الصورة السلبية للعربي في الذهنية الثقافية الإيرانية

الشعوبيَّة القديمة شهدت ركوداً حتى انبعثت في العصر الحديث

أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
TT

الصورة السلبية للعربي في الذهنية الثقافية الإيرانية

أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية
أدرك النظام الإيراني بعد الثورة أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي ومن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية

صدر حديثاً عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانيَّة كتاب «الآخر العربي في الفكر الإيراني الحديث... دراسة في ضوء الاستشراق الإيرانيّ»، لأحد أهمّ خبراء الفكر السياسي الإيراني في العالم العربيّ، الدكتور محمد بن صقر السُّلمي، رئيس المعهد الدولي للدراسات الإيرانيَّة، وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة ليدن الهولندية العريقة في تخصص الدراسات الإيرانية.
اشتمل الكتاب على ثمانية فصول، تمحورت حول الآخر وبناء الهُوِيَّة، ومكوناتها وتكوينها، وتعقيدات الوعي بالذات الإيرانيَّة، ونشوء الآخر العربي، والسلسلة الزرادشتية في إيران وموقفها منه، وإضفاء الطابع المؤسَّساتي على مفهوم الآخر العربي، والحركات القوميَّة خلال حكم البهلويين، وموقف إيران بعد الثورة الخمينية من الآخر العربي.
وتكمن أهمِّيَّة هذا الكتاب في ندرة موضوعه؛ لأنّ الدراسات المتخصصة في بحث الصورة السلبية للعرب في الذهنية الثقافية تبدو غائبة، ولا سيما أن دراسة هذه الصورة تتخطى نطاق الأعمال الروائية لتطال الدراسات الأكاديمية والكتابات التاريخيَّة. كما أنّ هذا الكتاب استطاع لملمة شتات مصادر القوميَّة الإيرانيَّة في مرجع واحد، فركَّز على النزعة القوميَّة الإيرانيَّة في القرنين التاسع عشر والعشرين، التي تولى كِبَرها علمانيو إيران ومفكروها وأدباؤها الذين أرجعوا التخلُّفَ الإيراني إلى الإسلام والعرب أصحاب البلدان المتوحّشة كما سموهم، غير أنّ البيئة الإيرانيَّة عامّة لم تسمح بمسايرة ومجاراة أولئك المفكرين، لعوامل كثيرة، أهمُّها أنّ الحوزة والمؤسَّسة الدينية هي السُّلطة المهيمنة في إيران بعد توطيد ثنائية «الفقيه والسلطان» في عهد الصفويين، بالإضافة إلى أنّ خطاب الهُوِيَّة القوميَّة كان نخبويّاً في مفرداته وأدبياته، ولم يكُن له حواضن شعبية تجعله مقبولاً لدى العامّة، وهذا طرح يخالف ما ذهب إليه بعضُ الباحثين من أنّ الجماهير تلقَّفت الخطاب القومي العلمانيّ، ولكن هذا غير واردٍ منهجياً؛ لأنّ تأثير الأدب الفارسي الحديث في المجتمع الإيراني محدود جدّاً، ولم ينتشر إلا بين مجموعات صغيرة من الكُتَّاب والمفكرين، علاوة على ذلك أنّ الأمَّة الإيرانيَّة كانت متشظية إلى قوميات وإثنيات مختلفة تحكمها القبائلية ولم تكُن السُّلْطة السياسية مركزية بالصورة المعهودة في الدولة الحديثة، ففي نظام سياسي واجتماعي كهذا لا يُمكن للأدباء والمفكرين القوميين أن يؤثّروا في العامَّة.
ويُمكن قراءة محاور الكتاب من خلال العناصر التالية:
أولاً: بناء الهُوِيَّة الإيرانيَّة
ركَّز الباحث على مكوِّنات بناء الهُوِيَّة الإيرانيَّة التي يمكن رصدها في:
أ- المواطنة: وهي أداة يمكن بواسطتها تشكّل الهويات، وعناصرها: اللغة والتاريخ والثقافة، فعملية تكوين الهُوِيَّة تُحدّد العناصر التي ينبغي الإبقاء عليها، أو استبعادها؛ في سبيل أن نصبح ما قد نكون عليه بدلاً من أن نكون من نحن!
ب- الذاتيَّة: وهنا تبرز الذات نقيضاً للآخَر، من حيث الاختلافات اللغوية والعرقية ونحو ذلك.
ج- الثنائية: أي تقسيم العالم إلى خير وشرّ، أو أبيض وأسود، حتى يسهل حشد الناس تجاه القوميَّة المبتغاة.
ويُمكن تطبيقها على النموذج الإيراني - ما بعد الدولة الحديثة - والحكم من خلالها على مدى ترسيخ الهُوِيَّة الإيرانيَّة من عدمه، ومدى مطابقة الأدوات لهذه العناصر.
ثانياً: الصراع الإيراني - العربي
في نهاية القرن التاسع عشر حاول مفكِّرو الفرس، ممن يُتقِنون العربية ويُعادُونها في آن، ويتبنَّون الشعوبية، أن يستحدثوا هُويَّة فارسيَّة جديدة. واختِيرَ الآخر العربي تحديداً لإبراز ذاتية الحضارة الفارسيَّة، وترسيخ هُوّيتها.
ويطرح الباحثُ سؤالاً مُهِمّاً: لماذا اختِيرَ الآخر العربي عدوّاً للقوميَّة الإيرانيَّة ومُحفّزاً للانكفاء؟ أو لماذا تُحَدَّد بإزاء الآخر العربي؟ وهل لذلك علاقة بالحركة الشعوبيَّة القديمة في عهد الأمويين والعباسيين؟
والحقّ أنّ الشعوبيَّة القديمة شهدت ركوداً، حتى انبعثت في العصر الحديث على أيدي أدباء ومفكرين إيرانيين، مما يمكن تسميتها «الشعوبيَّة الجديدة»، واحتاج هذا الانبعاث إلى قاعدة جماهيريَّة تنطلق من خلالها، وتخلق عدوّاً لها وإن كان متوهَّماً؛ هو الآخر العربي ذلك أنّهم «دمَّروا الحضارة الفارسيَّة وقضوا على أحلام الإمبراطورية»، ومن ثمّ تُبرمج العقول الإيرانيّة على عودة ذلك الزمان.
فكيف التفت المفكرون والأدباء إلى النموذج القومي الإيراني بعيداً عن العروبة والإسلام مع خفوت هذا النموذج الشعوبي لقرون ممتدة؟ يُجيب الكتابُ على هذا الطرح بأنّ المجتمع الإيراني شهد ما يُسمِّيه محمد توكلي ترقي «أزمة هُوِيَّة»، وبعبارة أخرى: بعد اكتشاف الأوروبيين عائلة اللغات الهندو أوروبية وأوجه التشابه بين عدد من اللغات التي تشمل اللغة الفارسيَّة، إلى جانب ظهور النظريات العرقية خلال القرن التاسع عشر، بدأت عملية استكشاف ثقافة الفرس وتاريخهم في مرحلة ما قبل الإسلام مرة أخرى، واتخاذ العرب خصماً مناقضاً للذات الإيرانيَّة.
ويمكن القول إنه قبل الثورة الدستورية لم تكُن القوميَّة المبنية على أساس الدولة القُطريَّة معروفة تقريباً، في حين كانت المشاعر الوطنية نادرة الوجود باستثناء كونها شعوراً دينيّاً، بل إن مظاهرات أنصار الحركة الدستورية كانت موجَّهة ضدّ انتهاك الأجانب لبلاد الإسلام والمسلمين ليست لكونها بلاد فارس. ونشب صراع بين أنماط ثلاثة إبّان الثورة الدستورية: النموذج الإسلاميّ، والفارسيّ، والغربيّ. لكن القوميين الإيرانيين حاولوا إخفاء مواقفهم المناهضة للإسلام والعرب، ولا سيما في أولى سنوات الثورة الدستورية إذ انصبّ جهدهم على مناهضة النفوذ السياسي والاقتصادي الأجنبي، ثمّ انفضّ التحالف واشتدَّ العداء بين رجال الدين والعلمانيين، وبدأ يطفو على السطح أرق «العربوفوبيا».
ثالثاً: التطرف القومي
بدأ التطرف القومي ضدّ الآخر العربي على يد قِلَّة من الأدباء والمفكرين، وقد تَجَلَّت هذه النزعة عند فتح علي أخوند زاده، وآقا خان كرماني خاصّة، اللذين كانا من أوائل الكُتَّاب الراكبين موجة اتّهام العرب برجعيَّة إيران. وقد وصف كرماني العرب بأنّهم «لصوص وعراة، وآكلو الجرذان، وأكثر دونية حتى من الحيوانات»، كما يعزو فساد الأخلاق الإيرانيَّة وتَعفُّنها إلى الاختلاط الطويل بالعرب، وإلى السلطتين: الحكومة والدين، اللتين تحكَّمتا في طبيعة الناس وأنتجتا أخلاقهم وآدابهم.
وقد هاجمَ كرماني محمد باقر مجلسي، وغيره من رجال الدين ممن أفسدوا عقليّة الإيرانيين بالخرافات من أجل تطبيق أهداف الحركة الصفويّة. واتَهم الصفويين بأنّهم لم يكونوا قوميين تماماً، ذلك أنهم مذهبيّون، في حين أن كرماني المحسوب على العلمانية القوميَّة المتطرفة، يسعى للفارسيَّة القديمة البعيدة عن المذاهب والأديان! في حين أن علي شريعتي القريب مِن خطّ الدستورية «العلمانية المؤمنة» يعدّ الصفويين متطرّفين.
وهناك لمحتان مهمَّتان أبرزهما الكتاب: الأولى، وهي الصهر القومي. وقد نوّه الكتابُ بهذه الصبغة، مشيراً إلى أنّ الأفكار المتعلقة بإيران والهُوِيَّة الإيرانيَّة إبان حكم «الصفاريّة» قد اصطبغت بصبغة شيعية إسلامية ميزتها عن باقي العالم الإسلاميّ. فهذا الاصطباغ أو الانصهار بين الشيعية والقوميَّة خلال حكم «الصفويين» ومن بعدهم، لم يرقَ للمفكرين القوميين الإيرانيين من أمثال أخوند زاده، وكرماني، وذلك لسببين رئيسيين: أنهم عدّوه انصهاراً وظيفياً لشرعنة النِّظام، وزجّ المؤسَّسة الدينية في حياة الإيرانيين. إن نشأة المذهب الشيعي عربية، فأي مزج له في حياة الإيرانيين مرفوض؛ لأنّه كمونٌ عربي في الهُويَّة الإيرانيَّة.
لكن للنِّظام السياسي رؤية مختلفة، بعيدة عن الطوباويَّة الفارسيَّة، فتبنّي القوميَّة لن يوفر الغطاء الذي يوفره المزج بين الفارسي والشيعيّ؛ مِن ثَمّ، صار الفصل بين الإيرانيَّة والشيعية أمراً عسيراً، حسب فرنسوا تويال. وهذا لا ينفي أنّ السُّلْطة السياسية تؤمن بالتطرُّف القومي محاولة تطبيع الهُويَّة القوميَّة، باستحضار النموذج النازي، حين رفض الشاه محمد رضا بهلوي في أوائل الستينات الاحتفال بذكرى إنشاء الإمبراطورية الفارسيَّة على يد كورش الكبير؛ وبعد ذلك أحياها بشكلٍ سنوي، والهدف «حشد الأمَّة الإيرانيَّة وتوعيتها باسترداد هُويتها».
أما اللمحة الثانية فهي النموذج النازي، إذا كان رضا شاه يرى أن ألمانيا قوة بديلة عن بريطانيا العظمى والاتِّحاد السوفياتي، وقد نشطت ألمانيا في إيران لدرجة الترويج للآيديولوجيا النازية الآرية، وقد جمع التفوّق الآري بين القوميتين المتطرفتين؛ الألمانية النازية والإيرانيَّة، وغُيّرت اسم الدولة إلى إيران وِفْقاً لتوصيات الألمان للسفير الإيراني في برلين؛ بأن «إيران مهد العرق الآري».
رابعاً: ما بعد التأسيس
بعدما أحيا الأدباء والمفكرون الأوائل القوميَّة الفارسيَّة - التي اندثرت لقرون بعد ظهور الدولة الحديثة - بدأت الحركة القوميَّة تجد صداها عند البهلويين، فعندما تُوج رضا خان نفسه ليُصبح رضا شاه في عام 1925م، ألقى رئيس وزرائه محمد فروغي (1877 - 1942م) خطاباً مجّد فيه التاريخ الإيراني قبل ظهور الإسلام، مصرّحاً أنّ الأمة الإيرانيَّة اليوم استولى عليها شاه ينحدر من العرق الإيراني الخالص، ثمّ أخذت تعود ملامح إيران القديمة حتى في تسمية الكثير من الأماكن والمدن.
وعلى صعيد الأدب والفكر برز على السطح مجموعة من المفكرين والأدباء حملوا لواء التنظير الُهوياتي الفارسيّ، وكان من أبرزهم المؤرخ عبد الحسين زرين كوب (1923 - 1999م)، من أعماله: «الاحتلال العربي لإيران وآثاره»، و«قرنان من الصمت»، و«لا شرقي ولا غربي... بل إنساني».
وبحسب الباحث فإنّه يمكن بلورة أفكار زرين كوب من كتابه «قرنان من الصمت»، روَّج فيه أثر الإيرانيين على الخلافة الإسلامية بعد الفتوحات العربية. في المقابل يزعم أن العرب لا حضارة لهم، ولا يملكون شيئا من السُّلْطة أو التهذيب.
المآخذ التي رصدها الباحث، أنَّ المنهج الذي اعتمده زرين كوب برفضه روايات الطبري وابن الأثير انتقائي، واعتمد على ثناء الفرس أو الحطّ من شأن العرب في رواياته دون أي معايير علمية ومنهجية، إلا أن الكاتب عاد إلى التحليل الواقعي والمحايد للتاريخ بعد تراجع الموجة القومية فكتب كتاب «تاريخ إيران بعد الإسلام»، ثم «كارنامه إسلام».
- الهُوِيَّة الإيرانيَّة ما بعد الثورة
لم يكن النِّظام ما بعد ثورة 1979م معارضا لمفهوم القوميَّة بمعناها الواسع، فأحد أكبر منظّريها من تلامذة الخمينيّ، مرتضى مطهري، يرى أنّ القوميَّة مفيدة في بناء الاستقلاليَّة، لكنّه في الوقت نفسه اعترض على القوميَّة المطلقة التي تزدري الآخر ثقافياً وعرقياً.
يعدّ نظام ما بعد الثورة براغماتيّاً، ناصَب العرب والأقلِّيَّات العداء بواسطة الدستور وأظهر إعلاميّاً فلسفة التعايش، وعدم الجهر بإهانة مقدَّسات الآخرين، وهو مدركٌ أن شرعيّته تتأتى بالتمايز القومي والعرقي، فمن ثمَّ دمج بين الإيرانيَّة والشيعية، ولجأ إلى النزعة العنصرية بين الفينة والأخرى لاستنهاض الدعم الشعبي وتصدير المشكلات، والعزف على وتر القومية الاستعلائية في مقابل الآخر العربي.
يُعدّ الكتاب عمدة في بابِه، ومرجعاً لكلّ الباحثين الذين ينشدون دراسة القوميَّة الإيرانيَّة وتشظيَّاتها الطائفية والهُوياتية، وأبعادها السياسية والمذهبية والمجتمعية، وسائر مفرداتها وسرديَّاتها في بنية الدولة الإيرانيَّة، والمغزى الذي ينشده النِّظامُ من إثارتها، ووضع العرب موضع الآخر المناقض لها، بعيداً عن التمظهرات السياسية.


مقالات ذات صلة

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

كتب سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن...

د. رشيد العناني
كتب تي. إس. إليوت

دفاع عن العاطفة

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة».

د. ماهر شفيق فريد
كتب طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون مشهد من فيلم "متحف البراءة" المستوحى من رواية بالعنوان نفسه لأورهان باموق

«الدحو» فيلم إثارة على الشاشة؟

«الدحو»، هي الرواية الثانية للروائي السعودي عبد الله بن بخيت، الصادرة عن دار «جداول» للنشر والترجمة، 2012.

د. مبارك الخالدي

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية
TT

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

سيرة ترجمتي «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ إلى الإنجليزية

في سنة 1978 حين بدأت عملي في جامعة إكستر الكائنة بالمدينة التي تحمل اسمها في الجنوب الغربي من جزيرة بريطانيا وكنت ما زلت شاباً عشرينياً، استقر رأيي أن أعمل على رسالة دكتوراه في أدب نجيب محفوظ، وبعد مزيد من التفكير والتشاور استقر الرأي أن تتكون الرسالة من ترجمة لرواية لمحفوظ لم يسبق ترجمتها مع دراسة تحليلية شاملة، توقعها موقعها من أعمال محفوظ والفن الروائي عامةً. كنت قد قرأت كل روايات محفوظ حتى ذلك التاريخ، وترددت بعض الشيء في الاختيار حتى رسيت على رواية كانت حديثة النشر وقتها، وكنت معجباً بها أشد الإعجاب رغم أنه قلَّ بين القراء والنقاد من يحسبها بين روائع محفوظ. تلك هي رواية «حضرة المحترم»، المنشورة سنة 1975.

رسالة محفوظ إلى المترجم

ما لفتني في الرواية خاصةً كان توظيف محفوظ للغة فيها. فالرواية في ظاهرها ذات قصة بسيطة ومتكررة عن الطموح الوظيفي. لدينا موظف صغير السن متواضع التعليم يُعيّن في وظيفة متواضعة، كاتباً في الأرشيف القائم في الطابق تحت الأرضي في بناية شاهقة تؤوي إحدى الإدارات الحكومية. هذا الأرشيفي عادة ما يقضي حياته في تلك الوظيفة تحت الأرض لا يتبدل له حال حتى تؤويه الأرض في باطنها. ولكن ليس هكذا شخصية «عثمان بيومي»، الذي تدور حوله الرواية. فهو من اليوم الأول يتملكه طموح سام، شبه مستحيل: أن يعمل كي يصبح ذات يوم المدير العام لتلك الإدارة الكبرى ويحتل الغرفة السماوية الزرقاء أعلى المبنى التي رآها للحظات خاطفة حين استقبل المديرُ العام الموظفين الجدد من كل الفئات للترحيب بهم.

قصة الطموح أو التطلع الوظيفي شديدة الألفة هذه يصنع بها محفوظ الأعاجيب عن طريق اللغة والأخيلة التي يستخدمها لحكيها. يستخدم لغة صوفية تجاوزية متعالية متسامية تكاد لا تخلو منها صفحة من صفحات الرواية لكي يحكي لنا حكاية الطموح المستحيل للموظف الصغير عثمان بيومي. ومن هنا يخلق محفوظ مستويين للمعنى، مستوى ظاهرياً واقعياً كما وصفت، والآخر باطني رمزي يمثل سعي الإنسان للمطلق على نحو ما رأينا في عملين رمزيين سابقين للكاتب، هما القصة القصيرة «زعبلاوي» في مجموعة «دنيا الله» (1963) ورواية «الطريق» (1964). هكذا كان اختياري لهذه الرواية للترجمة والتحليل مستعيناً ببعض نظريات الدراسات اللغوية والأسلوبية.

كتبت لنجيب محفوظ رسالة في مارس (آذار) 1980 أخبره فيها بما أنا بصدده وأستأذنه في الترجمة وللتأكد من أنه لم يعطِ حق الترجمة لجهة أخرى (لم تكن الجامعة الأميركية في القاهرة قد توّلت مهمة الوكالة عن محفوظ في حقوق الترجمة العالمية بعد). كانت ترجمات محفوظ في الإنجليزية في ذلك الوقت لا تتجاوز 4 روايات هي «زقاق المدق» (1966)، «المرايا» (1977)، «ميرامار» (1978)، «الكرنك» (1979) (اليوم إنتاجه الروائي الهائل اكتمل جميعه في الإنجليزية). لم أكن التقيت محفوظ من قبل، ولا كان بيني وبينه أي اتصال. أرسلت الرسالة على عنوان صحيفة الأهرام غير عالم أي مصير ستلقى. وإذا بالردّ يأتيني برجوع البريد، مكتوباً بخط اليد ومؤرخاً في 10 أبريل (نيسان) 1980، حاملاً الموافقة على الترجمة، وفيه يقول: «سرني اختيارك لـ(حضرة المحترم) موضوعاً لدراستك، وهي آخر رواية كتبتها قبل حرب أكتوبر (تشرين الأول) ولو أن نشرها جاء متأخراً كالعادة، وكتبتها وأنا في خضم تأمل للإنسان كإنسان، بخيره وشره، وورعه وطموحه، وانغرازه في الوحل وتطلعه للسماء، فكان عثمان بيومي ثمرة ذلك كله، وإن توهم كثيرون أني أكتب سيرة موظف».

في تلك الأثناء، كنت تواصلت مع «دار هينمان» Heinemann التي كانت تصدر سلسلة تسمى «كتاب أفريقيون» نُشرت فيها روايتان لمحفوظ وقتها هما «زقاق المدق» و«ميرامار» وكانوا على وشك إصدار الترجمة الأولى لـ«أولاد حارتنا» في 1981، فأبدوا اهتماماً وطلبوا مني أن أتحقق أن محفوظ لم يمنح حقوق ترجمة تلك الرواية للجامعة الأميركية مثل غيرها، فكتبت إليه مرة أخرى في أكتوبر 1980، ومرة أخرى جاءني الردّ بغير تسويف، مؤكداً أن الحقوق ما زالت بيده.

في صيف 1984، كنت قد أنجزت الترجمة والدراسة ونلت درجة الدكتوراه، التي قمت بها، بينما أعمل وقتاً كاملاً بتدريس اللغة العربية وآدابها في قسم الدراسات العربية والإسلامية حديث النشأة وقتها في جامعة «إكستر». أرسلت مخطوطة الترجمة إلى دار هينمان، وكتبت لمحفوظ أخبره بالتطورات، فجاءتني منه تهنئة بالدكتوراه في 11 أكتوبر 1984، يقول: «ولعلي أهنئك قريباً بالموافقة على نشر ترجمة (حضرة المحترم)».

بقيت الترجمة لدى «دار هينمان» 9 أشهر دون أن أتلقى منهم رداً، ولما بدأت ألاحقهم جاءت الاعتذارات والتأسفات، فقد كانت الدار تمر بأزمة وتحركات موظفين... إلخ، ما نتج عنه إهمال الردّ، وأخطروني بقرارهم عدم النشر. كتبت لمحفوظ أعلمه بما صار وجاءني الردّ بتاريخ 24-3-1985 يقول: «أسفت غاية الأسف لما فعله الروتين الإنجليزي بك وبي».

بعد أن خذلتني «دار هينمان» (وكانوا قصار النظر فقد كان محفوظ على مسافة 3 سنوات لا غير من جائزة نوبل)، عرضت الترجمة على دار أميركية تُسمّى «Three Continents Press» أو «مطبعة القارات الثلاث»، التي كانت داراً صغيرة متخصصة في نشر ترجمات من الآداب غير الغربية (العالم الثالث) قليلة الانتشار، وتقتصر على النشر في أميركا وكندا. رحبوا بالنشر وسارعوا بإرسال عقد إلى محفوظ الذي سارع بالتوقيع والتعاقد وكتب لي في 11-9-1985 قائلاً: «تهنئة صادقة لكلينا، وشكراً مرة أخرى على ما بذلت من جهد صادق في الترجمة. ولقد وصلني خطاب دار النشر والعقد وأمضيته حتى يتم الاتفاق معك دون تأخير...». وكنت سألته عن الحقوق والعوائد التي تأتيه من ناشري ترجماته حتى أتحقق من أن الناشر الحالي قد قدم عرضاً لائقاً، فأعطاني بعض المعلومات، وختم قائلاً: «والحق أني أوافق دون مناقشة لأني لم آخذ الترجمة مأخذ الجدّ أبداً».

أما أنا فكنت آخذ الترجمة مأخذ الجد، فهي أول كتاب يُنشر باسمي وهي فوق هذا وذاك ترجمة لنجيب محفوظ، وكنت أريد الأفضل لكلينا. كنت في نفس الوقت الذي فاتحت الناشر الأميركي قد فاتحت أيضاً داراً بريطانية تُدعى «كوارتيت» Quartet Books ولم يلبث أن جاءني منهم عرض أفضل، يتمثل في مقدم يبلغ 750 جنيهاً إسترلينياً مناصفة بين المؤلف والمترجم، وعائدٍ يبلغ 10 في المائة من سعر الغلاف سنوياً، مقاسمةً أيضاً. أما الناشر الأميركي فكان عرضه لا يتجاوز 500 دولار مناصفة كمقدَّم. هذا إلى جانب أنهم ناشرون أكاديميون يوزعون على نطاق ضيق، أما «كوارتيت» فناشرون عامّون للرواية، وكان لهم اسم جيد في بريطانيا وقتها، وكنت أنا راغباً أن يخرج محفوظ عن نطاق النشر الأكاديمي الضيق المحصور في مجال المهتمين بالعالم العربي والعالم الثالث إلى نطاق قراء الرواية عموماً. بخلاف محفوظ لم أكن وقّعت العقد الذي جاءني من الناشر الأميركي وتريثت حتى جاءني العرض الأفضل من «كوارتيت». حينها عاودت الكتابة إلى محفوظ بتاريخ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، موضحاً مزايا العقد الثاني وقلت له إن توقيعه على العقد الأميركي لا يلزمه بشيء لأنه مرتبط بتوقيعي أنا أيضاً، الذي لم يحدث. ومن ناحية أخرى أرسلت له «كوارتيت» العقد الجديد.

في خلال 5 أيام بتاريخ 16 نوفمبر جاءني ردّ محفوظ كاشفاً عن الإنسان الملتزم فيه، كما هو معروف عنه. أقرَّ بمزايا العقد الجديد، ولكنه كان قد وقَّع على العقد السابق: «ولا أقبل التحلل منه من ناحيتي (...) فأرجو أن تبلغ الناشر الأميركي بعدم موافقتك وبإلغاء العقد السابق معي وإبلاغي بذلك. وعند ذلك سأوقع على العقد الجديد بكل سرور». وهو بالضبط ما حدث.

صدرت الترجمة مع مقدمة منّي عن دار «كوارتيت» في خريف 1986، وتمكنتُ من الحصول على نسختين منها قبل سفري إلى القاهرة لبضعة أيام في زيارة سريعة. اتصلت بمحفوظ الذي دعاني للقائه (مع المخرج السينمائي توفيق صالح) في جلسة ضيقة في كازينو كليوباترا في الزمالك. فرح مثل طفل بالترجمة، وحين قدّمت له النسختين قال لي بامتنان: «كفاية واحدة»، لكني قلت له إن من حقه 6 نسخ، وإن الباقي سيرسله له الناشر بريدياً.

في السنة التالية 1987، صدرت طبعة جديدة للترجمة عن الجامعة الأميركية في القاهرة. ولم يلبث محفوظ أن فاز بجائزة نوبل في العام التالي 1988، وفي خلال أسابيع باعت «كوارتيت» حقوق «حضرة المحترم» أو «Respected Sir» كما ترجمتُ العنوان إلى «دار دَبِلداي» (Doubleday) الأميركية الكبرى التي أعادت نشر الترجمة في 1990. أذكر أني فيما عدا المُقدَّم المذكور أعلاه من «كوارتيت» مناصفة مع محفوظ لم أتلقَّ عائداً مالياً في السنتين التاليتين لأن نسبة العشرة في المائة من المبيعات (5 في المائة لكل طرف) تُخصم من المقدم، ولا تبدأ تتلقى شيئاً حتى سداد المقدم. لكن طفرة المبيعات بعد فوز محفوظ بنوبل أنتجت شيكاً على ما أذكر في 1990 مقدارُه 3 آلاف جنيه إسترليني، كانت هي آخر ما اغتنمت مالياً من شراكتي النبيلة مع نجيب محفوظ (بل هي أكبر مبلغ حصلت عليه من أي من كتبي في الإنجليزية أو العربية)، أما غنائمي المعنوية والروحية من تلك الشراكة فأظنني سأبقى أحصِّل عوائدها بنسبة 100 في المئة حتى آخر يوم في حياتي.


دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت
TT

دفاع عن العاطفة

تي. إس. إليوت
تي. إس. إليوت

كيف نترجم إلى اللغة العربية كلمة «Sentimentality» الإنجليزية (ومقابلها فى الفرنسية Sentimentalite)؟ لقد قدمت لها عدة ترجمات أختار منها «العاطفية المفرطة». وفي قاموس «الكامل الكبير: فرنسي - عربي» للدكتور يوسف محمد رضا نقرأ هذا التعريف: «نزعة أدبية قوامها أن القيمة الجمالية للأثر الأدبي تقوم على قدرة ذلك الأثر لدى القراء أو النظارة، حالة من يبالغ في التعبير عن عاطفة أو يتكلف هذا التعبير. ويترتب على ذلك في الأدب سوء استغلال عواطف القراء».

هذه العاطفية المفرطة موضوع كتاب عنوانه «ناعم: تاريخ وجيز للعاطفية المفرطة» (Soft: A Breif History of Sentimentality) صدر عن دار نشر «بلومزبرى كونتنام» في 2025 من تأليف فرديناند ماونت (Ferdinand Mount)، وهو رئيس تحرير سابق لملحق «التايمز الأدبي» في لندن.

يقول المؤلف إن الناس قد عبروا في مختلف الأزمنة عن أفراحهم وأتراحهم بطرق غريبة شائقة. وقد علقت المجتمعات أهمية متغيرة على التعاطف مع الآخرين ووضع الذات في مكانهم. واقترنت الأحداث السياسية الكبرى - مثل الثورة الفرنسية في 1789 وحركة الحقوق المدنية في عصرنا - بثورات اجتماعية بعيدة المدى.

تشارلز ديكنز

على أن المشاعر القوية ظلت طيلة تاريخها الطويل تتعرض للهجوم من عدة جهات. وصفت بأنها مخنثة أو متهافتة أو شعبوية. ودعا نقاد كبار في القرن الماضي - مثل إرفنج بابت الأميركي، وت. س. إليوت الأنجلو - أميركي، وت. إ. هيوم الإنجليزي - إلى الموضوعية وكبح المشاعر وهاجموا الرومانسية وأنكروا أن يكون الشعر تعبيراً عن الشخصية أو فيضاناً تلقائياً لانفعالات قوية. لكن ذلك لم يقض على سلطان العاطفة على النفوس، اليوم كما في الماضي.

وكتاب فرديناند ماونت دفاع عن العاطفية إزاء من يرون أنها تزييف للواقع الخارجي والوعي الداخلي على السواء، ومن يقولون إن السنتمنتالي شخص ديدنه الإنكار، فهو ينكر الواقع الماثل أمامه ويحاول أن يهرب منه برسم صورة زائفة له.

ويرد ماونت على ذلك بقوله إن الحملة على العاطفية تتجاهل حقيقة نفسية مؤداها أن الناس عموماً لا يكونون عاطفيين في كل لحظة من حيواتهم وإنما هم يراوحون - حسب الموقف - بين نداء القلب وأحكام العقل. وقد يكون الشخص الواحد عاطفياً متحمساً في صدد فريق كرة القدم الذي يشجعه ولكنه بارد المشاعر إزاء حزب العمال مثلاً.

إن الأعمال الفنية العاطفية - سواء كانت كتباً أو برامج تلفزيونية أو مسرحيات - تمنح الضحايا صوتاً يعبرون به عن معاناتهم ويخاطبون الرأي العام، وما إسرافها في العاطفية إلا خطوة ضرورية لإيقاظ الضمائر من غفوتها.

ولا ينكر ماونت أن كثيراً من المسرحيات أو المسلسلات التلفزيونية التى تصور، مثلاً، العثور على ابنة مفقودة بعد غياب طويل عاطفية رخيصة ترمي إلى استدرار دموع المشاهد. ولكن هذا لا يجب أن يجعلنا نعادي كل مظاهر التعبير عن العاطفة، ولا يجب أن نستسلم لإغراء اعتبار أنفسنا فوق مشاعر الآخرين نحكم عليها من عل وكأننا نعلو على المستوى البشري.

وفي رصدنا لتاريخ التعبير العاطفي نلتقي عدداً من علامات الطريق: الحب الرفيع (أو حب البلاط) كما تغنى به شعراء التروبادور البروفنساليون في القرن الثاني عشر، وقصة غرام تريستان وأيزولده (اتخذ منها الموسيقار الألماني فاغنر موضوعاً لأوبراه في 1865)، وقصة غرام ترويلوس وكريسيدا في قصيدة قصصية طويلة لأبي الشعر الإنجليزي تشوسر، وقصيدة «قصة الوردة» في نحو 22 ألف بيت للشاعرين الفرنسيين جيوم دي لوريس وجان دي مين، ورواية سرفنتس «دون كيشوت» التي تصور حب فارس صريع الأوهام لفتاة تدعي دوروثيا لا تكاد تشعر بوجوده.

وعلى ظهر القارة الأوروبية ازدهرت الرواية العاطفية، كما في «أحزان الشاب فرتر» لغوته، و«جولي» لجان جاك روسو. وظهر من الفلاسفة من عالجوا العواطف، واتخذوا منها مواقف إيجابية أو سلبية. ومن هؤلاء الفلاسفة توماس هوبز وديفيد هيوم وآدم سميث.

وأهم روائي إنجليزي أثارت معالجته للعواطف الخلاف ما بين مادح وقادح هو بلا شك تشارلز ديكنز، وذلك في روايتيه «محل العاديات القديمة» (1841) و«دمبي وولده» (1847 - 1848). في هذه الرواية الأخيرة يسعى ديكنز إلى إثارة عطفنا على بطله دمبي وهو صبي رقيق النفس، ضعيف البنية، يمرض ويموت.

وفي «محل العاديات القديمة» نلتقي بفتاة تدعى نللي الصغيرة تعيش مع جدها صاحب المحل وترعاه. ويعاني الاثنان مشاق كبيرة ويواجهان الشر المتمثل في قزم شرير يدعى «كويلب». وتسلم نللي الأنفاس في مشهد مؤثر، ثم يلحق بها جدها.

كان من الواضح أن ديكنز يريد أن يستثير شفقة القارئ على بطلته الصغيرة، وأن يدفع بالدموع إلى عيني من يتابع معاناتها. ولكن إسرافه في العاطفة كاد يحدث أثراً عكسياً حتى إن أوسكار وايلد قال: «لا بد أن يكون للمرء قلب من حجر إذا أمكنه أن يقرأ موت نللي الصغيرة دون أن يضحك».

ولكن أقاصيص وايلد ذاته - مثل «الأمير السعيد» و«العملاق الأناني» - كانت تفيض عاطفة حتى إن أبناء وايلد يروون أن أباهم كانت تدمع عيناه وهو يقرأ لهم بصوت عال هذه الأقصوصة الأخيرة.

ويختم ماونت كتابه بقوله إننا إذ نرتد بأبصارنا إلى كاتدرائيات القرن الثالث عشر ومستشفياته، والاتجاهات المتحررة والمتعاطفة مع معاناة الإنسان في الثلث الأخير من القرن العشرين، ننتهي إلى نتيجة مؤداها أن العاطفة المفرطة ليست مجرد مهماز حافز على الفعل، وإنما هي جزء لا غنى عنه من وجود الإنسان وجهازه النفسي والعقلي. إن المجتمع الذي يعجز عن استشعار العاطفة لا بد أن ينكمش ويتضاءل ويفتقر. إننا بحاجة إلى ما دعته ليدي مكبث - في مسرحية شكسبير- «لبان الرحمة الإنسانية»، وإن كانت هي ذاتها قد تنكرت لهذه الرحمة، وقمعت نوازع الحنان والأمومة في صدرها.


طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً
TT

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

طلال معلّا يستعيد لؤي كيالي روائياً

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن رواية «ذاكرة النار... أطياف لؤي كيالي» للكاتب والفنان السوريّ طلال معلّا، في عمل روائي يستلهم سيرة أحد أبرز روّاد الفن التشكيليّ السوريّ والعربيّ، ويعيد بناء عالمه الإنسانيّ والفنيّ عبر مقاربة سردية تنفتح على الذاكرة والتأمّل والأسئلة الوجودية.

تتخذ الرواية من الساعات الأخيرة في حياة الفنان لؤي كيالي نقطة انطلاق لسرد يتنقل بين محطات متعددة من حياته، مستحضراً طفولته في حلب، وتجربته الدراسية في روما، وعلاقته بالفن والمدينة والإنسان، وصولاً إلى أزماته النفسية والفكرية التي رافقت مسيرته الإبداعية. ومن خلال هذا البناء، تتحول الذاكرة إلى فضاء رحب تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة والأصوات، ضمن نسيج روائي تتداخل فيه الوقائع مع الرؤى والتداعيات الداخلية.

تأتي أهمية هذا العمل من اقترابه من شخصية فنية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ التشكيل السوري والعربي. فما زالت أعمال لؤي كيالي تحظى بحضور واسع في الدراسات الفنية والمعارض والكتابات النقدية، لما انطوت عليه من حساسية إنسانية عالية وقدرة على التقاط وجوه المهمشين والبسطاء وتحويلها إلى جزء من الذاكرة البصرية العربية.

ولا تنشغل الرواية بإعادة سرد الوقائع المعروفة في حياة كيالي بقدر اهتمامها باستكشاف العالم الداخلي للفنان، والتكلفة الإنسانية التي ترافق الإبداع حين يصبح وسيلة لرؤية ما يغفل عنه الآخرون. ومن هذا المنظور، تقترب الرواية من الأسئلة التي شغلت تجربة كيالي كلها: الفن، والعزلة، والهشاشة الإنسانية، والبحث الدائم عن المعنى في عالم مثقل بالتحولات والخيبات.

ويستفيد معلّا من خبرته الطويلة في الحقل التشكيلي ليمنح النص بعداً بصرياً واضحاً، حيث تتشكل المشاهد الروائية عبر الضوء والظلّ واللون، وتتجاور المدن والوجوه والذكريات كما لو أنها عناصر في لوحة واسعة تستعيد ملامح مرحلة مهمة من تاريخ الثقافة السورية. كما تحضر شخصيات فنية وثقافية ارتبطت بتجربة كيالي، وفي مقدمتها الفنان فاتح المدرس، ضمن حوارات ومواقف تضيء جوانب من التحولات الفكرية والجمالية التي شهدتها الحركة التشكيلية السورية في القرن العشرين.

وتكشف الرواية عن اهتمام خاص بالعلاقة بين الفنان ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وبالأثر الذي تتركه الأحكام النقدية والتوقعات العامة على المبدع. لذلك تتجاوز شخصية لؤي كيالي حدود السيرة الفردية لتتحول إلى نافذة للتأمل في مصير الفنان العربي، وفي التوتر المستمر بين الصدق الفني ومتطلبات الواقع، وبين الحساسية الإبداعية والقدرة على الاحتمال.

وعلى الرغم من استناد الرواية إلى شخصية واقعية معروفة، فإنها تتحرك ضمن فضاء تخييلي يمنح الكاتب حرية إعادة تشكيل الأحداث والحوارات والذكريات وفق رؤية أدبية خاصة، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى إعادة تخيل حياة لؤي كيالي من منظور روائي معاصر، يزاوج بين المعرفة الفنية والاشتغال السردي.

تضع «ذاكرة النار» تجربة لؤي كيالي أمام جيل جديد من القرّاء، وتعيد فتح النقاش حول واحد من أكثر الفنانين السوريين تأثيراً وإثارة للأسئلة، في رواية تمنح الفن موقعاً مركزياً في مساءلة الإنسان ومصيره وعلاقته بالعالم.

وفي جانب آخر، تستعيد الرواية جانباً من الذاكرة الثقافية السورية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، عبر إشاراتها إلى المدن والأمكنة والمؤسسات والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد الفني آنذاك. وبذلك يتجاوز العمل حدود السيرة الفردية ليقترب من سيرة جيل كامل عاش تحولات كبرى انعكست على الثقافة والفن والحياة العامة.

جاءت الرواية في 186 صفحة من القطع الوسط، ولوحة الغلاف للفنان الراحل لؤي كيالي.