انتخابات التجديد النصفي وسياسات ترمب الخارجية

انتخابات التجديد النصفي وسياسات ترمب الخارجية
TT

انتخابات التجديد النصفي وسياسات ترمب الخارجية

انتخابات التجديد النصفي وسياسات ترمب الخارجية

مع انقضاء موسم انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة يثور سؤال غاية في الأهمية: ما تأثير نتيجتها على سياسات الرئيس دونالد ترمب الخارجية؟ وإحدى الإجابات التي تفضل المحللون بطرحها تفيد بأنه في ظل سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في الكونغرس، قد يجد الرئيس نفسه غارقاً في حرب إجرائية شعواء تمنحه القليل للغاية من الوقت والطاقة المطلوبين لمتابعة استراتيجية السياسة الخارجية من الحجم الكبير. والمعسكر الديمقراطي في الكونغرس، على نحو ما أشارت زعيمته نانسي بيلوسي في مجلس النواب، لن يحاول تفعيل إجراءات العزل بحق الرئيس الأميركي على نفس النحو المرغوب للغاية من قبل قاعدة الدعم الديمقراطي الأكثر راديكالية. فهم يعلمون تماماً ضآلة الفرص السانحة لنجاح مثل هذه الحملات ضد رئيس البلاد سيما أن المعسكر الجمهوري بات مسيطراً على مجلس الشيوخ حيث تُتخذ القرارات النهائية بشأن مثل هذه القضايا الشائكة.
ومع ذلك، ففي حين أن مثل هذه الإشكالات قد تكون خادعة ومضيّعة للكثير من الوقت، إلا أنها قد تسمح للرئيس بصرف المزيد من التركيز على السياسات الخارجية، المجال الذي يمكنه العمل فيه بحرية أكبر في الوقت الذي يوجه الاتهامات فيه إلى النقاد الديمقراطيين بضيق الأفق إن لم يكن السعي للإضرار بمصالح الأمن القومي للبلاد. فإن حدث ذلك، لن يكون الرئيس دونالد ترمب أول رئيس للولايات المتحدة يكرس المزيد من الوقت والجهد للاهتمام بشؤون السياسة الخارجية في ولايته الثانية، شريطة أن يُعاد انتخابه لمرة تالية في عام 2020.
وبمعنى من المعاني، قد تكون ولاية الرئيس ترمب للبلاد قد بدأت بالفعل، بصورة من الصور، مع دخول الرئيس في وضعية الحملة الانتخابية الرئاسية مبكراً. ويقر أقسى نقاد الرئيس ترمب بأنه مدير جيد للغاية للحملات الانتخابية، فحيثما حلّ ترمب فاز الجمهوريون وحيثما ارتحل خابوا وخسروا.
وأفضل رهانات المرحلة الراهنة أن يرتقي ملف السياسة الخارجية على رأس قائمة أولويات الرئيس ترمب حال استعداده لخوض حملة الانتخابات الرئاسية الجديدة لعام 2020 المقبل.
ومن شأن دور الانعقاد الأول للكونغرس الجديد أن ينظر في مرشح الرئيس ترمب لشغل منصب ممثل الولايات المتحدة الأميركية الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة، المنصب الشاغر إثر رحيل السفيرة نيكي هايلي عنه في وقت سابق من العام الحالي. وينبغي على الرئيس ترمب كذلك ترشيح شخصية جديدة لتولي حقيبة الدفاع الأميركية في حالة تنحية الجنرال جيمس ماتيس عن منصبه، كما يتوقع بعض المراقبون. وفي ظل سيطرة جمهورية صارمة على مجلس الشيوخ في الكونغرس، فمن المحتمل لكلا المرشحين أن ينالا التأييد المطلوب من دون صعوبات تُذكر.
وعلى مدى العامين الماضيين، كان الرئيس ترمب ناشطاً في ستة ملفات من السياسة الخارجية الأميركية وإن كان بدرجات متباينة من النجاح لكل منها. ومن المرجح خلال العامين المقبلين أن يحاول الاستفادة من النجاحات المحققة مع تكثيف الجهود في المجالات التي شهدت بعض العراقيل والعوائق على الطريق.
كان ملف الاهتمام الأول يتعلق بإعادة تعريف دور الولايات المتحدة الأميركية ضمن شبكة فائقة التعقيد من المؤسسات الدولية بما في ذلك منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتعددة.
وحتى الآن، كان كل ما تقدم به الرئيس ترمب في هذا السياق مجرد تغيير في المواقف المتخذة وليس طرح البدائل الكاملة لدور الولايات المتحدة التقليدي المعهود. فلقد تعرض الرئيس الأميركي بالانتقاد اللاذع للنظام الدولي، وقلل من الإسهامات المالية الأميركية في بعض المشاريع الأممية، ولا سيما وكالة الأونروا (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى). وربما يحاول الآن الاضطلاع بمسؤوليات أعلى من خلال صياغة استراتيجية شاملة للنظر في شأن «النظام الدولي». ويحمل مستشار الرئيس للأمن القومي، جون بولتون، وكان السفير الأميركي الأسبق لدى الأمم المتحدة، الكثير من الأفكار الراديكالية في هذا الصدد.
أما الملف الثاني فيتعلق باعتناء الرئيس ترمب بمراجعة جذرية لعلاقات بلاده مع الحلفاء التقليديين ولا سيما في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبعد المزاعم «الطائشة» التي أطلقها ترمب واصفاً حلف الناتو بأنه بات مبتور الصلة بواقع الأمور، يحاول الرئيس الأميركي في الآونة الراهنة السعي لتقسيم الأعباء مع الحلفاء بقدرٍ من الإنصاف على اعتباره هدفاً جديداً من أهداف سياسة إدارته الخارجية.
يكمن جوهر خطة تقسيم الأعباء في مطالبة الرئيس الأميركي بأن يفي أعضاء الحلف بالقرار الجماعي المتخذ والذي ينص على تخصيص ما لا يقل عن اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لملف للدفاع. وعندما تولى الرئيس ترمب مهام منصبه الرئاسي كانت المملكة المتحدة واليونان فقط، من بين أعضاء حلف الناتو كافة، ملتزمتين بذلك القرار فضلاً عن الولايات المتحدة ذاتها.
ومنذ ذلك الحين، أوفت أربع دول أخرى من الأعضاء في الحلف بذلك الالتزام المعلن. وخلال العامين التاليين، سوف يلجأ الرئيس ترمب إما إلى التودد وإما إلى ممارسة الضغوط على الدول الأعضاء الـ22 الباقية لكي تحذو نفس الحذو.
وفي الأثناء ذاتها، أعاد الرئيس ترمب إحياء بعض الخطط، التي كان قد نالها الجمود إبان رئاسة باراك أوباما للبلاد، مثل توسيع شبكة تواصلات حلف الناتو الخارجية من خلال مخططات أخرى، مثل تشكيل «حلف الناتو العربي»، وترسيخ التعاون العسكري مع عدد من البلدان الأفريقية والآسيوية.
والملف الثالث من ملفات السياسة الخارجية ذات الأهمية يتعلق بإعادة النظر في الاتفاقيات التجارية والذي أسهم بشكل كبير في ظهور وتدعيم ما بات يُعرف بالنظام الاقتصادي العالمي.
يعتقد الرئيس ترمب أن هذه الاتفاقيات قد انحرفت بالمسار بعيداً للغاية عن المصالح الوطنية الأميركية، وأنه يلزم إعادة تعديلها وفق البوصلة الأميركية دون غيرها. ولقد صاغ الرئيس الأميركي الخطوط العريضة للنسخة المعدلة من معاهدة منطقة التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، والاتفاقية التجارية مع كوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي. ويجري التفاوض حالياً بشأن الاتفاق التجاري المعدل مع الصين. وليس من شأن جملة الاتفاقات التجارية المعدلة والجديدة أن تواجه صعوبة في تمريرها عبر مجلس الشيوخ الأميركي الجديد. وحتى المعسكر الديمقراطي المعارض لن يرغب في التضحية بالمصالح الأميركية العليا لقاء استرضاء بعض الشركاء التجاريين الأجانب من هنا أو هناك.
ومما يتصل بهذه القضية يأتي رفض الرئيس الأميركي لمعاهدة باريس للتغيرات المناخية التي لم تعد تحظى بأي فرصة لرفعها إلى مجلس الشيوخ الأميركي، ناهيكم بالتصديق عليها. ومع ذلك، وإثر رفض ترمب لهذه المخططات الدولية الكبيرة، بات لزاماً عليه طرح وسيلة بديلة للتعاون بين الدول.
ويأتي الملف الرابع من الاهتمام الخارجي الأميركي منصبّاً على منطقة الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر اضطراباً وإزعاجاً على مستوى العالم. وحتى الآن، أبقى الرئيس ترمب مستوى التفاعل الأميركي مع مشكلات المنطقة عند حده الأدنى الممكن، مستثمراً الجهود الدبلوماسية والوجود العسكري أيّما استثمار. فهو لم ينسحب عسكرياً من أفغانستان أو العراق، كما أرسى موطئ قدم راسخة في الداخل السوري إثر التحالف مع العديد من القوى المحلية هناك.
ومن شأن هذا الوجود في مسرح الأحداث أن يمنح الولايات المتحدة الكلمة المسموعة في صياغة مستقبل سوريا في الوقت الذي تنزف فيه روسيا مادياً إثر التكاليف الباهظة التي تكبدتها للإبقاء على بشار الأسد في أجزاء من الوطن الذي مزّقته الحروب تمزيقاً.
وفي الوقت ذاته، دخلت الولايات المتحدة في حملة تواصلات مباشرة وأخرى غير مباشرة مع مختلف القوى المعادية النشطة أو المحتملة التي تتراوح من حركة طالبان المتمردة في أفغانستان حتى الميليشيات الشيعية المسلحة في العراق. وعلى الطرف الآخر من الطيف، استعادت إدارة ترمب، بل وعززت، من روابطها مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في المنطقة، تلك الروابط التي نالها الوهن أو لم تلقَ الاعتناء الكافي من قبل إدارة باراك أوباما السابقة. كما تشير المبادرة الأميركية الأخيرة بشأن الأزمة في اليمن إلى رغبة واشنطن في الاضطلاع بدور أكثر زخماً ونشاطاً في الشرق الأوسط الذي تمزقه الصراعات.
عزف الرئيس دونالد ترمب على بعض الأوتار السياسية الرخيمة من خلال ما يُعرف إعلامياً بـ«صفقة القرن» المعنية بتسوية القضية الفلسطينية. وعلى مدى العامين المقبلين، قد يطرح ما هو أكثر فائدة من مجرد العزف السياسي المعهود.
غير أن كل ما تقدم بين أيدينا لا يرقى إلى مستوى الاستراتيجية المتماسكة الراسخة التي قد تشغل بال الرئيس الأميركي من حيث صياغتها وتطويرها عبر العامين المقبلين.
وملف الأهمية الخامس يتعلق بإيران، والتي تعتبرها واشنطن «زعيمة صناع مشكلات المنطقة». يقول وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، إن غاية الرئيس ترمب تكمن، على النحو الواضح في قرار إعادة فرض العقوبات الاقتصادية المعلقة منذ إدارة الرئيس الأسبق أوباما، في الحيلولة دون تطوير إيران لترسانة أسلحتها النووية.
وليست هذه الغاية عصيّة على التحقق مع إشراف ترمب بنفسه على تحقيقها حتى مع إعادة انتخابه رئيساً للبلاد. تملك إيران في الوقت الحاضر الدراية التقنية الكاملة التي تؤهلها للمضي قدماً في هذا الطريق، غير أنها تفتقر كثيراً إلى الموارد المالية الكافية والسياقات العسكرية والدبلوماسية المبررة للإقدام على هكذا خطوة في المستقبل المنظور.
ويعتقد بعض المراقبين أن أجندة الرئيس ترمب غير المعلنة ينصبّ تركيزها بالأساس على تغيير النظام الحاكم في طهران. ومن العسير للغاية الوقوف على حقيقة ذلك. ورغم ذلك، فإن النظام الحاكم الحالي في طهران بات أكثر عرضة للوهن والتفكك بفضل الأخطاء الكبيرة والفساد المستشري الذي أفضى إلى خسائر فادحة في الدعم الشعبي للنظام داخل البلاد.
ونأتي إلى الملف السادس على قائمة اهتمامات ترمب الخارجية وهو يتعلق بعلاقات الولايات المتحدة مع كل بلد من بلدان العالم. تعد الولايات المتحدة وإلى درجة كبيرة أكبر الدول المانحة للمساعدات الدولية على مستوى العالم وهي الضامن الأول للأمن فيه أو هي وسيط السلام رفيع المستوى لدى أكثر من ثلاثين دولة. ورغم ذلك، ينال واشنطن الكثير من التشويه وربما بعض الأعمال العدائية من قبل العديد ممن يستفيدون من دعمها المادي والسياسي هنا وهناك.
اتفق عدد من المعلقين على ما بات يُطلق عليه «مبدأ ترمب»، وهو صياغة السياسات استناداً إلى المصالح الوطنية المستنيرة، وهو جزء من التجارة الدولية التي برز آخر أمثلتها بالانتخاب المفاجئ للسياسي الراديكالي جايير بولسونارو رئيساً للبرازيل.
تؤكد انتخابات التجديد النصفي الأخيرة للكونغرس الأميركي الالتزام بمواءمات هذا المبدأ الذي بات يواجه نصيبه الحتمي من الاختبارات الحاسمة عبر العامين المقبلين.



روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.


رئيس وزراء أستراليا يدعو المواطنين لاستخدام وسائل النقل العام بسبب «حرب إيران»

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو المواطنين لاستخدام وسائل النقل العام بسبب «حرب إيران»

رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في خطاب اليوم (رويترز)

حذَّر رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، في خطاب اليوم الأربعاء، من أن الصدمات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط ستستمر لعدة أشهر، داعياً المواطنين إلى استخدام وسائل النقل العام.

وجرى بث الخطاب، والذي لا يتكرر كثيراً، في وقت واحد عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية الرئيسية في الساعة السابعة مساء بالتوقيت المحلي (08:00 بتوقيت غرينتش). وكان رؤساء وزراء سابقون قد ألقوا خطابات مماثلة، خلال جائحة كوفيد-19 والأزمة المالية العالمية عام 2008، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وشهدت أستراليا، التي تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها من الوقود، ارتفاعاً حاداً في أسعار البنزين، ونقصاً محلياً في الإمدادات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والحصار المفروض على مضيق هرمز.

وقال ألبانيزي: «أدرك أنه من الصعب حالياً أن نكون متفائلين... تسببت الحرب في الشرق الأوسط في أكبر ارتفاع بأسعار البنزين والسولار في التاريخ. أستراليا ليست طرفاً في هذه الحرب، لكن جميع الأستراليين يتكبدون تكاليف أعلى بسببها». وأضاف: «ستُلازمنا الصدمات الاقتصادية الناجمة عن هذه الحرب لعدة أشهر».

ودعا ألبانيزي المواطنين إلى «المساهمة من جانبهم، من خلال تجنب تخزين الوقود قبل عطلة عيد القيامة، التي تبدأ خلال الأيام القليلة المقبلة، والاعتماد على وسائل النقل العام لتخفيف الضغط على الإمدادات». وقال ألبانيزي إن الأشهر المقبلة «ربما لا تكون سهلة»، لكنه أضاف أن الحكومة ستبذل كل ما في وسعها لمساعدة الأستراليين.