رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

قيردار في سيرته «سعيا وراء الإنجاز» عمل كثيرا لإعادة العراق إلى عهده الملكي

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان
TT

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

رجل أعمال ثري حلم ببغداد جديدة بعد فوات الأوان

قد لا يكون رجل الأعمال العراقي نمير قيردار أشهر رجال الأعمال العرب على مستوى عالمي، لكنه، بلا شك، من بين أكثرهم ثقافة. فهو لم يكتفِ بإنشاء مؤسسة عالمية حققت كثيرا من «الخبطات» الناجحة على غير صعيد، بل أراد أن يكون مرشدا لكثيرين ممن عرفوه وعملوا معه، أو قرأوا سيرة حياته. وحياة نمير قيردار عينة من تاريخ العائلات العراقية والعربية التي تداخلت فيها التجارة بالسياسة، وهي شهادة على أنماط وطرق العمل التجاري في العالم العربي ومنطقة الخليج بشكل خاص.
في سيرته الذاتية «سعيا وراء الإنجاز»، التي دونها بالإنجليزية، قدر كبير من التجارب التي يمكن أن يتعلم منها أي قارئ أشياء كثيرة، لعل أهمها: كيف يبدأ من الصفر، متحليا بقيم ومفاهيم لا يحيد عنها قيد أنملة، وكيف تتحقق الثروة بالمثابرة والعمل الجاد الدؤوب، وفهم الظروف ومتطلباتها في عالم يتحرك بسرعة البرق.
في الروايات الذاتية، أيا كان واضعوها، شيء من الأدب الراقي، تختلف نسبته بقدر ما يتحلى صاحب السيرة بثقافة عامة وقدرة على التخيل. وما سيرة حياة كل فرد بالنسبة إليه وإلى المقربين منه، إلا حكاية مشوقة ملؤها الحكم والعبر والمغامرات، تمليها قوانين الطبيعة وتفرضها مسيرة الصراع سعيا وراء النجاح وإثبات الوجود، وحياة نمير قيردار ليست استثناءً، إنها سيرة ممتازة لرجل ولد ونشا في عراق العهد الملكي، ودرس في جامعات الغرب وأنشأ واحدة من أهم المجموعات الاستثمارية التي أسسها العرب في العالم.

في سبعينات القرن الماضي، بدأت الثروة العربية تتدفق على المنطقة نتيجة ارتفاع أسعار النفط. وشهدت الدول الخليجية طفرة مالية لم تشهدها في تاريخها القديم والحديث، مما أثار شهية المصارف والمؤسسات المالية العالمية التي بدأت تسعى إلى خطب ود الحكومات العربية والمستثمرين العرب المقبلين من بلدان الخليج. تلك المرحلة، دخلت «إنفستكورب»، المجموعة الاستثمارية التي أدارها قيردار نمير، السوق العالمية كمستثمر، وحققت قدرا كبيرا من النجاح واحتلت مكانها كمجموعة عالمية، إلا أن بعض عمليات «إنفستكورب» لم يكن مجديا، يقر نمير قيردار بذلك، ويعترف بأنه أخذ نصيبه من الخطوب وخيبات الأمل، لكنه لم يضيع الهدف كما قال.
في الكتاب فصول مختلفة، منها ما هو خاص، مثل سيرة العائلة والتربية الأولى والحياة الخاصة - كل ما يتصل بمكان الولادة والوالدين والأشقاء والزوجة والأولاد والأقرباء - ومنها ما يتصل بدائرة أوسع؛ عمله في مصرف «تشايس مانهاتن بنك» في نيويورك والخليج، وصندوق النقد العربي، وعملية تأسيسه «إنفستكورب» وما رافقها من مراحل مرت بها قبل أن تصبح عالمية.
من الفصول ما هو عام يتصل بالعراق، مسقط رأس صاحب السيرة وموطنه وهاجسه الأكبر. ولعله أكثر أجزاء الكتاب متعة للقراءة وللمهتمين بالشأن السياسي. يقول قيردار إن عودة العراق إلى سابق عهده من السلم والرفاهية كان هما آخر في حياته. وهو لم يكتفِ بأن تحسس أوجاع وطنه الجريح، بل سعى على المستوى العالمي لإيجاد الحلول.

عهد ذهبي

ترك نمير قيردار العراق في 1969 ليعمل في حقل المصارف، ثم أسس «إنفستكورب» وحولها إلى دار استثمارية كبيرة تمتلك أهم الشركات العالمية مثل مجموعة «غوتشي».
في السبعينات والثمانينات لم ينقطع عن التفكير في وطنه، لكنه فقد الشعور الخاص تجاه عراق العهد الملكي، لأن رحيله عن بلده وتجواله في العالم، وعمله في مؤسسات عالمية، ولقاءه بشرا من جميع الجنسيات، حوله إلى مواطن من العالم، حسب قوله، كما أن حياته الخاصة وأمور العائلة شغلته، وأخذت قدرا كبيرا من وقته وتفكيره.
يعتبر قيردار انقلاب 1958 الذي أطاح الحكم الملكي في العراق مأساة حقيقية، أدت ليس إلى خراب البصرة وحدها، كما يقول المثل، وإنما إلى خراب العراق كله. وعلى الرغم من الحقب التي تلت الحكم الملكي، خصوصا زمن البعثيين وما رافقه من انقلابات وويلات وحروب، بقي عراق العهد الملكي الذهبي، ماثلا في وجدان نمير قيردار.
هذه التحولات أصابته بخيبات أمل، وجعلته ينكفئ عن التعاطي بشؤون بلده، لكن آماله بدأت تنتعش بعد غزو صدام حسين الكويت في الثاني من أغسطس (آب) 1990، إذ وجد فيه فرصة ليس لتحرير الكويت وحدها، وإنما لتحرير العراق كله من صدام حسين وأعوانه، ووضع تصور لحل مشكلات العراق أمام بعض قادة العالم. فحوى هذا التصور إعادة ما كان سائدا قبل انقلاب 1958، أي الفيدرالية الملكية الهاشمية التي كان الملك فيصل الثاني زعيمها والعاهل الأردني الملك حسين نائبه عليها. وهكذا، يجري تجنب مجيء مجموعات معارضة إلى الحكم، لا تملك تجربة أو خبرة.
لم يطرح هذا الحل بعد انقلاب 1958، لأن الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف، هدد الغرب آنذاك بأن أي تدخل غربي في شؤون العراق سيؤدي إلى حرب عالمية ثالثة. لكن طرح الحل كان معقولا، برأي قيردار، في منتصف تسعينات القرن الماضي، لأن الاتحاد السوفياتي أصبح شيئا من الماضي.
لم يكن هذا التصور واردا في ذهن أي زعيم في العالم مهتم بالشأن العراقي، ولا حتى في ذهن المعارضين الذين كان لكل منهم «أجندته» الخاصة، وكان قائما، برأي قيردار، على أساس أن العاهل الأردني ملك محبوب في العالم، وله علاقات قوية ممتازة، ويحترمه شعبه والشعب العراقي، وهو صديق ودود للغرب، كما كان قبل 1958، نائبا للملك فيصل الثاني، بموافقة البرلمان الأردني والبرلمان العراقي.
قد يظن من عرف نمير قيردار أو قرأ كتابه، أن «الخيار الهاشمي» لحل مشكلات العراق، مسألة نظرية لا تستند إلى واقع، لكن قيردار يؤكد أن على المسرح العالمي حدثا مشابها وقع في هايتي، بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح حكومة جون برتراند أريستيد المنتخبة ديمقراطيا، وكيف أن الولايات المتحدة تدخلت عسكريا لتعيد الحكم السابق إلى السلطة. لذلك لم ير قيردار ما يمنع من عودة الحكم الهاشمي إلى العراق، على الرغم من مرور 40 عاما على انقلاب 1958، وإن هذا الاقتراح في رأيه، «حل نبيل وشرعي وقابل للتطبيق».
لم يكن قيردار يرمي إلى تحقيق مصلحة شخصية، بل إلى رؤية العراق وهو يعود إلى عهده السابق من الاستقرار والازدهار. وطفق يسعى إلى إنجاز ما يهدف إليه بقدر ما سمحت به مشاغله التجارية. قابل الأمير حسن، شقيق الملك حسين، والأمير زيد بن شاكر (رئيس الديوان الملكي آنذاك)، والتقى الملك حسين، وشعر أن هذا «الخيار الهاشمي» لم يكن بعيدا عن وجدان العاهل الأردني.

في حضرة بوش الأب

التقى نمير قيردار الرئيس الأميركي، جورج بوش الأب، عام 1993 بعد تركه الحكم، في منزله بكينبنكبورت، وتحدث معه عن العراق وصدام حسين الذي كان لا يزال حاكما مستبدا في العراق. سأل قيردار بوش، لماذا اكتفى بتحرير الكويت ولم يكمل المهمة بالذهاب إلى بغداد والتخلص من صدام؟ فكان جواب الرئيس الأميركي: «إن تحالف الدول لتحرير الكويت ما كان صمد لو دخلت القوات الأميركية بغداد».
وافق قيردار بوش رأيه، ثم طرح أمامه فكرة الفيدرالية الهاشمية، وتحدث عن الدور الذي يمكن للملك حسين أن يضطلع به، والمزايا التي يمكن أن تتحقق بتحويل العراق إلى قوة اقتصادية في المنطقة ذات علاقات وطيدة مع الغرب: «قلت للرئيس إن الولايات المتحدة محظوظة بأن لها أصدقاء مثل مصر والسعودية، وإن وجود دولة أخرى مثل العراق في المنطقة، إذا ما قدر لها أن تنهض بمساعدة الغرب، يعني دورا مماثلا لدور اليابان في الشرق الأقصى، ودور ألمانيا في أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وهذا سيكون كفيلا بتغيير معالم الشرق الأوسط»، كما ورد في الكتاب.
قابل قيردار أيضا، ريتشارد هيس، المدير السابق لمجلس الأمن القومي لـ«الشرق الأوسط»، وبرنت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي السابق في عهد بوش، وهذا وجد في الفيدرالية فكرة طموحة، وأرنود بورتشغريف رئيس تحرير مجلة «نيوزويك»، وجيم وولسي المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، وزبيغنيو بريجنسكي المستشار السابق للأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، الذي استمع لرأي قيردار شكك في سيناريو يكون فيه العراق تحت حكم ملك أردني. كما التقى هنري كيسينجر، وقال إن السياسي المخضرم سأله كيف يتصور الطرق العملية لتحقيق هدف الفيدرالية، فأجابه قيردار: «إن اقتراحي مجرد رؤية يناط أمر تطبيقها بالمسؤولين الحكوميين، الذين يتعين عليهم أن يحولوا التصور إلى واقع».
لم يتوانَ قيردار عن العمل. بقي يستثمر وقته في لقاء مسؤولين على المسرح الدولي، منهم ألكسندر كومت دومارينشييز المدير السابق لجهاز المخابرات الفرنسية، والرئيس الأميركي بيل كلينتون، بعد نجاح وساطته في عقد اتفاق سلام بين الملك حسين ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، وجرى الاجتماع في المكتب البيضاوي في البيت الأبيض في 25 يوليو (تموز) 1996.
في ذلك الاجتماع، أوضح قيردار للرئيس كلينتون، ضرورة «التخلص من صدام حسين، وإعادة الفيدرالية الهاشمية، وتثبيت الملك حسين رئيسا شرعيا للفيدرالية، وإن الفائدة المرجوة من ذلك (هي) عراق حليف، مستقر ومزدهر في قلب الشرق الأوسط، وخطوة متقدمة على طريق السلام في المنطقة».
ومما قاله قيردار للرئيس الأميركي أيضا: «في عام 1958 كان أي تدخل أميركي في العراق سيؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، لكن لا شيء الآن يمكن أن يوقفكم إذا ما اتخذتم قرارا من هذا النوع. عليكم أن تفعلوا شيئا، لأن العراق قد يذهب في أحد طريقين؛ إما أن يتقدم ويزدهر ويكون صديقا للغرب، أو يتحول إلى مصدر أكبر لمشكلات المنطقة».
وافق الرئيس كلينتون على أن ينظر في فكرة الفيدرالية، لكن قيردار يقول إنه لم يسمع ما إذا كان الرئيس الأميركي فعل شيئا في هذا الخصوص. ويوضح أنه لو اعتمدت الولايات المتحدة التصور الذي وضعه أمام الرئيس الأميركي، لكانت وفرت على نفسها مئات مليارات الدولارات، وخمسة آلاف قتيل، و35 ألف جريح، وكان تاريخ العراق تغير وتجنب سنوات طويلة من المآسي».
ذهب قيردار إلى عمان بعد ذلك، وأبلغ الملك حسين والأمير زيد ما دار في اجتماعه مع الرئيس الأميركي، وظل يلاحق حلم الفيدرالية الهاشمية إلى أن توفي الملك حسين عام 1998، عندها لم يعد أمام قيردار إلا أن يتقبل حقيقة أن حلمه بالفيدرالية الهاشمية قد تبخر بموت العاهل الأردني، وأن الفرصة بعودة هذه الفيدرالية إلى العراق والأردن قد ضاعت إلى الأبد.

احتلال أميركي عاجز

على الرغم من ضياع «الخيار الهاشمي»، بقي قيردار يولي العراق اهتمامه. وبعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001 كان من الواضح أن الولايات المتحدة، تدعمها بريطانيا، اتخذت قرارها بالتخلص من صدام. وحين بدأت الاستعدادات العسكرية لحرب الخليج الثانية، وظهر أن الولايات المتحدة بدأت تتكلم عن عراق مسالم ومزدهر بعد صدام، كتب قيردار إلى الرئيس بوش وإلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، مبديا دعمه الشخصي للسياسة الأميركية - البريطانية حيال العراق، محذرا من أن فرض حكومة على البلد من الخارج سيكون غلطة كبيرة، وأن على الشعب العراقي في الداخل أن يختار حكومة بلاده المناسبة.
لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن، إذ ما إن وقع الغزو وجرى احتلال العراق ولجأ صدام إلى المخبأ، حتى بدأت القوة المحتلة تظهر عجزا في التحكم بمجرى الأمور، وخرجت بغداد من السيطرة، وانتشرت عمليات النهب والسلب في كل مكان، ولم تعد أميركا الغازية تعرف كيف تحكم البلاد التي غزتها.
بعد مضي ثلاثة أشهر على الغزو، أي في يونيو (حزيران) 2003، سنحت فرصة لقيردار للقاء الرئيس بوش في أثناء زيارة له إلى روما. عقد الاجتماع في فيلا تافيرنا، مقر سكن السفير الأميركي في العاصمة الإيطالية، وهناك أحس قيردار بقلق الرئيس بوش على العراق الذي سأله: «ما الذي على الولايات المتحدة أن تفعله».
رد قيردار: «وضعت أمام الرئيس ثلاثة اقتراحات لحماية العراق من الفوضى والانهيار: «الأول أن تتخلص الولايات المتحدة من صدام وولديه قصي وعدي، وبعض أعضاء عائلته، وبعض الوجوه البارزة في حكومة حزب البعث، وأن تبقي أعضاء الحزب في مواقعهم ليعودوا إلى المراكز التي كانوا يشغلونها، وأن يبقى أعضاء الحكومة في أماكنهم، وأن تبقى ماكينة الحكم على حالها ولا تتفكك».
الاقتراح الثاني «أن لا يُحكم على أي مواطن عراقي بناء على خلفيته، أو انتمائه العرقي أو الديني، لأن ذلك يحدث شروخا في المجتمع. وأن النظام الجديد بعد صدام يجب أن يراعي حقيقة أن العراقيين كلهم يجب أن يكونوا متساوين في الحقوق كما كانوا في العراق الموحد تحت الحكم الهاشمي قبل ثورة 1958».
الاقتراح الثالث «أن على الولايات المتحدة أن لا (تزرع) زعماء المعارضة في الحكومة الجديدة، لأن هؤلاء يريدون التخلص من صدام ليحكم كل واحد منهم حسب أجندته الخاصة، وليس لديهم تجربة في الحكم ليديروا شؤون البلاد».

رايس المخيبة

في 11 أيلول 2003، وبعد أن قامت الولايات المتحدة بما كان عليها أن لا تقوم به، أي حل الجيش العراقي وحزب البعث، شاءت الظروف أن يلتقي قيردار كوندوليزا رايس في الجناح الغربي من البيت الأبيض، ويقول لها: إن أفضل دور يمكن للولايات المتحدة أن تؤديه، هو التأكد من أن الدستور الجديد يجب أن يكون علمانيا وعادلا، يتساوى فيه العراقيون في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والمذهبية، كما الدستور المعمول به في الولايات المتحدة منذ 200 سنة.
يكتب قيردار: «عندما أجابتني رايس بالقول إن على العراقيين أن يضعوا الدستور الذي يناسبهم، جاء ردي عليها سريعا: أي عراقيين تقصدين؟ إذا كنت تقصدين العراقيين الذين كلفتموهم إدارة البلاد، فهؤلاء سيضعون دستورا يتوافق مع أجنداتهم الخاصة، وهم إذا وجدوا أن تقسيم البلاد على أسس قبائلية وطائفية وعنصرية يخدم مصالحهم، فلن يترددوا (في) القيام بذلك»!
يضيف قيردار، إنه خرج من اجتماعه مع رايس خائب الأمل، لأنها كانت قد اعتمدت قراراتها، ولا يبدو أنها كانت مستعدة لتغيير رأيها، وشعر أن طلبها لقاءه كان واجبا إداريا، على الرغم من أنها كانت في غاية الود.
وعلى الرغم من أن اقتراحات قيردار، فيما يتعلق بحاضر العراق ومستقبله، لم تنفذ، فإنه شعر كما يقول، بأنه كان محظوظا لأنه تمكن من أن يضع تصوراته أمام مسؤولين كبار لهم دورهم المؤثر على مسرح العلاقات الدولية، وأنه على الرغم مما ولدته الأحداث من الغضب وخيبات الأمل، يبقى عزاؤه أنه تمكن من أن ينقل أفكاره جهارا.

متعة القراءة

في كتاب قيردار كثير من الفصول الممتعة، لعل أجملها ذلك الذي يتصل بالشخصيات العامة في حياة صاحب السيرة، مثل الملك حسين، والملك عبد الله الثاني، والأمير زيد بن شاكر، والأمير رعد بن زيد، والشيخ أحمد زكي اليماني، ورجل الأعمال السعودي سليمان العليان، وولي العهد البريطاني الأمير تشارلز، والرؤساء بوش الأب وبوش الابن، والرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال. ومن حديثه عن تلك الشخصيات العالمية، بدا أن الملك حسين كان أقربهم إليه. وكان قيردار قابله في المرة الأولى في بداية الثمانينات، في أثناء حفل غداء بمنزل صديقه عبد الحميد الدامرجي، في بلدة وايبريدج بمقاطعة سري في إنجلترا. كان جميع المدعوين في ذاك الحفل ينتظرون ضيفا مرموقا، فإذا هو بعد حين، الملك حسين. وظهر أن العاهل الأردني كان يعرف معظمهم، إذ كانوا رفقاء له عندما كان طالبا في كلية فيكتوريا بمصر.
يقول قيردار: «لم يكن الملك حسين قد رآني من قبل، والأرجح أنه قد سأل بعض الحاضرين من أكون. بعد برهة، جاءت زوجة عبد الحميد الدامرجي لتقول لي إن الملك يريد أن يراني. وحين تقدمت منه نظر إلي بإمعان، وقال: أظن أن بينكم وبين أسرتي علاقة طويلة، أليس كذلك؟! أجبت: نعم، يا جلالة الملك، جدكم وجدي كانا عضوين في البرلمان العثماني مطلع 1900».
ثم عاد وسألني: «كيف لم أقابلك من قبل؟» أجبت: «أسكن في المملكة المتحدة، وأنتم يا جلالة الملك رجل كثير المهام، ولم أرد يوما أن أثقل عليكم وآخذ حصة من وقتكم، ولكن أريد من جلالتكم أن تعرفوا أنني كنت دائما شديد الوفاء للهاشميين».
هكذا بدأت علاقة قيردار بالملك حسين، ثم توطدت إلى درجة الصداقة الشخصية.
ويكشف قيردار عن لقاء بينه وبين الملك حسين في أحد المطاعم في لندن، وعن معلومات غير معروفة أو مدونة، عن المذبحة التي تعرضت لها الأسرة الهاشمية في العراق إثر انقلاب 1958. يقول قيردار: «في تلك الجلسة أخبرني الملك أن رجال الأمن في حكومته كشفوا، قبل الانقلاب في بغداد بوقت قصير، عن خطة مماثلة في الأردن تحيكها مجموعة من الضباط العسكريين، المدعومين من عبد الناصر، للقضاء على الأسرة الهاشمية في الأردن، وأن الملك أراد أن ينبه ابن عمه، الملك فيصل الثاني في بغداد، عن المؤامرة. وجد أن إعلامه بالهاتف أو كتابيا مسألة محفوفة بالمخاطر، فآثر بدلا من ذلك، أن يطلب من الملك فيصل أن يرسل إلى عمان رجلا موثوقا به ليقابله. كان الرجل الذي اختاره الملك فيصل للذهاب إلى الأردن هو الجنرال رفيق عارف، قائد القوات المسلحة العراقية. وعندما وصل هذا الجنرال إلى عمان، أخبره الملك حسين أن لديه معلومات عن مؤامرة تُدبر في بغداد، وأن على الملك فيصل أن يتصرف».
يضيف قيردار: «أخبرني الملك حسين أنه وجد الجنرال عارف فظا وغير متعاون، إلى درجة أنه، أي الملك حسين، وبخ عارف وطلب منه أن يتوقف عن الجدل، وينقل الرسالة سريا إلى الملك فيصل».
كان ذلك في 11 يوليو 1958، أي قبل ثلاثة أيام من الانقلاب العسكري الذي أطاح الأسرة الهاشمية في العراق. وبعد الانقلاب، بدأ العسكريون في بغداد يحاكمون رموز العهد الملكي. وحين جاء دور الجنرال عارف بصفته عضوا في الحكم السابق، أخبر المحكمة أنه كان على علم بخطة الانقلاب، لكنه لم يرد أن يكشف عنها. وبخلاف ما جرى لأعضاء الحكم السابق، لم يُحكم على الجنرال عارف بالموت!



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.