نجوم ميشلان: نعمة أم نقمة؟

البعض يرفض أوسكار التميّز خوفاً من سلبياته

من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
TT

نجوم ميشلان: نعمة أم نقمة؟

من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز
من الأطباق المنمقة التي تستحق نجوم التميّز

السؤال الذي يراود كل شيف في العالم هو كيفية حصوله على نجمة من ميشلان، فهي بمثابة أوسكار يحصل عليه الشيف تكريماً له على تقديم الأفضل في إعداد الوجبات. وتعد نجمة ميشلان هي المدخل إلى التميز في عالم المطاعم، حيث يمكن للمطعم أن يصل إلى قمة النجاح والتألق بتحقيق مستوى 3 نجوم. وفيما تسعى معظم المطاعم الفاخرة للحصول على نجمة أو أكثر من ميشلان، فإن البعض يعتذر عن قبولها، نظراً لما يفرضه هذا التكريم من قيود ومسؤوليات أمام الزبائن، وأحياناً لاعتقاد البعض بأن مطاعم ميشلان تكون باهظة الأسعار بالمقارنة مع غيرها.
وتسعى المطاعم الراقية إلى تقديم الأفضل في خدمة زبائنها على نحو يومي. ولكن من بين هؤلاء الزبائن يأتي أحيانا خبراء ومراقبون من مؤسسة ميشلان لتناول وجبة كاملة في المطعم بما في ذلك الحلوى والمشروبات، ويدفعون ثمن وجباتهم بالكامل. ثم يأتي بعد ذلك وقت التقييم لنوعية المأكولات وأسلوب تقديمها والمناخ العام في المطعم. وإذا توافقت كل هذه الشروط مع معايير ميشلان يحصل المطعم على نجمته الأولى.
وقد لا يعرف البعض أن ميشلان هي في الأصل شركة فرنسية لصناعة إطارات السيارات، وهي ثاني أكبر شركة في العالم في هذا المجال بعد شركة بريدجستون. وهي تمتلك العديد من علامات صناعة الإطارات. ولكنها في الوقت نفسه توفر خدمات أخرى منها خرائط الطريق ومواقع الفنادق والمطاعم في العالم، وتضيف إلى دليل سنوي تصدره حولها تصنيف هذه الفنادق والمطاعم بنجوم ميشلان للدلالة على الجودة.
وتقليديا يفسر تصنيف نجوم ميشلان بأن الحصول على نجمة واحدة يعني علامة الجودة والتميز للمطعم، أما الحصول على نجمتين فهو درجة أعلى من التميز تستحق أن يغير السائق اتجاهه من أجل المرور على المطعم وتجربته. أما فئة القمة للمطعم الذي يحصل على ثلاث نجوم فيعني أن المطعم يستحق رحلة خاصة إليه من أجل تناول وجبة فيه.
وتتعامل ميشلان مع الطهاة على أنهم فنانون وعلى درجة عالية من الاحتراف والتنافس فيما بينهم. ويخشى البعض فقدان نجمة ميشلان، ولذلك فهناك درجة من التردد في قبولها في المقام الأول. وعندما فقد الشيف غوردون رامسي نجمتي مطعمه في مانهاتن في عام 2013 بكي كالأطفال.
وهناك تصنيف عالمي لأكبر الطهاة الذين يملكون مجموعات من المطاعم بعدد نجوم ميشلان التي حصلوا عليها. وأكثرهم حظا في العالم هو الشيف الفرنسي جويل روبوشون ولديه حاليا 28 نجمة ميشلان موزعة على مطاعمه، ويتبعه الشيف ألن دوكاس بعدد 21 نجمة ثم غوردون رامسي في المركز الثالث بعدد 18 نجمة.
مما يذكر أن ميشلان ليست وحدها في تقييم المطاعم على رغم أن نشاطها عالمي، فهناك سبع مؤسسات أخرى أوروبية أو عالمية تعمل في المجال نفسه ويصدر كل منها دليل سنوي يشبه دليل ميشلان لأفضل المطاعم في مناطقها المختلفة.
- - المعايير
يحتفظ خبراء ميشلان بأسرار منح نجوم ميشلان وأيضا بأسلوب التقييم، ولكن هناك خمسة معايير متعارف عليها في منح نجوم ميشلان للمطاعم منها المعيار الخامس الذي يخيف أكبر الطهاة في العالم. هذه المعايير هي:
- نوعية الطعام واستخدام مكونات طازجة من أفضل المتاح. وقد عرف عن بعض مطاعم ميشلان أنها تحصل على الأسماك مباشرة من الصيادين بدلا من انتظار متعهد توريد من السوق. ولكن ليس من الضرورة أن يستخدم المطعم مكونات نادرة وباهظة الثمن مثل الكمأ والكافيار وكبد الإوز. ويمكن استخدام مكونات عادية ولكن أسلوب الطهي هو المهم.
- التألق في الطعم وأساليب الطهي: وهي من الشروط الحيوية التي تعبر عن شخصية الشيف والمطعم معا. ولا بد من تحقيق التوازن بين المذاقات والتعامل مع الوجبات من جانب عملي مستدام. ولا بد أن يعبر كل طبق عن مذاقه الخاص وأن يهتم الشيف بالتفاصيل إلى درجة حساب الوقت الذي يستغرقه الطبق من المطبخ إلى المائدة بحيث يحافظ على درجة حرارته وطعمه. ويجب أن يشعر الزبون بأنه في مكان متميز يقدم له وجبات تفوق توقعاته.
- شخصية الشيف في مطبخه: ويعرف خبراء الطعام أن كل شيف يكتسب شخصية مغايرة لطبيعته في المطعم مثل المايسترو الذي يزن الإيقاع لكل ما يقدمه. ولا يخشى الشيف المجدد من ارتكاب أخطاء بين الحين والآخر، ولكنه يتبنى في كل الأحوال الابتكار في الوجبات التي يقدمها.
- وعلى خلاف المعهود أن مطاعم ميشلان باهظة الثمن، فإن أحد الشروط المهمة أن يقدم المطعم قيمة جيدة لما ينفقه الزبون فيها. ويصف أحد الخبراء ذلك بأن يخرج الزبون من المطعم وهو يشعر بأن تجربة الوجبة كانت متميزة إلى درجة لا تنسى. وهناك عوامل الدهشة والاستمتاع التي تشمل خدمة تقديم الطعام والمناخ العام في المطعم. ولا بد أن يسعد المطعم زبائنه ويعاملهم على قدم المساواة.
- أما الشرط الخامس المهم فهو دوام التميز بين الزيارات المختلفة. فالزيارة الخفية لخبراء ميشلان يمكنها أن تسحب نجمة التميز بسهولة إذا تراجع المستوى في زيارة لاحقة عما كان عليه عندما حصل المطعم على نجمة ميشلان الأولى. وهذا الجانب يخيف الطهاة أكثر من أي عامل آخر. وفي معظم الأحوال يكون منح نجمة ميشلان بعد العديد من الزيارات من خبراء مختلفين من ميشلان. وبعد الحصول على نجمة ميشلان تبذل المطاعم جهدا أكبر للحفاظ على مستوى خدمتها حتى لا تفقد هذا التميز.
-- ضغوط المحافظة على التألق لا تحتمل
-- لماذا ترفض بعض المطاعم نجوم ميشلان؟
> فاجأ الشيف الفرنسي سباستيان براس العالم قبل عدة شهور بالتصريح أنه يريد إعادة النجوم الثلاث التي حققها والده مايكل براس في مطعم «لو سوكيه» الفرنسي في عام 1999 وحافظ عليها الابن حتى عدة شهور مضت. وعندما سئل على السبب قال إن «ضغوط المحافظة على التألق لا تحتمل». وأضاف أنه يريد أن يستمتع بإعداد الوجبات في مطعمه والتجديد فيها من دون الضغط العصبي التي تفرضه هذه النجوم عليه.
ولم يكن براس هو الأول في رفض نجوم ميشلان، فقد سبقه في ذلك الشيف الشهير ماركو بيار وايت في لندن الذي كان أصغر شيف يحقق ثلاث نجوم من ميشلان ولكنه رفضها في عام 1999 وصرح بعدها بأنه لا يشعر بالفخر بهذه النجوم لأن مستوى معرفته أكبر من معرفة هؤلاء الذين منحوها له.
وفعلها أيضاً شيف فرنسي آخر اسمه فيليب غارتنر أعاد نجومه الثلاث على الرغم من أن عائلته تمتعت بالحصول عليها منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وهو أيضا يرفض إعادة التقييم السري للمحافظة على نجومه.
ويطالب عدد من الطهاة بتغيير هذا النظام السري البعيد عن المحاسبة وتبني نظام آخر يمنح ميداليات تفوق للطهاة يحصلون عليها وفقا لإنجازهم وتبقى معهم حتى لو عملوا في مطاعم أخرى، بحيث يكون الاختبار والتقييم لمرة واحدة.
وهناك العديد من الأسباب الأخرى التي أعيدت بسببها نجوم ميشلان من المطاعم، منها الانطباع العام لدى الزبائن بأن مطاعم ميشلان أغلى من غيرها، وشروط ألا يخدم الساقي أكثر من ستة زبائن بحد أقصى. وأحيانا تكون توقعات الزبائن أكثر مما يستطيع المطعم تقديمه.
كذلك يخشى الطهاة فقدان النجوم وتأثير ذلك على سمعتهم. واعتبرت طاهية هولندية أعادت نجمة ميشلان أن هذا التكريم هو بمثابة «لعنة في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة».
وترد إدارة ميشلان على هذه الموجة من رفض نجومها بالقول إن النجوم ليست موجهة إلى الطهاة أو أصحاب المطاعم وإنما هي موجهة أساسا للزبائن. ويتفق مع هذا العديد من النقاد في أن المطاعم لا يمكنها إعادة النجوم لأنها تقييم مستقل قد تتفق أو تختلف معه ولكنها لا تستطيع أن تغيره.
وتحاول ميشلان أن تغير من صورتها العتيقة المرتبطة بالمطبخ الفرنسي التقليدي، وأن تخفف من حدة شروطها. وبلغ من تطورها أنها منحت مؤخرا نجمة ميشلان لكافتيريا تقدم أطباق النودل في سنغافورة.
- لائحة مطاعم ميشلان 2018:
أربعة مطاعم تحتفظ بثلاث نجوم في بريطانيا
> حافظت أربعة مطاعم في بريطانيا على تميزها بثلاثة نجوم من ميشلان في تصنيف عام 2018. المطاعم الأربعة هي: «فات داك» الذي يملكه الشيف هيستون بلومنثال، و«ووترسايد إن» للشيف ألن روس في مقاطعة باركشير، ومطعم فندق دورشستر في بارك لين، لندن، الذي يديره الشيف ألن دوكاس ثم مطعم «غوردون رامسي» في حي تشيلسي.
ودخل إلى اللائحة البريطانية هذا العام مطعم خامس جديد اسمه «أراكي» وهو يقدم وجبات سوشي في موقع صغير به تسعة مقاعد فقط.
ويبلغ عدد مطاعم بريطانيا التي حققت مستوى نجمتين من ميشلان 20 مطعما، وانضم إليها مطعم جديد في حي تشيلسي اسمه «كلود بوسي». أما المطاعم التي حققت نجمة واحدة من ميشلان فبلغ عددها 150 مطعما، منها 17 دخلت اللائحة للمرة الأولى هذا العام. منها مطعم في مقاطعة ديفون اسمه «ليمبستون مانور» يملكه الممثل الشهير مايكل كين.


مقالات ذات صلة

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق حمية الملك تشارلز صحية مع بعض الاستثناءات (أ.ف.ب) p-circle 01:25

على مائدة الملك تشارلز... أطعمةٌ عضويّة وبيض الدجاجات التي يعتني بها شخصياً

يدخل الملك تشارلز غداً عامه الـ77 وهو ما زال يحافظ على قوامٍ رشيق بفَضل نظامٍ رياضيّ وحمية صحية قائمة على المأكولات العضوية الطبيعية.

كريستين حبيب (بيروت)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».