«دافوس 2019»... دعوات ملحة لاستعادة الاستقرار السياسي

غياب القادة ضاعف المخاوف وعزز مكانة الصين الدولية

«دافوس 2019»... دعوات ملحة لاستعادة الاستقرار السياسي
TT

«دافوس 2019»... دعوات ملحة لاستعادة الاستقرار السياسي

«دافوس 2019»... دعوات ملحة لاستعادة الاستقرار السياسي

تتحول قرية دافوس السويسرية لخمسة أيام في السنة إلى «ماكينة مالية وسياسية» تضبط عقارب العالم، وترسم توجهاته. واكتسب المنتدى الاقتصادي العالمي سمعته النخبوية في العقدين الماضيين، إذ أصبح ساحة القادة المفضلة للكشف عن سياساتهم الدولية بخصائص محلية، ولقاء نظرائهم بعيداً عن عدسات الإعلام، والإعلان عن صفقات مليارية مع كبرى الشركات. إلا أن دورة «دافوس» هذا العام جاءت بنكهة مختلفة، عكَسَت التوتر السائد في مجتمع الأعمال من سلسلة التقلبات السياسية المتواصلة منذ أشهر. ولم ينجح حضور «نجوم» مجتمعات المال والأعمال وندواتهم الكثيرة في إخفاء الغياب الصارخ لأبرز قادة العالم، إذ لم يحظَ أيّ من المشاركين بالحماس والترقب نفسهما اللذين أحاطا، السنتين الماضيتين، بالأميركي دونالد ترمب، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والصيني شي جينبينغ، والهندي ناريندرا مودي، وحتى الكندي جاستن ترودو، والألمانية أنجيلا ميركل. وتكفي جولة في الصالة الرئيسية للمنتدى لاستشعار الإحباط المنتشر خصوصاً بين رجال وسيدات الأعمال والناشطين البيئيين في غياب توافق سياسي دولي حول سبل مواجهة تراجع معدلات النمو العالمي، والمخاوف المتزايدة من فترة ركود جديدة. وفي مقابل هذه المخاوف، طرح لاعب شهد صعوداً سريعاً إلى قلب الساحة الدولية نظرة تفاؤلية. فقد رفضت الصين، على لسان نائب رئيسها وانغ كيشان، التوقعات الاقتصادية المتشائمة وجدّدت ثقتها في استمرار نموها ونمو العالم، شريطة الحفاظ على تجارة عالمية حرة.

- العامل الصيني
كانت مشاركة بكين في فعاليات «دافوس» هي الأبرز هذا العام، بفضل تقاطع عوامل تشمل مواجهتها التجارية المستمرة مع أكبر اقتصاد في العالم، وتأثير تباطؤ نموها على الأداء الاقتصادي العالمي، والانتقادات الغربية المحيطة بعملاقي الاتصالات «هواوي» و«زي تي إي». وفيما حمل وانغ ووفده الكبير رسالة تفاؤل وتحدٍّ، لم يتردد مشاركون في انتقاد سياسات الصين المتعلقة بالملكية الفكرية ومزاعم التجسس عبر شركات الاتصال، وعمليات التجسس الإلكتروني التي اتهم الغرب بكين بالوقوف وراءها. وكان آخر المنتقدين الملياردير جورج سوروس، الذي هاجم الرئيس الصيني شي جينبينغ، معتبراً إياه «أخطر عدو» للمجتمعات الحرة والديمقراطية. وأوضح سوروس في خطابه التقليدي على هامش أعمال «دافوس»، أن «الصين ليسَتْ النظام المستبد الوحيد في العالم، لكنها بلا شك الأغنى والأقوى والأكثر تطورا في مجال الذكاء الاصطناعي».
وأضاف أن «هذا يجعل شي جينبينغ أخطر عدو للذين يؤمنون بالمجتمعات الحرة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
ودعا سوروس أمام حشد من الصحافيين والسياسيين والاقتصاديين الولايات المتحدة إلى التحرك ضد مجموعتي الصناعات التقنية الصينيتين «هواوي» و«زي تي إي». واعتبر أنه «إذا تمكنت هذه الشركات من السيطرة على أسواق الجيل الخامس من تقنيات الهواتف الجوالة، فإنها ستمثل خطراً غير مقبول على أمن العالم». وتابع: «العام الماضي كنت أعتقد أنه يجب تعزيز استيعاب الصين في مؤسسات الحوكمة العالمية، لكن منذ ذلك الحين، دفعني سلوك شي إلى تغيير رأي». ولم تتأخر الخارجية الصينية في الرد على هذا الهجوم اللاذع، وقالت إن تصريحاته بلا معنى «ولا تستحق التفنيد». وبعيداً عن التصعيد السياسي بين الصين والغرب، سعت بكين إلى طمأنة المستثمرين. وقال أحد أعضاء الوفد الصيني إن تراجع نمو الاقتصاد الصيني «لا يشكل كارثة». وأوضح فانغ شين هاي، نائب رئيس هيئة تنظيم سندات الضمان الصينية، مخاطباً جلسة حول «المخاطر المالية الدولية» أن السياسات الاقتصادية الصينية سريعة الاستجابة للمتغيرات، وتقوم على الانفتاح وإتاحة فرص استثمار للشركات عبر العالم.
وعزز نائب الرئيس الصيني هذه الرسالة الأربعاء، بقوله إن اقتصاد بلاده لا يدخل نهاية دورته التوسعية، وإنه سيواصل تحقيق نمو مستدام على الرغم من الشكوك العالمية. ووجّه وانغ رسالة مبطّنة لواشنطن بتأكيده على الترابط العضوي للاقتصادين الصيني والأميركي، وإشارته إلى أن «أي مواجهة (بين البلدين) ستلحق ضرراً بمصالح الجانبين».

- الانقسام الأوروبي
يصعب تجاهل التباين الكبير في السياسات الأوروبية، لا سيما فيما يتعلق بمستقبل الاتحاد الأوروبي والتعاون الدولي واتفاقيات التجارة الحرة. ففي الوقت الذي دافعت فيه ميركل عن «التعددية والإصلاح» لمواجهة تفاقم الاختلالات العالمية، هاجم رئيس الوزراء الإيطالي جوسبي كونتيه المشروع الأوروبي، واليورو الذي «تسبب في تنامي الدين العام وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي»، على حد قوله. وتحدث كونتي عن حاجة ملّحة لرؤية جديدة «تركّز على الإنسان والعائلات والمجتمعات».
كما فرضت قضية خروج بريطانيا نفسها على فعاليات هذا العام، رغم غياب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. وقوبلت جهود أعضاء الوفد الذي ضمّ وزير الخزانة فيليب هاموند والتجارة الدولية ليام فوكس لطمأنة المستثمرين الدوليين بكثير من التشكك.

- المشاركة العربية
خصص المنتدى الاقتصادي العالمي عدداً من الجلسات حول آفاق العالم العربي الأمنية والاقتصادية، أجمع المشاركون فيها على أن الاستقرار السياسي هو مفتاح تنمية وازدهار اقتصاديين محورهما الشباب. وبرزت السعودية كنموذج إصلاحي يُقتدى به ويرسم الطريق لجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى المنطقة. وأكدت الرياض من دافوس التزامها بالمضي في برنامج الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والمالية تماشياً مع «رؤية 2030». وقال وزير المالية السعودي محمد الجدعان في هذا الإطار، إن بلاده حوّلت الوعود إلى إنجازات ومشاريع واضحة نُفّذت، وتُرجمت باستثمارات كبيرة جداً من القطاع الخاص خلال الشهور الماضية.
وبحثت الجلسات حول المستقبل الأمني للشرق الأوسط سبل إرساء الاستقرار السياسي في المنطقة، وحظي الوضع السوري باهتمام خاص في هذا السياق. واعتبر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أنه ينبغي التعامل مع الأزمة السورية عبر مقاربات واقعية، تُقدّم مصلحة سوريا والسوريين على صراع الأجندات الدولية والإقليمية.
من جهته، وصف عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» المشاركة العربية في دورة «دافوس» لهذا العام بـ«الجيدة»، على مستويي التمثيل السياسي والأعمال. ولاحظ في المقابل ضعف المشاركة الإيرانية، وقال إنها تراجعت خلال السنتين الماضيتين.
وفي هذا السياق، قال السياسي المصري الذي شارك في 27 دورة من المنتدى الاقتصادي العالمي إن إيران في حاجة إلى مراجعة علاقتها مع العالم العربي. وأوضح: «ارتكبت إيران أخطاء كثيرة، ونعارض كثيراً من سياساتها. لكنه ينبغي عدم الخلط بين مشكلاتنا ومشكلات طهران مع إسرائيل، ومشكلاتها مع الولايات المتحدة».
ولفت إلى أن «مشكلة إسرائيل الأساسية مع إيران تتعلق بقدراتها النووية. وإن عولجت هذه المشكلة بشكل أو بآخر، مع ابتعاد الوجود الإيراني في سوريا عن حدود الوجود الإسرائيلي - وهذا يحدث بالفعل - فقد يتراجع التوتر في العلاقات بينهما، وكذلك مع الولايات المتحدة. وتصبح التقديرات الحالية في خبر كان».

- انفصال عن الواقع؟
تردَّدت في أروقة «دافوس»، خلال الأيام الماضية، أسئلة حول ما إذا كان المنتدى يعمل فعلاً تجاه تحقيق الهدف الذي حدده لنفسه، الذي لخّصه مؤسسه الثمانيني كلاوس شواب بـ«تحسين وضع العالم»، حتى إن بعض المشاركين ذهبوا إلى اعتبار المنتدى «منفصلاً عن واقع مواطني العالم»، وهمومهم اليومية.
وفي محاولة لتفنيد هذه النظرة، عمد المنتدى إلى تنويع المشاركين ومجالات عملهم واهتماماتهم. فإلى جانب رجال وسيدات الأعمال والسياسيين والصحافيين، تجد بين رواد المنتدى ناشطين بيئيين وموسيقيين وعلماء أحياء، وأطباء وغيرهم. كما سلط المنتدى الضوء على مبادرات لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة، كمشروع موسيقي يُمكّن ضعيفي السمع من استشعار الموسيقى عبر «قمصان ذكية». كما اهتمّ منظمو «دافوس» بالمبادرات البيئية، عبر تخصيص ندوات لمواجهة الاحتباس الحراري وتقديم تجربة واقع افتراضي تتيح لمستخدميها «تجربة الحياة كشجرة» لدقائق. وكان الأمير ويليام من أبرز المشاركين في قضايا التغير المناخي والصحة النفسية. وتحول الأمير البريطاني إلى صحافي لساعة واحدة، حاور خلالها مقدّم البرامج المخضرم ديفيد أتينبورو حول سبل مواجهة التغير المناخي وتداعياته.


مقالات ذات صلة

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس 21 يناير 2026 (رويترز)

دافوس... تأكيد التحوّلات الجيوسياسيّة وطغيان حضور ترمب

تميّز منتدى «دافوس» هذا العام بتظهير عدّة مؤشّرات تغييريّة- جيوسياسيّة على حال النظام العالمي، مع هيمنة حضور دونالد ترمب على وقائعه.

المحلل العسكري (لندن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.