التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

الكوكب دشن فعلاً بداية عصر «الاحتباس الحراري»

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»
TT

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

التغير المناخي: 40 % من سكان العالم سيعيشون خارج «المكانة المناخية البشرية»

يزداد الإجماع الجديد داخل المجتمع العلمي بشأن تغير المناخ: ربما يكون هدف الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2050، كما هو منصوص عليه في اتفاقية باريس، بعيد المنال.

بداية عصر «الاحتباس الحراري»

لقد شهدنا بالفعل أول عام تقويمي كامل يتجاوز هذه العتبة، حيث كان متوسط ​​درجة الحرارة العالمية في العام الماضي أعلى بمقدار 1.6 درجة مئوية من متوسط ​​عصر ما قبل الصناعة. وبينما لا يكفي عام واحد على هذا المستوى للتأكيد دون أدنى شك على أن هدف اتفاقية باريس قد انتهى، وقد توصلت الكثير من الأبحاث العلمية الحديثة إلى الاستنتاج المزعج نفسه بأن عصراً جديداً من الاحتباس الحراري قد بدأ بالفعل.

إلى أي مدى ستصبح الأمور ساخنة خلال حياتنا؟ إن الإجابة على هذا السؤال سوف تتحدد إلى حد كبير من خلال مدى السرعة التي نستطيع بها أن نتخلص من الوقود الأحفوري، ومع استمرار ارتفاع انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري العالمي - ووصولها إلى مستويات قياسية جديدة - فإن هذا يظل غير مؤكد.

تكهنات علمية

ولكن الباحثين قادرون على التكهن. فهم يقولون الآن إننا على المسار الصحيح نحو ارتفاع درجة حرارة الأرض بنحو 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. وهذا يعني أن العالم سوف يكون في المتوسط ​​أكثر دفئاً في عام 2100 مقارنة بما كان عليه في مطلع القرن العشرين وأكثر دفئاً مما هو عليه اليوم.

قد لا يبدو هذا كثيراً، ولكن ارتفاع درجة الحرارة بنحو 2.7 درجة مئوية سوف يؤثر على كل جانب تقريباً من جوانب الحياة البشرية، بطرق كبيرة وصغيرة.

مستقبل أكثر خطورة

فكيف ستكون الحياة في هذا العالم الأكثر دفئاً؟ إن الإجابة عن هذا السؤال بأي قدر من اليقين أمر صعب؛ لأن الكثير يعتمد على كيفية استجابة الكثير من الأنظمة المعقدة والمترابطة على الأرض. ولكن علماء المناخ يتفقون على أن المستقبل الأكثر دفئاً هو مستقبل أكثر خطورة.

«أحب أن أفكر في تشبيهات جيدة»، كما يقول لوك جاكسون، الأستاذ المساعد في الجغرافيا الطبيعية بجامعة درهام في المملكة المتحدة. «لذا؛ إذا تخيلت أن تسجيل هدف يمثل حدثاً متطرفاً، فكلما كان الهدف أكبر، زادت احتمالية تسجيلك له. نحن نوسع أعمدة المرمى».

توقعات علمية محتملة

لكن إذا أردنا أن نحاول أن نكون أكثر تحديداً، فهناك توقعات مدعومة بالعلم. هذه بعض التغييرات الأكثر احتمالاً، وتأثيراتها المحتملة.

* صيف لا نهاية له في نصف الكرة الشمالي. سيشغل الصيف جزءاً أكبر من العام بحلول عام 2100، ويمتد من نحو 95 يوماً إلى 140 يوماً. ستظهر درجات الحرارة الشبيهة بالصيف في وقت أبكر بكثير؛ ما يختصر فصل الربيع، ويستمر حتى الخريف.

سيصبح الشتاء أكثر دفئاً أيضاً، على الرغم من وجود بعض الجدل حول ما إذا كانت العواصف الشتوية الشديدة ستصبح أكثر شيوعاً مع تغير المناخ. وفي الكثير من الأماكن، ستكون المواسم الأكثر دفئاً لا تُطاق، مع موجات حر خانقة تستمر لأسابيع متتالية.

* مدن أميركية شديدة الحرارة. وبفضل تأثير ظاهرة «جزر الحرارة الحضرية» urban heat island effect، سوف تكون المدن شديدة الحرارة بشكل خاص. على سبيل المثال، قد تشهد سان أنطونيو ست موجات حر سنوياً، مع بقاء درجات الحرارة حول 35 درجة مئوية، وأحياناً لمدة تصل إلى شهر في المرة الواحدة. وإلى الشمال، سوف تشهد مدينة نيويورك ثماني موجات حر سنوياً، بعضها يستمر لمدة أسبوعين. وفي سياق ذلك، في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان متوسط ما تشهده نيويورك أقل من موجة حر واحدة سنوياً.

*مكيفات هواء غير بيئية أكثر. وسوف يكون تكييف الهواء منقذاً حقيقياً للحياة، وسوف يزداد عدد الأشخاص الذين يستخدمون تكييف الهواء بشكل كبير. (ومن المفارقات أن كل هذه المكيفات الجديدة من المرجح أن تساهم في زيادة انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي). ومع ذلك، ستستمر الوفيات المرتبطة بالحرارة في الارتفاع إلى 20 ألف حالة وفاة سنوياً في الولايات المتحدة، وهذا تقدير متحفظ.

40 % من السكان خارج «المكانة المناخية البشرية»

مع ارتفاع درجات الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية، ستنمو حصة سكان العالم الذين يعيشون في مناطق خارج «المكانة المناخية البشرية»»human climate niche» (نطاق درجة الحرارة التي يمكن للحياة البشرية أن تزدهر فيها) من 9 في المائة إلى 40 في المائة.

* حرارة غير مسبوقة. وسوف تتأثر البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​بشكل غير متناسب. ففي الهند، الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، سوف يشعر نحو 600 مليون شخص بحرارة غير مسبوقة خارج هذه منطقة المكانة المناخية البشرية. ومن بين البلدان الأخرى المتضررة بشدة نيجيريا، وإندونيسيا، والفلبين، وباكستان، والسودان والنيجر.

*القطب الشمالي سيخلو من الجليد صيفاً. ومن المتوقع أن يكون القطب الشمالي «خالياً من الجليد عملياً» خلال فصل الصيف. وسوف يؤدي هذا إلى تسريع ظاهرة الاحتباس الحراري بشكل أكبر، كما يهدد منازل وسبل عيش وثقافات ملايين البشر في مناطق القطب الشمالي، ناهيك عن الحياة البرية والنظم البيئية.

الحرائق والأمراض

*حرائق الغابات. . بحلول عام 2100، قد يزيد عدد الحرائق الشديدة بنسبة 50 في المائة على مستوى العالم. وسوف تكون الغابات الشمالية في كندا وألاسكا وروسيا معرَّضة للخطر بشكل خاص. وسوف تصبح أحداث مثل حرائق الغابات الكندية في عام 2023، والتي أحرقت أكثر من 37 مليون فدان وأرسلت أعمدة من الدخان تتصاعد عبر الولايات المتحدة، أكثر شيوعاً. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن نصبح أفضل في التنبؤ بحرائق الغابات وتتبعها، ومن باب الضرورة المحضة، ستحتوي المزيد من المدن على ملاجئ للهواء النظيف مع أنظمة ترشيح حيث يمكن حماية الناس من دخان حرائق الغابات.

*امراض الدفء. من المرجح أن ترتفع الأمراض التي ينقلها البعوض مثل حمى الضنك وزيكا وحمى غرب النيل والحمى الصفراء، حيث يعني المزيد من الدفء المزيد من الأيام التي يمكن للفيروسات خلالها الانتشار. وبينما تستمر «فترة ذروة انتقال» فيروس غرب النيل حالياً نحو ثلاثة أشهر سنوياً في ميامي، فإن من المرجح أن تزداد إلى نحو خمسة أشهر.

*ملاريا الجنوب نحو الشمال. في معظم أنحاء الجنوب العالمي، ستصبح درجات الحرارة شديدة الحرارة بحيث لا تنتشر الملاريا، ولكن الظروف لهذا المرض ستصبح أكثر ملاءمة في أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا الوسطى. وفقاً لمعهد الموارد العالمية، «مع ظهور تقارير عرضية عن الملاريا المكتسبة محلياً في أوروبا والولايات المتحدة، هناك قلق متزايد من أن الملاريا قد تتسلل إلى أماكن لم تشهدها في الذاكرة الحية».

المدن الغارقة

في سيناريو ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية ستستمر الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية في الذوبان، وستسخن مياه البحر وتتمدد. وبحسب اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإن مستويات سطح البحر في هذا السيناريو قد ترتفع بنحو قدمين في المتوسط ​​في مختلف أنحاء العالم بحلول عام 2100. ويقول بيدرو كونسيساو، مدير مكتب تقرير التنمية البشرية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: «إن هذا من شأنه أن يعرض عقوداً من التقدم في التنمية البشرية في المناطق الساحلية المكتظة بالسكان والتي تعد موطناً لواحد من كل سبعة أشخاص في العالم للخطر».

* سواحل مهددة. وسوف يكون التأثير أكثر تطرفاً في المناطق التي تعاني بالفعل ارتفاع مستويات سطح البحر عن المتوسط، مثل الساحل الشرقي للولايات المتحدة واليابان والساحل الغربي لأميركا الجنوبية. على سبيل المثال، قد تشهد مدينة نيويورك ارتفاع مستويات المياه بأكثر من 3 أقدام بحلول نهاية القرن. وسوف تصبح الفيضانات الناجمة عن المد العالي مصدر إزعاج منتظماً في الكثير من الأماكن، حيث تتسرب المياه إلى شوارع المدينة وواجهات المحال التجارية كل يوم لبضع ساعات قبل أن تتراجع، مما يجعل من الصعب بشكل متزايد العيش أو ممارسة الأعمال بالقرب من الواجهة البحرية. كما ستصبح الفيضانات الناجمة عن العواصف الشديدة مثل الأعاصير أكثر تواتراً. ويقول جاكسون: «بشكل تقريبي، سوف تشهد الغالبية العظمى من السواحل العالمية حدثاً يحدث كل مائة عام في الوقت الحاضر كل عام. ويصبح الحدث المتطرف اليوم حدثاً طبيعياً في الغد».

الدول - الجزر. بالنسبة للكثير من الدول الجزرية المنخفضة، فإن التحدي المتمثل في ارتفاع مستوى سطح البحر والعواصف المدارية الأكثر شدة سيكون وجودياً. وتتوقع الأمم المتحدة أن تشهد جزر الباهاما وجزر فيرجن البريطانية وجزر كايمان وجيرنزي وجزر المالديف وجزر مارشال وهولندا وسانت مارتن وسيشيل وجزر توركس وكايكوس وتوفالو غمراً دائماً بنسبة 5 في المائة على الأقل من أراضيها بحلول نهاية القرن. يعيش معظم سكان هذه المناطق على بعد أميال قليلة من الشاطئ؛ مما يعرضهم لخطر جسيم.

* غرق مدن الساحل الكبرى. في الوقت نفسه الذي ترتفع فيه مستويات سطح البحر، ستغرق المدن الساحلية الكبرى الواقعة على دلتا الأنهار - مثل نيو أورليانز وهيوستن وشنغهاي - مع ضخ المزيد من المياه من الأرض لأشياء مثل الشرب والري؛ ما يتسبب في ضغط الرواسب. ويؤكد جاكسون: «إن هذا يشكل مصدر قلق كبير لمدننا الكبرى على مستوى العالم؛ لأن هذه الأماكن هي من أكثر الأماكن كثافة سكانية على وجه الأرض. وفي الكثير من المواقع، لا توجد حماية ساحلية كافية للتعامل مع هذه المشكلة، والمدة التي قد تستغرقها بناء دفاعات ساحلية من أجل استيعاب هذه المشكلة، بصراحة، غير قابلة للتحقيق».

وتشهد إندونيسيا هذا بالفعل، وقد خططت لنقل عاصمتها جاكرتا بالكامل بدلاً من محاولة إبقاء المياه تحت السيطرة. وقد تتبعها في نهاية المطاف مجموعات سكانية أخرى. بعد كل شيء، «التراجع هو شكل من أشكال التكيف»، كما يقول جاكسون. ووفقاً للجنة الدولية للتغيرات المناخية، فإن مستويات سطح البحر ستستمر في الارتفاع لقرون، وستظل مرتفعة لآلاف السنين.

نقص الغذاء

* إنتاج غذائي مهدد. ستؤدي الفيضانات والإجهاد الحراري وأنماط الطقس المتغيرة إلى جعل زراعة المحاصيل وتربية الماشية أكثر صعوبة. ويشير أحد التقديرات إلى أن ما يصل إلى 30 في المائة من إنتاج الغذاء في العالم قد يكون معرضاً للخطر بحلول عام 2100 إذا ارتفعت درجات الحرارة بمقدار 3.5 درجة مئوية. ولكن عند 2.7 مئوية، قد تكون النسبة أقل قليلاً، ولكنها لا تزال مدمرة لملايين البشر.

* فشل المحاصيل والجوع.

ووفقاً للبنك الدولي، فإن «نحو 80 في المائة من سكان العالم الأكثر عرضة للخطر من فشل المحاصيل والجوع بسبب تغير المناخ يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا».

وسوف يلاحق خطر سوء التغذية هذه السكان. ويقول كاي كورنهوبر، وهو عالم أبحاث يدرس مخاطر المناخ المستقبلية في المعهد الدولي لتحليل النظم التطبيقية، وأستاذ مساعد في كلية كولومبيا للمناخ، إن مشاكل الغذاء في مناطق أخرى، مثل الولايات المتحدة وأوروبا، ستكون مزعجة في البداية وتنمو بمرور الوقت. ويضيف: «يبدأ الأمر بهذه الإزعاجات الصغيرة، مثل عدم توفر الخضروات المفضلة لديك لمدة أسبوع أو نحو ذلك بسبب حدوث فيضان ضخم أو موجة حر أو حرائق غابات في إسبانيا، على سبيل المثال. هذه الأشياء تحدث بالفعل، أليس كذلك؟».

وبالتدريج، قد يصبح انخفاض إنتاج المحاصيل الأساسية مثل الذرة والأرز والقمح هو القاعدة. ويتوقع أحد التحليلات أنه بحلول عام 2030، قد تشهد ولاية أيوا انخفاض إنتاج الذرة بنسبة 25 في المائة بسبب تغير المناخ، وقد ينخفض ​​إنتاج فول الصويا في مينيسوتا بنسبة تصل إلى 19 في المائة، وقد ينخفض ​​إنتاج القمح في كانساس بنسبة 9 في المائة. ومن دون التكيف، ستستمر هذه الأرقام في الارتفاع حتى عام 2100، مما يهدد سبل عيش المزارعين، فضلاً عن سلاسل إمدادات الغذاء والتغذية في الولايات المتحدة.

يقول جيرالد نيلسون، الأستاذ الفخري في كلية الزراعة والعلوم الاستهلاكية والبيئية بجامعة إلينوي في أوربانا شامبين: «ليست المحاصيل والثروة الحيوانية هي المتضررة فقط. سيعاني العمال الزراعيون الذين يزرعون ويزرعون ويحصدون الكثير من الطعام الذي نحتاج إليه أيضاً بسبب التعرض للحرارة؛ مما يقلل من قدرتهم على القيام بالعمل في الحقل».

إن تدهور التربة وفقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظم الإيكولوجية بسبب تغير المناخ من شأنه أن يجعل النباتات أكثر عرضة للإصابة بالأمراض ويزيد من تفاقم خطر فشل المحاصيل. كما سترتفع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء العالم. والواقع أن هذا يحدث بالفعل: ففي عام 2023، كان الطقس المتطرف هو المحرك الرئيسي لتقلب أسعار المواد الغذائية. ويقول الباحثون إنه بين الآن وعام 2035، قد ترتفع أسعار المواد الغذائية العالمية بنسبة تصل إلى 3 في المائة كل عام بسبب تغير المناخ.

الهجرات الجماعية وزيادة الصراع

من الصعب معرفة كيف ستبدو أنماط الهجرة البشرية في السنوات المقبلة، ولكن الكثير من الناس لن يكون لديهم خيار سوى الانتقال من المناطق الريفية أو عبر الحدود للبحث عن عمل وطعام وموئل بشري قابل للحياة. ومن المرجح أن تؤدي هذه الهجرات الجماعية إلى إثارة الصراع والارتباك. وسترتفع محاولات دخول الولايات المتحدة عبر الحدود الجنوبية مع مواجهة السكان في «الممر الجاف» في أميركا الوسطى لانعدام الأمن الغذائي. وحتى فكرة مكان حدود الدولة قد تصبح موضع تساؤل.

«إن حدود بلدك محددة، على الأقل على طول سواحلها، من خلال موقع المد العالي»، كما يوضح جاكسون. «إذا تحرك خط الساحل الخاص بك إلى الداخل (بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر) فإن منطقتك الاقتصادية سوف تتحرك أيضاً».

إن كل هذا قاتم للغاية، كما أعلم. وهو لا يزال في بدايته. ولكن الخبر السار الدائم هو أننا لا نزال قادرين على تغيير المستقبل. والواقع أننا فعلنا ذلك بالفعل. فقبل عشر سنوات فقط، كان العلماء يتوقعون ارتفاع درجة حرارة العالم بمقدار 3.6 درجة مئوية بحلول نهاية القرن. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن السياسات الحكومية الجديدة، والارتفاع السريع للطاقة المتجددة، قد أحدثا تأثيراً كبيراً. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به.

ويقول كورنهوبر: «لن ينتهي العالم مثل لعبة كمبيوتر بحلول نهاية القرن، بل سيستمر ذلك بعد ذلك، وستستمر درجات الحرارة والطقس المتطرف في التدهور إلى أن نتمكن من التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري».

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

نحو 80 %

من سكان العالم الأكثر عرضة للخطر بسبب فشل المحاصيل والجوع نتيجة تغير المناخ يعيشون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا


مقالات ذات صلة

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

علوم ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

الأقوى من نوعها على الإطلاق ويمتد تأثيرها إلى بداية العالم المقبل

كريستين توسان (واشنطن)
المشرق العربي من السيول في إدلب (سانا)

أمطار الصيف تفاجئ السوريين وسط مخاوف من موجة فيضانات جديدة

حذّرت الحكومة السورية سكان محافظتي الرقة ودير الزور شرق سوريا من الزيادة ‏التدريجية في كميات المياه القادمة من «سد كديران» على نهر الفرات، السبت، ودعت إلى…

سعاد جروس (دمشق)
يوميات الشرق قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

أدت موجات الحر المتكررة وحالات الجفاف إلى صيف حار تاريخياً شهد حرائق غابات، كما أسهمت في وفاة آلاف الأشخاص حتى الآن

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مصر سجلت درجات حرارة مرتفعة (رويترز)

مصريون يواجهون موجة الحر الشديدة بتجنب العمل خلال الظهيرة

دفعت موجة الحر الشديدة التي تشهدها مصر بعض المصريين إلى إعادة ترتيب ساعات عملهم وتحركاتهم اليومية، لتجنب الوجود في الشوارع خلال ساعات الظهيرة، التي تسجل ذروة…

منى أبو النصر (القاهرة)
آسيا زائر ينظر إلى البحر مع اقتراب إعصار هايكوي من المنطقة على شاطئ سانسيت في تشاتان بمحافظة أوكيناوا باليابان (أرشيفية-رويترز)

مكتب الأرصاد الياباني يتوقع استمرار ظاهرة النينيو خلال الشتاء

أفادت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية بأن هناك احتمالاً بنسبة 100 % لاستمرار ظاهرة النينيو، خلال فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي وحتى أوائل عام 2027.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
TT

اكتشاف أسرع نجم يدور حول ثقب أسود بـ«درب التبانة»

الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)
الثقوب السوداء هي أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء لا يستطيع أن ينفذ منها (رويترز)

اكتشف العلماء أسرع نجم معروف حتى الآن، يدور بسرعة فائقة حول الثقب الأسود فائق الكتلة الموجود في مركز مجرتنا، درب التبانة، وقد يصبح المفتاح لقياس دوران هذا الثقب لأول مرة، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتزيد كتلة هذا النجم بنحو 50 في المائة عن شمسنا ويفوقها في درجة السطوع بمقدار خمسة أمثال، ويتحرك بسرعات تصل إلى نحو 90 مليون كيلومتر في الساعة أثناء دورانه حول «ساجيتاريوس إيه*» وهو الثقب الأسود الرئيسي لمجرة درب التبانة.

وهذه السرعات أكبر من سرعة الضوء بثمانية في المائة. ولم يتم اكتشاف أي نجم آخر في مجرتنا أو في أي مكان آخر بهذه السرعة من قبل.

ويتحرك النجم الذي يطلق عليه «إس301» في مدار بيضاوي حول «ساجيتاريوس إيه*»، ويستغرق نحو 8.7 سنة لإتمام دورة كاملة.

وتبلغ أقرب نقطة له من الثقب الأسود نحو 11.5 مثل المسافة بين الأرض عن الشمس، وهي وحدة قياس تعرف بالوحدة الفلكية.

وهذا يعني أن أقرب نقطة مرور للنجم تزيد قليلاً على المسافة التي تفصل كوكب زحل عن الشمس، وأبعد نقطة له عن «ساجيتاريوس إيه*» عند نحو 1360 وحدة فلكية.

والثقوب السوداء أجسام شديدة الكثافة تتمتع بجاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع أن ينفذ منها. وتبلغ كتلة الثقب «ساجيتاريوس إيه*» نحو أربعة ملايين مثل الشمس، ويقع على بعد نحو 26 ألف سنة ضوئية من الأرض.

والسنة الضوئية الواحدة هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، وتساوي 9.5 تريليون كيلومتر.

و«ساجيتاريوس إيه*» في حالة سكون حالياً، لكن جاذبيته هائلة مما يعني أنه قادر على ابتلاع النجوم أو أي مواد أخرى تقترب منه أكثر من اللازم. لكن الباحثين يقولون إن من المفترض أن يظل النجم «إس301» في مأمن من غضب الثقب الأسود.

وقال ستيفان غيلسن عالم الفيزياء الفلكية في معهد «ماكس بلانك» للفيزياء في ألمانيا، وهو أحد قادة البحث الذي نُشر اليوم الأربعاء في دورية «نيتشر»، إن «مداره لن يتلاشى في أي وقت قريب. ومن ثم، سيتغير اتجاه المدار، لكنه ليس معرضاً لخطر الابتلاع».

ولا يعرف حتى الآن أي نجم آخر يدور بهذه الدرجة من القرب من الثقب الأسود.

وراقب الباحثون «إس301» باستخدام مقياس التداخل للتلسكوب الكبير التابع للمرصد الأوروبي الجنوبي في تشيلي.

وقد يتيح التأثير المستمر الذي يمارسه «ساجيتاريوس إيه*» على هذا النجم خلال مداره للعلماء فهم الثقب الأسود بشكل أفضل، بما في ذلك إمكانية قياس دورانه.


ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»
TT

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

ظاهرة «إلنينو» الاستثنائية... لمحة عن مستقبل الأرض «الحراري»

تزداد ظاهرة «إلنينو» قوةً باستمرار، وقد تكون الظروف الجوية الحادة التي ستجلبها بمثابة لمحة عما ينتظرنا في عالم أكثر دفئاً.

الأقوى على الإطلاق

يقول خبراء الأرصاد الجوية إن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، قد تصبح الأقوى على الإطلاق؛ وهذا يعني احتمال حدوث تأثيرات مناخية شديدة، تتراوح بين فترات جفاف طويلة في بعض أنحاء العالم وزيادة في العواصف وهطول الأمطار بمناطق أخرى، ما قد يؤدي إلى فيضانات عارمة.

«إلنينو» ظاهرة تجتاح مياه المنطقة الاستوائية للمحيط الهادئ

عالم يشهد ارتفاعاً مؤقتاً في الحرارة بمقدار درجتين مئويتين

تعتمد شدة ظاهرة «إلنينو» على مدى ارتفاع درجات حرارة المحيطات عن معدلاتها الطبيعية؛ إذ تؤثر هذه المياه الأكثر دفئاً على الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى تغيير أنماط الطقس وتضخيم حِدتها. وتتزامن ظاهرة «إلنينو»، هذا العام، مع درجات حرارة مرتفعة بالفعل في المحيطات ومع صيف شديد الحرارة.

وهذا يعني أن الحرارة التي تجلبها الظاهرة قد تدفع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية الشهرية لتتجاوز حاجز الارتفاع بمقدار درجتين مئويتين (3.6 درجة فهرنهايت)؛ وهو الحد الذي طالما عددناه سقفاً ينبغي عدم تجاوزه لتجنب «الأضرار الواسعة وغير المتوقعة» الناجمة عن تغير المناخ.

تفاقم الآثار المناخية

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد حد «آمن» للاحتباس الحراري. فنحن نشهد، بالفعل، آثار تغير المناخ، متمثلة في تسجيل الولايات المتحدة أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق، وتوالي موجات الحر الشديدة في أنحاء أوروبا. ومع ذلك فإن كل زيادة، ولو طفيفة، في درجات الحرارة تؤدي إلى تفاقم الآثار المناخية، والحد من الاحترار يمكن أن يساعد في درء كوارث أكثر تطرفاً.

اختبار حقيقي لصمود كوكب الأرض

نحن لم نصل بعدُ إلى عالمٍ ترتفع فيه الحرارة بمقدار درجتين مئويتين؛ إذ يقول الخبراء إنه باستثناء تأثير دورة «إلنينو»، لن يصل كوكبنا إلى هذا المستوى من الاحترار قبل عقد أو عقدين آخرين. لكن إذا قادتنا ظاهرة «إلنينو» إلى هذا المستوى مؤقتاً، فقد نحصل على لمحة عما سيبدو عليه ذلك العالم.

وكتب روبرت رود، كبير العلماء بمنظمة «بيركلي إيرث» (Berkeley Earth)، على منصة «بلوسكاي» (Bluesky) تعليقاً على ظاهرة «إلنينو»، هذا العام: «قد تكون الأشهر الاثنا عشر المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للقدرة على الصمود: حرارة قياسية، وطقس متطرف، وخسائر في المحاصيل، وتأثيرات متتابعة... إنها، جزئياً، لمحة عما يُخبئه لنا المستقبل».

من جهته يصف زيك هاوسفاذر، وهو عالم مناخ يعمل لدى منظمة «بيركلي إيرث» ويشغل منصب رئيس أبحاث المناخ بشركة «سترايب» (Stripe)، ظاهرة «إلنينو» الحالية بأنها بمثابة «آلة زمن»، إذ إن الاحترار الذي تجلبه هذه الظاهرة المناخية - الذي يمتد حتى نهاية عام 2026 ويدخل في عام 2027 - قد يماثل درجات الحرارة التي يتوقع العلماء أن تسود في عام 2037.

إلنينو ظاهرة لا تشبه الاحتباس الحراري

لكن ثمة أمراً مهماً يجب مراعاته؛ فلكل من ظاهرة «إلنينو» وغازات الدفيئة تأثيرات مختلفة. فقد كتب هاوسفاذر وعالِم المناخ أندرو ديسلر، في مقال نُشر على منصتهما المشتركة «ذا كلايمت برينك» (The Climate Brink) عبر خدمة «سابستاك »: «يمكن للعالم المستقبلي الذي ارتفعت حرارته بفعل الغازات الدفيئة، والعالم الحالي الذي ارتفعت حرارته مؤقتاً بفعل ظاهرة إلنينو، أن يتشاركا في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية نفسه، رغم وجود اختلافات جوهرية في تأثيرات هذا الاحترار».

إن ما نشير إليه جميعاً باسم «التغير المناخي» يرتبط بالاحترار العالمي الناجم عن انبعاث الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي؛ حيث تعمل هذه الانبعاثات على حبس الحرارة، ما يؤدي إلى رفع درجة حرارة الكوكب.

في المقابل، يرى خبراء المناخ أن ظاهرة «إلنينو» تشبه، إلى حد كبير، «إعادة توزيع للحرارة» الموجودة بالفعل داخل نظامنا المناخي؛ فخلال هذه الظاهرة، تتغير الرياح وتدفع مياه المحيط الدافئة نحو مناطق أخرى، ما يؤثر، بدوره، على حرارة الغلاف الجوي.

احترار «إلنينو» ليس متساوياً عبر العالم

وهذا يعني أن الاحترار المرتبط بظاهرة «إلنينو» ليس عالمياً بالمعنى الشامل؛ إذ تشهد بعض أجزاء الكوكب درجات حرارة أعلى، بينما تنخفض الحرارة في أجزاء أخرى. كما تُغير الظاهرة أنماط هطول الأمطار بطريقة متفاوتة ومتباينة حول العالم.

وبهذا المعنى، لن تحاكي ظاهرة «إلنينو» الحالية الصورة الكاملة للاحترار العالمي- الناجم عن الأنشطة البشرية وتراكم الغازات الدفيئة- الذي يتوقع العلماء أن يشهده الكوكب بحلول عام 2037.

ومع ذلك، ستجلب هذه الظاهرة لمناطق معينة من العالم بعضاً من تلك التأثيرات المتفاقمة التي يحملها في طياته كوكب أكثر سخونة- مثل درجات الحرارة القياسية وفترات هطول الأمطار الغزيرة للغاية- وبصورة غير مسبوقة، مقارنة بأي دورة سابقة لظاهرة «إلنينو».

* مجلة «فاست كومباني»

Your Premium trial has ended


لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟
TT

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

لماذا تجمع أفضل استراتيجيات الذكاء الاصطناعي بين التنبؤ والاستدلال؟

أجريتُ على مدار العامين الماضيين مئات المحادثات حول الذكاء الاصطناعي، مع جهات تنظيمية ومؤسسات مالية ومهندسين ومديرين تنفيذيين وأشخاص متشككين. وما يبرز باستمرار هو حجم الالتباس والغموض المحيط بهذا المجال؛ فالجميع يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي وكأنه تقنية واحدة تسير في اتجاه واحد، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً وتفصيلاً بكثير؛ كما كتب شون كامكار*.

الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء التنبؤ والاستدلال

يمثل الذكاء الاصطناعي نقطة التقاء لنظامين مختلفين جوهرياً: أحدهما مصمم للتنبؤ (to predict)، والآخر مصمم للاستدلال (to reason). وستحظى الشركات التي تدرك هذا الفرق وتتعلم كيفية الجمع بينهما بميزة كبيرة، متفوقة بذلك على الشركات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة أحادية النمط.

الذكاء الاصطناعي التنبؤي مقابل الذكاء الاصطناعي التوليدي

الذكاء الاصطناعي التنبؤي، كان لسنوات كثيرة يدعم اتخاذ القرارات بصمت ومن وراء الكواليس؛ إذ تتفوق نماذج تعلم الآلة في رصد الأنماط عبر كميات هائلة من البيانات التاريخية. وعلى سبيل المثال، في قطاع الائتمان، تحلل هذه النماذج أحجاماً ضخمة من البيانات التاريخية لتحديد أنماط يعجز أي محلل بشري عملياً عن رصدها وسط ملايين النتائج؛ فهي تتنبأ باحتمالية سداد المبالغ المالية، ومخاطر الاحتيال، وتقلبات المحفظة الاستثمارية، بدقة تفوق بكثير دقة أنظمة التقييم التقليدية التي أُنشئت قبل عقود.

أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيؤدي وظيفة مختلفة تماماً، فهو يجمع المعلومات، ويتعامل مع الغموض، ويتواصل بلغة بشرية. وبإمكانه شرح أهمية اتجاه معين، وتلخيص النتائج المعقدة، وإبراز المقايضات الاستراتيجية، ومساعدة الأشخاص على التفاعل مع أنظمة كانت تتطلب سابقاً خبرة متخصصة لفهمها. ولا تقتصر وظيفته على التنبؤ فحسب؛ بل تشمل الاستدلال والترجمة (تحويل البيانات إلى مفاهيم مفهومة).

الفرق والدمج بين الاثنين: وأبسط طريقة لفهم هذا الفرق هي التشبيه التالي: يمثل تعلم الآلة «المختبر التشخيصي» الذي يُجري الفحوصات، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي «الطبيب» الذي يساعد في تفسير النتائج وتحديد الخطوة التالية. لا يستغني أي منهما عن الآخر؛ بل إنهما يتكاملان معاً لإنشاء منظومة أكثر قوة وفعالية.

استخدم نوع الذكاء الاصطناعي المناسب للمهمة

تكتسب هذه التفرقة أهميتها لأن كثيراً من المؤسسات تحاول حالياً إقحام الذكاء الاصطناعي التوليدي في أدوار لم يُصمم أصلاً للقيام بها. فرغم القدرات الهائلة لنماذج اللغة الكبيرة، فإنها ليست أنظمة تنبؤ حتمية (أي لا تعطي نتائج ثابتة ومحددة بدقة رياضية).

إن مطالبة «روبوت محادثة» (chatbot) عمومي الأغراض، باتخاذ قرارات مالية أو تشغيلية مصيرية بشكل مستقل -دون وجود بنية تحتية تحليلية متخصصة تدعمه- تشبه إلى حد ما مطالبة طبيب بتشخيص حالة مريض دون الاستعانة بالمختبرات ولا الفحوصات الطبية ولا قياس المؤشرات الحيوية؛ فالاستدلال الذي يفتقر إلى بيانات موثوقة وراسخة يظل غير جدير بالثقة.

وفي الوقت نفسه، تخلق أنظمة التنبؤ التي تفتقر إلى القابلية للتفسير مشكلة من نوع آخر. ما ألاحظه هو أن المؤسسات باتت قادرة على توليد مخرجات تتسم بدقة متزايدة، ولكنها عصيَّة على الفهم، ولا يفهمها إلا عدد أقل من البشر. وهذا التباين هو ما يشكِّل ملامح المرحلة المقبلة من تبنِّي الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.

تطبيقات ميدانية متنوعة

على سبيل المثال، في مجال الرعاية الصحية، يمكن لنماذج التنبؤ تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر في وقت أبكر، مقارنة بأساليب الفحص التقليدية. ومع ذلك، لا يزال الأطباء بحاجة إلى أنظمة قادرة على تفسير النتائج، وتلخيص الاعتبارات العلاجية، والتواصل بوضوح مع المرضى. وفي مجال المركبات ذاتية القيادة، تعمل إحدى طبقات الذكاء الاصطناعي باستمرار على رصد المسارات والمشاة والمسافات والعوائق لحظة بلحظة، بينما تتولى طبقة أخرى تحديد كيفية استجابة المركبة للظروف المتغيرة.

ويتكرر هذا النمط في كل مكان: ذكاء تنبؤي مقترن بذكاء استنتاجي (قائم على المنطق والتحليل).

الجمع بين التنبؤ والاستنتاج... والتقدير البشري

تُعد عمليات الإقراض من أوضح الأمثلة على ذلك؛ إذ يجب أن تكون عملية التقييم الائتماني حتمية وقابلة للتكرار -بمعنى أن المُدخلات ذاتها يجب أن تُفضي إلى النتيجة والتفسير نفسيهما في كل مرة- وإلا فلن يكون القرار قابلاً للتبرير أمام الجهات الرقابية ولا المقترضين. وهنا تبرز قوة التعلم الآلي، غير أنه لا يوفر وسيلة لاستكشاف دلالات تلك الأرقام ومعانيها.

وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي التوليدي لسد هذه الفجوة؛ فهو يتولى تفسير النتائج في سياقها الصحيح، واختبار سيناريوهات افتراضية بديلة (تحليل «ماذا لو؟») على المحافظ الائتمانية، ومحاكاة تأثير تغيير السياسات على قرارات الموافقة. فبدلاً من الاكتفاء بتقييم القروض، يساعد هذا الذكاء المقرضين على فهم مخرجات الأنظمة التي تتولى عملية التقييم الفعلية. ولا يلغي هذا المزيج دور التقدير البشري؛ بل يعزز قيمته؛ إذ يتيح للبشر تخصيص وقت أقل للتحليل الروتيني، وتكريس وقت أكبر للتعامل مع الحالات الاستثنائية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، وممارسة مهام الرقابة والإشراف.

إن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي لا تستبدل بالبشر أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ بل تبني أنظمة تتكامل فيها أشكال الذكاء المختلفة: نماذج إحصائية ترصد الأنماط على نطاق واسع، وأنظمة توليدية تحوِّل التعقيد إلى رؤى قابلة للتطبيق، وعنصر بشري يضيف السياق ويقوم بأدوار الرقابة والتقدير.

قدرات التحليل المتقدمة

على مدى عقود، تركزت القدرات التحليلية المتقدمة داخل كبرى المؤسسات العالمية؛ إذ كانت تلك المؤسسات وحدها تمتلك الموارد المالية اللازمة لتوفير البنية التحتية والخبرات المطلوبة لمعالجة المعلومات على نطاق واسع. غير أن الذكاء الاصطناعي بدأ يُغيِّر هذا الواقع؛ فالمنظمات التي ستجني أكبر قدر من الفوائد لن تكون تلك التي تسعى وراء الأتمتة الكاملة؛ بل تلك التي تدمج بين التنبؤ والاستدلال والتقدير البشري، في منظومات عمل تعزز من فاعلية الأفراد.

* الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة «Zest AI»، مجلة «فاست كومباني».