجازا ثقافيا، قائلا: «أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أنتقد هذا الإنجاز الذي رغم تأخره لسنوات فإنني ما إن زرته أسعدني كثيراً، بل وفاجأني، وأرى أنه مزار عالمي، ومقصد سياحي، يمكن أن يسهم في الترويج للسياحة الثقافية في مصر».
من جانبه، تمنى الروائي نعيم صبري أن «يكون المتحف، إلى جانب مهمة توثيق حياة محفوظ، مصدراً للإشعاع الثقافي، وأن يضم ضمن خطته الثقافية إصدار مجلات دورية منتظمة، وأبحاثا مستمرة عن أدب نجيب محفوظ، صاحب الإنتاج الضخم والعميق الذي لم ينضب، ولن تنتهي الأبحاث فيه». وذكر نعيم صبري، أنه يمتلك أرشيفا كبير من الصور الفوتوغرافية التي توثق لحياة نجيب محفوظ قائلا: «أحتفظ بأرشيف كبير من الصور التي تجمعني به كذكريات في أماكن مختلفة، أو تجمعه مع أشخاص آخرين، والتي تمثل جزءا مهما في التوثيق لحياة محفوظ، ويمكنني إهداء نسخ منها إلى إدارة المتحف إذا طلبوا مني ذلك».
يشار في هذا السياق إلى أن وزارة الثقافة أعلنت عن توفير خمس منح لكتابة السيناريو والرواية والقصة القصيرة في المتحف، والتخفيض على الكتب بنسبة 50 في المائة من إصدارات وزارة الثقافة، و25 في المائة على إصدارات دور النشر الأخرى. وأعلنت عن مواعيد دخول المتحف، وقررت دخوله مجاناً لمدة شهر ابتداء من يوم افتتاحه.



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.