لبنان يتنفس ثقافة عوضاً عن الاختناق السياسي

وفرة في النتاجات السينمائية والمسرحية وشيء من الفوضى

مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
TT

لبنان يتنفس ثقافة عوضاً عن الاختناق السياسي

مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»
مشهد من مسرحية «ما طلت كوليت»

النبض الثقافي في لبنان يكاد يكون على العكس من الحياة السياسية المتهالكة. وإذا كان الفن، كي ينتعش، يحتاج في العادة اقتصاداً يدعمه، فلربما أن ما يحدث في لبنان هو غير ذلك. فبقدر ما تشحّ المداخيل، يبدو أن الفنانين يعثرون على مصادر للتمويل، ويخفضون في الوقت ذاته من تكاليفهم، ويبسّطون أدواتهم، ويحاولون العثور على وصفات تجتذب الجمهور. هذا على الأقل ما يحدث في المسرح. وإذا نظرنا إلى عدد المسرحيات التي قدمت هذا العام، سنجد أنها تفوق عدداً تلك التي كنا نراها قبل سنوات قلال، وأن الجمهور الذي كان يُستجدى لتبقى المسرحية الواحدة أسبوعاً على الخشبة، بات يحاول حجز مكان أحياناً فلا يجده. هذه السنة كان بمقدورك أن تحصي مسرحيات عدة تعرض في وقت واحد، وأن تختار بينها. صارت المسرحية الواحدة تعرض لأسابيع، وربما لأشهر، ويعاد عرضها، وتجد من يقبل عليها. مسرحيات صغيرة، في غالبية الأحيان، لكنها غير تلك التجريبية الحزينة السوداوية التي كان يصرّ عليها المسرحيون. شيء من النقد، مع فكاهة، ونصّ مسبوك، وممثل أو اثنين، تصحبهما موسيقى، قد تكون حية أحياناً، وسينوغرافيا ذكية، هي خلطة قد يستبدل بأحد عناصرها غيره، لكنها تبقى قريبة من مذاق متفرج يريد أن يذهب إلى المسرح، لا ليعمل التفكير ويغرف فلسفة، بل ليريح ذهنه من تفاصيل النهار الصعبة وظلامها الخانق.
هكذا، لم يتخلَ زياد عيتاني عن روح النكتة في مسرحيته «ما طلت كوليت»، رغم أنها تستلهم تجربته المروعة في السجن، حين اتهم بالتعامل مع إسرائيل، وسجن وشهّر به، ثم أخلى سبيله بعدما تبينت براءته. قصة من المفترض أنها مبكية، لكنه اضطر أن يمزج مرارتها بشيء من السخرية وهو يعرضها في «مترو المدينة».
في الوقت نفسه، كان زميله الذي انفصل عنه بعد تلك الحادثة، يحيى جابر، يقدم مسرحية أخرى، بعنوان «شوو هااا؟»، يمثلها حسين قاووق في «تياترو فردان». ولا بأس أيضاً من استعادة مسرحية كان قد قدمها جابر سابقاً، وهي «مجدرة حمرا»، المونودراما التي تقف فيها منفردة على المسرح «أنجو ريحان». وقبلهما بقليل، كانت مسرحية «لغم أرضي» قد بدأت عروضها على «مسرح المدينة»، للمخرج إيلي كمال، ومن تمثيل ندى أبو فرحات وعمار شلق. وتغلق السنة على مسرحية الموهوبة عايدة صبرا، مخرجة وكاتبة فقط هذه المرة، وهي تدير الممثلين إيلي نجيم ورودريغ سليمان في «طقس بيروت».
وليس هنا مجال لتعداد المسرحيات التي عرضت خلال السنة، إنما يكفي القول إن «المهرجان الوطني للمسرح اللبناني» ولد أخيراً، وشهد دورته الأولى، بفضل دعم إمارة الشارقة، ممثلة بـ«الهيئة العربية للمسرح»، وهذا بحد ذاته إنجاز. وقد عرضت ضمن اختيارات المهرجان مسرحيات سبق للجمهور أن رآها. ومع ذلك، شهدت العروض حضوراً مهماً، مما يعني أن الناس صاروا أكثر ألفة مع هذا الفن.
على أي حال، ما ينطبق على المسرح يصح على السينما. فإضافة إلى المهرجانين الرئيسيين في بيروت، صار للمناطق مهرجاناتها أيضاً، مثل طرابلس والبترون، ولكل موضوع مهرجان. فهناك مهرجان مسكون لأفلام الرعب، وآخر لحقوق الإنسان، وغيره للهجرة، أو للأفلام اللبنانية القصيرة أو الوثائقيات، غير ما تنظمه بعض السفارات الأجنبية من مهرجانات لأفلامها. ويترافق هذا مع تزايد لأعداد الأفلام اللبنانية التي توالى صدورها هذه السنة، وتجد جمهوراً ينتظرها. وإن كان من المتعذر ذكرها جميعها، فمن الإنصاف الحديث عن فيلمين اثنين، هما: فيلم زياد دويري «قضية رقم 23»، الذي صدر نهاية عام 2017، لكن ترشيح وزارة الثقافة له للأوسكار مطلع العام الحالي آثار لغطاً كبيراً نظراً لأن المخرج سبق له أن صور فيلماً في إسرائيل، وأقام هناك لشهور. النقاش كان حامي الوطيس، ولم يحصل الفيلم على الأوسكار، رغم وصوله إلى النهائيات. لكن فيلم نادين لبكي «كفرناحوم» حصد جائزة لجنة التحكيم في «مهرجان كان»، وكانت هذه المرة الثانية لفيلم لبناني منذ حصل على الجائزة نفسها مارون بغدادي عن فيلمه «خارج الحياة» عام 1991. وعلى مبعدة أيام من نهاية السنة، اختير فيلم لبكي على اللائحة القصيرة بين 9 أفلام مرشحة لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي. كثير من الأفلام الصغيرة التسلوية، أو التي تمر عابرة، لكن الكثرة التي باتت سمة لكل النتاجات الثقافية، وتخلق نوعاً من الفوضى، يتمخض عنها بعض الثمر النضيج الذي يوصل إلى مراتب مهمة، سواء في الفن التشكيلي أو فن التصميم الذي يبدو أن الاهتمام به يتزايد منذ اكتشف اللبنانيون أن بينهم من المواهب ما يلقى ترحاباً أبعد من المنطقة العربية. وانعقاد «بيروت ديزاين فير» للمرة الثانية، إلى جانب «بيروت آرت فير»، إضافة إلى أنشطة أخرى كثيرة حول هذا الفن، تؤكد أن الدرب تعبد باتجاه الأفضل.
الوفرة قد تصبح نقيض الجودة، فكما أن كثرة المسارح لا تعني أن المسرح يعيش عصره الذهبي، بقدر ما تعطي الأمل بأن فلترة لبعض الأعمال والأسماء والمواهب قد تحفر في الذاكرة، كذلك هي حال الإصدارات الأدبية؛ عشرات الروايات أبصرت النور هذا العام، ومثلها من الدواوين الشعرية، وهو ما ينطبق أيضاً على الدراسات. وأصبح من المحال غربلة هذا الكم من الكتابات، خصوصاً مع غياب صوت صفحات نقدية، وتقهقر وضع الصحف، وإغلاق صحف رئيسية منها. فإذا كان العام الماضي قد انتهى بوداع جريدة «السفير»، فقد انقضى العام الحالي مع انطفاء نجم جريدة أخرى لها تاريخ، هي «الأنوار». وإذ يتراجع النقد، ويكتفي غالبية من تبقى من صحافي المجال الثقافي بالعرض والتعريف، فنحن أمام تراكم أدبي يترك للقراء التعاطي معه كيفما اتفق. وكي لا نقع في فخ ذكر الأسماء، نقول في العموم إن ثمة كتباً، لا يمكن تصنيفها في خانة الأدب الكبير أو المتوسط، هي التي حازت العدد الأكبر من الشراة والقراء، لا بالضرورة من باب المجاملة، إنما لأن المؤلف يشاهد على التلفزيون، أو يضرب على وتر ضعيف عند القراء، أو يكتفي بدغدغة المشاعر. وبالعودة إلى ما حدث في معرض بيروت للكتاب، فإن حفلات التوقيع الكبرى لم تكن من نصيب النصوص الأهم، وإنما الكتّاب الأسهل قراءة، في الغالب. وإذا ما بقينا في مجال الأدب، فقد ودّع لبنان هذا العام الأديبة أملي نصر الله، وبعدها بأشهر تحقق حلمها بأن حول منزلها القديم الذي يعود عمره إلى ما يقارب المائة سنة في قريتها الكفير إلى ما سمي بيت «طيور أيلول»، على اسم روايتها الشهيرة، ليضم في مقبل الأيام مكتبة مفتوحة للزوار، كما صدرت مذكراتها التي كتبتها قبيل وفاتها في كتاب غاية في الأناقة، بتصميم فني بديع يحمل اسم «المكان». ومن الأماكن الجميلة التي افتتحت هذه السنة، ولا يمكن تغافلها، «متحف نابو» على شاطئ «رأس الشقعة»، شمال لبناني. والمبنى من تصميم الفنان العراقي ضياء العزاوي، فيما معروضاته تتنوع بين الأثرية التي تعود إلى ما قبل الميلاد، مروراً بتشكيليين كبار مثل شفيق عبود، وصليبا دويهي، وجبران خليل جبران، وأحمد المعلا، وغيرهم. ومما احتفي به مرور 110 سنوات على ولادة قاموس «المنجد» عن «دار المشرق»، وصدور مجموعة قصصية غير منشورة لنجيب محفوظ، بعنوان «همس النجوم»، عن «دار الآداب»، وهي المرة الثانية التي يصدر فيها كتاب لمحفوظ من لبنان، بعد «أولاد حارتنا»، وكان ذاك اختياره، بعد أن تعذر إصدارها في مصر يومها. كما احتفت «دار الآداب» بصدور «الديوان الكبير» لابن عربي، بعد 800 سنة على وفاته، وأغلقت «دار الجديد» عامها على تواقيع لكتاب «لوجه ما لا يلزم»، للمفكر الإيطالي نوتشيو أوردينه، مترجماً إلى العربية، و«في صحبة العربية»، الذي صنفته الأحسن مبيعاً بين إصدارتها، لأحمد بيضون، مع طبعة جديدة لكتابين شيقين: «قصة أسمهان»، بما يكتنفها من أسرار، كما يرويها فوميل حبيب، وديوان الشاعر غسان الخنيزي «أوهام صغيرة».
لبنان يكبو سياسياً ويتنفس جمالياً، تلك معادلة لا تزال قائمة، وهي المنفذ الوحيد الذي لا يزال يسمح لبصيص أمل أن يلوح في الأفق.



مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مقاطع الطعام عبر «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين

شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «تيك توك» في طوكيو (أ.ف.ب)

كشفت دراسة أميركية عن أن تطبيق «تيك توك» لعرض مقاطع الفيديو يُسهم في تشكيل شهية المراهقين.

وحسب الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية «Journal of Nutrition Education and Behavior»، المتخصصة في التغذية والعلوم السلوكية، فقد لُوحظ أن مشاهدة مقاطع الفيديو على «تيك توك» تحفّز شهية المراهقين وتثير اهتمامهم من أجل تجربة أنواع جديدة من المأكولات.

وذكرت الباحثة من جامعة مينيسوتا، أدريانا بيل، أن «المراهقين يصفون (تيك توك) باعتباره بيئة جاذبة للغاية حيث تستحوذ مقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات على اهتمامهم بسرعة، وتثير رغبتهم في تجربة أصناف جديدة من الأطعمة»، حسبما أفادت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتؤكد الدراسة أن الآباء يمكنهم توفير الحماية للمراهقين من مخاطر هذه التطبيقات عن طريق متابعة المحتوى الذي يشاهده الأبناء، ومدى تأثير هذا المحتوى على سلوكياتهم.

وشملت الدراسة مجموعة من المتطوعين في سن المراهقة، تتراوح أعمارهم ما بين 15 و16 عاماً من إحدى المدارس الثانوية من الغرب الأوسط الأميركي. وكشف المتطوعون في التجربة عن أنهم يشاهدون عدداً كبيراً من المقاطع التي تتناول تقييمات للمطاعم ووصفات للمأكولات، فضلاً عن نصائح وإعلانات بشأن الوجبات اليومية، وأكدوا أن هذه المقاطع تثير شهيتهم نحو تناول بعض الأطعمة والمأكولات.

وبالنسبة إلى المؤثرين على شبكة الإنترنت، ذكر بعض المراهقين في التجربة أنهم قد يرغبون في تناول بعض الأطعمة إذا كان المؤثر الذي يعرضها على الإنترنت يتسم بمظهر جيد.

ونقل الموقع الإلكتروني «هيلث داي»، المتخصص في الأبحاث الطبية، عن الباحثة أدريانا بيل قولها إن «الآباء يلعبون دوراً مهماً في منع التعرض لمقاطع الفيديو الخاصة بالمأكولات، وفتح نقاشات نقدية مع الأبناء بشأن هذا المحتوى».


رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.