الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

أدوات احتكرها هتلر في الحرب العالمية الثانية ثم وظفها السادات ونتنياهو وبوتين

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
TT

الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)

لم يخترع أدولف هتلر كلمة بروباغاندا؛ فهي كانت شائعة في أيامه واستخدمت كثيراً قبله خصوصاً منذ القدم، وليس بعيداً، خلال الحرب العالمية الأولى. لكنه كان الوحيد الذي طبَّقها من دون حدود، واستخدمها على نطاق واسع. في كتابه «كفاحي» الذي أنتجه وهو في السجن، قبل أن يصل إلى السلطة، يفضح هتلر كثيراً من آرائه حول الحاجة لـ«السيطرة على العقول» بهدف النجاح، عن طريق السيطرة على الإعلام. وتتعدد الأدوار التي يمكن أن تلعبها وسائل الإعلام، وتختلف تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها. منذ نشأتها كان لوسائل الإعلام دور سياسي، واستخدمها رجال الدولة للترويج لسياساتهم، خصوصاً في أوقات الصراعات والحروب، وأحياناً كانت تُستخدَم في التضليل ونشر الإشاعات. تختلف الاستخدامات ويختلف المستخدم؛ فهناك الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي استخدم «التضليل» لينتصر على إسرائيل في حرب «يوم الغفران»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي طوّع تغريداته ليكسب الانتخابات. وقد يكون الأكثر تفوقاً في هذه «الرياضة» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتدخُّل روسيا في سوريا. وتغطية الإعلام له، المثال الأكبر.

يختصر المؤرخ البريطاني روبرت أنسور الذي عايش فترة النازية، استخدام هتلر للبروباغندا بالقول: «هتلر لا يضع حدوداً على كيفية استخدام البروباغندا. (فهو مقتنع بأن) الناس يصدقون أي شيء إذا تم تكراره لهم وبشكل قاطع».
عندما وصل هتلر إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 1933، حرص فوراً على استحداث وزارة للبروباغندا وسلَّمها لجوزيف غوبلز الذي عمل صحافياً، وبرهن لاحقاً على أنه كان من أوفى المحيطين بالزعيم النازي وبقي معه حتى النهاية.

هتلر وغوبلز... غسل الأدمغة بالآيديولوجيا النازية
من خلال وزارة البروباغندا نجح غوبلز بالسيطرة على كل مصادر المعلومات في أنحاء البلاد وأبعد، بدءاً من الصحافة بكل أشكالها، مروراً بالأفلام والمسارح والإعلانات، وصولاً إلى الكتب، من بينها كتب المدارس.
عمل غوبلز بهدفين: الأول محو أي معارضة لهتلر من خلال بث أخبار موجهة وتثبيت فكرة تمجيد القائد. والثانية إقناع الألمان بـ«برامج» وأفكار النازيين التي بدأت بـ«تفوق» العرق الآري وانتقلت إلى ضرورة التخلص ممن يشكلون عقبة أمام «نقاوة» هذا العرق، أي مَن يعانون من إعاقات جسدية وعقلية، وصولاً إلى تصوير اليهود على أنهم أقل من البشر تبريراً للمحرقة لاحقاً.
رغم أن غوبلز نفسه كان يعاني من إعاقة جسدية ويمشي أعرج، وكان يرتدي قوسا معدنيا حول رجله الأقصر من الثانية، فإن ذلك لم يمنعه من المشاركة في هندسة واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ من خلال العمل على إقناع الألمان ببرنامج «T4» الذي يستهدف من كان يعاني من إعاقات أحياناً أقل من تلك التي كان يعاني منها غوبلز نفسه.
البرنامج قتل عبره النازيون ما يقارب الـ300 ألف شخص خلال 6 أعوام انتهت بسقوطهم عام 1945، قابلته حملات ترويجية كثيرة قادها غوبلز نفسه. من أمثلة هذه الحملات منشورات عملاقة تظهر تكلفة الاعتناء بشخص لديه إعاقة مقابل ملذات يمكن صرف تلك الأموال عليها في حال لم يكن هذا الشخص موجوداً.
وعام 1941 أمر غوبلز بإنتاج فيلم «أنا أتهم» يبرر «القتل الرحيم» من خلال تصوير رجل يسعى لإقناع مسؤولين بالسماح له بإعطاء حقنة قاتلة لزوجته التي تعاني من التصلب المتعدد، لـ«تخليصها من العذاب». وفي الفيلم يواجه الرجل المسؤولين في المحاكم ويبرر أسباب القتل ويتهمهم بالقسوة والشر.
أولى غوبلز أهمية كبيرة للسينما وبقوة تأثيرها على الرأي العام وكان يقول إنها بمثابة «المقدمة للعمليات العسكرية» للنازيين.
وبالإضافة إلى قوة تأثير السينما، عرف غوبلز أيضاً قوة تأثير الإذاعة في ذلك الحين لنشر رسالة النازيين. فأمر بشراء ملايين أجهزة البث (الراديو) وبيعها بأسعار بخسة. وهكذا مع بداية الحرب العالمية الثانية، كان 70 في المائة من المنازل في ألمانيا النازية يمتلكون جهاز راديو تُبَثّ عليه خطابات هتلر.
وبعد أن بدأ المستمعون يشعرون بالممل من سماع الخطابات على مدار الساعة، اضطر النازيون لإدخال برامج ترفيهية موسيقية للحفاظ عليهم. لاحقاً اعترف غوبلز بأهمية «الراديو»، وكتب في يومياته: «ما كان بإمكاننا الوصول للسلطة أو استخدامها بالشكل الذي فعلنا من دون الراديو… الراديو أوصلنا إلى كل الأمة بغضِّ النظر عن المستوى الاجتماعي أو المرتبة أو الدين».
الكتب المدرسية والتعليم المبكر كانت أيضاً من أسس البروباغندا النازية. فغوبلز وهتلر حرصا على «تربية» أجيال على الأفكار النازية منذ البداية، وكانوا يرسلون أوامر وإرشادات للمعلمين تتعلق خاصة بمواد «البيولوجيا» التي حاولوا عبرها إقناع الأطفال بقوانين نورمبيرغ، التي تهدف للحفاظ على «الدم الألماني» وتمنع الاختلاط باليهود.

التسريبات... سبب انتصار السادات وجسَّ بها مبارك نبض الشارع
عدة أمثلة حية وتاريخية تؤكد ارتباط الإعلام بالسياسة، ولعل أبرز الأدوار السياسية التي لعبها الإعلام في مصر كانت قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، حيث استخدم الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات الإعلام في تضليل إسرائيل، وخداعها، لإخفاء موعد الحرب. وكتب الدكتور محمد عبد القادر حاتم، وزير الإعلام المصري الأسبق، الذي كان مسؤولاً عن الإعلام وقت الحرب، في شهادته، أن «الإعلام نجح في إخفاء قدرتنا على الحرب وحققنا المفاجأة الاستراتيجية».
نجاح هذه الخطة أكدته نتائج الحرب، وكذلك شهادة قادة إسرائيل أنفسهم، حيث قال الجنرال الإسرائيلي إيلي زعيرا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب، في كتابه «حرب يوم الغفران»، إن كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب السادات، أو من شخص ما بجواره، وذلك ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب «يوم الغفران»، ناقلاً عن الكاتب الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، قوله إن «هناك تعليمات صدرت للجهاز الإعلامي والسياسي المصري لتضليل العدو حول موعد الحرب، وتم التنسيق بين وزارات الإعلام والخارجية والمخابرات الحربية قبل الحرب بـ6 أشهر».
وفي كتابه «دور الإعلام في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية»، قال حاتم: «عندما كلفني السادات قبل حرب أكتوبر بأن أكون مسؤولاً عن الحكومة، وأن أنوب عنه في رئاسة مجلس الوزراء، كان قراري الأول هو عدم الإدلاء بأي تصريح مباشر أو تلميح عن الأداء أو الاستعداد للحرب، وانطبق ذلك على العسكريين والسياسيين أيضاً». وأشار إلى أن الخطة الإعلامية «ركَّزَت على الإيحاء بأن مصر تتجه نحو العمل والنضال السياسي، وتم تسريب أخبار بأن مصر تؤمن بالتسوية السلمية في الشرق الأوسط... كما سُرّبت أخبار بأن مصر أعلنت حالة الطوارئ، ونُشِر الخبر في لبنان ووسائل الإعلام العالمية، لتعلن إسرائيل التعبئة، ثم يتضح عدم صدق الخبر، الذي تكرر تسريبه أكثر من مرة، حتى اقتنعت إسرائيل أن أخبار مصر عن الحرب هي للاستهلاك المحلي». مضيفاً: «من ضمن سياسة الخداع والتمويه الإعلامي كنا نضخِّم أخباراً معينة ونقلل من أهمية أخرى»، مؤكداً «كان هدفنا إيهام إسرائيل بأن مصر جثة هامدة وهي لا تقوى على الحرب».
الكاتب الصحافي المصري، محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير صحيفة «الجمهورية» الرسمية الأسبق، كان محرراً لشؤون الرئاسة المصرية خلال حرب 1973، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك نوعين من التضليل في العمل الإعلامي، إيجابي وسلبي»، مشيراً إلى أن «سياسة التضليل الإعلامي التي اتُّبعت خلال الحرب، كانت تضليلاً إيجابياً، حيث تم نشر أخبار بأن ضباط الجيش يستعدون للسفر لأداء مناسك الحج، وأخبار أخرى عن فتح باب حجز وحدات سكنية للضباط»، مضيفاً: «هذه الخطة نجحت بدرجة كبيرة، وتمكَّنَت مصر من مفاجأة إسرائيل، حتى إننا عندما دخلنا المواقع العسكرية الإسرائيلية في اليوم الرابع من الحرب وجدناهم نائمين».
وتواصل الاستخدام السياسي لوسائل الإعلام في الفترات التالية، ففي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، استخدم الإعلام لتوجيه رسائل معينة للغرب، أو لتسريب معلومات معينة لجس نبض الشعب بشأن قرارات مهمة، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو غير متعمَّد. وقال الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تسريب الأخبار قبل اتخاذ قرارات مهمة كرفع الأسعار مثلاً، كان متبعاً في فترات حكم سابقة في مصر، لكن مصر الآن لا تستخدم سياسة جس النبض».
وأوضح إبراهيم، أن «وزير الإعلام المصري الأسبق صفوت الشريف كان رجل مخابرات، واستخدم الإعلام لخدمة أغراض الدولة السياسية، فكانت تصدر تعليمات لنا بالهجوم على دولة معينة أو كتابة مقالات في اتجاه معين، وفي فترات محددة»... ومن بين الأمثلة على ذلك «قيام الشريف بتسريب أخبار للإعلام الخاص بأن مبارك لن يحضر القمة العربية في بيروت عام 2002».
بينما أشار الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة إلى أن «الإعلام يقوم بمجموعة من الوظائف، بعضها وظائف مطلوبة، وبعضها وظائف كامنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدولة استخدمت الإعلام في بعض الفترات بهدف تخدير وإلهاء الشعب عن المشكلات الحقيقية، عبر التركيز على برامج التسلية والترفيه والرياضة، وهو ما استمرَّ في صور مختلفة إلى الآن، حيث يتم فتح قنوات رياضية وإغلاق القنوات الإخبارية».
وتعاني مصر خلال الفترة الأخيرة من انتشار الإشاعات، حتى إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال في أحد المؤتمرات، إن «الدولة رصدت 21 ألف شائعة في 3 شهور»، وبناء على ذلك أنشأت الحكومة المصرية مركزاً إعلامياً هدفه الرد على الإشاعات، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الإعلامية ممارسات احتكارية لصالح أجهزة الدولة المصرية».
وقال عبد الفتاح إن «الإشاعات هي نتيجة لحرب بين طرفين كل طرف لديه مصالح يريد تحقيقها على حساب الآخر، ولها 3 أهداف؛ إما الاستكشاف، أي قياس رد فعل طرف ما على قرار أو تصرف معين، أو الاستنزاف من خلال خلق حالة من التوتر والشوشرة وعدم اليقين للتشكيك في أداء الدولة والحكومة، أو التوجيه نحو سلوك معين»، مشيراً إلى أن «نشر شائعة تقول إن ثروة مبارك تجاوزت 70 مليار دولار، كان هدفه تحريك الجماهير للمشاركة في انتفاضة 25 يناير».

«فيك نيوز» على طريقة نتنياهو... انتخابات وجولة لاتينية
خسرت إسرائيل حرب «يوم الغفران» نتيجة لحنكة السادات في تسييس الإعلام، إلا أن حاضرها اختلف، حيث أصبحت الحكومة الإسرائيلية متمكنة من التلاعب الإعلامي، تستغله لمصلحتها، ضد العرب. ففي مثل هذه الفترة من العام الماضي (2017)، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقوم بزيارة وصفت بأنها تاريخية، إلى ثلاث دول في أميركا اللاتينية، هي: الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك. تاريخية لأنه أول رئيس وزراء إسرائيلي يصل إلى هذه البلدان البعيدة.
قبل أن يخلد إلى النوم، غرد على صفحته في «تويتر»، التي يتابعها مليون شخص، وصفحته في «فيسبوك»، التي يتابعها أكثر من مليوني شخص، بالكلمات التالية: «انتبهوا! إنهم لا يريدونكم أن تعرفوا. فأنا في زيارة تاريخية لأميركا اللاتينية. نحو ربع مليار شخص يتابعون أخبار زيارتي من خلال وسائل الإعلام هناك، قسم كبير منها بالبث المباشر. أما الإعلام عندنا، فلا يهتمون بالزيارة، لا يوجد عندنا بث حي لزيارة رئيس الحكومة».
وكما كان متوقعاً، راحت الشبكات الاجتماعية باللغة العبرية تغلي كالمرجل. أنصار نتنياهو راحوا يهاجمون وسائل الإعلام الإسرائيلية ويشتمونها ويحرِّضون عليها وعلى مراسليها، من خلال ذكر عدد من أسماء «الخونة» ويتهمونهم بأنهم ينشرون أخبار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أكثر من أخبار نتنياهو... إلخ.
لم تكن هذه المرة الأولى التي ينشر فيها نتنياهو الأكاذيب، بهذه الطريقة التحريضية. فقد سبق له أن فعلها كثيراً في الماضي. أشهرها في يوم مشهود، هو يوم الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بتاريخ 17 مارس (آذار) 2015، عندما أجرى مساعدوه استطلاع رأي بين الناخبين ووجدوا أن الاتجاه يسير نحو تقارب شديد بين عدد الأصوات التي سيحصل عليها حزبه الليكود وبين الأصوات التي سيحصل عليها منافسه، تكتل المعسكر الصهيوني. وحسب نتائج الاستطلاع سيفوز كل منهما بـ24 مقعداً مع تفضيل ما لمنافسيه. فاستلَّ من كُمّه آخر سلاح، كان قد أعده له مستشاره الاستراتيجي القادم من أميركا. وهو: «التحريض على الناخبين العرب».
وهكذا كتب في تغريدته، التي غيرت مجرى الانتخابات وربما التاريخ: «حكم اليمين في خطر. الناخبون العرب يتدفقون بكميات هائلة على صناديق الاقتراع. يجلبونهم بالباصات التي موَّلتها عناصر يسارية من أوروبا». وقد كان لهذه التغريدة تأثير مباشر على ناخبي اليمين المتطرف. فقد شاهدها 145 ألف شخص وأعجب بها 10 آلاف شخص وعملوا لها «لايك». وعلَّق عليها أكثر من ألف شخص. وقد صدقوا أن حُكمه في خطر. وأولئك الذين كانوا ينوون التصويت لأحزاب اليمين المتطرف، عدلوا رأيهم وصوَّتوا لحزب نتنياهو. وفي النتيجة ارتفع الليكود إلى 30 مقعداً وبقي منافسه بـ24 مقعداً، وهكذا عاد إلى كرسي الحكم لأربع سنوات أخرى عجاف. فقد سحب من شركائه في اليمين المتطرف 6 مقاعد (حزب المستوطنين «البيت اليهودي» خسر أربعة مقاعد وحزب ليبرمان مقعداً وحزب شاس مقعداً آخر).
وهكذا، التزييف الذي استخدمه نتنياهو أكسبه الحكم. لكن الأمر لم يُقلِق المجتمع الإسرائيلي كثيراً. كتبوا عنه وانتقدوه ولكنه، ولأنه يتعلق بالعرب، لم يتحول إلى موضوع مقلق. إلا أن تحريض نتنياهو على وسائل الإعلام وهو في أميركا اللاتينية أقلق الإسرائيليين جداً. فما بدأه بالعرب، وصل إلى صدور اليهود وعصَبِهم الحساس. فقررت وسائل الإعلام فَحْص نفسها، إن كانت فعلاً مقصِّرة بحق رئيس الحكومة وزيارته لأميركا اللاتينية، فوجدوا أنه وعلى الرغم من فارق التوقيت (إذ إن زياراته واجتماعاته في دول أميركا اللاتينية، كانت تتم في حين كان الإسرائيليون نائمين، إذ إن فارق السعات يصل إلى 10 ساعات مع الشرق الأوسط)، فإن أهم 20 وسيلة إعلام إسرائيلية نشرت 270 تقريراً عنها. وفي بقية وسائل الإعلام الإسرائيلية تم نشر 770 تقريراً عن هذه الزيارة.
وقد فضحته وسائل الإعلام ونشرت المعطيات للرأي العام، وراحت تتساءل: هل نتنياهو يكذب هكذا في جلسات الحكومة وفي لقاءاته مع قادة العالم؟ لكن الأمر لم يوقف التحريض الجماهيري على الصحافة والصحافيين. ونتنياهو، ليس فقط لم يعتذر، بل انتقل ليعدَّ وجبة أخرى من هذا التحريض. فهو واثق من أن الجمهور الذي يهمه، أي اليمين واليمين المتطرف، يسير وراءه ولا يصدق الإعلام.
اتبع نتنياهو هذا الأسلوب لأنه يعرف أن المتطرفين والعنصريين من الجمهور اليميني يقبضون هذه البضاعة ويتصرفون من خلالها. وهو يحرص على تغذيتها بهذا النوع من الأخبار الكاذبة والتعليقات التحريضية التي يغذيها بها. وكان نتنياهو قد حرص على أن يتولى وزارة الاتصالات بنفسه، إضافة إلى كونه رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية، إلى أن أجبرته المحكمة على التخلي عن حقيبة الاتصالات.
ومنذ سنة 2017، توجد تحت يديه صحيفة يومية مجانية تدعى «يسرائيل هيوم»، أسسها رجل الأعمال اليهودي الأميركي وصاحب شبكة الكازينوهات، شلدون إدلسون. وهو يصرف على هذه الصفحة مبلغ 22 مليون شيقل في الشهر (6 ملايين دولار). وقد اشترى لها موقع صحيفة «معاريف» في الإنترنت بثلاثة ملايين شيقل في سنة 2011. وهما صحيفتان حزبيتان لصالحه.
وأصبحت «يسرائيل هيوم» الأوسع انتشاراً في إسرائيل. وأصبحت تشكل ضائقة للصحف الأخرى. وحاول نتنياهو إبرام صفقة مع صاحب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نواح موزيس، بأن يخفض أعداد صحيفة «يسرائيل هيوم»، مقابل تعهد موزيس بأن يخفف من انتقادات صحيفته لنتنياهو. ولأن هذا الأمر يعتبر محظوراً في إسرائيل فقد تم فتح ملف تحقيق مع الرجلين بتهمة الرشى، وهو ما يُعرف في الشرطة باسم «الملف 2000»، الذي يضاف إلى ثلاثة ملفات فساد أخرى يتم التحقيق فيها مع نتنياهو وزوجته.

انتصارات روسيا في سوريا... بوتين يتفاخر
نتنياهو ليس الوحيد الذي أتقن اللعبة. إنما قد يتفوق عليه سياسي آخر... الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخطاباته وتصريحاته... وظهوره الإعلامي. ولم تكن «الانتصارات» التي حققتها روسيا في الفضاء الإعلامي حول سوريا بحجم ما حققته الآلة العسكرية الروسية من «انتصارات» ميدانية لصالح النظام السوري، إذ لا تزال وسائل الإعلام الغربية تعرض وتنشر تقارير تتناول فيها ما تراه «تضليلاً إعلامياً روسياً»، وذلك رغم الكمِّ الهائل من الضخ الإعلامي الذي ترافق مع العملية العسكرية الروسية في سوريا منذ بدايتها قبل ثلاث سنوات وحتى الآن، الذي حرص خلاله «المتحدثون الرسميون» باسم المؤسسات الروسية، تدعمهم «ماكينة البروباغاندا» الرسمية العملاقة، على تصوير ما يبثونه من معلومات وتقارير على أنها «الحقيقة المطلقة القائمة على وقائع وأدلة»، وأن ما يطرحونه من أفكار تحمل «الخلاص» لسوريا والسوريين من المعاناة.
وفي جولة جديدة، وليست الأخيرة، من المواجهة الإعلامية حول سوريا، يجري التركيز حالياً بصورة خاصة على الوضع في إدلب، وذلك على خلفية مزاعم روسية بأن «مجموعات إرهابية» تقوم بتصوير وفبركة «مسرحية» هجوم كيماوي لتحميل النظام السوري المسؤولية عنه، واستغلاله من جانب الغرب ذريعة لتوجيه ضربة ضد قوات النظام.
توقفت صحيفة «نوي تسيرخر تسيتُنغ» (NZZ) السويسرية عند المزاعم الروسية بهذا الصدد، وفي تقرير عنوانه «روسيا تمدح نفسها في سوريا»، قالت إن «جميع وسائل الإعلام الروسية تبث منذ نهاية الأسبوع الماضي رسالة مفادها أن الغرب يستعد لضربات جوية استفزازية جديدة في سوريا»، ولَمّحت إلى أن مثل تلك المزاعم ربما تشكِّل مقدمة لاستخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في إدلب، وقالت إن الأميركيين والشركة العسكرية البريطانية، التي يزعم الروس أن عناصر منها يشاركون في تصوير «مسرحية الكيماوي»، سارعوا إلى نفي الاتهامات الروسية، بينما أثارت تلك المزاعم قلق «الخوذ البيضاء» ومراقبين غربيين، ذلك أنه «بعد تحذيرات روسية مماثلة في السابق، وفق ما ترى الدول الغربية، يتم دوماً استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، لكن من جانب النظام السوري».
من ثم أشارت الصحيفة إلى أنه مع منتصف شهر سبتمبر (أيلول)، تكون ثلاث سنوات قد مضت على التدخل العسكري في سوريا، وتتوقف بعد ذلك عن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول تلك العملية، وتقول إن «بوتين أعلن بعد ذلك أكثر من مرة عن انتهاء تلك العملية في سوريا. إلا أنه في كل مرة يكون الكلام موجهاً للمشاهدين داخل البلاد، الذين لا يظهرون حماسة للمشاركة في حرب بعيداً خارج البلاد».
في السياق ذاته تشير (NZZ) السويسرية إلى شريط فيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية على «يوتيوب» حول «النجاح» في سوريا، وتقول إن «الفيديو ومدته عشر دقائق، يعرض سلسلة غير منتهية من البيانات حول نجاحات العملية في سوريا منذ منتصف سبتمبر 2015 لغاية منتصف أغسطس (آب) الماضي»، إلا أن «مقطع الفيديو تجاهل المعلومات حول حجم الخسائر الروسية، كما تجاهل مشاركة شركات عسكرية روسية خاصة في القتال في سوريا. بينما يتم فيه التركيز على اكتساب العسكريين الروس الخبرة القتالية في تلك الحرب، التي شكلت فرصة لاختبار الأسلحة الروسية في ظروف حرب حقيقية». وترى الصحيفة السويسرية أن التركيز على هذا النوع من المعلومات، ومعلومات أخرى مثل «القضاء على قادة الإرهابيين» إنما هي «وسيلة لمنح المشاركة الروسية في الحرب السورية صفة شرعية».

فيليس المقدونية... هندسة الإشاعات «حرفة» أهلها

لندن: «الشرق الأوسط»

حصل جوفان على زوج من أحذية نايكي وذهب إلى عطلة في اليونان مكافأة له على المساعدة في تحويل بلدة فيليس المقدونية الصغيرة إلى مركز من مراكز الأخبار المزيفة ونشر الشائعات خلال سباق الرئاسة الأميركي لعام 2016.
قال الشاب البالغ من العمر 20 عاماً، والذي طلب عدم الكشف عن هويته الحقيقية: «هذا ما كسبته من مواقع الأخبار المزيفة. كنت أحصل على نحو 200 يورو (230 دولاراً) في الشهر... والقليلون يحصلون على هذا المبلغ في البلاد»، في حديثه إلى وكالة الصحافة الفرنسية الإخبارية في بلدة فيليس التي تضم نحو 50 ألف نسمة فقط.
تعاني بلدة فيليس، التي كانت في يوم من الأيام مركزا صناعيا مقدونيا مزدهرا، من الهبوط الحاد منذ انهيار الاتحاد اليوغوسلافي السابق، وهي تكافح الآن مثل بقية أنحاء البلاد في مواجهة البطالة وانتشار موجة الهجرة الجماعية بين الشباب.
لكن قبل عامين ماضيين، ظهر مصدر جديد للدخل في تلك البلدة على نحو غير متوقع عندما عرض المستثمرون المال على السكان المحليين في مقابل إنتاج القصص الإخبارية لدعم دونالد ترمب الذي كان يخوض حملة انتخابية كي يصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، وفق ما نشر موقع «ستار» الإخباري مؤخرا.
وظهرت إثر ذلك المئات من المواقع الإلكترونية وصفحات «فيسبوك» المختلفة المنطلقة من خوادم بلدة فيليس المقدونية بهدف وحيد وهو تشويه معارضي دونالد ترمب من الحزب الديمقراطي مثل هيلاري كلينتون أو سلفه باراك أوباما.


مقالات ذات صلة

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».