تناول الأسبرين... هل هو ضروري للوقاية الأولية من أمراض شرايين القلب؟

دراسات حديثة تؤكد أهمية التقييم الفردي لحالة الشخص قبل وصف الدواء

تناول الأسبرين... هل هو ضروري للوقاية الأولية من أمراض شرايين القلب؟
TT

تناول الأسبرين... هل هو ضروري للوقاية الأولية من أمراض شرايين القلب؟

تناول الأسبرين... هل هو ضروري للوقاية الأولية من أمراض شرايين القلب؟

لم تكن نتائج مجموعة الدراسات الطبية الحديثة حول تناول الأسبرين مفاجئة للمتابعين في أوساط طب القلب. ورغم تصور البعض أنها أتت لتقول بالعموم إنه لا فائدة من تناول الأسبرين في الوقاية من أمراض شرايين القلب، فإنها في حقيقة الأمر أتت لتدعم الممارسة الطبية الإكلينيكية التي تضمنتها النصائح الطبية الخاصة بـ«الوقاية الأولية» (Primary Prevention) من الإصابة بأمراض القلب، والتي منها ما تم نشره ضمن عدد 15 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 في المجلة الأميركية لأطباء الأسرة (American Family Physician) بعنوان «الأسبرين للوقاية الأولية: توصيات فرقة العمل المعنية بالخدمات الوقائية بالولايات المتحدة» (Aspirin for Primary Prevention: 2016 USPSTF Recommendations).

- أحدث الدراسات
تعتبر هذه الدراسات الطبية الحديثة نموذجاً لأهمية القراءة المتأنية للنتائج التي توصل إليها الباحثون، وفهم ما اشتملت عليه، وما الدلالات التطبيقية لها في معالجة المرضى ووقاية الأصحاء.
وكان قد بدأ صدور هذه الدراسات الطبية حول الأسبرين ضمن الفعاليات العلمية لمؤتمر جمعية القلب الأوروبية (ESC) الذي عقد بمدينة ميونيخ في الفترة ما بين 25 إلى 29 أغسطس (آب) الماضي، وخلاله تم عرض كل من: دراسة «أرّايف» (ARRIVE Trial) للباحثين من بوسطن، والتي تم نشرها ضمن عدد 26 أغسطس من مجلة «لانست» الطبية، ودراسة «أسّنْد» (ASCEND Trial) للباحثين من بريطانيا، والتي تم نشرها ضمن عدد 26 أغسطس، من مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن» (New England Journal of Medicine). وبقيت أوساط طب القلب تترقب صدور مجموعة دراسات «أسبري» (ASPREE) الثلاث، حول الأمر نفسه، للباحثين من أستراليا، وهو ما تم بالفعل ضمن عدد 16 سبتمبر (أيلول) الحالي، من مجلة «نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسن».
وقدمت نتائج جميع هذه الدراسات الخمس مزيداً من الدعم لصواب التوجه الطبي التطبيقي لضبط «الوصف العشوائي» لتناول الأسبرين، كوسيلة لـ«الوقاية الأولية» من الإصابة بأمراض الشرايين. وأكدت على أن الممارسات الإكلينيكية حينما لا تكون مبنية على أسس علمية، ستتسبب في عدم الحصول على الفائدة المرجوة من تناول أقراص الأسبرين بشكل يومي لسنوات طويلة، مع تعريض الإنسان دونما داع طبي للآثار الجانبية السلبية المعروفة للأسبرين.

- تناول الأسبرين
تعيدنا نتائج جميع هذه الدراسات إلى ضرورة إجراء الطبيب تقييم مدى احتمالات ارتفاع خطورة الإصابة بأمراض الشرايين القلبية لدى الشخص السليم، قبل وصف الأسبرين له كي يتناوله بشكل يومي كوسيلة للوقاية الأولية من أمراض الشرايين تلك. وهذا النهج الطبي تم عرضه ضمن عدة مقالات واستشارات طبية خلال العقد الماضي، على صفحات ملحق صحتك بـ«الشرق الأوسط». وأحدها مقال قديم بعنوان «الأسبرين... التوازن بين الفوائد والمخاطر» ضمن عدد 30 مارس (آذار) 2008، من ملحق صحتك بـ«الشرق الأوسط».
ويجدر إدراك ثلاثة جوانب ذات أهمية في شأن تناول الأسبرين:
الأول، هو معنى «الوقاية الأولية». والثاني، هو آلية الجدوى المحتملة للأسبرين في تلك الوقاية الأولية، وآلية احتمالات تسببه في الضرر الصحي. والثالث، هو كيفية تقييم طبيب القلب مدى حاجة شخص ما إلى تناول الأسبرين، لتحقيق الاستفادة منه في الوقاية الأولية.
وبالنسبة للجانب الأول، تعني الوقاية بالعموم حماية المرء من الإصابة بمرض ما، وهناك «الوقاية الأولية» لحماية شخص سليم، خال من أمراض الشرايين القلبية، من الإصابة ابتداءً بها. وبالمقابل، هناك «الوقاية المتقدمة» (Secondary Prevention) لحماية الشخص المُصاب بأمراض الشرايين القلبية من عودة إصابته بأي من تداعياتها مرة أخرى.
وموضوع نقاش جميع هذه الدراسات الطبية الحديثة هو «تناول الأسبرين من قبل الأصحاء من الناس، الخالين من الإصابة بأمراض القلب، وليس مرضى القلب الذين تم تشخيص إصابتهم به». ولا أحد يُناقش اليوم حول مدى ضرورة تناول مرضى شرايين القلب للأسبرين كوسيلة للوقاية المتقدمة، بل النقاش هو «مَن مِن الناس الأصحاء يحتاج إلى تناول الأسبرين بشكل يومي كوسيلة للوقاية الأولية؟».
وبالنسبة للجانب الثاني حول آلية العمل، فإن الأسبرين لا يمنع تكوين التضيقات في الشرايين، ولا يقي من زيادة حجمها، بل يُحاول خفض مستوى نشاط عمليات الالتهابات في تلك التضيقات، ما يساعد في ثبات كتلتها، ويُقلل بالتالي من احتمالات تهتك سطحها. ويُعيق الأسبرين كذلك تراكم الصفائح الدموية على تلك التضيقات عند حصول التشققات والتهتكات فيها، لمنع تكوين جلطات الخثرة الدموية التي تتسبب بسد مجرى تلك الشرايين وحصول نوبة الجلطة القلبية (Myocardial Infarction) أو آلام الذبحة الصدرية غير المستقرّة (Unstable Angina).
ولأن الأسبرين يعيق تراكم الصفائح الدموية، فإن الجسم قد لا يتمكن بسهولة من وقف حصول أي نزيف في الجسم، وخاصة في الأوعية الدموية الدماغية وبطانة المعدة وأماكن حساسة أخرى بالجسم. ولأن الأسبرين له تأثيرات سلبية على قدرات الجسم لحماية أنسجة بطانة المعدة، فإن احتمالات حصول التهابات وقروح ونزيف في بطانة المعدة هي أمر ممكن، ما لم يتم تناول أحد أنواع الأدوية التي تُقلل من إنتاج المعدة للأحماض لحماية بطانتها.

- وصف الأسبرين
وبالنسبة للجانب الثالث، لا يصف أطباء القلب تناول الأسبرين بشكل تلقائي لجميع الناس بعد تجاوز سن الأربعين أو الخمسين، للوقاية الأولية من الإصابة بأمراض الشرايين القلبية؛ بل يُجرون تقييماً طبياً للشخص لمعرفة نسبة احتمالات خطورة إصابته بأمراض شرايين القلب، خلال العشر سنوات القادمة من عمره. وهذا التقييم يعتمد على عدد من العناصر، كمقدار العمر ومدى ارتفاع ضغط الدم ونسبة الكولسترول والتدخين وغيرها. وعندما تشير نتيجة التقييم إلى ارتفاع احتمالات إصابة شخص ما بأمراض الشرايين القلبية بنسبة تجاوز 15 في المائة، فإن فائدة تناول الأسبرين تفوق احتمالات تسببه بالضرر كالنزيف الدموي مثلاً، وحينها قد ينصح طبيب القلب بتناول الأسبرين من قبل الأصحاء الخالين من أمراض الشرايين القلبية، كوسيلة للوقاية الأولية. وتفصيل هذا تم عرضه في مقال ملحق صحتك بـ«الشرق الأوسط» المتقدم الذكر.
وعلى سبيل المثال، هدفت مجموعة دراسات «أسبري» الأسترالية الثلاث، تتبع مدى جدوى تناول كبار السن للأسبرين كوسيلة للوقاية الأولية، وشملت نحو 20 ألف شخص ممن أعمارهم فوق 75 سنة، وتمت متابعتهم لمدة تتجاوز خمس سنوات. ومن ضمن نتائجها، لاحظ الباحثون أن تناول الأسبرين من قبل «الأشخاص الأصحاء الكبار في السن»، والخالين من الإصابة بأمراض الشرايين القلبية، لم يكن مفيداً بدرجة مهمة في تقليل الإصابات بأمراض شرايين القلب. ولذا علّق الدكتور جون ج. ماكنيل، الباحث الرئيس في الدراسة وأستاذ علم الأوبئة والطب الوقائي بجامعة «موناش» في ملبورن بأستراليا، على نتائج هذه الدراسات بالقول: «نشعر بأن هذا يقدم دليلاً سليماً على أن تناول الأسبرين من قبل كبار السن الذين لا توجد لديهم دواع طبية لذلك، هو شيء لا يقدم لهم فائدة على الإطلاق، بل يرافق ذلك زيادة خطر النزيف والضرر الصحي». وهذا أمر منطقي ويدل على ضرورة إجراء تقييم للأصحاء، حتى لو كانوا كباراً في السن، قبل وصف الأسبرين لهم كوسيلة للوقاية الأولية.

- مرضى السكري وتناول الأسبرين وفق دراسة «أسّنْد»
قام الباحثون من جامعة «أكسفورد» البريطانية، بإجراء دراسة «أسّنْد»، وشملت الدراسة نحو 16 ألف شخص، ممنْ أعمارهم فوق أربعين سنة، وذلك بهدف تقييم جدوى تناول الأسبرين بشكل يومي من قبل مرضى السكري الذين ليست لديهم إصابة بأمراض القلب، في خفض إصابتهم بتداعيات أمراض الشرايين خلال سبع سنوات ونصف بالمتوسط.
وتبين للباحثين أن فائدة تناول الأسبرين من قبل أولئك المشمولين بالدراسة لا تفوق ضرر الإصابة بالنزيف الدموي. وعلّقت البروفسورة جاين أرميتاج، الباحثة المشاركة في إجراء الدراسة من الجامعة، والتي ألقتها في مؤتمر جمعية القلب الأوروبية، بالقول: «في دراستنا تمت العناية بشكل جيد بضبط نسبة سكر الدم وضبط ارتفاع ضغط الدم والكولسترول، ونسبة عالية من المشمولين في الدراسة كانوا غير مدخنين، وفي هذه الظروف أعتقد أن الأسبرين ليس ضرورياً». وذكرت أن الإرشادات الطبية الأوروبية الحالية تقترح أن تُبنى نصيحة تناول المرضى للأسبرين على إجراء التقييم الفردي للأشخاص، قبل اعتماد وصفه كوسيلة للوقاية الأولية من الإصابة بأمراض شرايين القلب.
وكانت احتمالات الخطورة القلبية الوعائية لدى غالبية المشمولين في الدراسة منخفضة بالأصل، وهو ما أكدته الدكتورة سيغرون هالفورسن، من جامعة «أوسلو» بالنرويج، خلال مداخلات النقاش الساخن عند عرض نتائج الدراسة في المؤتمر، بقولها إن نسبة المشمولين في الدراسة الذين لديهم خطورة عالية للإصابة بأمراض الشرايين (والذين لا تظهر لديهم أعراض الإصابة بها) كانوا 17 في المائة فقط من بينهم. ما يعني أن مرضى السكري الذين يتم العناية بهم بشكل جيد طبياً لضبط نسبة سكر الدم وضبط ارتفاع ضغط الدم وضبط اضطرابات الكولسترول، ويمتنعون عن التدخين، احتمالات نشوء أمراض الشرايين القلبية لديهم تنخفض، ما يُقلل من جدوى تناول الأسبرين كوسيلة للوقاية الأولية. أما مرضى السكري الذين لا يتم لديهم ضبط عوامل خطورة الإصابة بأمراض القلب، فإن هذا لم تشمله الدراسة الحديثة؛ بل شملته دراسات سابقة أكدت في نتائجها جدوى تناولهم للأسبرين.

- توضيحات لإشكالية نتائج دراسة «أرّايف» حول تناول الأسبرين
بخلاف الدراسات الطبية الأربع الحديثة حول تناول الأسبرين للوقاية الأولية، تمثل دراسة «أرّايف» إشكالية لدى البعض من ناحية نتائجها. واسم «أرّايف» اختصار لدراسة «الأسبرين لتقليل خطر الأحداث الوعائية الأولية». وقال الباحثون الأميركيون ما ملخصه أنهم تتبعوا بالمقارنة مدى جدوى تناول الأسبرين بشكل يومي من قبل الأصحاء الخالين من الإصابة بأمراض شرايين القلب ومرض السكري، والذين لديهم عدد من عوامل خطورة الإصابة بها، أي الذين احتمالات إصابتهم بتلك الأمراض متوسطة الشدة (Moderate CV Risk) وليست منخفضة.
وقامت الدراسة بمتابعة أكثر من 12 ألف شخص لمدة نحو خمسة أعوام بالمتوسط. ورغم أن الذين كانوا يتناولون الأسبرين كانوا أقل عُرضة للإصابة بتداعيات أمراض شرايين القلب، كنوبة الجلطة القلبية والوفاة بسبب مرض القلب وغيرهما، فإن مقدار ذلك الانخفاض في عُرضة الإصابة لم يكن كبيراً ومهماً مقارنة بالذين لم يتناولوا الأسبرين.
ولكن الباحثين أنفسهم اعترفوا بأن هدفهم في ضمّ مَنْ لديهم احتمالات متوسطة الشدة للإصابة بأمراض الشرايين القلبية، لم يتحقق، ما قد يفسر تدني وضوح الاستفادة من تناول الأسبرين. وللتوضيح، هدف الباحثون متابعة مَنْ خطورة إصابتهم بأمراض القلب خلال العشر سنوات القادمة من عمرهم تتجاوز 17 في المائة، ولكن تبين أن ذلك الأمر لدى المشمولين في الدراسة لم يتجاوز 9 في المائة. ما يعني أن هذه الفئة من الناس لا تنال فائدة عالية من تناول الأسبرين، وهو أمر غير مستغرب طبياً.
والأمر الآخر الذي ذكره الباحثون، هو أن معالجة عوامل خطورة الإصابة بأمراض شرايين القلب تحسنت بشكل كبير خلال العقود الماضية، وهو ما تلقاه المشمولون بالدراسة نتيجة لخضوعهم لمتابعة طبية جيدة، الأمر الذي قلل بالتالي من المساحة المتاحة للأسبرين في الوقاية من الإصابة بتداعيات تلك الأمراض. ولذا قال الباحثون ما ملخصه أن مع توفر طرق أفضل لمعالجة عوامل الخطورة تلك، فمن الضروري أن يتم ضبط وصف الأسبرين، وأن يكون مبنياً على مدى احتياج كل شخص على حدة وليس بالعموم، وأن تتم من أجل ذلك مناقشة الأمر مع طبيب القلب بعد إجراء تقييم دقيق لمدى الحاجة إلى تناول الأسبرين.


مقالات ذات صلة

تعرف على أفضل التمارين وأسوئها لصحة أمعائك

صحتك التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)

تعرف على أفضل التمارين وأسوئها لصحة أمعائك

أظهرت الدراسات أن التمارين الرياضية التي نمارسها لها تأثير كبير على ميكروبيوم الأمعاء، حسب صحيفة «التلغراف» البريطانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)

هل يفيد جوز الهند ومنتجاته مرضى السكري؟

يمكن إدراج جوز الهند الطازج ضمن النظام الغذائي لمرضى السكري بكميات معتدلة، نظراً لاحتوائه على الألياف والدهون التي قد تساعد في استقرار مستويات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك عندما يُذكر الكالسيوم يتبادر الحليب إلى الذهن فوراً (رويترز)

أطعمة تحتوي على كالسيوم أكثر من كوب الحليب

هناك عدد من الأطعمة التي تحتوي على كالسيوم أكثر من كوب من الحليب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك منتجات شركة «هيب» معروضة على أحد الرفوف في سوبر ماركت (رويترز)

النمسا: شركة «هيب» تسحب منتجاتها بعد العثور على سم فئران في عبوة طعام أطفال

أعلنت شرطة النمسا، السبت، العثور على سم فئران في عبوة من أغذية الأطفال تصنعها شركة «هيب»، وذلك بعد سحب المنتج من 1000 متجر من سلسلة «سبار».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
صحتك تناول أكثر من نصف ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب (بيكساباي)

فوائد تناول زيت الزيتون يومياً لمرضى القلب

يقلل تناول أكثر من نصف ملعقة طعام (حوالي 7 غرامات) من زيت الزيتون يومياً من خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 19 % تقريباً

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تعرف على أفضل التمارين وأسوئها لصحة أمعائك

التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)
التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)
TT

تعرف على أفضل التمارين وأسوئها لصحة أمعائك

التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)
التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء (رويترز)

عندما نفكر في تحسين صحة أمعائنا، نميل إلى التركيز على ما نأكله ونشربه، لكن الطعام والشراب ما هما سوى جزء من الصورة الكاملة.

فقد أظهرت الدراسات أن التمارين الرياضية التي نمارسها لها تأثير كبير على ميكروبيوم الأمعاء، حسب صحيفة «التلغراف» البريطانية.

فقد وجدت الدراسات أن الرياضيين يمتلكون كميات أكبر من بعض هذه البكتيريا المفيدة مقارنةً بالأشخاص الذين يتبعون نمط حياة خاملاً.

وتقول إيمي نيوتن، اختصاصية التغذية المتخصصة في متلازمة القولون العصبي وصحة الأمعاء: «التمارين الرياضية تُساعد بشكل أساسي على تقوية حاجز الأمعاء وتقليل نفاذيته. وفي الوقت نفسه، تُقلل من الالتهاب في أمعائنا؛ ما يُهيئ بيئة أفضل لنمو المزيد من البكتيريا».

وتشير الأبحاث إلى أن مادة «اللاكتات»، وهي ناتج ثانوي لتحلل الغلوكوز أثناء التمرين، تعدّ عاملاً حاسماً في العلاقة بين صحة الأمعاء والجهد البدني؛ إذ تستطيع بكتيريا الأمعاء استخدامها وقوداً وتحويله أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة مفيدة، مثل البيوتيرات، الذي يُعدّ وقوداً مهماً للخلايا المبطنة للأمعاء، ويؤثر على مستويات الالتهاب والخلايا المناعية.

لكن زيادة «اللاكتات» بشكل مفرط، على سبيل المثال، أثناء التمارين عالية الكثافة، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يمكن أن يتسبب في انخفاض درجة حموضة الأمعاء بشكل كبير.

ما أسوأ التمارين لصحة الأمعاء؟

التدريبات الشاقة غير المنتظمة أو المطولة (مثل الماراثون والترايثلون)

قد يتسبب التدريب على الماراثون أو والترايثلون (وهي منافسة رياضية تتكون من ثلاث مراحل: السباحة، ركوب الدراجات، والجري) في اضطرابات بالجهاز الهضمي واختلال في توازن البكتيريا.

وحسب الدراسات، فإن هذا النوع من التدريبات يقلل تدفق الدم إلى الأمعاء، حيث تحتاج إليه العضلات. وهذا يقلل من إمداد الأمعاء بالأكسجين؛ ما قد يسبب زيادة نفاذية الأمعاء، والمعروفة أيضاً باسم «متلازمة الأمعاء المتسربة». وتتضرر بطانة الأمعاء؛ ما يسمح لجزيئات الطعام غير المهضومة والسموم والبكتيريا بالتسرب إلى مجرى الدم.

وما أفضل التمارين؟

التمارين الهوائية متوسطة الشدة

تقول نيوتن: «تشير الأبحاث إلى أن التمارين الهوائية متوسطة الشدة هي الأفضل لصحة الأمعاء.

وتشمل هذه التمارين المشي السريع، وركوب الدراجات (ليس لمسافات طويلة أو الركض السريع)، والسباحة.

وتُظهر الدراسات أنها تزيد باستمرار من تنوع الميكروبات، والبكتيريا النافعة، والبكتيريا المنتجة للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة؛ ما يدعم صحة الأمعاء ويقلل الالتهاب.

تمارين القوة

تمارين المقاومة (باستخدام الأوزان أو الأربطة أو وزن الجسم) مفيدة لصحة الأمعاء، لكنها تعمل بطريقة مختلفة عن التمارين الهوائية.

وتقول نيوتن: «لا تُغير تمارين القوة بشكل ملحوظ تركيبة الميكروبيوم المعوي. فهي لا تزيد التنوع الميكروبي داخل الأمعاء بشكل ثابت، ولكن يبدو أنها تُحسّن وظيفة حاجز الأمعاء، ويمكن أن تزيد من إنتاج الميوسين، الذي يدعم بطانة الأمعاء، وبالتالي وظيفة المناعة».

بشكل عام، تشير الدراسات إلى أن هذا النوع من التمارين قد يُساعد الأمعاء على أن تصبح أكثر مرونة، مع تقليل الالتهاب، على الرغم من أن آلية ذلك لا تزال غير واضحة.

التدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT)

أظهرت الدراسات أن تحسين اللياقة القلبية التنفسية (قدرة الجسم على نقل الأكسجين إلى العضلات) يزيد من البكتيريا النافعة في ميكروبيوم الأمعاء.

يتفق معظم خبراء اللياقة البدنية على أن إحدى أكثر الطرق فاعلية لتحسين اللياقة القلبية التنفسية هي التدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT)، والذي يتضمن فترات قصيرة من النشاط البدني المكثف تليها فترات راحة قصيرة.

وتقول نيوتن: «أفهم هذا التمرين على أنه 30 ثانية من النشاط المكثف تليها 30 ثانية راحة، لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة».

لكنها أشارت إلى أنه، فيما يتعلق بصحة الأمعاء، فإن هذا النوع من التمارين هو «سلاح ذو حدين، فهو مفيد، ولكن فقط بالجرعة المناسبة. فبسببه قد تزيد نفاذية الأمعاء مؤقتاً، ولكن إذا مارسته لفترة قصيرة فقط، مع إتاحة وقت كافٍ للتعافي، فمن غير المرجح أن يسبب أي مشاكل طويلة الأمد».

وتضيف: «مرة أخرى، التعافي مهم للغاية. ليس من المنطقي ممارسة التدريب المتقطع عالي الكثافة لخمسة أيام متتالية. تكفي جلسة أو جلستان أسبوعياً».

اليوغا

هناك بعض الأدلة العلمية التي تشير إلى أن اليوغا تدعم صحة الأمعاء. ومع ذلك، كما توضح نيوتن، فإن هذا النوع من التمارين الخفيفة يفيد أمعاءنا بشكل غير مباشر، عبر الدماغ، وليس عن طريق تغيير بكتيريا الأمعاء بشكل مباشر، حيث تقلل اليوغا التوتر، الذي يُعدّ عاملاً رئيسياً في ظهور مشكلات الأمعاء، كما هو الحال لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة القولون العصبي.

وتقول نيوتن: «بعض وضعيات اليوغا تُساعد أيضاً في تخفيف الغازات عن طريق تحسين حركة الأمعاء. فعندما يتحرك الطعام بكفاءة أكبر عبر الجهاز الهضمي، يتم التخلص من الغازات المحتبسة نتيجة ركود الطعام».


الصيام المتقطع... السر في مرحلة ما بعد الأكل

تُظهر الأبحاث أن الصيام قد يدعم طول العمر من خلال تحفيز التحول الأيضي (بكسلز)
تُظهر الأبحاث أن الصيام قد يدعم طول العمر من خلال تحفيز التحول الأيضي (بكسلز)
TT

الصيام المتقطع... السر في مرحلة ما بعد الأكل

تُظهر الأبحاث أن الصيام قد يدعم طول العمر من خلال تحفيز التحول الأيضي (بكسلز)
تُظهر الأبحاث أن الصيام قد يدعم طول العمر من خلال تحفيز التحول الأيضي (بكسلز)

تواصل الأبحاث الكشف عن مزيد من التفاصيل حول كيفية مساهمة الصيام في إطالة العمر.

وأظهرت دراسة جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» أن الصيام المتقطع قد يعزِّز طول العمر لدى ديدان صغيرة تُستخدم عادة في أبحاث الشيخوخة.

وقارن باحثون من جامعة تكساس ساوثويسترن بين ديدان تمت تغذيتها بشكل طبيعي، وأخرى خضعت لصيام لمدة 24 ساعة في مرحلة مبكرة من حياتها ثم أُعيدت تغذيتها.

وقاس العلماء عدة عوامل، من بينها الدهون المخزَّنة ونشاط الجينات المرتبطة بتمثيل الدهون ومتوسط العمر.

وأظهرت النتائج أن الفائدة المرتبطة بإطالة العمر لم تعتمد على الصيام بحد ذاته، بل على استجابة الجسم بعد استئناف تناول الطعام.

وقال الباحث الرئيسي في الدراسة بيتر دوغلاس، إن هذه النتائج «تحوّل التركيز نحو جانب مهمل من المعادلة الأيضية، وهو مرحلة إعادة التغذية».

وأضاف: «تشير بياناتنا إلى أن الفوائد الصحية للصيام المتقطع لا تعود فقط إلى الصيام نفسه، بل تعتمد على كيفية إعادة ضبط النظام الأيضي عند الانتقال مجدداً إلى حالة التغذية».

وتابع: «تسدّ نتائجنا فجوة بين أبحاث استقلاب الدهون ودراسات الشيخوخة. ومن خلال استهداف الشيخوخة، باعتبارها أكبر عامل خطر للأمراض لدى البشر، ننتقل من معالجة الحالات بشكل منفصل إلى نموذج وقائي يعزز جودة الحياة للجميع».

من جانبها، وصفت لوري رايت، مديرة برامج التغذية في كلية الصحة العامة بجامعة جنوب فلوريدا، الدراسة بأنها «عالية الجودة» وتضيف «بُعداً مهماً» لفهم العلاقة بين الصيام وطول العمر.

وأشارت رايت، التي لم تشارك في الدراسة، إلى أن فوائد مرحلة إعادة التغذية بعد الصيام كانت «لافتة بشكل خاص».

وقالت: «أظهر الباحثون أن طول العمر يرتبط بقدرة الجسم على إيقاف تكسير الدهون بعد الصيام، مما يسمح للخلايا باستعادة توازن الطاقة».

وأضافت: «من الناحية العلمية، يُعد هذا تحولاً مهماً، إذ يشير إلى أن الصيام لا يقتصر على حرق الدهون، بل يتعلق أيضاً بمرونة الأيض».

وتُظهر الأبحاث أن الصيام قد يدعم طول العمر من خلال تحفيز التحوُّل الأيضي، وتعزيز إصلاح الخلايا، وزيادة مقاومة الإجهاد، وتحسين مؤشرات مثل حساسية الإنسولين.

قيود وتحذيرات

ورغم أن الدراسة تقدم «رؤى مهمة»، شدَّدت رايت على ضرورة التعامل مع النتائج بحذر، إذ أُجريت على ديدان، مما يعني أن تعميمها على البشر ليس مؤكداً.

وأضافت أن الدراسة تفسِّر آلية محتملة ضمن ظروف مخبرية محكمة، وليس بالضرورة في سياق السلوكيات الغذائية اليومية. كما أنها قصيرة المدى، ولا توضح تأثيراتها على المدى الطويل فيما يتعلق بطول العمر.

وحذَّرت رايت من أن الصيام «ليس حلاً سحرياً لإطالة العمر، وأن ما تأكله بشكل عام أهم من توقيت تناول الطعام».

وأضافت: «أنصح بالتركيز أولاً على جودة النظام الغذائي، بما يشمل تنوع الفواكه والخضراوات، والدهون الصحية، والأطعمة قليلة المعالجة».

وأوضحت أنه بالنسبة لمن يفكرون في الصيام، يُفضّل اتباع نهج معتدل، مثل صيام ليلي يتراوح بين 12 و14 ساعة، بدلاً من اللجوء إلى أساليب متطرفة، مع الحرص بعد الصيام على تناول وجبات متوازنة.

كما أشارت إلى أن بعض الفئات يجب أن تتجنب الصيام أو تتوخى الحذر، مثل مرضى السكري الذين يستخدمون الإنسولين أو أدوية خفض السكر، والحوامل أو المرضعات، ومن لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل، وكبار السن المعرضين لسوء التغذية.

وأكَّدت أن على أي شخص يفكر في اتباع الصيام المتقطع استشارة الطبيب قبل البدء.


هل يفيد جوز الهند ومنتجاته مرضى السكري؟

يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)
يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)
TT

هل يفيد جوز الهند ومنتجاته مرضى السكري؟

يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)
يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر (أرشيفية-رويترز)

قد يكون جوز الهند ضمن نظام غذائي متوازن لمرضى السكري عند تناوله باعتدال، إلا أن تأثيره يختلف باختلاف شكله الغذائي، سواء أكان جوز الهند الطازج، أم زيت جوز الهند، أم سكر جوز الهند.

يحتوي جوز الهند الطازج على نسبة معتدلة من الكربوهيدرات، إلى جانب الألياف والدهون، مما قد يسهم في إبطاء امتصاص السكر بالدم. وتبلغ كمية الكربوهيدرات في حصة تزن نحو 55 غراماً نحو 9 غرامات. كما يُقدّر مؤشره الجلايسيمي بنحو 42، وهو ضِمن الفئة المنخفضة (1–55)، ما يعني أن تأثيره على رفع سكر الدم يكون تدريجياً، مقارنة بالأطعمة ذات المؤشر المرتفع، وفق ما أفاد موقع «ويب طب».

أما زيت جوز الهند فهو يختلف تماماً من الناحية الغذائية، إذ يتكون، بشكل شبه كامل، من الدهون، ولا يحتوي على كربوهيدرات أو ألياف، وبالتالي لا يؤدي إلى ارتفاع مباشر في مستويات السكر بالدم. ويحتوي على دهون متوسطة السلسلة (MCTs)، وهي دهون قد تسهم في تعزيز الشعور بالشبع، ما قد يدعم التحكم بالشهية وإدارة الوزن.

في المقابل، يُعد سكر جوز الهند أحد أنواع السكريات، وعلى الرغم من أن مؤشره الجلايسيمي قد يكون أقل قليلاً من السكر الأبيض، لكنه لا يزال يرفع مستويات الجلوكوز في الدم، لذلك لا يُعد بديلاً آمناً لمرضى السكري، ويجب استهلاكه بحذر وضمن كميات محدودة.

يمكن إدراج جوز الهند الطازج ضمن النظام الغذائي لمرضى السكري بكميات معتدلة؛ نظراً لاحتوائه على الألياف والدهون التي قد تساعد في استقرار مستويات الطاقة. أما زيت جوز الهند فلا يؤثر مباشرة على سكر الدم، لكنه يتطلب الحذر بسبب محتواه العالي من الدهون المشبعة. في حين لا يُعد سكر جوز الهند بديلاً مناسباً للسكر التقليدي لمرضى السكري.

فوائد جوز الهند لمرضى السكري

دعم الشعور بالشبع: قد تساعد الدهون الموجودة بجوز الهند، خاصة في الزيت، على تقليل الشعور بالجوع، مما قد يكون مفيداً في التحكم بالوزن.

تأثير معتدل على سكر الدم (في حال تناول اللب): بفضل احتوائه على الألياف، قد يسهم جوز الهند الطازج في إبطاء امتصاص السكر.

خصائص مضادة للأكسدة: يحتوي جوز الهند، خاصة غير المكرَّر، على مركبات نباتية قد تسهم في تقليل الإجهاد التأكسدي.

ملاحظات مهمة

لا توجد أدلة علمية كافية تؤكد أن زيت جوز الهند يحسّن حساسية الإنسولين لدى البشر بشكل مباشر.

فجوز الهند لا يُعد مصدراً غنياً بالألياف القابلة للذوبان مثل الإينولين، كما يُشاع أحياناً.

يحتوي زيت جوز الهند على نسبة مرتفعة من الدهون المشبعة، والتي قد تؤدي إلى رفع مستويات الكوليسترول الضار (LDL)، رغم أنها قد ترفع أيضاً الكوليسترول الجيد (HDL).

محاذير الاستخدام

الإفراط في تناول زيت جوز الهند قد يزيد مخاطر أمراض القلب بسبب محتواه العالي من الدهون المشبعة.

سكر جوز الهند يجب التعامل معه كأي نوع من السكريات، وعدم عدِّه خياراً صحياً لمرضى السكري.

يجب الانتباه لاحتمال حدوث حساسية لدى بعض الأشخاص.

الإفراط في استهلاك منتجات جوز الهند عموماً قد يؤدي إلى زيادة السُّعرات الحرارية.