كرة القدم تجني المليارات ولا تدفع سوى الفتات لمكافحة العنصرية

أوسيلي رئيس منظمة «كيك إت أوت» لم يتقاضَ أجراً طوال 20 عاماً ورجال الاتحاد الإنجليزي يحصدون الملايين

إعلانات «كيك إت أوت» في الملاعب هل تكفي للوقوف ضد التصرفات العنصرية؟
إعلانات «كيك إت أوت» في الملاعب هل تكفي للوقوف ضد التصرفات العنصرية؟
TT

كرة القدم تجني المليارات ولا تدفع سوى الفتات لمكافحة العنصرية

إعلانات «كيك إت أوت» في الملاعب هل تكفي للوقوف ضد التصرفات العنصرية؟
إعلانات «كيك إت أوت» في الملاعب هل تكفي للوقوف ضد التصرفات العنصرية؟

هيرمان أوسيلي، رئيس منظمة «كيك إت أوت» الخيرية لمناهضة العنصرية في مجال كرة القدم، والذي لا يحصل على أي مقابل مادي كأجر نظير عمله في تلك المنظمة خلال السنوات الطويلة الماضية قرر الثلاثاء الماضي إحالة نفسه إلى التقاعد بنهاية هذا الموسم.
ولعل الشيء الذي يلخص الحال الذي وصلت إليه الرياضة في الوقت الحالي هو أن أوسيلي الذي سيبلغ الـ74 عاما الشهر المقبل سيكون محظوظا لو حصل على كلمة شكر من الأندية الإنجليزية، التي قررت في نفس الوقت منح «ساعة ذهبية» كهدية وداع لريتشارد سكودامور، الرئيس التنفيذي للدوري الإنجليزي الممتاز، ومنحه مبلغ خمسة ملايين جنيه إسترليني كمكافأة لنهاية الخدمة!.
ولعل الشيء المثير للدهشة والاستغراب يتمثل في أن حملة «كيك إت أوت» المناهضة للعنصرية تتلقى تمويلها من الدوري الإنجليزي الممتاز والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم ورابطة كرة القدم ورابطة لاعبي كرة القدم المحترفين، وبالتالي يتعين على الحملة أن تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع مسؤولي هذه المؤسسات ولا يمكنها أن تستجوبهم في حال تقصيرهم عن أداء عملهم في مجال مكافحة العنصرية.
ومع ذلك، لا يمكن لأي شخص أن يتهم أوسيلي بالتهاون في عمله في مجال مكافحة العنصرية منذ الأحداث الأخيرة التي اتهم فيها أحد مشجعي تشيلسي بتوجيه إهانات عنصرية للاعب مانشستر سيتي رحيم ستيرلنغ في مباراة الفريقين الأسبوع الماضي. ويتعين علينا جميعا أن ندرك أن قشر الموز الذي يُقذف على اللاعبين أصحاب البشرة السمراء، كما حدث مع النجم الغابوني بيير إيمريك أوباميانغ في دربي شمال لندن بين آرسنال وتوتنهام، لم يكن أمراً جديداً، لكنه كان موجوداً حتى قبل أن يولد مهاجم آرسنال.
لقد أراد أوسيلي أن يعرف لماذا لم يظهر سكودامور ورئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، غريغ كلارك، لإدانة ما حدث لستيرلنغ في ملعب «ستامفورد بريدج». وأراد أن يعرف أيضا لماذا يختبئ المسؤولين في أعلى المناصب الكروية في إنجلترا خلف حملة «كيك إت أوت»؟ وأشار أوسيلي إلى أن كرة القدم لا تزال تفتقر إلى القادة والمسؤولين الجديرين بالثقة والقادرين على اتخاذ قرارات حاسمة. ويإتي هذا بعد ربع قرن من أول مرة يتهم فيها أوسيلي الهيئات ذات الصلة بغض الطرف عن العنصرية.
وقال أوسيلي: «يجب على المسؤولين عن هذا الفشل أن يتحملوا مسؤولية هذا الأمر مثلهم مثل مرتكبي جرائم الكراهية والعنصرية أنفسهم». وقد يقول القارئ إن هذه التصريحات من شأنها أن تؤثر كثيرا على حملة «كيك إت أوت» عندما تتفاوض من أجل الحصول على نسبة من حقوق البث التلفزيونية لمدة ثلاث سنوات، لكن الحقيقة هي أنه يتعين علينا جميعاً أن نرفع القبعة احتراماً لهذا الرجل الذي اتسم بالصراحة والصدق وصرح بما يؤمن به تماماً.
وكتب سكودامور يوم الأربعاء الماضي مقالاً في صحيفة «التايمز» عبر خلاله عن حرصه على بذل مؤسسته لكل جهدها في هذا المجال، وأضاف: «إننا ندرك تأثير ومسؤولية الدوري الإنجليزي الممتاز في كل جانب من جوانب عملنا. ومرورا بـ75 ألف متفرج في الملعب وصولا إلى الباحثين في أكاديمياتنا، ومن برامج المشاركة المجتمعية إلى ملايين المشاهدين في جميع أنحاء العالم، فإننا ندرك حجم القوة التي تمتلكها مسابقتنا من أجل تغيير المواقف والسلوك في مجالات المساواة والتنوع والإدماج».
قد تبدو هذه التصريحات جميلة ورائعة، لكن يجب أن نعرف أن الصفقة الأخيرة لعائدات البث التلفزيوني لمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز قد بلغت 8.3 مليار جنيه إسترليني، في الوقت الذي يخصص فيه سكودامور وزملاؤه ما يقل عن 280 ألف جنيه إسترليني سنوياً للمساعدة في إبقاء منظمة «كيك إت أوت» على قيد الحياة من أجل مناهضة العنصرية!. ويعني هذا أن الأموال المخصصة لهذه المنظمة تشكل نحو 0.01 في المائة من عائدات البث التلفزيوني. أو بعبارة أخرى، سوف يستغرق الأمر 18 عاماً بهذا المعدل حتى تحصل حملة «كيك إت أوت» من الدوري الإنجليزي الممتاز على ما يعادل ما جمعته أندية الدوري الإنجليزي الممتاز معاً لكي تعطيه لسكودامور كمكافأة لنهاية الخدمة، بعيداً عن راتبه السنوي البالغ 2.5 مليون جنيه إسترليني!.
ولا يتوقف هذا الأمر على الدوري الإنجليزي الممتاز وحده، فعندما أعلن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أن رئيسه التنفيذي، مارتن غلين، سوف يرحل في نهاية الموسم، وجه له الاتحاد تهنئة في بيان مكون من 651 كلمة - في مقابل 71 كلمة فقط لإدانة العنصرية التي تعرض لها ستيرلنغ، بل وكانت تلك الكلمات عبارة عن «قص ولزق» من بيان آخر اعتاد الاتحاد على نشره في مثل هذه الأحداث. ووجه بيان الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الشكر لغلين على قيادته الحكيمة التي «غيرت ثقافتنا»، بمعنى توظيف المزيد من النساء والعمال من أصحاب البشرة السمراء والآسيويين والأقليات العرقية.
ويجب الإشارة إلى أن فترة غلين كرئيس للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم قد تزامنت مع التجربة الأكثر فشلاً وتدهوراً في التاريخ الحديث للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم، والتي تضمنت ثلاثة استجوابات مختلفة تتعلق بالتصريحات العنصرية لمارك سامبسون، المدير الفني السابق لمنتخب السيدات، والمثول الكارثي أمام لجنة الثقافة والرياضة والإعلام، حيث وصفت كلارك ادعاءات العنصرية المؤسسية بأنها «تافهة»، ثم واجه غلين اتهامات من إيني ألوكو، اللاعب صاحب البشرة السمراء الذي ثبتت صحة شكواه أخيراً، بأن سلوكه «يقترب من الابتزاز».
ولو أصر الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم على تصوير غلين على أنه أحد الرواد في هذا الأمر، فيجب أن نشير إلى أنه في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 كان يتعين عليه أن يستقيل من منصبه، كما يجب أن نشير أيضاً إلى بعض الاعتذارات الأخرى التي قدمها خلال هذا «التغيير الثقافي». وفي ذلك الوقت، على سبيل المثال، شبه غلين نجمة داود بالصليب المعقوف للنازية. وجاءت تعليقات غلين عندما حاول شرح قرار الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم بإدانة المدرب الإسباني لمانشستر سيتي جوسيب غوارديولا الذي ارتدى وشاحاً أصفر، تعبيراً عن مساندته لزعماء حركة استقلال كاتالونيا الذين اعتقلتهم السلطات الإسبانية.
ويجب أن نشير أيضاً إلى تصريحاته التي قال فيها إنه عين عمداً كاثرين نيوتن، وهي امرأة سوداء، كمحامية للتحقيق في قضية المدير الفني لمنتخب إنجلترا للسيدات، مارك سامبسون - الذي تم فصله في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي على خلفية الاتهامات بالعنصرية - بسبب جنسها وعرقها. ونتذكر جميعاً أن غلين قد سحب تلك التصريحات في الجلسة البرلمانية التالية، مشيراً إلى أنه كان متعباً «في نهاية يوم طويل»، وأضاف أن تصريحاته لم تكن «مجموعة من الأكاذيب بل كانت بمثابة زخرفة وتزيين».
وفي الوقت نفسه، فإن مساهمة الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تحت قيادة غلين في حملة «كيك إت أوت» تقل عن 125 ألف جنيه إسترليني في السنة (وهي نفس مساهمة رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين ورابطة كرة القدم). ومن الواضح أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لا يعتقد أنه من الضروري إعطاء حملة «اعطوا العنصرية البطاقة الحمراء» أي جنيه.
في الواقع، فإن الهيئة الوحيدة التي تساعد حملة «اعطوا العنصرية البطاقة الحمراء» مالياً هي رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين، والتي تمنحها نحو 50 ألف جنيه إسترليني سنوياً. ويعد هذا مبلغاً زهيداً في حقيقة الأمر عندما نعرف أن رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين لديها رصيد في البنوك يصل إلى 50 مليون جنيه إسترليني، وافتتحت مكتباً في لندن بتكلفة 5.2 مليون جنيه إسترليني في عام 2016، وتدفع لغوردن تايلور ما يصل إلى 2.3 جنيه إسترليني سنويا (حتى قبل احتساب المكافآت). ويبدو أن رابطة لاعبي كرة القدم المحترفين ليس لديها أي مشكلة مع إنفاق رئيسها التنفيذي مبالغ ضخمة على الأعمال الفنية المكلفة للغاية وتذكارات كرة القدم.
والآن، قد نرى نمطاً أو اتجاهاً جديداً يظهر على السطح. فعلى سبيل المثال، كم مرة سمعت شخصاً يتهم منظمة «كيك إت أوت» بأنها غير قوية بما فيه الكفاية؟ في الحقيقة، قد يكون هذا صحيحاً إلى حد ما، نظراً لأن المنظمة يعمل لديها 18 شخصاً فقط، وكانت تحتاج إلى «إنقاذ مالي» أكثر من مرة. ويتفق الجميع على أنها تحتاج إلى دعم، لكن كيف يمكن أن يحدث ذلك دون وجود متابعة مناسبة ودعم كامل من الرياضة التي تمتلك بالفعل أموالاً طائلة؟ ويجب الإشارة إلى أن الأموال موجودة بالفعل في هذه الرياضة، لكن هل هناك رغبة في المساعدة؟ وهل الأشخاص المعنيون يدركون أن هذا الأمر مهم بما فيه الكفاية؟
ويجب الإشارة أيضاً إلى أن هذه القصة ليست جديدة على الإطلاق، فقد تعرضنا لهذا الموضوع في عام 2013، ثم مرة أخرى بعد ثلاث سنوات، عندما استخدم اللاعب السابق ريو فرديناند سيرته الذاتية لوصف «كيك إت أوت» بأنها «غير مجدية»، حيث اشتكى من أنه لم يحضر أي عضو من أعضاء هذه المنظمة محاكمة مدافع تشيلسي السابق جون تيري، الذي كان يحاكم بتهمة توجيه إهانات عنصرية للشقيق الأصغر لريو، أنطون فرديناند.
لكن الحقيقة هي أن أحد ممثلي «كيك إت أوت» قد حضر جميع الأيام الخمسة لجلسات تلك القضية، وجلس بجوار والدي فرديناند، جوليان وجانيس، للتعبير عن تضامنه معهما. وكان ريو، الذي ادعى أن أسرته ستتبرأ منه إذا ارتدى أحد قمصان حملة «كيك إت أوت»، سيعرف ذلك لو حضر إحدى هذه الجلسات ولو لدقيقة واحدة!.
وعلى الأقل، فإن سكودامور على استعداد للاعتراف بأنه «من الواضح للغاية أنه يجب بذل المزيد من الجهد» في هذا الإطار، وأن هيئته يتعين عليها أن «تضاعف جهودها». وإذا كان سكودامور يعني ما يقوله، دعونا نرى ما إذا كان مستعداً لتقديم الدعم المالي لمنظمة «كيك إت أوت» لمساعدة المجموعات الرياضية المناهضة للعنصرية على التوسع. وإذا لم يفعل ذلك، فإن الأمر لن يعدو كونه وعوداً فارغة بلا أي أهمية. ولكي نعرف أن الأمر يبدو ساخراً للغاية، يجب أن نتذكر أن رابطة كرة القدم كانت قد توقعت قبل بضع سنوات أن تعمل حملة «كيك إت أوت» في جميع الأندية الـ72 التابعة لها، لكنها لم تعط تلك الحملة جنيهاً واحداً!.


مقالات ذات صلة

الحكم الأسترالي شون إيفانز ينفي القيام بإيماءة عنصرية في المونديال

رياضة عالمية الحكم الأسترالي نفى قيامه بإيماءة عنصرية خلال بث المباراة (أ.ف.ب)

الحكم الأسترالي شون إيفانز ينفي القيام بإيماءة عنصرية في المونديال

نفى الحكم الأسترالي، شون إيفانز، تعمده القيام بإيماءة يد ترمز للقومية البيضاء وجماعات اليمين المتطرف، مؤكداً أنَّ الحركة لم تكن سوى ارتعاش لا إرادي ولا شعوري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا الناشط البريطاني تومي روبنسون (رويترز) p-circle

بريطانيا: احتجاز ناشط مناهض للإسلام بموجب قوانين مكافحة الإرهاب

قال ناشط بريطاني مناهض للإسلام إن السلطات احتجزته في مطار هيثرو، السبت، وصادرت هاتفه بعد نشره منشورات تناولت أعمال شغب عنصرية شهدتها آيرلندا الشمالية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جيم راتكليف المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد (رويترز)

جيم راتكليف: لم أقصد أن تكون تصريحاتي عن المهاجرين «استفزازية»

قال المالك المشارك لنادي مانشستر يونايتد إن تصريحاته المثيرة للجدل، التي قال فيها إن بريطانيا «استُعمرت بالمهاجرين»، لم تكن تهدف إلى إثارة الغضب أو التحريض.

The Athletic (مانشستر)
رياضة عالمية مارك غيهي مدافع مان سيتي (إ.ب.أ)

مان سيتي يدين الإساءة العنصرية ضد سيمينيو وغيهي

أدان نادي مانشستر سيتي الإساءات العنصرية التي استهدفت الثنائي أنطوان سيمينيو ومارك غيهي خلال وبعد مباراة الفريق التي انتهت بالتعادل 3 - 3 أمام إيفرتون.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
رياضة عالمية نجمة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان (رويترز)

لاعبة تنس الطاولة الألمانية أنيت كوفمان أحدث ضحايا خطابات الكراهية

اتسع نطاق خطابات الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي حتى وصل إلى حد استهداف لاعبي رياضة تنس الطاولة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.