رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

قيردار في سيرته «سعيا وراء الإنجاز» عمل كثيرا لإعادة العراق إلى عهده الملكي

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان
TT

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

قد لا يكون رجل الأعمال العراقي نمير قيردار أشهر رجال الأعمال العرب على مستوى عالمي، لكنه، بلا شك، من بين أكثرهم ثقافة. فهو لم يكتفِ بإنشاء مؤسسة عالمية حققت كثيرا من «الخبطات» الناجحة على غير صعيد، بل أراد أن يكون مرشدا لكثيرين ممن عرفوه وعملوا معه، أو قرأوا سيرة حياته. وحياة نمير قيردار عينة من تاريخ العائلات العراقية والعربية التي تداخلت فيها التجارة بالسياسة، وهي شهادة على أنماط وطرق العمل التجاري في العالم العربي ومنطقة الخليج بشكل خاص.
في سيرته الذاتية «سعيا وراء الإنجاز»، التي دونها بالإنجليزية، قدر كبير من التجارب التي يمكن أن يتعلم منها أي قارئ أشياء كثيرة، لعل أهمها: كيف يبدأ من الصفر، متحليا بقيم ومفاهيم لا يحيد عنها قيد أنملة، وكيف تتحقق الثروة بالمثابرة والعمل الجاد الدؤوب، وفهم الظروف ومتطلباتها في عالم يتحرك بسرعة البرق.
في الروايات الذاتية، أيا كان واضعوها، شيء من الأدب الراقي، تختلف نسبته بقدر ما يتحلى صاحب السيرة بثقافة عامة وقدرة على التخيل. وما سيرة حياة كل فرد بالنسبة إليه وإلى المقربين منه، إلا حكاية مشوقة ملؤها الحكم والعبر والمغامرات، تمليها قوانين الطبيعة وتفرضها مسيرة الصراع سعيا وراء النجاح وإثبات الوجود، وحياة نمير قيردار ليست استثناءً، إنها سيرة ممتازة لرجل ولد ونشا في عراق العهد الملكي، ودرس في جامعات الغرب وأنشأ واحدة من أهم المجموعات الاستثمارية التي أسسها العرب في العالم.

في سبعينات القرن الماضي، بدأت الثروة العربية تتدفق على المنطقة نتيجة ارتفاع أسعار النفط. وشهدت الدول الخليجية طفرة مالية لم تشهدها في تاريخها القديم والحديث، مما أثار شهية المصارف والمؤسسات المالية العالمية التي بدأت تسعى إلى خطب ود الحكومات العربية والمستثمرين العرب المقبلين من بلدان الخليج. تلك المرحلة، دخلت «إنفستكورب»، المجموعة الاستثمارية التي أدارها قيردار نمير، السوق العالمية كمستثمر، وحققت قدرا كبيرا من النجاح واحتلت مكانها كمجموعة عالمية، إلا أن بعض عمليات «إنفستكورب» لم يكن مجديا، يقر نمير قيردار بذلك، ويعترف بأنه أخذ نصيبه من الخطوب وخيبات الأمل، لكنه لم يضيع الهدف كما قال.
في الكتاب فصول مختلفة، منها ما هو خاص، مثل سيرة العائلة والتربية الأولى والحياة الخاصة - كل ما يتصل بمكان الولادة والوالدين والأشقاء والزوجة والأولاد والأقرباء - ومنها ما يتصل بدائرة أوسع؛ عمله في مصرف «تشايس مانهاتن بنك» في نيويورك والخليج، وصندوق النقد العربي، وعملية تأسيسه «إنفستكورب» وما رافقها من مراحل مرت بها قبل أن تصبح عالمية.
من الفصول ما هو عام يتصل بالعراق، مسقط رأس صاحب السيرة وموطنه وهاجسه الأكبر. ولعله أكثر أجزاء الكتاب متعة للقراءة وللمهتمين بالشأن السياسي. يقول قيردار إن عودة العراق إلى سابق عهده من السلم والرفاهية كان هما آخر في حياته. وهو لم يكتفِ بأن تحسس أوجاع وطنه الجريح، بل سعى على المستوى العالمي لإيجاد الحلول.

عهد ذهبي

ترك نمير قيردار العراق في 1969 ليعمل في حقل المصارف، ثم أسس «إنفستكورب» وحولها إلى دار استثمارية كبيرة تمتلك أهم الشركات العالمية مثل مجموعة «غوتشي».
في السبعينات والثمانينات لم ينقطع عن التفكير في وطنه، لكنه فقد الشعور الخاص تجاه عراق العهد الملكي، لأن رحيله عن بلده وتجواله في العالم، وعمله في مؤسسات عالمية، ولقاءه بشرا من جميع الجنسيات، حوله إلى مواطن من العالم، حسب قوله، كما أن حياته الخاصة وأمور العائلة شغلته، وأخذت قدرا كبيرا من وقته وتفكيره.
يعتبر قيردار انقلاب 1958 الذي أطاح الحكم الملكي في العراق مأساة حقيقية، أدت ليس إلى خراب البصرة وحدها، كما يقول المثل، وإنما إلى خراب العراق كله. وعلى الرغم من الحقب التي تلت الحكم الملكي، خصوصا زمن البعثيين وما رافقه من انقلابات وويلات وحروب، بقي عراق العهد الملكي الذهبي، ماثلا في وجدان نمير قيردار.
هذه التحولات أصابته بخيبات أمل، وجعلته ينكفئ عن التعاطي بشؤون بلده، لكن آماله بدأت تنتعش بعد غزو صدام حسين الكويت في الثاني من أغسطس (آب) 1990، إذ وجد فيه فرصة ليس لتحرير الكويت وحدها، وإنما لتحرير العراق كله من صدام حسين وأعوانه، ووضع تصور لحل مشكلات العراق أمام بعض قادة العالم. فحوى هذا التصور إعادة ما كان سائدا قبل انقلاب 1958، أي الفيدرالية الملكية الهاشمية التي كان الملك فيصل الثاني زعيمها والعاهل الأردني الملك حسين نائبه عليها. وهكذا، يجري تجنب مجيء مجموعات معارضة إلى الحكم، لا تملك تجربة أو خبرة.
لم يطرح هذا الحل بعد انقلاب 1958، لأن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، هدد الغرب آنذاك بأن أي تدخل غربي في شؤون العراق سيؤدي إلى حرب عالمية ثالثة. لكن طرح الحل كان معقولا، برأي قيردار، في منتصف تسعينات القرن الماضي، لأن الاتحاد السوفياتي أصبح شيئا من الماضي.
لم يكن هذا التصور واردا في ذهن أي زعيم في العالم مهتم بالشأن العراقي، ولا حتى في ذهن المعارضين الذين كان لكل منهم «أجندته» الخاصة، وكان قائما، برأي قيردار، على أساس أن العاهل الأردني ملك محبوب في العالم، وله علاقات قوية ممتازة، ويحترمه شعبه والشعب العراقي، وهو صديق ودود للغرب، كما كان قبل 1958، نائبا للملك فيصل الثاني، بموافقة البرلمان الأردني والبرلمان العراقي.
قد يظن من عرف نمير قيردار أو قرأ كتابه، أن «الخيار الهاشمي» لحل مشكلات العراق، مسألة نظرية لا تستند إلى واقع، لكن قيردار يؤكد أن على المسرح العالمي حدثا مشابها وقع في هايتي، بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح حكومة جون برتراند أريستيد المنتخبة ديمقراطيا، وكيف أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريا لتعيد الحكم السابق إلى السلطة. لذلك لم ير قيردار ما يمنع من عودة الحكم الهاشمي إلى العراق، على الرغم من مرور 40 عاما على انقلاب 1958، وإن هذا الاقتراح في رأيه، «حل نبيل وشرعي وقابل للتطبيق».
لم يكن قيردار يرمي إلى تحقيق مصلحة شخصية، بل إلى رؤية العراق وهو يعود إلى عهده السابق من الاستقرار والازدهار. وطفق يسعى إلى إنجاز ما يهدف إليه بقدر ما سمحت به مشاغله التجارية. قابل الأمير حسن، شقيق الملك حسين، والأمير زيد بن شاكر (رئيس الديوان الملكي آنذاك)، والتقى الملك حسين، وشعر أن هذا «الخيار الهاشمي» لم يكن بعيدا عن وجدان العاهل الأردني.

في حضرة بوش الأب

التقى نمير قيردار الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، عام 1993 بعد تركه الحكم، في منزله بكينبنكبورت، وتحدث معه عن العراق وصدام حسين الذي كان لا يزال حاكما مستبدا في العراق. سأل قيردار بوش، لماذا اكتفى بتحرير الكويت ولم يكمل المهمة بالذهاب إلى بغداد والتخلص من صدام؟ فكان جواب الرئيس الأميركي: «إن تحالف الدول لتحرير الكويت ما كان صمد لو دخلت القوات الأميركية بغداد».
وافق قيردار بوش رأيه، ثم طرح أمامه فكرة الفيدرالية الهاشمية، وتحدث عن الدور الذي يمكن للملك حسين أن يضطلع به، والمزايا التي يمكن أن تتحقق بتحويل العراق إلى قوة اقتصادية في المنطقة ذات علاقات وطيدة مع الغرب: «قلت للرئيس إن الولايات المتحدة محظوظة بأن لها أصدقاء مثل مصر والسعودية، وإن وجود دولة أخرى مثل العراق في المنطقة، إذا ما قدر لها أن تنهض بمساعدة الغرب، يعني دورا مماثلا لدور اليابان في الشرق الأقصى، ودور ألمانيا في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا سيكون كفيلا بتغيير معالم الشرق الأوسط»، كما ورد في الكتاب.
قابل قيردار أيضا، ريتشارد هيس، المدير السابق لمجلس الأمن القومي لـ«الشرق الأوسط»، وبرنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي السابق في عهد بوش، وهذا وجد في الفيدرالية فكرة طموحة، وأرنود بورتشغريف رئيس تحرير مجلة «نيوزويك»، وجيم وولسي المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، وزبيغنيو بريجنسكي المستشار السابق للأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، الذي استمع لرأي قيردار شكك في سيناريو يكون فيه العراق تحت حكم ملك أردني. كما التقى هنري كيسينجر، وقال إن السياسي المخضرم سأله كيف يتصور الطرق العملية لتحقيق هدف الفيدرالية، فأجابه قيردار: «إن اقتراحي مجرد رؤية يناط أمر تطبيقها بالمسؤولين الحكوميين، الذين يتعين عليهم أن يحولوا التصور إلى واقع».
لم يتوانَ قيردار عن العمل. بقي يستثمر وقته في لقاء مسؤولين على المسرح الدولي، منهم ألكسندر كومت دومارينشييز المدير السابق لجهاز المخابرات الفرنسية، والرئيس الأميركي بيل كلينتون، بعد نجاح وساطته في عقد اتفاق سلام بين الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، وجرى الاجتماع في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في 25 يوليو (تموز) 1996.
في ذلك الاجتماع، أوضح قيردار للرئيس كلينتون، ضرورة «التخلص من صدام حسين، وإعادة الفيدرالية الهاشمية، وتثبيت الملك حسين رئيسا شرعيا للفيدرالية، وإن الفائدة المرجوة من ذلك (هي) عراق حليف، مستقر ومزدهر في قلب الشرق الأوسط، وخطوة متقدمة على طريق السلام في المنطقة».
ومما قاله قيردار للرئيس الأميركي أيضا: «في عام 1958 كان أي تدخل أميركي في العراق سيؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، لكن لا شيء الآن يمكن أن يوقفكم إذا ما اتخذتم قرارا من هذا النوع. عليكم أن تفعلوا شيئا، لأن العراق قد يذهب في أحد طريقين؛ إما أن يتقدم ويزدهر ويكون صديقا للغرب، أو يتحول إلى مصدر أكبر لمشكلات المنطقة».
وافق الرئيس كلينتون على أن ينظر في فكرة الفيدرالية، لكن قيردار يقول إنه لم يسمع ما إذا كان الرئيس الأميركي فعل شيئا في هذا الخصوص. ويوضح أنه لو اعتمدت الولايات المتحدة التصور الذي وضعه أمام الرئيس الأميركي، لكانت وفرت على نفسها مئات مليارات الدولارات، وخمسة آلاف قتيل، و35 ألف جريح، وكان تاريخ العراق تغير وتجنب سنوات طويلة من المآسي».
ذهب قيردار إلى عمان بعد ذلك، وأبلغ الملك حسين والأمير زيد ما دار في اجتماعه مع الرئيس الأميركي، وظل يلاحق حلم الفيدرالية الهاشمية إلى أن توفي الملك حسين عام 1998، عندها لم يعد أمام قيردار إلا أن يتقبل حقيقة أن حلمه بالفيدرالية الهاشمية قد تبخر بموت العاهل الأردني، وأن الفرصة بعودة هذه الفيدرالية إلى العراق والأردن قد ضاعت إلى الأبد.

احتلال أميركي عاجز

على الرغم من ضياع «الخيار الهاشمي»، بقي قيردار يولي العراق اهتمامه. وبعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كان من الواضح أن الولايات المتحدة، تدعمها بريطانيا، اتخذت قرارها بالتخلص من صدام. وحين بدأت الاستعدادات العسكرية لحرب الخليج الثانية، وظهر أن الولايات المتحدة بدأت تتكلم عن عراق مسالم ومزدهر بعد صدام، كتب قيردار إلى الرئيس بوش وإلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، مبديا دعمه الشخصي للسياسة الأميركية - البريطانية حيال العراق، محذرا من أن فرض حكومة على البلد من الخارج سيكون غلطة كبيرة، وأن على الشعب العراقي في الداخل أن يختار حكومة بلاده المناسبة.
لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، إذ ما إن وقع الغزو وجرى احتلال العراق ولجأ صدام إلى المخبأ، حتى بدأت القوة المحتلة تظهر عجزا في التحكم بمجرى الأمور، وخرجت بغداد من السيطرة، وانتشرت عمليات النهب والسلب في كل مكان، ولم تعد أميركا الغازية تعرف كيف تحكم البلاد التي غزتها.
بعد مضي ثلاثة أشهر على الغزو، أي في يونيو (حزيران) 2003، سنحت فرصة لقيردار للقاء الرئيس بوش في أثناء زيارة له إلى روما. عقد الاجتماع في فيلا تافيرنا، مقر سكن السفير الأميركي في العاصمة الإيطالية، وهناك أحس قيردار بقلق الرئيس بوش على العراق الذي سأله: «ما الذي على الولايات المتحدة أن تفعله».
رد قيردار: «وضعت أمام الرئيس ثلاثة اقتراحات لحماية العراق من الفوضى والانهيار: «الأول أن تتخلص الولايات المتحدة من صدام وولديه قصي وعدي، وبعض أعضاء عائلته، وبعض الوجوه البارزة في حكومة حزب البعث، وأن تبقي أعضاء الحزب في مواقعهم ليعودوا إلى المراكز التي كانوا يشغلونها، وأن يبقى أعضاء الحكومة في أماكنهم، وأن تبقى ماكينة الحكم على حالها ولا تتفكك».
الاقتراح الثاني «أن لا يُحكم على أي مواطن عراقي بناء على خلفيته، أو انتمائه العرقي أو الديني، لأن ذلك يحدث شروخا في المجتمع. وأن النظام الجديد بعد صدام يجب أن يراعي حقيقة أن العراقيين كلهم يجب أن يكونوا متساوين في الحقوق كما كانوا في العراق الموحد تحت الحكم الهاشمي قبل ثورة 1958».
الاقتراح الثالث «أن على الولايات المتحدة أن لا (تزرع) زعماء المعارضة في الحكومة الجديدة، لأن هؤلاء يريدون التخلص من صدام ليحكم كل واحد منهم حسب أجندته الخاصة، وليس لديهم تجربة في الحكم ليديروا شؤون البلاد».

رايس المخيبة

في 11 أيلول 2003، وبعد أن قامت الولايات المتحدة بما كان عليها أن لا تقوم به، أي حل الجيش العراقي وحزب البعث، شاءت الظروف أن يلتقي قيردار كوندوليزا رايس في الجناح الغربي من البيت الأبيض، ويقول لها: إن أفضل دور يمكن للولايات المتحدة أن تؤديه، هو التأكد من أن الدستور الجديد يجب أن يكون علمانيا وعادلا، يتساوى فيه العراقيون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والمذهبية، كما الدستور المعمول به في الولايات المتحدة منذ 200 سنة.
يكتب قيردار: «عندما أجابتني رايس بالقول إن على العراقيين أن يضعوا الدستور الذي يناسبهم، جاء ردي عليها سريعا: أي عراقيين تقصدين؟ إذا كنت تقصدين العراقيين الذين كلفتموهم إدارة البلاد، فهؤلاء سيضعون دستورا يتوافق مع أجنداتهم الخاصة، وهم إذا وجدوا أن تقسيم البلاد على أسس قبائلية وطائفية وعنصرية يخدم مصالحهم، فلن يترددوا (في) القيام بذلك»!
يضيف قيردار، إنه خرج من اجتماعه مع رايس خائب الأمل، لأنها كانت قد اعتمدت قراراتها، ولا يبدو أنها كانت مستعدة لتغيير رأيها، وشعر أن طلبها لقاءه كان واجبا إداريا، على الرغم من أنها كانت في غاية الود.
وعلى الرغم من أن اقتراحات قيردار، فيما يتعلق بحاضر العراق ومستقبله، لم تنفذ، فإنه شعر كما يقول، بأنه كان محظوظا لأنه تمكن من أن يضع تصوراته أمام مسؤولين كبار لهم دورهم المؤثر على مسرح العلاقات الدولية، وأنه على الرغم مما ولدته الأحداث من الغضب وخيبات الأمل، يبقى عزاؤه أنه تمكن من أن ينقل أفكاره جهارا.

متعة القراءة

في كتاب قيردار كثير من الفصول الممتعة، لعل أجملها ذلك الذي يتصل بالشخصيات العامة في حياة صاحب السيرة، مثل الملك حسين، والملك عبد الله الثاني، والأمير زيد بن شاكر، والأمير رعد بن زيد، والشيخ أحمد زكي اليماني، ورجل الأعمال السعودي سليمان العليان، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، والرؤساء بوش الأب وبوش الابن، والرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال. ومن حديثه عن تلك الشخصيات العالمية، بدا أن الملك حسين كان أقربهم إليه. وكان قيردار قابله في المرة الأولى في بداية الثمانينات، في أثناء حفل غداء بمنزل صديقه عبد الحميد الدامرجي، في بلدة وايبريدج بمقاطعة سري في إنجلترا. كان جميع المدعوين في ذاك الحفل ينتظرون ضيفا مرموقا، فإذا هو بعد حين، الملك حسين. وظهر أن العاهل الأردني كان يعرف معظمهم، إذ كانوا رفقاء له عندما كان طالبا في كلية فيكتوريا بمصر.
يقول قيردار: «لم يكن الملك حسين قد رآني من قبل، والأرجح أنه قد سأل بعض الحاضرين من أكون. بعد برهة، جاءت زوجة عبد الحميد الدامرجي لتقول لي إن الملك يريد أن يراني. وحين تقدمت منه نظر إلي بإمعان، وقال: أظن أن بينكم وبين أسرتي علاقة طويلة، أليس كذلك؟! أجبت: نعم، يا جلالة الملك، جدكم وجدي كانا عضوين في البرلمان العثماني مطلع 1900».
ثم عاد وسألني: «كيف لم أقابلك من قبل؟» أجبت: «أسكن في المملكة المتحدة، وأنتم يا جلالة الملك رجل كثير المهام، ولم أرد يوما أن أثقل عليكم وآخذ حصة من وقتكم، ولكن أريد من جلالتكم أن تعرفوا أنني كنت دائما شديد الوفاء للهاشميين».
هكذا بدأت علاقة قيردار بالملك حسين، ثم توطدت إلى درجة الصداقة الشخصية.
ويكشف قيردار عن لقاء بينه وبين الملك حسين في أحد المطاعم في لندن، وعن معلومات غير معروفة أو مدونة، عن المذبحة التي تعرضت لها الأسرة الهاشمية في العراق إثر انقلاب 1958. يقول قيردار: «في تلك الجلسة أخبرني الملك أن رجال الأمن في حكومته كشفوا، قبل الانقلاب في بغداد بوقت قصير، عن خطة مماثلة في الأردن تحيكها مجموعة من الضباط العسكريين، المدعومين من عبد الناصر، للقضاء على الأسرة الهاشمية في الأردن، وأن الملك أراد أن ينبه ابن عمه، الملك فيصل الثاني في بغداد، عن المؤامرة. وجد أن إعلامه بالهاتف أو كتابيا مسألة محفوفة بالمخاطر، فآثر بدلا من ذلك، أن يطلب من الملك فيصل أن يرسل إلى عمان رجلا موثوقا به ليقابله. كان الرجل الذي اختاره الملك فيصل للذهاب إلى الأردن هو الجنرال رفيق عارف، قائد القوات المسلحة العراقية. وعندما وصل هذا الجنرال إلى عمان، أخبره الملك حسين أن لديه معلومات عن مؤامرة تُدبر في بغداد، وأن على الملك فيصل أن يتصرف».
يضيف قيردار: «أخبرني الملك حسين أنه وجد الجنرال عارف فظا وغير متعاون، إلى درجة أنه، أي الملك حسين، وبخ عارف وطلب منه أن يتوقف عن الجدل، وينقل الرسالة سريا إلى الملك فيصل».
كان ذلك في 11 يوليو 1958، أي قبل ثلاثة أيام من الانقلاب العسكري الذي أطاح الأسرة الهاشمية في العراق. وبعد الانقلاب، بدأ العسكريون في بغداد يحاكمون رموز العهد الملكي. وحين جاء دور الجنرال عارف بصفته عضوا في الحكم السابق، أخبر المحكمة أنه كان على علم بخطة الانقلاب، لكنه لم يرد أن يكشف عنها. وبخلاف ما جرى لأعضاء الحكم السابق، لم يُحكم على الجنرال عارف بالموت!



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني