حافظ وهبة... النسر المهاجر

حافظ وهبة... النسر المهاجر
TT

حافظ وهبة... النسر المهاجر

حافظ وهبة... النسر المهاجر

نزح المعلم الأزهري حافظ وهبة من بولاق إلى ساحل الخليج العربي هرباً من سطوة الإنجليز في مطلع القرن العشرين، كما تردد. ومن ثم، وجهته الأقدار للإقامة في عاصمة الإنجليز ذاتها لأكثر من ثلاثة عقود، مبعوثاً للسعودية قبل إعلان توحيدها وبعده، وقد لقي وجه ربه في روما، بعد غربة نافت على خمسين عاماً عن مصر، قضاها في مهجره في الجزيرة العربية وأوروبا، ومارس خلالها التعليم والإدارة والتأليف والدبلوماسية.
ورد اسمه بدءاً من عام 1915 ضمن الشخصيات الفاعلة في الحركة التعليمية في الكويت، ومشاركته عدداً من الناشطين إبان الصراع الدائر آنذاك بين الإنجليز والعثمانيين في رأس الخليج العربي على مشيخة الكويت والمحمرة (عربستان) وولاية البصرة وما جاورها، وأفاض مؤرخ الكويت الشيخ عبد العزيز الرشيد برصد جهوده التعليمية والدعوية والسياسية إبان تلك الحقبة. كما ذُكرت كتبه كثيراً في مصادر التاريخ السعودي، خصوصاً في الفترة المبكرة من قدومه إلى الرياض في منتصف العشرينات الميلادية من القرن الماضي، ومشاركته في ما عُرف بالمؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة عام 1926، وفي لجنة التفتيش والإصلاح التي شكلها الملك عبد العزيز في العام نفسه، للبحث في سبل تنظيم الأوضاع الإدارية في البلاد بعد انضمام الحجاز.
ولم تورد المراجع الخاصة بسيرته الكاملة سوى بحث واحد أسهم به د. فاروق عثمان أباظة، أستاذ التاريخ بجامعة الإسكندرية، بعنوان: «حافظ وهبة.. مستشار شخصي للملك عبد العزيز»، في ندوة للعلاقات المصرية - السعودية، عقدتها جامعات الزقازيق وعين شمس والإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1987، وطبع مع مراجعه في نحو 150 صفحة، ويُعد من أوفى ما كتب عنه، لولا بعض التصحيفات المطبعية.
كما لم تورد المقالات التي كتبت عنه إلا نتفاً مما يستحق. ومن هنا، أصبح الخيار المتاح للحديث أمام جمهور تتجاذبه إغراءات قاعات المعرض أن يكتفي بموجز من ملامح سيرته، يُركز على أبرز ما قيل عنه، وعن كتابيه:
أورد خير الدين الزركلي، في قاموس الأعلام، نبذة بناها على سيرة حررها حافظ وهبة لنفسه، تقول: «هو سفير، من مؤرخي الدولة السعودية، مصري الأصل والمولد والمنشأ، تعلم مدة قصيرة في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي، وعمل في صحافة الحزب الوطني بالقاهرة والآستانة، ورحل إلى الهند، ومنها إلى الكويت 1915، مدرساً بالمدرسة المباركية، وكتب إلى الملك عبد العزيز آل سعود عام 1923، فأعجبه أسلوبه، ودعاه إلى الرياض في العام نفسه، وتقدم عنده إلى أن عينه وزيراً مفوضاً عام 1930، فسفيراً عام 1948، وأحيل إلى التقاعد سنة 1965، وتُوفِي في روما عام 1967، وله كتابان: (جزيرة العرب في القرن العشرين)، و(خمسون عاماً في جزيرة العرب)». وأحال الزركلي إلى مراجع كتبت عنه آنذاك في مجلتي «قافلة الزيت» و«العرب»، وصحيفة الحياة، والموسوعة الكويتية.
وبالانتقال إلى لقاء تلفزيوني أجريته عام 1976، تحدث الأمير المطلع مساعد بن عبد الرحمن، المتوفّى عام 1986، عمن عرف عن قرب من مستشاري أخيه الملك عبد العزيز، يقول:
«الشيخ حافظ أتى عبر الكويت، حيث أسهم في تأسيس مدرسة فيها لإيجاد حياة ثقافية في الكويت، ثم جاء إلى الملك عبد العزيز، وكان في الأحساء، وصحبه إلى الحجاز في أول عام من دخولها في الحكم السعودي، فأوكل إليه الملك بعض الأعمال المالية والإدارية. وبعد هذا بمدة، بعثه وزيراً مفوضاً في لندن، فهو من ناحية النشاط السياسي يُعد أقل من غيره، إلا بعد أن عين في لندن، حيث قام بما كان يوكل إليه من مهمات» - انتهى.
ومن المعلوم أن الملك عبد العزيز اصطفى، بالإضافة إلى مستشاريه السعوديين، نخبة من مختلف الأقطار العربية، من العراق والشام ولبنان وفلسطين وليبيا، وصار حافظ وهبة المستشار المصري الوحيد بينهم، ومن أقدمهم وأدومهم. وكان للملك بعض الأصدقاء من الغربيين الذين أقاموا في المدينة المنورة والرياض. ومن بين هذه المنظومة الفكرية من ألف في تاريخ المنطقة، كعبد الله فيلبي ومحمد أسد ورشدي ملحس وفؤاد حمزة وخير الدين الزركلي وحافظ وهبة.
أما الكتابات التي تحدثت عن سيرة هذه الشخصية، فلقد أخذ معظمها وجهة سردية تقليدية في تدوينها، فتحدثت عن مكان ولادته، وتاريخها، ودراسته، وأعماله الوظيفية، وكتبه... إلخ، دون أن تسبر أغوار نفسيته، وتغوص في وجدانه وتفكيره، في سياق العهد الزمني الذي نشأ فيه، ولا يكاد يوجد منهج حديث في حال سيرة شخصية حافظ وهبة سوى في نص واحد من هذا النوع، درس تكوينه دراسة اجتماعية نفسية عميقة، من خلال الزمان والمكان والظرف الذي عاش فيه، كتبه عنه الأديب المصري المبدع وديع فلسطين، في كتابه المعروف الذي يترجم لأعلام عصره في جزأين صدرا عن «دار القلم» بدمشق، عام 2003.
ثم يسرد وديع بعض تفاصيل نزوح حافظ إلى تركيا، فالهند، ثم الكويت، وممارسته التعليم وتجارة اللؤلؤ فيها، ونفيه إلى البحرين، ومطاردة الإنجليز له، واعتقاله في سجن طرة، ويصف منهج حافظ في تدوين التاريخ، وتحديده الفرق بين التاريخ والمذكرات، وأن التاريخ ليس موضوع إنشاء يكتبه صاحبه مغترفاً من معين الخيال، ويختم حديثه بالقول: «إن بواكير حياة حافظ كانت تنبئ عن مدرس للتاريخ واللغة العربية والدين، ولكن خواتيمها تكشفت عن رجل هو نعم المشير في السياسة، وعن رجل له في الدبلوماسية والعلاقات الدولية يد طولى، وكان دائماً نموذجاً للمواطن المصري السعودي الشريف».
ولقد طبع كتابه الأول «جزيرة العرب في القرن العشرين» عام 1935، في القاهرة، متضمناً أهم الحوادث في الجزيرة العربية، منذ نزح إليها عام 1915 حتى عام صدور الكتاب، وقد أهداه إلى «شباب العرب الناهض، عدة المستقبل ومناط الأمل»، وصور فيه الأوضاع السياسية والاجتماعية والسكانية والجغرافية، وأضاف إليه بعض الوثائق والمعلومات والخرائط ذات الصلة، ويقع الكتاب في نحو 400 صفحة، ولا شك أن الكتاب يكتسب جانباً من أهميته من كونه نُشر قبل خمسة وثمانين عاماً.
أما كتابه الثاني «خمسون عاماً في جزيرة العرب»، فطبع في مطبعة الحلبي بالقاهرة، عام 1960، وعده المؤلف متمماً للأول، وقد صدر بالعربية والإنجليزية في وقت واحد.
وتبلغ مسيرة حافظ وهبة من التنوع والامتداد ما لا تحيط بها صفحات محدودة، ولا يتسع لها حديث مقيد بوقت، ولعل الإضاءات الموجزة التي عرضتها هذه السطور تحفز الباحثين لكتابة سيرته الكاملة، التي تستقصي الظروف التي دعته للنزوح من موطنه، والنشاط التعليمي والسياسي الذي قام به في الكويت والبحرين، والأحوال الأسرية التي عاشها في السعودية، ومصير وثائقه، خصوصاً أنه يُعد من الشخصيات المصرية البارزة التي وفدت إلى المملكة العربية السعودية في فترة تأسيسها المبكر من القرن الماضي، وكان له دور مشهود على صعيد العمل الإداري والسياسي فيها، وأمضى في خدمتها أكثر من نصف عمر قارب الثمانين.
* من محاضرة ألقاها المؤلف
في معرض القاهرة الدولي للكتاب



«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
TT

«درب التبانة» ابتلعت مجرة قبل 11.8 مليار سنة

الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)
الضوء الذي بقي هو شاهد الحكاية (ناسا)

خلص بحث جديد ركَّز على توثيق حدث بارز في مرحلة مبكرة من تاريخ «درب التبانة»، إلى أنّ المجرة الكبيرة ذات الشكل الحلزوني، التي تضم مئات المليارات من النجوم، بما فيها الشمس، قطعت مساراً طويلاً ومعقداً لتصل إلى أبعادها الحالية.

وذكرت وكالة «رويترز» أنّ علماء يرصدون عناقيد نجمية متجمّعة قرب مركز «درب التبانة» اكتشفوا أدلة على أنّ المجرة ابتلعت مجرة أصغر قبل نحو 11.8 مليار سنة، عندما كان عمر الكون أقل من 15 في المائة من عمره الحالي. ويمثّل هذا الحدث أقدم اندماج مجرّي معروف لـ«درب التبانة»، ويُظهر كيف نمت ليس فقط بتكوين نجومها الخاصة، بل أيضاً بالاندماج مع مجرات أصغر وقعت في نطاق جاذبيتها.

لا تزال آثار ماضٍ سحيق تدور معنا (أ.ف.ب)

وتُصنف المجرة الأصغر على أنها مجرة قزمة، وهو ما يميّزها عن مجرات أكبر مثل «درب التبانة». وخلصت تقديرات الباحثين إلى أنها كانت تضم، وقت الاندماج، نجوماً تعادل كتلتها 500 مليون مرة كتلة الشمس، أي نحو ربع حجم «درب التبانة» آنذاك.

واستخدم الباحثون تلسكوبَي هابل وغايا الموجودين في المدار لدراسة عناقيد نجمية، يضمّ كل منها مئات الآلاف من النجوم، وتقع في منطقة تمتدّ عبر أعمق 20 ألف سنة ضوئية من «درب التبانة»، وقاسوا أعمارها وتركيبها الكيميائي ومساراتها. والسنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة، وتبلغ 9.5 تريليون كيلومتر.

وقال الباحثون إن هذه النجوم أصبحت جزءاً من «درب التبانة» بعد اندماج مجرّي حدث بعد نحو ملياري سنة من نشأة الكون. وأُطلق على المجرة القزمة التي نشأت فيها اسم «لو إنرجي كراكن هيراكلس»، أو «إل كيه إتش»، تقديراً لـ3 دراسات سابقة بحثت احتمال حدوث مثل هذا الاندماج الأولي.

وقال عالم الفيزياء الفلكية دافيدي ماساري، من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في بولونيا بإيطاليا، الذي قاد الدراسة المنشورة في دورية «نيتشر أسترونومي»: «النتيجة الرئيسية لبحثنا هي الاكتشاف القاطع لأول حدث اندماج شهدته مجرتنا في مهدها».

بعض النجوم التي نراها اليوم بدأت حكايتها في مجرة أخرى (إ.ب.أ)

وتابع أنّ مسألة ما إذا كان النمو المبكر لـ«درب التبانة» مدفوعاً بتكوّن النجوم فيها أم باندماج مجرّي كانت محل نقاش. وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الاندماج أمدَّ «درب التبانة»، في وقت مبكر من تاريخها، بكمية كبيرة من النجوم والغاز بين النجمي الذي يغذّي تكوّن النجوم، فضلاً عن المادة الغامضة المعروفة باسم المادة المظلمة.

وأضاف: «أودّ أن أقول إنه، من وجهة نظر النجوم، كان الاندماج هادئاً إلى حدّ ما، من دون اصطدامات بين النجوم. لكن من وجهة نظر الغاز، كان الاندماج أكثر (انفجارية)، ومن المرجح أن يكون التصادم بين غاز (إل كيه إتش) وغاز (درب التبانة) قد حفّز تكوّن عدد كبير من النجوم».

وقال ماساري إنه ربما لا يزال هناك كثير من النجوم التي تشكلت في الأصل في المجرة القزمة مدفونة في المناطق الداخلية من «درب التبانة»، وبعضها داخل عناقيد نجمية. لكنه أضاف أن تحديد النجوم الفردية صعب جداً بسبب الغبار بين النجمي الكثيف في هذه المنطقة.

ومن المعروف أنّ «درب التبانة» شاركت في اندماجين مجرّيّين ضخمين آخرين. فقد ابتلعت مجرة قزمة تُسمى «غايا-سوسيدج-إنسيلادوس» بعد نحو 1.8 مليار سنة من اندماج «إل كيه إتش». وعلى مدى نحو 6 مليارات سنة مضت، كانت تندمج مع مجرة القوس القزمة.


مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
TT

مانويل بونس دي ليون يغوص في النفس البشرية على درب الذهب

عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)
عُرِض الفيلم في مهرجان «لوكارنو» (لايتس أون)

قال المخرج الكولومبي مانويل بونس دي ليون إن فيلمه «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) لم يكن يوماً مشروعاً تاريخياً بالمعنى التقليدي، بل انطلق منذ البداية من رغبة في استكشاف العالم الداخلي للإنسان. وأكد أن الرحلة التي يخوضها أبطال الفيلم ليست رحلة إلى مكان بقدر ما هي رحلة إلى الذاكرة والحنين والهوية. ولم يكن هذا التصور وليد مراحل الكتابة، بل كان حاضراً منذ اللحظة الأولى؛ إذ ظل اهتمامه بالذاكرة يمثّل القاسم المشترك بين جميع أعماله السابقة.

وأضاف مانويل بونس دي ليون، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر البريد الإلكتروني، أن الحنين، بالنسبة إليه، ليس مجرد استرجاع للماضي، بل عملية إبداعية يعيد الإنسان من خلالها تشكيل ذكرياته كلما عاد إليها. ولفت إلى أن الذاكرة لا تعمل بوصفها أرشيفاً يحتفظ بالأحداث كما وقعت، وإنما تعيد إنتاجها وفقاً لمشاعر الإنسان وتجربته الراهنة؛ ما يجعل العودة إلى الماضي فعلاً من أفعال الخيال بقدر ما هي استدعاء لما حدث بالفعل.

مخرج الفيلم الكولومبي مانويل بونس دي ليون (تصوير: إليسا تريانا)

وأشار إلى أن «هذه الحالة تمنح الإنسان فرصة للتأمل العميق، وتجعله يعيش ما يشبه الحلم وهو في كامل وعيه؛ فالسفر إلى المجهول يظل من أكثر التجارب قدرة على استحضار هذا النوع من التأمل الداخلي».

وتدور أحداث فيلم «كل رحلاتي هي رحلات عودة» (In All My Journeys I Am Returning) في كولومبيا خلال القرن التاسع عشر؛ إذ يقرر الزوجان السويديان كارل وبيترونيلا الإبحار عبر نهر ماغدالينا بحثاً عن منجم ذهب يعتقدان أنه سيمنحهما مستقبلاً جديداً. غير أن الرحلة تتجاوز هدفها الأول شيئاً فشيئاً. وعُرِض الفيلم للمرة الأولى في الدورة الماضية من «مهرجان لوكارنو السينمائي» في سويسرا.

وأوضح المخرج الكولومبي أن «التحدي الحقيقي في أثناء تطوير المشروع لم يكن مرتبطاً ببناء التحولات النفسية للشخصيات؛ لأن هذه التحولات كانت واضحة في ذهني منذ المراحل الأولى، وإنما تمثّل في العثور على الرحلة الفعلية القادرة على تجسيد هذه التحولات بصرياً».

وأضاف أن «فريق العمل انشغل طويلاً بالبحث عن المسار الجغرافي الذي يمكن أن يقود الشخصيات إلى تلك المناطق الخفية في دواخلها، بحيث تصبح الحركة في المكان انعكاساً مباشراً لما يحدث في الداخل، لا مجرد انتقال من نقطة إلى أخرى؛ لأن الفيلم بُني منذ البداية على العلاقة بين الرحلتين الخارجية والداخلية، ولا يمكن لإحداهما أن تكتمل من دون الأخرى».

ورأى بونس دي ليون أن استلهام عنوان الفيلم من قصيدة للشاعر الكولومبي ليون دي غريف لم يكن يعني تحويل القصيدة نصاً سينمائياً أو محاولة شرحها للمشاهد، بل كان سعياً إلى ابتكار لغة بصرية تمتلك الحس الشعري نفسه. وأوضح أن فريق كتابة السيناريو اتفق منذ البداية على الابتعاد عن أي معالجة مباشرة للنص الأدبي؛ لأن الهدف لم يكن تفسير القصيدة، وإنما نقل الأثر العاطفي الذي تركته في نفوسهم إلى الشاشة.

صُوّر الفيلم في ظروف صعبة (لايتس أون)

وأضاف أن «هذه المهمة كانت من أصعب المراحل التي مرَّ بها المشروع؛ لأن شعر ليون دي غريف يتميَّز بكثافة رموزه واتساع تأويلاته؛ ما جعل التوصل إلى صيغة سينمائية تحافظ على روحه من دون أن تتحول إلى اقتباس أدبي مباشر، أمراً بالغ التعقيد».

وأشار إلى أن السيناريو مرَّ بمسودات كثيرة، وسبقته سنوات من السفر والبحث والحوار، إلى جانب تجارب متعددة جمعت بين السينما الوثائقية والروائية، حتى بدأ الفيلم يكشف تدريجياً عن شكله النهائي. ولفت إلى أن العمل على الفيلم تحوَّل، مع مرور الوقت، رحلةً شخصية بالنسبة إليه، لا تقل عمقاً عن الرحلة التي يخوضها أبطاله في الأحداث.

وأوضح المخرج الكولومبي أن البعد الشخصي للفيلم لا يقتصر على علاقته بقصيدة ليون دي غريف، بل يمتد أيضاً إلى علاقته بوالده، الذي كان شاعراً وصاحب التأثير الأكبر في تكوينه الإنساني والفني.

وقال إن الفيلم يمثّل، في جانب كبير منه، حواراً مستمراً مع والده، ليس عبر الكلمات وحدها، بل من خلال الطريقة التي تعلّم بها النظر إلى الطبيعة والتفاعل معها. وأشار إلى أن ذكريات طفولته كانت الشرارة الأولى التي أعادت إحياء هذا المشروع خلال سنوات إقامته في الخارج.

وأضاف أن والده لم يورثه حب الشعر فحسب، بل علّمه أيضاً تأمَّل تفاصيل العالم الطبيعي، بدءاً من حركة النهر، مروراً بالضباب الذي يغطِّي الجبال مع بزوغ الفجر، ووصولاً إلى الرياح والأشجار والشروق والغروب.

وأوضح أن هذه العناصر لم تدخل الفيلم بوصفها خلفيات جمالية، بل غدت جزءاً من اللغة التي تتواصل بها الشخصيات مع العالم من حولها. وأشار إلى أن الطبيعة، بالنسبة إليه، كيان حيّ يحمل ذاكرته الخاصة ويؤثر في مصائر الشخصيات بقدر ما تتأثر به؛ ما يفسّر الحضور الطاغي للمناظر الطبيعية في الفيلم.

ركَّز المخرج على الجوانب الإنسانية (لايتس أون)

وانتقل بونس دي ليون إلى الحديث عن فكرة الذهب، التي تبدو، في ظاهرها، المحرِّك الأساسي للأحداث، مؤكداً أنها «لا تمثّل، في الحقيقة، سوى رمز لكل الأوهام التي تدفع البشر إلى مغادرة أوطانهم والبحث عن حياة أخرى؛ فالإنسان يتحرَّك دائماً مدفوعاً بالاعتقاد بأن شيئاً ما ينقصه، وأن هذا الشيء موجود في مكان آخر، سواء أكان ثروة أم نجاحاً أم حياة أفضل أم شعوراً بالاكتمال».

وأوضح أن أكثر ما يثير اهتمامه هو المفارقة الناشئة بين التطلع إلى المستقبل والحنين إلى الماضي، عادَّاً أن كليهما يعتمد على الخيال؛ فالإنسان يتخيَّل المستقبل مثلما يتخيَّل الماضي، ويعيد تشكيلهما في ذهنه بالطريقة نفسها تقريباً. ولذلك؛ يرى أن السعي إلى المستقبل لا ينفصل عن الرغبة المستمرة في استعادة ما تركناه خلفنا.


ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

TT

ارتفعت الحرارة فاشتعل الدماغ... جرائم القتل تزداد صيفاً

تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)
تُجمع الأرقام والدراسات على أنّ جرائم القتل تتضاعف بسبب ارتفاع حرارة الطقس (بكسلز)

تحت وطأة شمسٍ حارقة أفقدته البصر، والبصيرة، أطلق «مورسو» النار على الرجل العربي في رواية «الغريب» لألبير كامو. وعندما خضع للاستجواب، ألقى بطل الحكاية باللائمة على الحَرّ الذي جعله يضغط على الزناد، ويُردي الرجل قتيلاً.

على الأرجح فإنّ «مورسو» كان صادقاً، بما أنّ كل الأرقام تؤكد وجود علاقةٍ وثيقةٍ ما بين ارتفاع درجات الحرارة ومعدّل الجريمة. وربما ليس من قَبيل الصدفة أن يكون العالم العربي قد شهد في صيف 2026 ثلاث جرائم مروّعة متلاحقة. في مصر وضمن ما عُرف بـ«مذبحة التجمّع»، قتل الصديقُ صديقَه ثم أكملَ على عائلة الأخير المكوّنة من زوجته وابنتَيه، وذلك لدوافع قيل إنها ماليّة. أما الكرك الأردنية وكركوك العراقية فقد هزّتهما جريمتان ذات طابع عائلي، وذلك خلال شهر يوليو (تموز) الفائت.

شهد العالم العربي هذا الصيف 3 جرائم قتل مروّعة (رويترز)

الحَرّ يضاعف القتل الجماعي

بغَضّ النظر عمّا إذا كان هناك رابطٌ بين تلك الجرائم وحَرّ الصيف، أو لم يكن، فإنّ المؤكّد أنّ حوادث القتل الفردي والجماعي تتزايد كلما ارتفعت درجات الحرارة، من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها. وقد تلاقت مجموعة من الدراسات الأميركية والكورية الجنوبية على نتيجةٍ واحدة تقول إنه عندما ترتفع حرارة الأرض 10 درجات مئوية، يزداد خطر الجرائم العنيفة بنسبة 9 في المائة.

تكثُر الأمثلة الواردة من حول العالم، والمؤكِّدة لتلك النظريّة. ما بين مطلع يونيو (حزيران) و5 يوليو 2023، شهدت الولايات المتحدة الأميركية 86 حادثة إطلاق نار جماعي، وفق قاعدة بيانات «أرشيف العنف المسلّح». أما صيف 2022 فسجّل 278 حادثة من هذا النوع، وشكّلت 86 في المائة من إجماليّ حوادث إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة التي وقعت في موسم الحَرّ.

تلاقت دراسة أعدّتها جامعة آيوا مع تلك الوقائع، والأرقام، إذ وجدت أنّ جرائم القتل في الولايات المتحدة ترتفع بنسبة 2.6 في المائة خلال أشهر الصيف. من جانبها عملت شرطة لندن ما بين 2012 و2018 على تحليلٍ معمّق في هذا الشأن، لتجدَ في النهاية أنّ الجرائم تزداد بنسبة 15 في المائة خلال أيام الحَرّ.

حوادث إطلاق النار الجماعي تتزايد بشكل لافت خلال فصل الصيف (رويترز)

النساء ضحايا الحَرّ

في طليعة المتأثّرين سلباً بدرجات الحرارة المرتفعة، وأكثر مَن هم عُرضة لارتكاب أعمال عنف بسببها، الأشخاص المحرومون من التبريد والمكيّفات في أوقات القيظ. وقد لفتت مجلّة «لانسيت» الطبية في دراسة نشرتها عام 2021 إلى أنّ هناك رابطاً وثيقاً ما بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدّلات الجريمة في الأحياء الفقيرة، عازيةً ذلك إلى نقص المساحات الخضراء، وتضاؤل إمكانيات الحصول على التكييف. ينسحب ذلك على السجون، حيث تتضاعف أعمال العنف بين السجناء كلما ارتفعت درجات الحرارة.

لا يقتصر الأمر على جرائم القتل، فالحرارة المرتفعة تتسبب في أشكال عنفٍ متعدّدة؛ من المشاجرات، إلى الضرب، مروراً بالاعتداءات الجنسية، وعمليات الاغتصاب، وصولاً إلى حوادث القتل الفردي، والجماعي. أما أولى ضحايا موجات الغضب الصيفيّ فهنّ النساء، وفق تقرير أصدرته منظّمة الأمم المتحدة عام 2025. ويشير التقرير إلى أنّه كلما ارتفعت الحرارة درجة مئويّة واحدة، ازداد خطر العنف المنزلي حول العالم بنسبة 4.7 في المائة.

حماوة الدماغ من حرارة الجسد

يتسبّب ارتفاع درجات الحرارة عن معدّلاتها الموسميّة في شعورٍ دائم بالانزعاج الجسديّ، فتتضاءل معه القدرة على التحمّل الذهني، والعاطفي، ما يؤدّي إلى انفعالاتٍ حادّة، وسلوكيّات عدائيّة مهما كانت الأسباب بسيطة. وغالباً ما يتحوّل الغضب في اتّجاه أي شخصٍ موجود في محيطنا المباشر. أما السبب الفسيولوجي خلف ذلك فهو أنّ الطقس الحار يؤدّي إلى ارتفاع حرارة الجسم، وبالتالي يُضاعف ضربات القلب، ويزيد معدّل ضغط الدم.

هذه الحقيقة مُثبتة علمياً من قِبَل جهاتٍ طبية متعددة. ووفق ما استنتجت «عيادة كليفلاند»، فإنّ الجسم يبذل جهداً أكبر للحفاظ على برودته تحت وطأة درجات الحرارة القصوى، ما قد يسبب إفراز الكورتيزول، أي هرمون التوتّر. وبالتالي فإنّ الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق، والتوتر، والانفعال، كما تتسبّب في صعوبات إدراكية، وتقليص القدرة على النوم. وتشير أرقام الزيارات لقسم الطوارئ في المستشفى إلى أنّ حالات الانتحار، وتعاطي المخدّرات، والعنف المنزلي تشهد ارتفاعاً خلال موجات الحرّ.

الحرارة الشديدة تثير مشاعر القلق والتوتر والانفعال (رويترز)

من جهته، يلفت «مركز جونز هوبكنز الطبي» إلى أنّ الإجهاد البدني الذي يبذله المرء للحفاظ على درجة حرارة داخلية آمنة يؤدّي إلى الجفاف، والتعب، واضطراب النوم. ووفق أبحاث المركز، فإنّ التعرض للحرارة يرفع مستويات هرمونات التوتر، ما يُصعّب تنظيم المشاعر. وتُعيق الليالي الحارة قدرة الجسم على التبريد، ما يُؤثر سلباً على النوم العميق، ويجعل المرء أكثر حساسية، وأقل قدرة على التحمل في اليوم التالي.

وترتبط درجات الحرارة المرتفعة بانخفاض التركيز، وزيادة العصبية، وتقلبات المزاج. وتُفاقم قلة النوم خلال الليالي الحارة هذه الآثار، ما يُصعّب التحلي بالصبر، والتركيز. حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن، والإجهاد العاطفي. هذا يجعل ردود الفعل العاطفية أقوى، وأكثر تكراراً خلال الطقس الحار.

حتى الجفاف الطفيف قد يُساهم في تشوش الذهن والإجهاد العاطفي (رويترز)

نصائح للحفاظ على مزاج بارد خلال الحرّ

- الإكثار من شرب المياه، والسوائل الباردة، مع أفضليّة الوصول إلى 3 لترات يومياً.

- استخدام قطعة قماش مبلّلة بمياه باردة، أو كمّادات الثلج، ووضعها على العنق، ومعصم اليد، والكاحلَين.

- محاولة الحصول على قدرٍ كافٍ من النوم.

- تجنّب المكوث في الشمس، والأماكن الحارّة، واستخدام المروحة والتكييف في حال توفّرهما.

- الاستحمام بمياه باردة قدر المستطاع.