«فريكة» هبة نجم... طَعْمٌ آخر للمسرح اللبناني

عرضٌ تذوّقي تناول تداخُل الحياة والموت في التركيبة البشرية

مسرح هبة نجم تذوّقي يُشغِل الحواس بالتقاط رائحة الطعام المنبعثة من «المطبخ» (الشرق الأوسط)
مسرح هبة نجم تذوّقي يُشغِل الحواس بالتقاط رائحة الطعام المنبعثة من «المطبخ» (الشرق الأوسط)
TT

«فريكة» هبة نجم... طَعْمٌ آخر للمسرح اللبناني

مسرح هبة نجم تذوّقي يُشغِل الحواس بالتقاط رائحة الطعام المنبعثة من «المطبخ» (الشرق الأوسط)
مسرح هبة نجم تذوّقي يُشغِل الحواس بالتقاط رائحة الطعام المنبعثة من «المطبخ» (الشرق الأوسط)

ليس عرضُ «فريكة» على مسرح «زقاق» في منطقة الكارنتينا البيروتية مما يُحدِث التلقّي المألوف في المسارح. ذلك، بأهميته، قلّما يُتوَّج على أنه تجربة، باستثناء ما تقدّمه نصوصٌ مُتقَنة بسحر الأداء والإخراج. كاتبة المسرحية، ومخرجتها وبطلتها، هبة نجم، تُكرّس أسلوبها المُرتكِز على تفعيل تلك التجربة ومدّها بعناصر حيّة. مسرحُها تذوّقي يُشغِل الحواس بالتقاط رائحة الطعام المنبعثة من «المطبخ»، وترقُّب لحظة الالتهام بعد إعلانٍ بأنها ستشكّل نهاية العرض. بسردها حكاية عمّتها الراحلة قبل 40 يوماً، تمرّ الفنانة اللبنانية على علاقة الحياة بالموت، والحضور الساطع لمَن تركت مغادرتهم في الأحياء حفرة أبدية.

بوستر مسرحية «فريكة» على مسرح «زقاق» في منطقة الكارنتينا البيروتية

يتحرّر هذا الحيّز البيروتي من شكله المُتوقَّع، ليقدّم مسرحاً خارج الصورة المُتداوَلة للخشبة والمقاعد. «زقاق» تجربة أيضاً، لتوليد تجارب. مسرحٌ لا يكترث للمظهر، وربما يفضّل «فوضويته»، فيمنح قاصدَه شعور التفلُّت من الشكل. تصطفّ الكراسي بوضعية قابلة للتعديل، مُتحرّرةً من ثباتها والعلاقة الواحدة مع المساحة، لتبدأ هبة نجم ومعها شريك الأداء وعازف الأكورديون سامح بالمنى، العرض.

هبة نجم وشريك الأداء وعازف الأكورديون سامح بالمنى (الشرق الأوسط)

من موت العمّة، وبما يُشبه التأبين الفنّي لرحيل لم يبرُد بعد، يحوم الموضوع حول وَقْع الغياب في البشر، من دون اقتصاره على دفن أحبّة وامتهان الوداع الإنساني. هو هنا غياب لِما ألفه الفرد واليوم يُفتَقد، ولِما راح يتوه عن الأصل ليتّخذ تعريفاً آخر. تُقدِّم وجبة «الفريكة» الرائجة في بلاد الشام، والمكوَّنة من حبوب القمح وخضراوات منها البصل والجزر، مُنكَّهةً بخليط بهارات شهيّ، برهاناً حسّياً على تداخُل المفاهيم في زمن غلبة الرائج. وبإخضاعها للضوء المسرحي، تشاء الفنانة الاعتراض على منطق الوجبات السريعة المفضَّلة لدى إنسان اليوم، والشرخ المتمادي بين الطبخة ومُلتَهمها. تردُّ المفهوم إلى أصله، فلا تغدو «الفريكة» شائعة جداً أو ضئيلة الحضور، وإنما الأجدى محافظتها على «وسطيّتها» بين الوهج والخفوت. وهو موقعها في الأصل.

هبة نجم تُكرّس أسلوبها المُرتكِز على تفعيل التجربة ومدّها بعناصر حيّة (الشرق الأوسط)

باستذكار عمّتها، تُجنّبها هبة نجم الإحالة على الانطفاء الحقيقي المُمثَّل بالنسيان. تولِّف الحكاية بالميثولوجيا؛ وبتداخُل مشهدية جنائزية على أنغام الأكورديون، تُستدعى متناقضات تحكُم دورة حياة البشر. فالخصوبة المُمثَّلة بالقمح والفناء المُمثل بالجفاف، يرسمان مسار الإنسانية منذ فجر التاريخ. وباستعادة صوت العمّة الراحلة، وحكاية زراعة «الفريكة» وحصادها، تُبيّن ترابُط الكائن الحيّ بالطبيعة؛ من أكثر الأشكال بداهةً؛ وهو الغَرْس، إلى ذروتها؛ وهي دفن الجسد بالتراب.

وإذ يُفسَح المجال لرقصة الضوء مع المشهد الجنائزي، وتصاعُد النغم الموسيقي؛ تتأكد هبة نجم من أنّ طبخة «الفريكة» تُعدُّ على نار هادئة. وبكشفها الغطاء عن الطنجرة، يملأ البخار ما حولها وهي تُقلِّب بالملعقة الخشب ما رسَبَ في القعر نحو الأعلى، لمَنْح المكوّنات فرصة استواء عادلة.

طبخة «الفريكة» تُعدُّ على نار هادئة وسط تصاعُد النغم (الشرق الأوسط)

علاقة الأنثى بالعمّة شائكة بحجم عمقها إنْ حكمها ودٌّ خاص. في المسرحية تغدو مفتاحاً إلى الآخر، مما يُجرّدها من الشخصانية نحو احتمال إسقاطها على علاقات يُشكّلها الوفاء والعطف. يغرف العمل من رقصة الموت والحياة أسئلة تُرمى على المتلقّي لتحرّضه على السعي خلف إجابة. وكما يُحتَفى بالحيّ، ضمن سيرورة الوجود، يُستذكر الميت ضمن السيرورة عينها وفق منطق أنّ الحياة نداء الموت، والموت شبح الحياة. في نصّ هبة نجم، تُعاد الصياغة على هذا النحو: «نولد من حفرة وننتهي بحفرة»، مع ما يكمُن بين البداية والنهاية من حزن وصراع وتقبُّل وذكريات.

يُمهِّد القربان لولادة الوليمة، فتُوزّع الفنانة على الجمهور، وهو هنا المُشارك في الجنازة، خبزاً بإمكان مذاقه التفوّق على انتشار ما سمّته «رائحة الخطايا في أرجاء المسرح»، فيغتسل الموتى من الإثم وتستكين أرواحهم المُعذّبة. وتتويجاً للخلاص الإنساني المرجوّ، تدعو «ضيوفها» لإعداد تلك الوليمة، بأصابع أذنبت، وقلوب لعلّها مُثقلة. عملية إعداد السفرة بمثابة تطهُّر جماعي من الآثام المُرتَكبة؛ فإذا بالجميع يجلس حول المائدة لتناوُل خطاياه ومَضْع الندم!

عملية إعداد السفرة بمثابة تطهُّر جماعي من الآثام (الشرق الأوسط)

بطلب هبة نجم الانقسام إلى 4 مجموعات؛ تُنجز الأولى مَهمّة تقطيع الخضراوات لإضافتها إلى طبخة «الفريكة»، والثانية خَفْق اللبن مع الخيار والثوم لتنكيه الوجبة، والثالثة تقطيع الفاكهة وشكّها بعيدان خشبية تُزيّن السفرة، والرابعة الاهتمام بترتيب الزهور وتوزيع الشموع؛ تُحوّل المسرح ورشة تنبض بالحياة رداً على الحِداد المُسيطر، وانتصاراً للأمل على الزعل.

فجأة، تجد صاحبة السطور نفسها تتناول العشاء، «فريكة» ولبن مُثوَّم، على سفرة يملأها غرباء، يلتهمون آثامهم بشهية ثم يغسلون الصحون! مثلهم تماماً تُحطّم بعض المألوف فيها، ومما تأطَّر وتجمَّد وأُصيب بالصمت المميت.

يجلس الجميع حول المائدة لتناوُل خطاياه ومَضْع الندم (الشرق الأوسط)

تقول هبة نجم لـ«الشرق الأوسط» إنّ الفكرة وُلدت عام 2015 بوحيّ من مادة الإنثروبولوجيا والمسرح في الجامعة: «يمكن للطعام أن يحمل طابعاً مسرحياً. المائدة تُخاطب الحواس وتجمع البشر بتشكيلها ذريعة للقائهم وإمكان حدوث البوح. هذه المسرحية ثالث عروضي التذوّقية احتفاء بمأكولات غير مألوفة وربما منسيّة؛ بعد (عدس بشومر) و(فطاير ببندورة). أردتُ ردَّ (الفريكة) إلى أصلها/ منطقتنا. أحبّ لقاء الناس والحديث معهم. واستحضار شخصيات ليس لها عادةً أيّ حيّز مسرحيّ، مثل مُزارع (الفريكة) مثلاً أو عمّتي. سرد قصصهم يُريحني».

لم ينتهِ العرض بتصفيق وتحية. لمَّ الجميع على المائدة وأسعَدَ. حركش بأسئلة كبيرة وصنع تجربة. تصفيق من نوع آخر سُمِع عالياً.


مقالات ذات صلة

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

يوميات الشرق المخرج التونسي يتسلَّم جائزة أفضل مخرج بحفل ختام «مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي» (إدارة المهرجان)

الطاهر عيسى: «لا موضة» صرخة ضد المباهاة التي فرضتها العولمة

قال المخرج التونسي الطاهر عيسى، مخرج العرض المسرحي «لا موضة- Show Off»، إن عرضه يعكس حالة التداخل الثقافي التي يعيشها الإنسان المعاصر.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق حصد العرض على إشادات نقدية عدة (إدارة المهرجان)

فيرا بولياكوفا - ماكي تعيد اكتشاف عالم بوشكين من بوابة الحب الأول

منحت المخرجة البيلاروسية فيرا ألكساندروفنا بولياكوفا - ماكي كل شخصية رئيسية أغنية خاصة تكشف مشاعرها من دون الاستعانة بكلمات بوشكين.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أداء حركي مميّز في العرض (مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي)

«بماذا يحلم الناجون؟»... أحياء يحملون آثار الكارثة

تبدو الشخصيات كأنها كائنات فقدت بوصلة الطريق وهي تبحث عن المعنى والهوية...

رشا أحمد (القاهرة )
يوميات الشرق 4 ممثلين يحملون رحلةً أثقل من خطواتها (صوَر المُخرج)

«حنظلة» يعود إلى بيروت... رحلة الأمس في وجع اليوم

يضحك الجمهور على اختلال المواقف وعلى «حنظلة» الذي يُحاول تطبيق منطقه البريء في عالم تحكمه قواعد ملوَّثة...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الموهبة أحياناً دون أقدام (أ.ب)

«الأميرة» تخطف الدور... أفعى تتألَّق على مسرح المتروبوليتان

يتعيَّن على الجميع تقريباً ممّن يعتلون خشبة المسرح في أوبرا المتروبوليتان بنيويورك خوض اختبارات الأداء؛ حتى الأفعى التي ستستحوذ لبرهة على صدارة المشهد...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
TT

الجوال في مصر… مجرد هاتف أم شارة اجتماعية؟

أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)
أسعار بعض إصدارات هاتف «آيفون» تلامس ربع مليون جنيه في مصر (الشرق الأوسط)

لا ترى مها موسى، وهي أم ثلاثينية وموظفة إدارية في إحدى السلاسل الغذائية، أن تخصيصها مبلغ ألف جنيه مصري قسطاً شهرياً لهاتف «آيفون 17 برو ماكس» أمر في غير محله. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أن لونه البرتقالي المميز كان لافتاً للنظر عند إصداره، ويميز من يحمله بشكل واضح، لكنني لم أشتر الهاتف لهذا السبب فقط؛ فهو يوفر لي مزايا كثيرة أستخدمها يومياً، من بينها جودة التصوير وتطبيقاته، والأهم بالنسبة إليّ هو الأمان وحماية البيانات، فضلاً عن احتفاظه بكفاءته وقيمته لسنوات».

وتضيف موسى، التي تسدد أقساط هاتفها منذ نحو عام، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «زوجها، وهو موظف في أحد البنوك، يستخدم (آيفون) أيضاً، وأن كليهما اعتاد نظام تشغيله وإمكاناته مقارنة بنظام (أندرويد)».

واستقبل سوق المحمول في مصر إعلان شركة «أبل» طرح هاتفي «آيفون 18 برو» و«آيفون 18 برو ماكس»، في 9 سبتمبر (أيلول) الحالي، بكثير من الفضول والجدل بشأن أسعارهما، قبل فتح باب الحجز المسبق عليهما، للمرة الأولى في مصر، بالتزامن مع بدء الحجز عالمياً، على أن يبدأ تسليم الأجهزة في 18 سبتمبر الحالي.

هاتف «آيفون 18 برو ماكس» (الشرق الأوسط)

وتبدأ أسعار «آيفون 18 برو ماكس» في مصر بالعملة المحلية من 107.5 ألف جنيه (الدولار يعادل 51.3 جنيه مصري) للنسخة ذات سعة 256 غيغابايت، وترتفع إلى 129.9 ألف جنيه لسعة 512 غيغابايت، ثم إلى 165.5 ألف جنيه لسعة تيرابايت واحد، فيما يصل سعر النسخة الأعلى، بسعة 2 تيرابايت إلى 215.5 ألف جنيه.

ومع إعلان الأسعار المحلية، التي تتجاوز في نسخ منها 200 ألف جنيه، ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بمحتويات «ساخرة» من الأرقام المتداولة.

وترى الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، أن «الهواتف مرتفعة السعر لم تعد مجرد وسيلة للاتصال أو جهازاً تُقاس قيمته بما يقدمه من وظائف لدى بعض الفئات؛ وإنما أصبح رمزاً اجتماعياً يحمل دلالات تتعلق بالمكانة والقدرة المادية والانتماء إلى نمط حياة معين. ولهذا يحظى طرح الإصدارات الجديدة بكل هذا الاهتمام، حتى عندما تكون الفروق في الاستخدام الفعلي محدودة بالنسبة إلى بعض المشترين».

ورغم ذلك، تشدد منصور، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «هذه الفرضية لا يمكن تعميمها على جميع مقتني الهواتف مرتفعة الثمن؛ فهناك من يحتاج إلى إمكاناتها في عمله، وهناك من يستطيع شراءها من دون أن تشكل عبئاً عليه. لكن قطاعاً آخر يتعامل معها بوصفها أداة لتقديم الذات أمام الآخرين، وقد يلجأ إلى الاستدانة أو التقسيط على مدد زمنية طويلة، وليس بالضرورة لأنه يحتاج إلى جميع خصائص الجهاز».

أسعار أحدث إصدارات هواتف الآيفون في مصر تثير ضجة (إ.ب.أ)

ويقدم عبد الفتاح عطية، صحافي مصري، نموذجاً للاستخدام المهني للهاتف، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أستخدم هاتف (آيفون 15 برو ماكس) في عملي، يساعدني في التصوير والمونتاج ومهام الصحافة والإعلام، إلى جانب تطبيقات التواصل المميزة المقتصرة على مستخدمي الآيفون، بجانب تشغيل البرامج والتطبيقات المختلفة».

ويؤكد عطية أنه رغم ثمن الهاتف المرتفع جداً في مصر، فإن إمكاناته تستحق ذلك المبلغ، لافتاً إلى أنه استغنى عن كاميرته الاحترافية، منذ عامين بسبب اعتماده الكامل على كاميرا الهاتف المتطورة، وميكروفونات الصوت الحديثة، وحامل الهاتف (الجامبل) الذي يسهل مهمات التصوير. لكن عطية في المقابل لا ينفي حرص كثير من المصريين على حمل هواتف باهظة الثمن من أجل التباهي والتفاخر بحمل أحدث إصدار من الهاتف من دون معرفة كل إمكاناته، ولا التطبيقات ولا البرامج التي يتيحها، ومن بينها برنامج المونتاج «آي موفي».

وتعدّ مصر منصة مهمة في مجال تصنيع الهواتف المحمولة عربياً وأفريقياً، لكنها لا تصنع الهواتف باهظة الثمن أو الفئات الرائدة، بل يقتصر التصنيع والتجميع المحلي حالياً على الهواتف الاقتصادية والمتوسطة، التي تلبي الاستخدام اليومي الأساسي بأسعار تنافسية.

وتضم السوق المصرية مصانع وخطوط إنتاج لشركات عالمية ومحلية، أبرزها «سامسونغ»، «شاومي»، «أوبو»، «فيفو»، «ريلمي»، «إنفينكس».

وقبل عامين، كشف رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن حكومته تعمل على إقناع شركة «أبل» الأميركية بتصنيع هواتفها في مصر، إلا أنه لم يتم الوصول إلى اتفاق رسمي بعد في هذا الشأن.

جانب من الإعلان عن أحدث هواتف شركة أبل الأميركية (إ.ب.أ)

ويشير عمرو الصاوي، مدير أحد متاجر بيع الهواتف المحمولة في منطقة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة)، إلى أن «تفاوت أسعار (آيفون) في السوق المصرية يعود إلى اختلاف سعة التخزين ومصدر الجهاز والضمان، إلى جانب الضرائب والرسوم المفروضة على الهواتف الواردة من الخارج، التي تقدر بنحو 30 في المائة من قيمة الجهاز». كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

ووفقاً لأحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، الصادرة عن نشاط التمويل الاستهلاكي حتى نهاية يونيو (حزيران) 2026، بلغت تمويلات شراء الهواتف المحمولة نحو 3.45 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام، بما يمثل 4.8 في المائة من إجمالي التمويل الاستهلاكي خلال الفترة نفسها، من بينها نحو 1.2 مليار جنيه خلال يونيو وحده.

ويقول الصاوي: «تُشترى نسبة كبيرة من هواتف (آيفون برو ماكس) بالتقسيط، بفضل أنظمة السداد الإلكتروني المتاحة، لتجعل اقتناءها ميسوراً لمن لا يستطيع دفع ثمنها كاملاً. ورغم أن هناك عملاء يشترون الهاتف للاستفادة من خصائصه، فإن قطاعاً آخر يحرص على حمل جهاز غالٍ باعتباره علامة على الوجاهة، رغم أنه قد لا يعرف كثيراً من إمكاناته أو لا يستخدمها، سواء اشتراه نقداً أو بالتقسيط».

ويضيف الصاوي: «عادةً ما يظل مستخدم (آيفون) متمسكاً به لاعتياده نظام التشغيل وما يوفره من أمان وجودة تصوير وتحديثات، كما يحتفظ الهاتف بقيمة جيدة عند إعادة بيعه؛ لذلك يشتريه البعض وهم يعرفون أنهم سيتمكنون لاحقاً من بيعه وإضافة فارق السعر للحصول على إصدار أحدث، فيما تتيح سوق المستعمل اقتناءه لمن لا يستطيع شراء جهاز جديد».

ويتمتع أصحاب هواتف «آيفون» بإمكانية نقل كل المواد بسهولة من الأجهزة القديمة إلى الجديدة في دقائق معدودة.

تباين كبير بين أسعار الهواتف المحمولة في مصر والخارج (أ.ف.ب)

ولا تنفرد منتجات «أبل» بالأسعار المرتفعة؛ إذ تضم السوق هواتف فاخرة من علامات أخرى تقارب 100 ألف جنيه، لكن الحضور الواضح لـ«آيفون برو ماكس»، إلى جانب سهولة التعرف إلى تصميمه، ما جعله المثال الأكثر حضوراً في النقاش بشأن الهاتف، بوصفه علامة على المكانة الاجتماعية.

وتعتبر سارة الشاذلي، خبيرة علم الاجتماع، أن «وسائل التواصل الاجتماعي رفعت سقف المقارنة بين الأفراد، فلم يعد الشخص يقارن نفسه بمن يشبهونه في الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يقارن مقتنياته، بما تحمله من علامات تجارية، بمقتنيات مؤثرين يعرضون هواتف وسيارات وأغراضاً منزلية تكون عادةً مهداة إليهم بوصفها وسيلة للترويج».

وترتفع أسعار الهواتف المحمولة في مصر بشكل ملحوظ، مقارنة بالأسواق الخارجية بسبب فرض رسوم جمركية وضريبية تصل إلى 38 في المائة على الواردات، وإلغاء الإعفاء الجمركي الشخصي.

وتضيف الشاذلي: «الطبقات الاجتماعية متفاوتة بطبيعتها في الدخل، وبالتالي في أنماط الاستهلاك، لكن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت رموز كل طبقة معروضة باستمرار أمام الجميع، علاوة على تطبيقات التقسيط التي تسهل الوصول إلى السلع من دون امتلاك ثمنها كاملاً، رغم ما تفرضه من فوائد وأعباء، ويمثل (آيفون) منذ سنوات هذا النموذج، بما يجسده لدى كثيرين من طموح مادي واجتماعي، حتى إن لم يكونوا يستفيدون عملياً من تطبيقاته وإمكاناته التكنولوجية».


«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
TT

«امرأة مجهولة»... ماضٍ يطارد امرأة عند عتبة حياة جديدة

رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)
رئيسة لجنة التحكيم ماغي جيلنهال والمخرجة مي الطوخي تحملان جائزة «الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (إ.ب.أ)

الشرق الأوسط في مهرجان فينيسيا (8)

في فيلم مي الطوخي السابق «ملكة القلوب» (Queen of Hearts، 2019)، الذي فاز بـ9 جوائز «روبرت» (ما يوازي الأوسكار دنماركياً)، طرحت المخرجة موضوعاً عاطفياً شائكاً حول امرأة تقيم علاقة مع ابنها بالتبنّي. وفي فيلمها الجديد «امرأة مجهولة» (Woman Unknown)، الفائز بذهبية الدورة الـ83 من مهرجان «فينيسيا»، تواصل استكشافها العوالم العاطفية المعقّدة، من خلال مسيرة امرأة أخرى وقضية لا تقلّ جدّية.

ماتيلدا أرسل في «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم بروكشنز)

بطلتها هنا خادمة ووصيفة، وهي على مشارف حياة جديدة حال زواجها من كريستيان (كارستن بيورلند)، صاحب مصنع الملابس حيث تعمل خادمة. لا نرى أثراً لحب عميق، بل حاجة عاطفية لدى كل منهما إلى الآخر، يُراد لها أن تنتهي بزواج. إنها سنوات ما بعد رحيل النازيين من الدنمارك في الأربعينات، لكن ماري (ماتيلدا أرسل، التي فازت بجائزة أفضل ممثلة) لديها ماضٍ لا تريد نبشه، لولا أن الماضي يكشف عن نفسه ويضعها في مواجهة حادّة مع حاضرها ومستقبلها أيضاً.

كانت ماري متعاونة مع النازيين قبل الحرب العالمية الثانية. لا تمنح مي الطوخي بطلتها العذر وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى منح جميع الدنماركيات اللواتي أقمن علاقات مع جنود وضباط نازيين ذلك العذر. وتُصوّر نساء أخريات يعشن تجربة ما بعد تحرير الدنمارك، ومعاملة المجتمع لهن بإجحاف.

ماتيلدا أرسل بجائزة أفضل ممثلة ومي الطوخي الفائزة بـ«الأسد الذهبي» عن «امرأة مجهولة» (رويترز)

يقفز الماضي مجدداً إلى حياة ماري عندما تلتقي، من دون موعد، بكارل (ثيوبورن هدجغارد)، الذي يعرف سرَّها ولا ينوي أن يصمت عنه إلا بشروط. وينقلب حلم ماري بالانتقال إلى مرتبة اجتماعية، حال تصبح زوجة كريستيان، رأساً على عقب. فبعد أن يرسم كارل «الصليب المعقوف» على بوابة المصنع، لن تستطيع ماري إبقاء حياتها السابقة سرّاً، وستتحول أحلامها بتجاوز الطبقية والارتقاء من عشيقة كريستيان إلى زوجته إلى وضع خطر.

هناك أكثر من فيلم دنماركي تناول هذا الموضوع سابقاً، من بينها «امرأة في برلين» (A Woman in Berlin) لماكس فاربربوك، الذي فاز بجائزة مهرجان «سانتا باربرا» سنة 2009. لكن هذا الفيلم من أكثرها مباشرة في تناول الوضع، ولو أنه يعتمد على أداء بطلته لسرد كامل حكايتها أكثر مما ينجح في موازاة تجربتها بالوضع التاريخي الذي يتحدَّث عنه، أو فتح نوافذ لتكبير الصورة من حولها.

وإذ توزَّعت الجوائز بقدر كبير من الشمولية، استحق الروسي إيليا خرزانوفسكي جائزة أفضل مخرج عن «داو»، وجون مالكوفيتش بوصفه أفضل ممثل عن «وايلد هورس ناين». وكان متوقعاً أن يفوز «نازا» بجائزة أساسية، فنال جائزة لجنة التحكيم الخاصة.


جون مالكوفيتش: لا أستطيع تجسيد شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
TT

جون مالكوفيتش: لا أستطيع تجسيد شخصية لا أجد نفسي فيها

جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)
جون مالكوفيتش في «وايلد هورس ناين» (بلوبرينت بيكتشرز)

لم يكن فوز الممثل الأميركي جون مالكوفيتش مفاجئاً. ليس فقط لأن تاريخه يشهد له بجدارة موهبته وتفرّده بمزج أسلوب تمثيله بشخصيات أدواره، ما يجعل من مجمل أعماله حالة تصلح لدراسة تاريخه ومنواله في الأداء، بل هناك أيضاً هذا الدور الخاص (والمتخصص) الذي قام به في «وايلد هورس ناين». دور عميل للمخابرات الأميركية لا يخفي خلفيته، وقد أمضى عقوداً طويلة يعمل جاسوساً ومسؤولاً عن اغتيالات وقلب حكومات، ويحاول الآن أن ينجز نهاية مثالية: يريد وضع كتاب حول أسرار الـ«سي آي إيه» والانتحار.

جرت هذه المقابلة قبل فوزه بجائزة أفضل ممثل بنحو أسبوع، بعد مشاهدة فيلمه هذا؛ إذ كان واضحاً أن هذه الجائزة المهمّة لن تجد بين ممثلي أفلام المسابقة من هو أجدر بها منه.

جون مالكوفيتش في مهرجان «فينيسيا» (أ.ب)

• خلال فترة التحضير، كاد دورك يذهب إلى كريستوفر وولكن، الذي لم يُتح له قبول الدور لارتباطه بأعمال أخرى. وهناك، بكل تأكيد، اختلاف كبير بين طريقتك في أداء الشخصية وطريقة أداء أي ممثل آخر لها.

- أولاً، كريستوفر ممثل ممتاز بدوره، لكن لكل ممثل طريقته في أداء أي دور. هذه الطريقة تعود إلى اللغة التي يستخدمها لتمثيل الشخصية التي يؤديها. بالطبع، كان الأمر سيكون مختلفاً. لا أعتقد أن ممثلين يستطيعان أداء شخصية واحدة بالطريقة نفسها، وبالتالي ستختلف النتيجة.

• كيف حصل التفاهم بينك وبين المخرج مارتن ماكدونا على الدور؟

- عبر السيناريو أولاً. أُعجبت كثيراً بالشخصية كما كتبها ماكدونا. هي مليئة بالعناصر التي تدفع الممثل إلى التعبير عنها بطريقته الخاصّة.

• عمَّ تبحث في السيناريوهات التي تُطرح عليك؟

- أبحث عن الشخصية التي يعرضها المخرج عليَّ. لا أستطيع تمثيل شخصية مطروحة، أو، زيادةً في التأكيد، إذا لم أجد فيها مجالاً لكي أكون أنا فيها. هناك شخصيات كثيرة مهمّة في أفلام عديدة لا أجد فيها شيئاً يُثيرني. لكن هذا، دعني أكون واضحاً، ليس وضعاً خاصاً بي، بل وضع أي ممثل جيّد يريد إثراء تجربته كـ«دراميست»، ويبحث عن معنى يستطيع إضافته إلى الفيلم.

• هناك فيلم باسمك عنوانه «أن تكون جون مالكوفيتش» (Being John Malkovich)، أُنتج سنة 1999. كيف حُضِّر هذا الفيلم، ولماذا تعتقد أنك أنت النموذج الذي استخدمه العنوان؟

- ربما كلمة «نموذج» ليست صحيحة. ما حدث هو أن تشارلز كوفمان كتب السيناريو وأرسله إلى فرنسيس فورد كوبولا، الذي حوَّله إلى المخرج سبايك جونز، الذي أُعجب به وحقَّقه. هل شاهدت الفيلم؟

• نعم.

- حسناً. إذن، في الحكاية، يجد الموظف تشارلي شين ممراً في الشركة التي يعمل بها يؤدي إلى عقل جون مالكوفيتش.

• لكن لماذا أنت وليس سواك من الممثلين؟ أعتقد أن ذلك يعود إلى أنك، في تلك الفترة، برهنت على موهبة متفرّدة في الأداء.

- لا أدري كيف أجيب عن هذا السؤال. إذا كنت تقول ذلك فليكن (يضحك). سعيد بأن أسمع ذلك.

• دعني آخذك إلى دور يدل على فرادتك التي أتحدَّث عنها. ليس دوراً كبيراً في الفيلم، لكنه مهمّ. أنت من يدبّر خطّة لاغتيال رئيس الجمهورية في فيلم سابق لـ«أن تكون جون مالكوفيتش» بـ5 سنوات، وهو «في خط النار». أذكر جيّداً المشهد الذي تنتهي فيه من صنع مسدس خشبي، وعند أول مناسبة تطلق رصاصة منه وتقتل رجلاً. تفعل ذلك من دون أدنى انفعال... ببرودة وعفوية.

- هذا لأنني لا أجيد إلا ما أفعله. ربما كان المتوقَّع منِّي أن أنفعل قليلاً أو أن أعبِّر عن غضب لاكتشاف أمري، مثلاً، لكن هذا كان سيؤدي بي إلى تمثيل جاهز لا أستطيع أن أنفّذه. لقد حاولت دائماً أن أدخل الشخصيات مستطلعاً، لا حاكماً. هذا يمنعني من تمثيل ما كان يتوقّعه آخرون منّي في ذلك الحين أو قبله.

جون مالكوفيتش في مشهد من فيلم «وايلد هورس ناين» (أ.ب)

• هو أيضاً مؤشر إلى نوعية أدائك، وكما ذكرت، لا تحكم على شخصياتك، بل تؤديها كما لو كانت حرّة. تفعل ما تريد من دون موقف إيجابي أو سلبي منها.

- أظن أنك تقرأ أدواري جيداً.

• وهذا ما يتكرَّر في «وايلد هورس ناين». أنت عميل للمخابرات الأميركية، لست ضدها ولست معها، لكنك نفَّذت عملياتها بإتقان لنصف قرن. أعتقد أن ذلك صعب الأداء بحد ذاته. هل توافق؟

- لو تبنَّيت مفهوماً كهذا، لكان ما ذكرت هو الطريقة الوحيدة لأدائه. نعم، كريس لا يعير المواقف أي اعتبار. ليس مع وليس ضد. منفِّذ جيِّد في عمله. فقط حين يبدأ بمراجعة ما قام به، نراه ينفصل عن اعتباراته الحيادية تلك. في داخله يعرف الصواب من الخطأ. عنده إلمام كامل بما قام به، لكنه كان قد وافق على أن يكون منفّذاً جيّداً، وبمجرّد أن وافق على ذلك، لم يعد لنظرته الشخصية أي مكان.

• غريب أمره. هو شخص منطلق وطبيعي وحذر وذكي في آن واحد، لكنك لا تُبرز هذه الخصال، بل تتركها تعلن عن نفسها.

- أشكرك... لكن لا تنسَ الحوار. فهو يلعب دوراً في الإعلان عنها. أيضاً، طريقة الإلقاء جزء من التمثيل.

• المشهد الأخير من الفيلم مؤثر جداً... كيف تشعر حياله؟

- يخدم تماماً ما دار الفيلم حوله. إنها نهاية مثالية، ونعم... أعتقد أنها مؤثرة جداً.

• لديك خلفية مسرحية سبقت التمثيل للسينما والتلفزيون. هل كان لها تأثير في أسلوبك في التمثيل؟

-في الواقع، ما إن يبدأ الممثل عمله، سواء على المسرح أو أمام الكاميرا، حتى يؤسس لما سيمارسه في معظم أعماله. من الطبيعي أن يكون دوري في «موت بائع متجوِّل» (قدّمه على المسرح سنة 1982) مختلفاً عن أدوار آخرين كثيرين لعبوا هذه الشخصية. التمثيل مفهوم وقرار يؤديهما الممثل بالطريقة التي يختارها لبلورة عمله.