فلاديمير إيتوش سيد المسرح الروسي القادم من حقبة الحرب العالمية الثانية

فلاديمير إيتوش سيد المسرح الروسي القادم من حقبة الحرب العالمية الثانية

لم يحظ بشهرة عالمية استحقها بجدارة عن قرن من الإبداع الفني
الثلاثاء - 6 رجب 1440 هـ - 12 مارس 2019 مـ رقم العدد [ 14714]

مثل نجم لا يعيش دهراً، تبقى ضياؤه منارةً في الذاكرة حتى بعد سقوطه. رحل الفنان المسرحي الروسي الكبير فلاديمير إيتوش، عن عمر يناهز 96 سنة، قضاها بين مسرح الحياة وخشبة المسرح، وخلف في الحالتين إرثاً إنسانياً وفنياً يجعله جديراً بموقع مميز على القائمة الذهبية لصناع الفن المسرحي في روسيا منذ بدايات العهد السوفياتي وصولاً إلى قاعات التدريس في أرقى معاهد المسرح الروسية. ومع مكانته الكبيرة في عالم الفن الروسي، والأداء المميز الذي قدمه على مدار عقود طويلة من الزمن، إن كان عبر تجسيده مئات الشخصيات على خشبة المسرح، أو من خلال مشاركته في أفلام دخلت ودخل معها سجل «الأفلام الذهبية الروسية»، إلا أنّ إيتوش، حاله حال غالبية عظماء الفن المسرحي في روسيا، لم يحظ بالشهرة العالمية التي يستحقها، لأنّ صناعة المسرح السوفياتية لم تتمكن من اكتساح العالم عبر الشاشات، على الطريقة الهوليودية، وكانت أسيرة المواجهة الآيدلوجية مع الغرب.

بعد مراجعة سريعة لسيرة حياته، سيدرك أي كاتب سيناريو أنّ المحطات التي عاشها الفنان المسرحي الروسي إيتوش، تصلح بحد ذاتها مادة دسمة لسيناريو عمل فني. وُلد إيتوش عام 1922، إلا أن والديه أخرا تسجيله عاماً كاملاً، وفق تقليد كان سائداً حينها بتأخير تسجيل المولود الذكر لمدة عام، كي يكون عوده قد اشتد حين دعوته للخدمة العسكرية. سيرته مع حياته المسرحية بدأت من خيبة أمل وفراق بسبب الحرب. ويروي إيتوش أنّه حاول التسجيل في معهد روسيا للفنون المسرحية، إلا أنّه لم يجتز امتحان القبول. بعد خيبة الأمل تلك، حالفه الحظ بمواصلة الدراسة في «معهد شوكين المسرحي المتوسط»، وهو من أفضل المعاهد السوفياتية، بـ«واسطة» من مخرج مسرحي، كان إيتوش يقيم علاقة صداقة مع قريبة له.

في صيف عام 1941، وبينما كان إيتوش يدرس في المعهد المسرحي، بدأت الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من أنّه معفى من الخدمة العسكرية لأنه يدرس، لكنّه قرّر الالتحاق بجبهات القتال بصفة متطوع. التحق بفوج الرماة وشارك في القتال ضد القوات النازية في قبارديا وأوسيتيا في القوقاز، ومن ثمّ في تحرير مدينة روستوف على نهر الدون، وبعدها انتقل للمشاركة في معارك تحرير أوكرانيا من النازيين. وحسب التقارير الحزبية، أظهر إيتوش شجاعة وحنكة خلال مشاركته وقيادته الهجمات ضدّ القوات النازية، وله الفضل في تحرير مناطق سكنية وفك الحصار عن قوات كانت محاصرة، ولقاء ذلك منحته القيادة السوفياتية وسام «النجمة الحمراء».

وفي عام 1944، أصيب إيتوش بجروح خطيرة. وبعد تماثله للشفاء سُرّح من الخدمة العسكرية. ومن مسرح الحرب التي أعادت بناء العالم، عاد مجدداً إلى المعهد المسرحي، وأنهى دراسته هناك. ومن ثمّ انضم إلى الفرقة الفنية في المسرح الأكاديمي، المعروف باسم «مسرح فاختانغوف»، نسبة لمؤسسة المخرج المسرحي السوفياتي يفغيني فاختانغوف. وكان ذلك المسرح حينها، ولا يزال حتى يومنا هذا، من أهم المسارح السوفياتية والروسية لاحقاً. ومنذ بدايات عمله في ذلك المسرح حصل إيتوش على مكانة مميزة بين الممثلين الرئيسيين. وفي الوقت ذاته عاد إلى «معهد شوكين»، لكن بصفة مدرس مختص بفنون التمثيل المسرحي. وحصل لاحقاً على صفة بروفسور في ذلك المعهد. ومنذ عام 1987 وحتى عام 2003 كان عميد المعهد ومديره الفني. تتلمذ على يده عشرات الممثلين الروس. كما أثبت براعته وأظهر مستويات فريدة من الإبداع في أدائه المسرحي. وجسّد في دوره الأول على خشبة «مسرح فاختانغوف»، شخصية الخادم لورانس في مسرحية «السيدان الفيرونيان»، من أوائل مسرحيات ويليام شكبير. ومنذ ذلك الحين تحول إلى ممثل رئيسي في فرقة المسرح الأكثر شهرة في روسيا، ودخل إيتوش عبره عالم الشهرة، وحظي باهتمام كبير في أوساط النقاد وعشاق الفن المسرحي، نظراً لبراعته في الأداء وفرادة أسلوبه في تقديم الشخصيات. وكان لحضوره وتقديمه الشخصيات الرئيسية في مسرحيات من الأدبين العالمي والروسي، طابعاً خاصاً يغني كل عمل مسرحي يشارك فيه.

ولم يكن حضوره في عدد كبير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية أقل أهمية من أدواره على خشبة المسرح، وارتبط اسمه بنجاح حققته أفلام مدرجة حالياً ضمن «المكتبة الذهبية» للأفلام الروسية، منها أعمال كوميدية مثل دوره في فيلم «إيفان فاسيليفتش يغير مهنته»، وفيلم «الأسيرة القوقازية»، ولعب إيتوش فيه دور مسؤول حزبي في واحدة من مناطق القوقاز يريد الزواج من شابة جميلة، فيخدعها ويقوم باختطافها بمساعدة أخيها مقابل «عشرة خرفان» ووعود بوظيفة جيدة. وكما في كل أدواره أطل إيتوش عبر ذلك الدور بشخصية جديدة، جسدها بأداء لا يشبه أي دور من أدواره السابقة، وقدم شخصية هزلية بأسلوب كوميدي يجمع ما بين الجاد والساخر. ولم يتوقف عن العطاء طيلة عقود من حياته، وشارك خلال السنوات الماضية في عشرات الأعمال السينمائية، وأدى مجموعة أدوار رئيسية في أعمال جديدة، منها بما في ذلك دوره في فيلم «المراهق» المأخوذ عن رواية دوستويفيسكي.

يقول مقربون منه إنّه عاش حياته بعشق غريب للفرح والابتسام، ولم تغب الدّعابة حتى عن كتب ألفها، منها كتاب صدر عام 2002 يروي فيه تفاصيل حياته ومسيرته الفنية ورفاق دربه في مسرح الحرب العالمية الثانية، وعلى خشبه «مسرح فاختانغوف»، وفي مسيرته الإبداعية بشكل عام. في وداعه قال «مسرح فاختانغوف» عنه إنّه «معلم رائع ربّى أجيالاً من كبار الفنانين الروس، يتمتع بحس الفكاهة. عاش حياة طويلة مليئة بالإبداع والعطاء وحب لا ينتهي للمسرح»، ولم يغادره حتى آخر أيام من حياته، واستمر حتى وهو في عامه الـ95 يلعب أدواره وكأنه ما زال في الـ25. حزن لرحيله الملايين في روسيا، وعبر رؤساء روسيا وبيلاروسيا وجميع المسؤولين السياسيين والفنيين في الجمهوريات السوفياتية السابقة عن أسفهم لرحيله في برقيات رسمية. ومنذ وفاته قبل أربعة أيام، يتوافد مئات من عشاقه ويضعون الزهور عند مدخل «مسرح فاختانغوف» تعبيراً عن ألمهم لرحيله.


روسيا المسرح

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة