لبنان يتنفس ثقافة عوضاً عن الاختناق السياسي

وفرة في النتاجات السينمائية والمسرحية وشيء من الفوضى

مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
TT

لبنان يتنفس ثقافة عوضاً عن الاختناق السياسي

مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»

النبض الثقافي في لبنان يكاد يكون على العكس من الحياة السياسية المتهالكة. وإذا كان الفن، كي ينتعش، يحتاج في العادة اقتصاداً يدعمه، فلربما أن ما يحدث في لبنان هو غير ذلك. فبقدر ما تشحّ المداخيل، يبدو أن الفنانين يعثرون على مصادر للتمويل، ويخفضون في الوقت ذاته من تكاليفهم، ويبسّطون أدواتهم، ويحاولون العثور على وصفات تجتذب الجمهور. هذا على الأقل ما يحدث في المسرح. وإذا نظرنا إلى عدد المسرحيات التي قدمت هذا العام، سنجد أنها تفوق عدداً تلك التي كنا نراها قبل سنوات قلال، وأن الجمهور الذي كان يُستجدى لتبقى المسرحية الواحدة أسبوعاً على الخشبة، بات يحاول حجز مكان أحياناً فلا يجده. هذه السنة كان بمقدورك أن تحصي مسرحيات عدة تعرض في وقت واحد، وأن تختار بينها. صارت المسرحية الواحدة تعرض لأسابيع، وربما لأشهر، ويعاد عرضها، وتجد من يقبل عليها. مسرحيات صغيرة، في غالبية الأحيان، لكنها غير تلك التجريبية الحزينة السوداوية التي كان يصرّ عليها المسرحيون. شيء من النقد، مع فكاهة، ونصّ مسبوك، وممثل أو اثنين، تصحبهما موسيقى، قد تكون حية أحياناً، وسينوغرافيا ذكية، هي خلطة قد يستبدل بأحد عناصرها غيره، لكنها تبقى قريبة من مذاق متفرج يريد أن يذهب إلى المسرح، لا ليعمل التفكير ويغرف فلسفة، بل ليريح ذهنه من تفاصيل النهار الصعبة وظلامها الخانق.
هكذا، لم يتخلَ زياد عيتاني عن روح النكتة في مسرحيته «ما طلت كوليت»، رغم أنها تستلهم تجربته المروعة في السجن، حين اتهم بالتعامل مع إسرائيل، وسجن وشهّر به، ثم أخلى سبيله بعدما تبينت براءته. قصة من المفترض أنها مبكية، لكنه اضطر أن يمزج مرارتها بشيء من السخرية وهو يعرضها في «مترو المدينة».
في الوقت نفسه، كان زميله الذي انفصل عنه بعد تلك الحادثة، يحيى جابر، يقدم مسرحية أخرى، بعنوان «شوو هااا؟»، يمثلها حسين قاووق في «تياترو فردان». ولا بأس أيضاً من استعادة مسرحية كان قد قدمها جابر سابقاً، وهي «مجدرة حمرا»، المونودراما التي تقف فيها منفردة على المسرح «أنجو ريحان». وقبلهما بقليل، كانت مسرحية «لغم أرضي» قد بدأت عروضها على «مسرح المدينة»، للمخرج إيلي كمال، ومن تمثيل ندى أبو فرحات وعمار شلق. وتغلق السنة على مسرحية الموهوبة عايدة صبرا، مخرجة وكاتبة فقط هذه المرة، وهي تدير الممثلين إيلي نجيم ورودريغ سليمان في «طقس بيروت».
وليس هنا مجال لتعداد المسرحيات التي عرضت خلال السنة، إنما يكفي القول إن «المهرجان الوطني للمسرح اللبناني» ولد أخيراً، وشهد دورته الأولى، بفضل دعم إمارة الشارقة، ممثلة بـ«الهيئة العربية للمسرح»، وهذا بحد ذاته إنجاز. وقد عرضت ضمن اختيارات المهرجان مسرحيات سبق للجمهور أن رآها. ومع ذلك، شهدت العروض حضوراً مهماً، مما يعني أن الناس صاروا أكثر ألفة مع هذا الفن.
على أي حال، ما ينطبق على المسرح يصح على السينما. فإضافة إلى المهرجانين الرئيسيين في بيروت، صار للمناطق مهرجاناتها أيضاً، مثل طرابلس والبترون، ولكل موضوع مهرجان. فهناك مهرجان مسكون لأفلام الرعب، وآخر لحقوق الإنسان، وغيره للهجرة، أو للأفلام اللبنانية القصيرة أو الوثائقيات، غير ما تنظمه بعض السفارات الأجنبية من مهرجانات لأفلامها. ويترافق هذا مع تزايد لأعداد الأفلام اللبنانية التي توالى صدورها هذه السنة، وتجد جمهوراً ينتظرها. وإن كان من المتعذر ذكرها جميعها، فمن الإنصاف الحديث عن فيلمين اثنين، هما: فيلم زياد دويري «قضية رقم 23»، الذي صدر نهاية عام 2017، لكن ترشيح وزارة الثقافة له للأوسكار مطلع العام الحالي آثار لغطاً كبيراً نظراً لأن المخرج سبق له أن صور فيلماً في إسرائيل، وأقام هناك لشهور. النقاش كان حامي الوطيس، ولم يحصل الفيلم على الأوسكار، رغم وصوله إلى النهائيات. لكن فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» حصد جائزة لجنة التحكيم في «مهرجان كان»، وكانت هذه المرة الثانية لفيلم لبناني منذ حصل على الجائزة نفسها مارون بغدادي عن فيلمه «خارج الحياة» عام 1991. وعلى مبعدة أيام من نهاية السنة، اختير فيلم لبكي على اللائحة القصيرة بين 9 أفلام مرشحة لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. كثير من الأفلام الصغيرة التسلوية، أو التي تمر عابرة، لكن الكثرة التي باتت سمة لكل النتاجات الثقافية، وتخلق نوعاً من الفوضى، يتمخض عنها بعض الثمر النضيج الذي يوصل إلى مراتب مهمة، سواء في الفن التشكيلي أو فن التصميم الذي يبدو أن الاهتمام به يتزايد منذ اكتشف اللبنانيون أن بينهم من المواهب ما يلقى ترحاباً أبعد من المنطقة العربية. وانعقاد «بيروت ديزاين فير» للمرة الثانية، إلى جانب «بيروت آرت فير»، إضافة إلى أنشطة أخرى كثيرة حول هذا الفن، تؤكد أن الدرب تعبد باتجاه الأفضل.
الوفرة قد تصبح نقيض الجودة، فكما أن كثرة المسارح لا تعني أن المسرح يعيش عصره الذهبي، بقدر ما تعطي الأمل بأن فلترة لبعض الأعمال والأسماء والمواهب قد تحفر في الذاكرة، كذلك هي حال الإصدارات الأدبية؛ عشرات الروايات أبصرت النور هذا العام، ومثلها من الدواوين الشعرية، وهو ما ينطبق أيضاً على الدراسات. وأصبح من المحال غربلة هذا الكم من الكتابات، خصوصاً مع غياب صوت صفحات نقدية، وتقهقر وضع الصحف، وإغلاق صحف رئيسية منها. فإذا كان العام الماضي قد انتهى بوداع جريدة «السفير»، فقد انقضى العام الحالي مع انطفاء نجم جريدة أخرى لها تاريخ، هي «الأنوار». وإذ يتراجع النقد، ويكتفي غالبية من تبقى من صحافي المجال الثقافي بالعرض والتعريف، فنحن أمام تراكم أدبي يترك للقراء التعاطي معه كيفما اتفق. وكي لا نقع في فخ ذكر الأسماء، نقول في العموم إن ثمة كتباً، لا يمكن تصنيفها في خانة الأدب الكبير أو المتوسط، هي التي حازت العدد الأكبر من الشراة والقراء، لا بالضرورة من باب المجاملة، إنما لأن المؤلف يشاهد على التلفزيون، أو يضرب على وتر ضعيف عند القراء، أو يكتفي بدغدغة المشاعر. وبالعودة إلى ما حدث في معرض بيروت للكتاب، فإن حفلات التوقيع الكبرى لم تكن من نصيب النصوص الأهم، وإنما الكتّاب الأسهل قراءة، في الغالب. وإذا ما بقينا في مجال الأدب، فقد ودّع لبنان هذا العام الأديبة أملي نصر الله، وبعدها بأشهر تحقق حلمها بأن حول منزلها القديم الذي يعود عمره إلى ما يقارب المائة سنة في قريتها الكفير إلى ما سمي بيت «طيور أيلول»، على اسم روايتها الشهيرة، ليضم في مقبل الأيام مكتبة مفتوحة للزوار، كما صدرت مذكراتها التي كتبتها قبيل وفاتها في كتاب غاية في الأناقة، بتصميم فني بديع يحمل اسم «المكان». ومن الأماكن الجميلة التي افتتحت هذه السنة، ولا يمكن تغافلها، «متحف نابو» على شاطئ «رأس الشقعة»، شمال لبناني. والمبنى من تصميم الفنان العراقي ضياء العزاوي، فيما معروضاته تتنوع بين الأثرية التي تعود إلى ما قبل الميلاد، مروراً بتشكيليين كبار مثل شفيق عبود، وصليبا دويهي، وجبران خليل جبران، وأحمد المعلا، وغيرهم. ومما احتفي به مرور 110 سنوات على ولادة قاموس «المنجد» عن «دار المشرق»، وصدور مجموعة قصصية غير منشورة لنجيب محفوظ، بعنوان «همس النجوم»، عن «دار الآداب»، وهي المرة الثانية التي يصدر فيها كتاب لمحفوظ من لبنان، بعد «أولاد حارتنا»، وكان ذاك اختياره، بعد أن تعذر إصدارها في مصر يومها. كما احتفت «دار الآداب» بصدور «الديوان الكبير» لابن عربي، بعد 800 سنة على وفاته، وأغلقت «دار الجديد» عامها على تواقيع لكتاب «لوجه ما لا يلزم»، للمفكر الإيطالي نوتشيو أوردينه، مترجماً إلى العربية، و«في صحبة العربية»، الذي صنفته الأحسن مبيعاً بين إصدارتها، لأحمد بيضون، مع طبعة جديدة لكتابين شيقين: «قصة أسمهان»، بما يكتنفها من أسرار، كما يرويها فوميل حبيب، وديوان الشاعر غسان الخنيزي «أوهام صغيرة».
لبنان يكبو سياسياً ويتنفس جمالياً، تلك معادلة لا تزال قائمة، وهي المنفذ الوحيد الذي لا يزال يسمح لبصيص أمل أن يلوح في الأفق.



سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
TT

«الفطر السحري» يعزّز فرص الإقلاع عن التدخين

الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)
الإقلاع عن التدخين خطوة حيوية لتعزيز الصحة (جامعة ييل)

كشفت دراسة أميركية عن أن جرعة واحدة من مادة «السيلوسيبين»، المركب النشط فيما يُعرف بـ«الفطر السحري»، قد تساعد المدخنين على الإقلاع عن التدخين.

وأوضح الباحثون من جامعة جونز هوبكنز أن العلاج بـ«السيلوسيبين» إلى جانب العلاج السلوكي المعرفي يوفر نهجاً مختلفاً وأكثر فاعلية لمساعدة المدخنين على التخلص من إدمان التبغ، ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «JAMA Network Open».

ويُعدُّ التدخين أحد أبرز أسباب تدهور الصحة حول العالم، إذ يتسبَّب في نحو 480 ألف حالة وفاة سنوياً في أميركا وحدها، ونحو 8 ملايين وفاة عالمياً. ورغم رغبة كثير من المدخنين في الإقلاع عن هذه العادة، فإن العلاجات المتاحة حالياً غالباً ما تفشل في تحقيق نتائج طويلة الأمد. وتشمل العلاجات التقليدية بدائل النيكوتين والأدوية المساعدة مثل فارينيكلين، إضافة إلى جلسات الإرشاد النفسي، إلا أن كثيرين يعودون للتدخين خلال 6 أشهر من بدء العلاج.

وتركز الدراسة السريرية على تقييم فعالية «السيلوسيبين»، وهو مركب مهلوس مستخلص من نوع من «الفطر السحري»، في دعم الإقلاع عن التدخين. ويجري حالياً اختبار المركب أيضاً لعلاج بعض اضطرابات الصحة العقلية، مثل الاكتئاب، ما يعكس الاهتمام المتزايد بفوائده على الصحة النفسية.

وشارك في التجربة 82 مدخناً بالغاً سبق لهم محاولة الإقلاع عن التدخين، وقُسّموا عشوائياً إلى مجموعتين، تلقَّت الأولى جرعةً واحدةً عالية من «السيلوسيبين» تحت إشراف طبي، بينما استخدمت المجموعة الثانية لصقات النيكوتين لمدة تتراوح بين 8 و10 أسابيع. وخضع جميع المشاركين لبرنامج علاج سلوكي معرفي استمرَّ لمدة 13 أسبوعاً لدعم عملية الإقلاع عن التدخين.

وبعد 6 أشهر من بدء التجربة، بقي 38 مشارِكاً في مجموعة السيلوسيبين و32 في مجموعة لصقات النيكوتين. وأظهرت النتائج أن 40.5 في المائة من المشاركين في مجموعة «السيلوسيبين» تمكَّنوا من الامتناع المستمر عن التدخين، مقابل 10 في المائة فقط في مجموعة اللصقات. كما بيّنت الفحوص البيوكيميائية أن 52.4 في المائة من المشاركين في المجموعة الأولى لم يدخنوا خلال الأسبوع السابق للفحص، مقارنة بـ25 في المائة فقط في مجموعة اللصقات.

ويختلف تأثير «السيلوسيبين» عن العلاجات التقليدية للإدمان، إذ لا يستهدف مستقبلات النيكوتين مباشرة في الدماغ. ويعتقد الباحثون أنه يعمل عبر تغيير طريقة تفكير الشخص وإدراكه لذاته، ما يساعد على كسر أنماط السلوك الإدماني وتعزيز المرونة النفسية. وتشير النتائج إلى أن جرعة واحدة فقط قد تحقق تأثيراً طويل الأمد، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى استخدام أدوية يومية أو طويلة المدى.

ولم تُسجل آثار جانبية خطيرة خلال الدراسة، لكن بعض المشاركين أبلغوا عن أعراض خفيفة، مثل ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وصداع، وغثيان.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تمثل خطوةً مهمةً نحو تسريع تطوير العلاجات النفسية المعتمدة على المواد المخدرة لعلاج اضطرابات تعاطي المواد، بما في ذلك إدمان التبغ، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوعاً لتحديد أفضل طرق العلاج وتكلفته وإمكانية تطبيقه على نطاق واسع.


عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
TT

عودة «الطبل الناطق» إلى ساحل العاج بعد أكثر من 100 عام في فرنسا

الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)
الطبل التاريخي يعود إلى ساحل العاج (رويترز)

أعادت فرنسا إلى ساحل العاج طبلاً مقدّساً من نوع «الطبول الناطقة» كان قد نُهب إبّان الحقبة الاستعمارية، وذلك بعد أكثر من قرن على إخراجه من البلاد.

وكانت القوات الاستعمارية الفرنسية قد استولت على الطبل عام 1916، قبل أن يُنقل إلى فرنسا عام 1929، حيث عُرض بدايةً في «متحف تروكاديرو»، ثم انتقل لاحقاً إلى متحف «كيه برانلي» في باريس، ليظلَّ هناك عقوداً بكونه أحد المعروضات المرتبطة بتاريخ الحقبة الاستعمارية.

ويُعرف هذا الطبل باسم «ديدجي أيوكويه» (Panther Lion)، وقد استقبله لدى عودته أفراد من جماعة «إيبرييه» التي تعود ملكيته الأصلية إليها. ويبلغ طول الطبل أكثر من 3 أمتار، ويزن نحو 430 كيلوغراماً، وهو منحوت من خشب شجرة «الإيروكو».

قطعة من ذاكرة أفريقيا تعود إلى أرضها (رويترز)

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعٍ فرنسية أوسع لإعادة القطع الثقافية الأفريقية إلى بلدانها الأصلية، وهي عملية بدأت عام 2017.

ووصل الطبل إلى أبيدجان على طائرة استُؤجرت لنقله، غير أنه بقي داخل صندوق خشبي كبير وُضعت عليه علامة «قابل للكسر». وكانت مجموعة من الراقصين التقليديين وعدد من الزعماء المحلّيين في مطار أبيدجان الدولي لاستقباله.

وقالت وزيرة الثقافة في ساحل العاج، فرنسواز رمارك، لـ«بي بي سي»، إنّ عودة الطبل تمثّل «يوماً تاريخياً مشحوناً بالمشاعر»، مضيفة أنّ البلاد «تعيش لحظة إنصاف واستعادة للذاكرة تعلن أخيراً عودة طبل (ديدجي أيوكويه) إلى موطنه الأصلي».

ومن جانبه، أوضح مدير متحف الحضارات في أبيدجان، فرانسيس تاغرو، أنّ الطبل سيُعرض «في موقع يليق بقيمته في قلب المتحف الوطني». وأضاف: «نشعر بسعادة غامرة وفخر عميق باستعادة هذا الطبل المقدّس؛ لما يمثّله من رمزية كبيرة بالنسبة إلينا، ولما سيتركه من أثر في تعزيز الوعي الثقافي لدى الأجيال الشابة».

ويُعدّ «الطبل الناطق» أحد أبرز رموز التراث لدى جماعة «إيبرييه»؛ إذ كان يُستخدم تقليدياً للتحذير من الأخطار، وحشد الناس في زمن الحرب، وكذلك لدعوة القرى إلى المناسبات والاحتفالات. وتتركز هذه الجماعة في مدينة أبيدجان، كبرى مدن ساحل العاج.

وكانت باريس قد سلَّمت الطبل رسمياً في 20 فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أقرّ البرلمان الفرنسي قانوناً خاصاً يجيز إعادته. ويمثّل «الطبل الناطق» أول قطعة ضمن قائمة تضم 148 عملاً فنياً وثقافياً تسعى ساحل العاج إلى استعادتها من فرنسا ودول أخرى.

وسبق لفرنسا أن أعادت بعض كنوز مملكة أبومي الملكية إلى بنين، كما أعادت سيفاً تاريخياً إلى السنغال. ويأتي ذلك في ظل تزايد مطالب الدول التي خضعت للاستعمار باسترداد تراثها الثقافي؛ إذ اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي في 29 يناير (كانون الثاني) الماضي قانوناً إطارياً يهدف إلى تسهيل إعادة القطع العائدة إلى الحقبة الاستعمارية من المجموعات الوطنية الفرنسية، على أن يُطرح مشروع القانون قريباً للنقاش في الجمعية الوطنية الفرنسية.