الحكومة الروسية تقر الإنفاق على قطاع السياحة لتحسين عائداته

العقبات البيروقراطية تحول دون تدفق السياح وإنفاقهم المليارات

تقارير الشركات السياحية كشفت عن تراجع الإقبال على الرحلات  إلى منتجع سوتشي الروسي رغم الإنفاق الحكومي الكبير (رويترز)
تقارير الشركات السياحية كشفت عن تراجع الإقبال على الرحلات إلى منتجع سوتشي الروسي رغم الإنفاق الحكومي الكبير (رويترز)
TT

الحكومة الروسية تقر الإنفاق على قطاع السياحة لتحسين عائداته

تقارير الشركات السياحية كشفت عن تراجع الإقبال على الرحلات  إلى منتجع سوتشي الروسي رغم الإنفاق الحكومي الكبير (رويترز)
تقارير الشركات السياحية كشفت عن تراجع الإقبال على الرحلات إلى منتجع سوتشي الروسي رغم الإنفاق الحكومي الكبير (رويترز)

أطلقت الحكومة الروسية خطة لتطوير القطاع السياحي، بغية رفع دخل هذا القطاع، الذي تبقى عائداته عند مستويات متدنية، مقارنة بالوجهات السياحية الأخرى في العالم، وذلك على الرغم من امتلاك روسيا مقومات يفترض أن تكون معها إما وجهة رئيسية للسياحة عالمياً، وإما واحدة من تلك الوجهات الرئيسية. إلا أن عوامل رئيسية تحول دون تنشيط السياحة الداخلية والخارجية، في مقدمتها التعقيدات البيروقراطية للحصول على تأشيرة سفر إلى روسيا، ومعها غلاء أسعار النقل بين المناطق السياحية في روسيا مترامية الأطراف، وأجور الفنادق المرتفعة للسائح المحلي والأجنبي على حد سواء.
وفي إطار مساعيها لتحسين دخل القطاع السياحي، أعلنت الحكومة الروسية أخيراً عن تخصيص 21 مليار روبل (نحو 350 مليون دولار) من الميزانية لتمويل تطوير السياحة، وذلك في إطار برنامج «الثقافة والسياحة 2019 - 2021»، الذي يشكل استمراراً لبرنامج «تطوير السياحة الداخلية والوافدة»، ويهدف إلى زيادة عائدات القطاع السياحي حتى 4.14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2025، علماً بأن عائداته لم تتجاوز 3.4 في المائة وفق بيانات عام 2018.
وقال نيكولاي كوروليف، نائب مدير الوكالة الفيدرالية الروسية للسياحة، إن نحو 21 مليار روبل سيتم تخصيصها من الميزانية لتطوير السياحة خلال سنوات 2019 - 2021. وأكد في مداخلة له أمام اجتماع مكرس لبحث المسائل الملحة لتطوير السياحية، أن العمل يجري حالياً على قدم وساق لإعداد برنامج حكومي في هذا المجال.
ولم يكشف المسؤول الروسي كيف سيتم إنفاق ذلك المبلغ لتطوير السياحة، وهل سيشمل الإنفاق تمويل خطة تخفيض أجور النقل البري والجوي داخل روسيا أم لا، وكذلك تمويل خطة تؤدي إلى تخفيض أجور الفنادق، والإقامة السياحية بشكل عام في المنتجعات الرئيسية في روسيا.
وتشكل التكلفة أو المبالغ التي ينفقها السائح للاستجمام وفي السياحة، عاملاً رئيسياً يؤثر على اختياره «الوجهة المفضلة». مثال على ذلك منتجع سوتشي السياحي على البحر الأسود جنوب روسيا، الذي أنفقت السلطات على تطوير البنى التحتية للسياحة فيه مبالغ طائلة، خلال التحضيرات لاستضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم صيف العام الماضي، وشيدت مجمعات سياحية ضخمة للاستجمام صيفاً وشتاء، وعلقت الآمال بأن يساهم هذا العمل في استقطاب أعداد أكبر من السياح إلى المنطقة؛ إلا أن تقارير الشركات السياحية كشفت عن تراجع الإقبال على الرحلات السياحية إلى سوتشي.
موقع «تور دوم. رو»، المتخصص في السياحة، قال في تقرير نشره أخيراً، إن حجم مبيعات الرحلات السياحية إلى سوتشي لصيف العام الجاري، مع إقامة في فنادق جيدة، قد تراجع و«يختار السياح التوجه إلى تركيا، عندما يعرفون تكلفة الإقامة للسياحة في سوتشي». ويوضح الموقع أن الإقامة وحدها لمدة أسبوع في فندق 4 نجوم في سوتشي، لشخصين بالغين مع طفل، وفق حزمة «All Inclusive» تكلف 100 ألف روبل (نحو 1500 دولار)، لا تشمل نفقات النقل، بينما لا يزيد سعر الحزمة السياحية إلى تركيا لمدة أسبوع عن 96 ألف روبل، تتضمن نفقات الإقامة والاستجمام في فندق 5 نجوم، وفق نظام «All Inclusive»، ونفقات النقل الجوي من وإلى روسيا.
ومع انتشار مناطق جذب سياحي مهمة في روسيا، من القوقاز جنوباً وحتى جزر كيريل شرقاً، ومحميات طبيعية رائعة شمال وشرق ووسط البلاد، تبقى العاصمة موسكو في صدارة المدن والمناطق الروسية التي يقصدها السياح الأجانب من مختلف دول العالم. ودخلت موسكو قائمة المجلس العالمي للسفر والسياحة، واحتلت على تلك القائمة المرتبة 35 بين المدن التي حصلت على دخل من السياحة. وتشير بيانات وكالة الإحصاءات الفيدرالية الروسية، إلى أن 24.4 مليون سائح زاروا روسيا عام 2017. الجزء الأكبر منهم، نحو 21 مليون سائح، كانوا من نصيب العاصمة موسكو. ويقول المجلس العالمي للسياحة والسفر، إن التعقيدات البيروقراطية في الحصول على تأشيرة سفر إلى روسيا، واحدة من العقبات الرئيسية التي تحول دون نمو هذا القطاع وتحصيله عائدات مناسبة.
تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان قد حدد نمو عائدات القطاع السياحي، كواحدة من المهام الاستراتيجية للحكومة، في إطار خطة زيادة دخل القطاع غير النفطي، وقال إن «الدخل السنوي للخدمات، بما في ذلك التعليم، والرعاية الصحية، والسياحة والنقل، يجب أن ينمو حتى 100 مليار دولار سنوياً»، خلال السنوات الست القادمة.
وبلغت عائدات السياحة في روسيا عام 2017 نحو 3 تريليونات روبل (50 مليار دولار)، أو 3.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتوقعت الوكالة الفيدرالية الروسية للسياحة أن ينمو هذا المؤشر بحلول عام 2025 حتى 5 تريليونات روبل (83 مليار دولار)، أو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي وقت سابق، عبر مكسيم أوريشكين، وزير التنمية الاقتصادية الروسي، عن قناعته بأن السياحة في روسيا يمكن أن تحقق قفزة نوعية خلال ست سنوات، من خلال تنظيم عمل القطاع السياحي وتوفير تمويل له، وقال إن السياحة تتطلب إزالة العقبات البيروقراطية، وتطوير البنى التحتية في النقل والسياحة، وتبني خطط شاملة لتطوير المناطق التي تتمتع بمقومات سياحية، والانتقال كذلك إلى اعتماد الوثائق الرقمية (في نظام التأشيرات) وتخفيض النفقات ومستوى المخاطر للسياح.
وأشار أوريشكين إلى أن السياح ما زالوا يفضلون إنفاق أموالهم خارج روسيا، على الرغم من تطور الخدمات السياحية فيها، لافتاً إلى أنه في عام 2017 أنفق السياح الروس خارج البلاد 31 مليار دولار، بينما لم يتجاوز ما أنفقه السياح الأجانب في روسيا 9 مليارات دولار، وعبر بعد ذلك عن يقينه بأن إنفاق السياح الأجانب في روسيا خلال السنوات القادمة ربما يرتفع حتى 20 مليار دولار؛ لكن إذ تم تنفيذ الشروط التي حددها حول التمويل وإلغاء العقبات البيروقراطية.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.