الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

أدوات احتكرها هتلر في الحرب العالمية الثانية ثم وظفها السادات ونتنياهو وبوتين

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
TT

الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)

لم يخترع أدولف هتلر كلمة بروباغاندا؛ فهي كانت شائعة في أيامه واستخدمت كثيراً قبله خصوصاً منذ القدم، وليس بعيداً، خلال الحرب العالمية الأولى. لكنه كان الوحيد الذي طبَّقها من دون حدود، واستخدمها على نطاق واسع. في كتابه «كفاحي» الذي أنتجه وهو في السجن، قبل أن يصل إلى السلطة، يفضح هتلر كثيراً من آرائه حول الحاجة لـ«السيطرة على العقول» بهدف النجاح، عن طريق السيطرة على الإعلام. وتتعدد الأدوار التي يمكن أن تلعبها وسائل الإعلام، وتختلف تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها. منذ نشأتها كان لوسائل الإعلام دور سياسي، واستخدمها رجال الدولة للترويج لسياساتهم، خصوصاً في أوقات الصراعات والحروب، وأحياناً كانت تُستخدَم في التضليل ونشر الإشاعات. تختلف الاستخدامات ويختلف المستخدم؛ فهناك الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي استخدم «التضليل» لينتصر على إسرائيل في حرب «يوم الغفران»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي طوّع تغريداته ليكسب الانتخابات. وقد يكون الأكثر تفوقاً في هذه «الرياضة» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتدخُّل روسيا في سوريا. وتغطية الإعلام له، المثال الأكبر.

يختصر المؤرخ البريطاني روبرت أنسور الذي عايش فترة النازية، استخدام هتلر للبروباغندا بالقول: «هتلر لا يضع حدوداً على كيفية استخدام البروباغندا. (فهو مقتنع بأن) الناس يصدقون أي شيء إذا تم تكراره لهم وبشكل قاطع».
عندما وصل هتلر إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 1933، حرص فوراً على استحداث وزارة للبروباغندا وسلَّمها لجوزيف غوبلز الذي عمل صحافياً، وبرهن لاحقاً على أنه كان من أوفى المحيطين بالزعيم النازي وبقي معه حتى النهاية.

هتلر وغوبلز... غسل الأدمغة بالآيديولوجيا النازية
من خلال وزارة البروباغندا نجح غوبلز بالسيطرة على كل مصادر المعلومات في أنحاء البلاد وأبعد، بدءاً من الصحافة بكل أشكالها، مروراً بالأفلام والمسارح والإعلانات، وصولاً إلى الكتب، من بينها كتب المدارس.
عمل غوبلز بهدفين: الأول محو أي معارضة لهتلر من خلال بث أخبار موجهة وتثبيت فكرة تمجيد القائد. والثانية إقناع الألمان بـ«برامج» وأفكار النازيين التي بدأت بـ«تفوق» العرق الآري وانتقلت إلى ضرورة التخلص ممن يشكلون عقبة أمام «نقاوة» هذا العرق، أي مَن يعانون من إعاقات جسدية وعقلية، وصولاً إلى تصوير اليهود على أنهم أقل من البشر تبريراً للمحرقة لاحقاً.
رغم أن غوبلز نفسه كان يعاني من إعاقة جسدية ويمشي أعرج، وكان يرتدي قوسا معدنيا حول رجله الأقصر من الثانية، فإن ذلك لم يمنعه من المشاركة في هندسة واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ من خلال العمل على إقناع الألمان ببرنامج «T4» الذي يستهدف من كان يعاني من إعاقات أحياناً أقل من تلك التي كان يعاني منها غوبلز نفسه.
البرنامج قتل عبره النازيون ما يقارب الـ300 ألف شخص خلال 6 أعوام انتهت بسقوطهم عام 1945، قابلته حملات ترويجية كثيرة قادها غوبلز نفسه. من أمثلة هذه الحملات منشورات عملاقة تظهر تكلفة الاعتناء بشخص لديه إعاقة مقابل ملذات يمكن صرف تلك الأموال عليها في حال لم يكن هذا الشخص موجوداً.
وعام 1941 أمر غوبلز بإنتاج فيلم «أنا أتهم» يبرر «القتل الرحيم» من خلال تصوير رجل يسعى لإقناع مسؤولين بالسماح له بإعطاء حقنة قاتلة لزوجته التي تعاني من التصلب المتعدد، لـ«تخليصها من العذاب». وفي الفيلم يواجه الرجل المسؤولين في المحاكم ويبرر أسباب القتل ويتهمهم بالقسوة والشر.
أولى غوبلز أهمية كبيرة للسينما وبقوة تأثيرها على الرأي العام وكان يقول إنها بمثابة «المقدمة للعمليات العسكرية» للنازيين.
وبالإضافة إلى قوة تأثير السينما، عرف غوبلز أيضاً قوة تأثير الإذاعة في ذلك الحين لنشر رسالة النازيين. فأمر بشراء ملايين أجهزة البث (الراديو) وبيعها بأسعار بخسة. وهكذا مع بداية الحرب العالمية الثانية، كان 70 في المائة من المنازل في ألمانيا النازية يمتلكون جهاز راديو تُبَثّ عليه خطابات هتلر.
وبعد أن بدأ المستمعون يشعرون بالممل من سماع الخطابات على مدار الساعة، اضطر النازيون لإدخال برامج ترفيهية موسيقية للحفاظ عليهم. لاحقاً اعترف غوبلز بأهمية «الراديو»، وكتب في يومياته: «ما كان بإمكاننا الوصول للسلطة أو استخدامها بالشكل الذي فعلنا من دون الراديو… الراديو أوصلنا إلى كل الأمة بغضِّ النظر عن المستوى الاجتماعي أو المرتبة أو الدين».
الكتب المدرسية والتعليم المبكر كانت أيضاً من أسس البروباغندا النازية. فغوبلز وهتلر حرصا على «تربية» أجيال على الأفكار النازية منذ البداية، وكانوا يرسلون أوامر وإرشادات للمعلمين تتعلق خاصة بمواد «البيولوجيا» التي حاولوا عبرها إقناع الأطفال بقوانين نورمبيرغ، التي تهدف للحفاظ على «الدم الألماني» وتمنع الاختلاط باليهود.

التسريبات... سبب انتصار السادات وجسَّ بها مبارك نبض الشارع
عدة أمثلة حية وتاريخية تؤكد ارتباط الإعلام بالسياسة، ولعل أبرز الأدوار السياسية التي لعبها الإعلام في مصر كانت قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، حيث استخدم الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات الإعلام في تضليل إسرائيل، وخداعها، لإخفاء موعد الحرب. وكتب الدكتور محمد عبد القادر حاتم، وزير الإعلام المصري الأسبق، الذي كان مسؤولاً عن الإعلام وقت الحرب، في شهادته، أن «الإعلام نجح في إخفاء قدرتنا على الحرب وحققنا المفاجأة الاستراتيجية».
نجاح هذه الخطة أكدته نتائج الحرب، وكذلك شهادة قادة إسرائيل أنفسهم، حيث قال الجنرال الإسرائيلي إيلي زعيرا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب، في كتابه «حرب يوم الغفران»، إن كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب السادات، أو من شخص ما بجواره، وذلك ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب «يوم الغفران»، ناقلاً عن الكاتب الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، قوله إن «هناك تعليمات صدرت للجهاز الإعلامي والسياسي المصري لتضليل العدو حول موعد الحرب، وتم التنسيق بين وزارات الإعلام والخارجية والمخابرات الحربية قبل الحرب بـ6 أشهر».
وفي كتابه «دور الإعلام في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية»، قال حاتم: «عندما كلفني السادات قبل حرب أكتوبر بأن أكون مسؤولاً عن الحكومة، وأن أنوب عنه في رئاسة مجلس الوزراء، كان قراري الأول هو عدم الإدلاء بأي تصريح مباشر أو تلميح عن الأداء أو الاستعداد للحرب، وانطبق ذلك على العسكريين والسياسيين أيضاً». وأشار إلى أن الخطة الإعلامية «ركَّزَت على الإيحاء بأن مصر تتجه نحو العمل والنضال السياسي، وتم تسريب أخبار بأن مصر تؤمن بالتسوية السلمية في الشرق الأوسط... كما سُرّبت أخبار بأن مصر أعلنت حالة الطوارئ، ونُشِر الخبر في لبنان ووسائل الإعلام العالمية، لتعلن إسرائيل التعبئة، ثم يتضح عدم صدق الخبر، الذي تكرر تسريبه أكثر من مرة، حتى اقتنعت إسرائيل أن أخبار مصر عن الحرب هي للاستهلاك المحلي». مضيفاً: «من ضمن سياسة الخداع والتمويه الإعلامي كنا نضخِّم أخباراً معينة ونقلل من أهمية أخرى»، مؤكداً «كان هدفنا إيهام إسرائيل بأن مصر جثة هامدة وهي لا تقوى على الحرب».
الكاتب الصحافي المصري، محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير صحيفة «الجمهورية» الرسمية الأسبق، كان محرراً لشؤون الرئاسة المصرية خلال حرب 1973، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك نوعين من التضليل في العمل الإعلامي، إيجابي وسلبي»، مشيراً إلى أن «سياسة التضليل الإعلامي التي اتُّبعت خلال الحرب، كانت تضليلاً إيجابياً، حيث تم نشر أخبار بأن ضباط الجيش يستعدون للسفر لأداء مناسك الحج، وأخبار أخرى عن فتح باب حجز وحدات سكنية للضباط»، مضيفاً: «هذه الخطة نجحت بدرجة كبيرة، وتمكَّنَت مصر من مفاجأة إسرائيل، حتى إننا عندما دخلنا المواقع العسكرية الإسرائيلية في اليوم الرابع من الحرب وجدناهم نائمين».
وتواصل الاستخدام السياسي لوسائل الإعلام في الفترات التالية، ففي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، استخدم الإعلام لتوجيه رسائل معينة للغرب، أو لتسريب معلومات معينة لجس نبض الشعب بشأن قرارات مهمة، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو غير متعمَّد. وقال الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تسريب الأخبار قبل اتخاذ قرارات مهمة كرفع الأسعار مثلاً، كان متبعاً في فترات حكم سابقة في مصر، لكن مصر الآن لا تستخدم سياسة جس النبض».
وأوضح إبراهيم، أن «وزير الإعلام المصري الأسبق صفوت الشريف كان رجل مخابرات، واستخدم الإعلام لخدمة أغراض الدولة السياسية، فكانت تصدر تعليمات لنا بالهجوم على دولة معينة أو كتابة مقالات في اتجاه معين، وفي فترات محددة»... ومن بين الأمثلة على ذلك «قيام الشريف بتسريب أخبار للإعلام الخاص بأن مبارك لن يحضر القمة العربية في بيروت عام 2002».
بينما أشار الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة إلى أن «الإعلام يقوم بمجموعة من الوظائف، بعضها وظائف مطلوبة، وبعضها وظائف كامنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدولة استخدمت الإعلام في بعض الفترات بهدف تخدير وإلهاء الشعب عن المشكلات الحقيقية، عبر التركيز على برامج التسلية والترفيه والرياضة، وهو ما استمرَّ في صور مختلفة إلى الآن، حيث يتم فتح قنوات رياضية وإغلاق القنوات الإخبارية».
وتعاني مصر خلال الفترة الأخيرة من انتشار الإشاعات، حتى إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال في أحد المؤتمرات، إن «الدولة رصدت 21 ألف شائعة في 3 شهور»، وبناء على ذلك أنشأت الحكومة المصرية مركزاً إعلامياً هدفه الرد على الإشاعات، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الإعلامية ممارسات احتكارية لصالح أجهزة الدولة المصرية».
وقال عبد الفتاح إن «الإشاعات هي نتيجة لحرب بين طرفين كل طرف لديه مصالح يريد تحقيقها على حساب الآخر، ولها 3 أهداف؛ إما الاستكشاف، أي قياس رد فعل طرف ما على قرار أو تصرف معين، أو الاستنزاف من خلال خلق حالة من التوتر والشوشرة وعدم اليقين للتشكيك في أداء الدولة والحكومة، أو التوجيه نحو سلوك معين»، مشيراً إلى أن «نشر شائعة تقول إن ثروة مبارك تجاوزت 70 مليار دولار، كان هدفه تحريك الجماهير للمشاركة في انتفاضة 25 يناير».

«فيك نيوز» على طريقة نتنياهو... انتخابات وجولة لاتينية
خسرت إسرائيل حرب «يوم الغفران» نتيجة لحنكة السادات في تسييس الإعلام، إلا أن حاضرها اختلف، حيث أصبحت الحكومة الإسرائيلية متمكنة من التلاعب الإعلامي، تستغله لمصلحتها، ضد العرب. ففي مثل هذه الفترة من العام الماضي (2017)، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقوم بزيارة وصفت بأنها تاريخية، إلى ثلاث دول في أميركا اللاتينية، هي: الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك. تاريخية لأنه أول رئيس وزراء إسرائيلي يصل إلى هذه البلدان البعيدة.
قبل أن يخلد إلى النوم، غرد على صفحته في «تويتر»، التي يتابعها مليون شخص، وصفحته في «فيسبوك»، التي يتابعها أكثر من مليوني شخص، بالكلمات التالية: «انتبهوا! إنهم لا يريدونكم أن تعرفوا. فأنا في زيارة تاريخية لأميركا اللاتينية. نحو ربع مليار شخص يتابعون أخبار زيارتي من خلال وسائل الإعلام هناك، قسم كبير منها بالبث المباشر. أما الإعلام عندنا، فلا يهتمون بالزيارة، لا يوجد عندنا بث حي لزيارة رئيس الحكومة».
وكما كان متوقعاً، راحت الشبكات الاجتماعية باللغة العبرية تغلي كالمرجل. أنصار نتنياهو راحوا يهاجمون وسائل الإعلام الإسرائيلية ويشتمونها ويحرِّضون عليها وعلى مراسليها، من خلال ذكر عدد من أسماء «الخونة» ويتهمونهم بأنهم ينشرون أخبار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أكثر من أخبار نتنياهو... إلخ.
لم تكن هذه المرة الأولى التي ينشر فيها نتنياهو الأكاذيب، بهذه الطريقة التحريضية. فقد سبق له أن فعلها كثيراً في الماضي. أشهرها في يوم مشهود، هو يوم الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بتاريخ 17 مارس (آذار) 2015، عندما أجرى مساعدوه استطلاع رأي بين الناخبين ووجدوا أن الاتجاه يسير نحو تقارب شديد بين عدد الأصوات التي سيحصل عليها حزبه الليكود وبين الأصوات التي سيحصل عليها منافسه، تكتل المعسكر الصهيوني. وحسب نتائج الاستطلاع سيفوز كل منهما بـ24 مقعداً مع تفضيل ما لمنافسيه. فاستلَّ من كُمّه آخر سلاح، كان قد أعده له مستشاره الاستراتيجي القادم من أميركا. وهو: «التحريض على الناخبين العرب».
وهكذا كتب في تغريدته، التي غيرت مجرى الانتخابات وربما التاريخ: «حكم اليمين في خطر. الناخبون العرب يتدفقون بكميات هائلة على صناديق الاقتراع. يجلبونهم بالباصات التي موَّلتها عناصر يسارية من أوروبا». وقد كان لهذه التغريدة تأثير مباشر على ناخبي اليمين المتطرف. فقد شاهدها 145 ألف شخص وأعجب بها 10 آلاف شخص وعملوا لها «لايك». وعلَّق عليها أكثر من ألف شخص. وقد صدقوا أن حُكمه في خطر. وأولئك الذين كانوا ينوون التصويت لأحزاب اليمين المتطرف، عدلوا رأيهم وصوَّتوا لحزب نتنياهو. وفي النتيجة ارتفع الليكود إلى 30 مقعداً وبقي منافسه بـ24 مقعداً، وهكذا عاد إلى كرسي الحكم لأربع سنوات أخرى عجاف. فقد سحب من شركائه في اليمين المتطرف 6 مقاعد (حزب المستوطنين «البيت اليهودي» خسر أربعة مقاعد وحزب ليبرمان مقعداً وحزب شاس مقعداً آخر).
وهكذا، التزييف الذي استخدمه نتنياهو أكسبه الحكم. لكن الأمر لم يُقلِق المجتمع الإسرائيلي كثيراً. كتبوا عنه وانتقدوه ولكنه، ولأنه يتعلق بالعرب، لم يتحول إلى موضوع مقلق. إلا أن تحريض نتنياهو على وسائل الإعلام وهو في أميركا اللاتينية أقلق الإسرائيليين جداً. فما بدأه بالعرب، وصل إلى صدور اليهود وعصَبِهم الحساس. فقررت وسائل الإعلام فَحْص نفسها، إن كانت فعلاً مقصِّرة بحق رئيس الحكومة وزيارته لأميركا اللاتينية، فوجدوا أنه وعلى الرغم من فارق التوقيت (إذ إن زياراته واجتماعاته في دول أميركا اللاتينية، كانت تتم في حين كان الإسرائيليون نائمين، إذ إن فارق السعات يصل إلى 10 ساعات مع الشرق الأوسط)، فإن أهم 20 وسيلة إعلام إسرائيلية نشرت 270 تقريراً عنها. وفي بقية وسائل الإعلام الإسرائيلية تم نشر 770 تقريراً عن هذه الزيارة.
وقد فضحته وسائل الإعلام ونشرت المعطيات للرأي العام، وراحت تتساءل: هل نتنياهو يكذب هكذا في جلسات الحكومة وفي لقاءاته مع قادة العالم؟ لكن الأمر لم يوقف التحريض الجماهيري على الصحافة والصحافيين. ونتنياهو، ليس فقط لم يعتذر، بل انتقل ليعدَّ وجبة أخرى من هذا التحريض. فهو واثق من أن الجمهور الذي يهمه، أي اليمين واليمين المتطرف، يسير وراءه ولا يصدق الإعلام.
اتبع نتنياهو هذا الأسلوب لأنه يعرف أن المتطرفين والعنصريين من الجمهور اليميني يقبضون هذه البضاعة ويتصرفون من خلالها. وهو يحرص على تغذيتها بهذا النوع من الأخبار الكاذبة والتعليقات التحريضية التي يغذيها بها. وكان نتنياهو قد حرص على أن يتولى وزارة الاتصالات بنفسه، إضافة إلى كونه رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية، إلى أن أجبرته المحكمة على التخلي عن حقيبة الاتصالات.
ومنذ سنة 2017، توجد تحت يديه صحيفة يومية مجانية تدعى «يسرائيل هيوم»، أسسها رجل الأعمال اليهودي الأميركي وصاحب شبكة الكازينوهات، شلدون إدلسون. وهو يصرف على هذه الصفحة مبلغ 22 مليون شيقل في الشهر (6 ملايين دولار). وقد اشترى لها موقع صحيفة «معاريف» في الإنترنت بثلاثة ملايين شيقل في سنة 2011. وهما صحيفتان حزبيتان لصالحه.
وأصبحت «يسرائيل هيوم» الأوسع انتشاراً في إسرائيل. وأصبحت تشكل ضائقة للصحف الأخرى. وحاول نتنياهو إبرام صفقة مع صاحب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نواح موزيس، بأن يخفض أعداد صحيفة «يسرائيل هيوم»، مقابل تعهد موزيس بأن يخفف من انتقادات صحيفته لنتنياهو. ولأن هذا الأمر يعتبر محظوراً في إسرائيل فقد تم فتح ملف تحقيق مع الرجلين بتهمة الرشى، وهو ما يُعرف في الشرطة باسم «الملف 2000»، الذي يضاف إلى ثلاثة ملفات فساد أخرى يتم التحقيق فيها مع نتنياهو وزوجته.

انتصارات روسيا في سوريا... بوتين يتفاخر
نتنياهو ليس الوحيد الذي أتقن اللعبة. إنما قد يتفوق عليه سياسي آخر... الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخطاباته وتصريحاته... وظهوره الإعلامي. ولم تكن «الانتصارات» التي حققتها روسيا في الفضاء الإعلامي حول سوريا بحجم ما حققته الآلة العسكرية الروسية من «انتصارات» ميدانية لصالح النظام السوري، إذ لا تزال وسائل الإعلام الغربية تعرض وتنشر تقارير تتناول فيها ما تراه «تضليلاً إعلامياً روسياً»، وذلك رغم الكمِّ الهائل من الضخ الإعلامي الذي ترافق مع العملية العسكرية الروسية في سوريا منذ بدايتها قبل ثلاث سنوات وحتى الآن، الذي حرص خلاله «المتحدثون الرسميون» باسم المؤسسات الروسية، تدعمهم «ماكينة البروباغاندا» الرسمية العملاقة، على تصوير ما يبثونه من معلومات وتقارير على أنها «الحقيقة المطلقة القائمة على وقائع وأدلة»، وأن ما يطرحونه من أفكار تحمل «الخلاص» لسوريا والسوريين من المعاناة.
وفي جولة جديدة، وليست الأخيرة، من المواجهة الإعلامية حول سوريا، يجري التركيز حالياً بصورة خاصة على الوضع في إدلب، وذلك على خلفية مزاعم روسية بأن «مجموعات إرهابية» تقوم بتصوير وفبركة «مسرحية» هجوم كيماوي لتحميل النظام السوري المسؤولية عنه، واستغلاله من جانب الغرب ذريعة لتوجيه ضربة ضد قوات النظام.
توقفت صحيفة «نوي تسيرخر تسيتُنغ» (NZZ) السويسرية عند المزاعم الروسية بهذا الصدد، وفي تقرير عنوانه «روسيا تمدح نفسها في سوريا»، قالت إن «جميع وسائل الإعلام الروسية تبث منذ نهاية الأسبوع الماضي رسالة مفادها أن الغرب يستعد لضربات جوية استفزازية جديدة في سوريا»، ولَمّحت إلى أن مثل تلك المزاعم ربما تشكِّل مقدمة لاستخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في إدلب، وقالت إن الأميركيين والشركة العسكرية البريطانية، التي يزعم الروس أن عناصر منها يشاركون في تصوير «مسرحية الكيماوي»، سارعوا إلى نفي الاتهامات الروسية، بينما أثارت تلك المزاعم قلق «الخوذ البيضاء» ومراقبين غربيين، ذلك أنه «بعد تحذيرات روسية مماثلة في السابق، وفق ما ترى الدول الغربية، يتم دوماً استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، لكن من جانب النظام السوري».
من ثم أشارت الصحيفة إلى أنه مع منتصف شهر سبتمبر (أيلول)، تكون ثلاث سنوات قد مضت على التدخل العسكري في سوريا، وتتوقف بعد ذلك عن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول تلك العملية، وتقول إن «بوتين أعلن بعد ذلك أكثر من مرة عن انتهاء تلك العملية في سوريا. إلا أنه في كل مرة يكون الكلام موجهاً للمشاهدين داخل البلاد، الذين لا يظهرون حماسة للمشاركة في حرب بعيداً خارج البلاد».
في السياق ذاته تشير (NZZ) السويسرية إلى شريط فيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية على «يوتيوب» حول «النجاح» في سوريا، وتقول إن «الفيديو ومدته عشر دقائق، يعرض سلسلة غير منتهية من البيانات حول نجاحات العملية في سوريا منذ منتصف سبتمبر 2015 لغاية منتصف أغسطس (آب) الماضي»، إلا أن «مقطع الفيديو تجاهل المعلومات حول حجم الخسائر الروسية، كما تجاهل مشاركة شركات عسكرية روسية خاصة في القتال في سوريا. بينما يتم فيه التركيز على اكتساب العسكريين الروس الخبرة القتالية في تلك الحرب، التي شكلت فرصة لاختبار الأسلحة الروسية في ظروف حرب حقيقية». وترى الصحيفة السويسرية أن التركيز على هذا النوع من المعلومات، ومعلومات أخرى مثل «القضاء على قادة الإرهابيين» إنما هي «وسيلة لمنح المشاركة الروسية في الحرب السورية صفة شرعية».

فيليس المقدونية... هندسة الإشاعات «حرفة» أهلها

لندن: «الشرق الأوسط»

حصل جوفان على زوج من أحذية نايكي وذهب إلى عطلة في اليونان مكافأة له على المساعدة في تحويل بلدة فيليس المقدونية الصغيرة إلى مركز من مراكز الأخبار المزيفة ونشر الشائعات خلال سباق الرئاسة الأميركي لعام 2016.
قال الشاب البالغ من العمر 20 عاماً، والذي طلب عدم الكشف عن هويته الحقيقية: «هذا ما كسبته من مواقع الأخبار المزيفة. كنت أحصل على نحو 200 يورو (230 دولاراً) في الشهر... والقليلون يحصلون على هذا المبلغ في البلاد»، في حديثه إلى وكالة الصحافة الفرنسية الإخبارية في بلدة فيليس التي تضم نحو 50 ألف نسمة فقط.
تعاني بلدة فيليس، التي كانت في يوم من الأيام مركزا صناعيا مقدونيا مزدهرا، من الهبوط الحاد منذ انهيار الاتحاد اليوغوسلافي السابق، وهي تكافح الآن مثل بقية أنحاء البلاد في مواجهة البطالة وانتشار موجة الهجرة الجماعية بين الشباب.
لكن قبل عامين ماضيين، ظهر مصدر جديد للدخل في تلك البلدة على نحو غير متوقع عندما عرض المستثمرون المال على السكان المحليين في مقابل إنتاج القصص الإخبارية لدعم دونالد ترمب الذي كان يخوض حملة انتخابية كي يصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، وفق ما نشر موقع «ستار» الإخباري مؤخرا.
وظهرت إثر ذلك المئات من المواقع الإلكترونية وصفحات «فيسبوك» المختلفة المنطلقة من خوادم بلدة فيليس المقدونية بهدف وحيد وهو تشويه معارضي دونالد ترمب من الحزب الديمقراطي مثل هيلاري كلينتون أو سلفه باراك أوباما.


مقالات ذات صلة

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.