«الاحتياطي» الفيدرالي «مذهول» من إعادة الشركات شراء أسهمها

ظاهرة سيصل حجمها إلى تريليون دولار هذه السنة... وتخوف من «أعراض تيسلا»

التعديلات الضريبية الأميركية أسفرت عن إعادة كثير من الشركات رؤوس أموال لإعادة شراء أسهمها بدلاً من زيادة الاستثمارات (رويترز)
التعديلات الضريبية الأميركية أسفرت عن إعادة كثير من الشركات رؤوس أموال لإعادة شراء أسهمها بدلاً من زيادة الاستثمارات (رويترز)
TT

«الاحتياطي» الفيدرالي «مذهول» من إعادة الشركات شراء أسهمها

التعديلات الضريبية الأميركية أسفرت عن إعادة كثير من الشركات رؤوس أموال لإعادة شراء أسهمها بدلاً من زيادة الاستثمارات (رويترز)
التعديلات الضريبية الأميركية أسفرت عن إعادة كثير من الشركات رؤوس أموال لإعادة شراء أسهمها بدلاً من زيادة الاستثمارات (رويترز)

سجل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ارتفاعاً كبيراً في تدفق الأموال إلى سوق إعادة شراء الأسهم هذه السنة، لا سيما من أموال لشركات أميركية كانت مودعة في الخارج وعادت في الأشهر القليلة الماضية، بعدما أقر التعديل الضريبي الذي يمنحها حوافز للعودة، كما أراد الرئيس دونالد ترمب.
وورد في دراسة أعدها اقتصاديون عاملون في «الاحتياطي الفيدرالي» كلمة «هائلة» لوصف حجم تلك الأموال العائدة التي وجدت طريقها إلى «وول ستريت»، ما فسره متابعون بأنه عبارة عن استهجان، لأن التعديل الذي سمح بتخفيضات ضريبية تمنح لأموال الشركات الأميركية المودعة أو موظفة خارج الولايات المتحدة، كان هدفه الأساسي جذب تلك الرساميل لاستثمارها في قطاعات اقتصادية تخلق فرص عمل للأميركيين بالدرجة الأولى، وليس إعادة شراء الشركات لأسهمها.
وكانت وكالة «ستاندرد آند بورز» أعلنت في نهاية يوليو (تموز) الماضي، أن مبالغ شراء الأسهم قدرت بنحو 754 مليار دولار، بينما يتوقع بنك «غولدمان ساكس» وصول الإجمالي إلى نحو تريليون دولار (ألف مليار) مع نهاية السنة.
وأكد مصدر في شركة لإدارة الأصول أنه ومنذ سنوات طويلة تتراكم أموال الشركات الأميركية خارج البلاد بسبب ارتفاع معدل الضريبة، وما إن أقر التعديل الأخير حتى انهمرت الأموال في طريق عودتها، وبلغ حجم تلك العودة 300 مليار دولار في 3 أشهر، أي ما يعادل ثلث الإجمالي «الهارب» خارج أميركا، وفقاً لدراسة «الاحتياطي الفيدرالي».
وتجري الدراسة مقارنة لتؤكد أن «الراجع» من الأموال في 3 أشهر من هذه السنة يساوي 6 أضعاف متوسط المبالغ الراجعة إلى البلاد في السنوات السبع الماضية.
وتضيف الدراسة أن «الكم النقدي العائد بحجم كبير سيكون له تأثير على المدى المتوسط في آليات التمويل والقرارات الاستثمارية، والنتائج الأولى لذلك التدفق ظهرت في أسواق الأسهم حيث حصل شراء (هائل) من هذه الأصول المالية، ولم تظهر أدلة كافية على اتجاه كبير نحو الاستثمار في الأصول الأخرى».
أما الأسهم التي كانت أكثر جذباً لتلك الأموال، فالبارز منها 15 سهماً حصلت على نصيب الأسد، وبحدود 80 في المائة من الأموال العائدة. إذ ارتفع متوسط الشراء في تلك الأسهم من 23 مليار دولار في الربع الرابع من عام 2017، إلى 55 ملياراً في الربع الأول من عام 2018 الحالي، وفقاً لدراسة «الاحتياطي الفيدرالي».
في المقابل، لم يجد الدارسون نمواً مماثلاً في استثمارات توسعات تلك الشركات التي فضلت شراء أسهمها في الفصلين المذكورين، أي الربع الرابع 2017 والربع الأول 2018، لكن ذلك لا يدفع إلى استنتاج نهائي بعد بانتظار نهاية العام الحالي، لأن عودة الأموال لم تنتهِ بعد وتحصل بالتدريج.
وأوضح مصدر عامل في إدارة الأصول أن الاستثمارات التي طمح إليها الرئيس ترمب ستجد نفسها في مناخ جديد عليها، آخذاً في الحسبان مناخاً مشوباً بحمائية شديدة ونذر حرب تجارية لا سيما مع الصين... «وهذا يدعو إلى الحذر».
إلى ذلك يضاف أن الاستثمارات لم تنقص في الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، إذ هي واكبت مرحلة التعافي من تداعيات الأزمة المالية، وارتفعت هوامش الأرباح إلى مستويات «جيدة جداً»، كما تؤكد دراسات الأرباح المقارنة، وارتفعت الإنتاجية في الربع الثاني من العام الحالي إلى أعلى مستوياتها في السنوات الثلاث الماضية.
يذكر أن نتائج دراسة «الاحتياطي الفيدرالي» ستكون عاملاً إضافياً مساعداً في كيفية إدارة سياسته النقدية، في الوقت الذي يتوقع فيه 99 في المائة من المستثمرين رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) الحالي. كما ستلقي نتائج الدراسة الضوء على الآثار المتوقعة من التعديل الضريبي الذي أراده الرئيس ترمب. فذلك التعديل لم يترك أثراً بعد في إنفاق الأفراد والأسر لجهة زيادته، ولم ترتفع الرواتب كما كان متوقعاً، وهذا بدوره «لا يبرر زيادة أسعار الفائدة» عند الراغبين في كبح توجهات «الاحتياطي الفيدرالي» نحو التشدد.
على صعيد متصل، توقف مديرو أصول أمام ظاهرة شراء الشركات أسهمها، وقال مدير تداول في «وول ستريت»: «تاريخياً، كانت الشركات الأميركية تفضل شراء الأسهم على توزيع الأرباح لأسباب ضريبية. وها هي تواصل ذلك الآن لأسباب أخرى أبرزها أن إعادة الشراء ترفع أسعار الأصول المالية، وبالتالي يزيد ثراء حاملي الأسهم كما ثراء مديري تلك الشركات ورؤسائها. وهذه الممارسة مستمرة صعوداً منذ 30 سنة بمعدلات تتراوح بين 400 و600 مليار دولار، بينما سيصعد المبلغ إلى تريليون دولار هذه السنة. فشركات (إس آند بي 500) ستعيد شراء 4.5 في المائة من الأسهم في 2018، مقابل 3 في المائة لمتوسط السنوات الماضية. وبفعل هذه الممارسة، بات عدد الأسهم المدرجة للتداول الحر في (وول ستريت) حالياً أقل مرتين من تلك التي كانت في عام 2000».
وعن أثر ذلك في الاقتصاد الأميركي، يقول المصدر عينه: «شركات كثيرة تدرس العائد جيداً، فإذا كان تحت 15 في المائة نراها تفضل شراء الأسهم على الاستثمار المباشر، وهي بذلك تكافئ مساهميها بشكل أفضل وتوظف رساميلها وأرباحها على نحو أمثل. لكن المشكلة تكمن في حال لجوء كل الشركات إلى ذلك، فتصبح المسألة بحجم هائل لافت بقوة، وربما مؤثر في مناخ الاستثمار. إذ يذكر أن الشركات الأميركية رابحة بقوة عموماً، ومع التعديل الضريبي أصبحت رابحة أكثر، لتجد نفسها مع كم نقدي كبير لا تعرف ماذا تفعل به، فإذا بها تعيده للمساهمين عن طريق إعادة شراء الأسهم».
في المقلب الآخر، لتلك الممارسة تداعيات في سوق البورصة خصوصاً عندما تلجأ الشركات إلى الاقتراض لإعادة شراء الأسهم، وبالتالي تحمل ميزانياتها أعباءً مقابل تناقص الموارد الرأسمالية الخاصة، وهنا مكمن «هشاشة مالية» يجدر الحذر منها، وفقاً لتقرير أعده محللون للميزانيات.
ومن السلبيات الأخرى أن البورصات تفقد بعض دورها القائم على الحصول على التمويل لزوم الاستثمار في الاقتصاد. فإذا استمر الحال على هذا المنوال، وبالوتائر نفسها، سيشح عدد الأسهم حرة التداول بعد 20 سنة، وتتجمع الأسهم فقط في أيدي كبار المستثمرين وصناديق الملكيات الخاصة. ويسمى ذلك «أعراض تيسلا» القائمة على أن الشركات لم تعد تريد الإدراج في البورصة، ولا هي تتحمل كما العادة الرد على المحللين فصلياً لشرح النتائج ووضع التوقعات، ولا ترغب في كتابة تقارير طويلة لزوم الإفصاح والشفافية، كما تطلب السلطات الرقابية.
تبقى الإشارة إلى أن عدد الشركات الأميركية المدرجة كان 8 آلاف قبل 20 سنة، مقابل 3800 فقط حالياً، وتفسير ذلك يكمن أولاً في جموح الشركات في ممارسة حق شراء أسهمها، حتى باتت الظاهرة مقلقة على أكثر من صعيد.


مقالات ذات صلة

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد عامل يدهن الجدران الخارجية لمبنى يعرض وظائف لدى فريق «لوس أنجليس دودجرز» وسط مدينة لوس أنجليس (رويترز)

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

أظهرت بيانات صادرة عن شركة «إيه دي بي»، المختصة في إدارة الرواتب، الأربعاء، أن نمو التوظيف في القطاع الخاص الأميركي تجاوز التوقعات في مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة من خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا 26 فبراير 2026 (رويترز)

واشنطن: العقوبات الأوروبية على شركات التقنية الأميركية أكبر عائق للتعاون الاقتصادي

قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية إن الغرامات الأوروبية على الشركات الأميركية باتت تمثل «أكبر مصدر للاحتكاك» في العلاقات.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» معروضة خارج متجر «تارغت» في إنسنيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

أدنى مستوى منذ شهور... تراجع فرص العمل في أميركا بـ300 ألف وظيفة

تراجع عدد فرص العمل في الولايات المتحدة إلى 6.9 مليون خلال فبراير (شباط)، في مؤشر إضافي على تباطؤ سوق العمل الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.