التنظيم السري للإخوان المسلمين... صكوك للعنف وتصفية الخصوم

4 من أعضاء مجلس قيادة ثورة 52 كانوا منتمين للجماعة

حسن البنا - غلاف الكتاب
حسن البنا - غلاف الكتاب
TT

التنظيم السري للإخوان المسلمين... صكوك للعنف وتصفية الخصوم

حسن البنا - غلاف الكتاب
حسن البنا - غلاف الكتاب

صدر حديثاً عن دار «ميريت» للنشر، بالقاهرة، كتاب «النظام الخاص ودولة الإخوان المسلمين»، من تأليف الباحثة الإعلامية المصرية سوزان حرفي، التي سعت من خلال صفحاته التي تضم 4 أبواب و12 فصلاً لعرض أفكار الجماعة وتوجهها منذ النشأة، وعقيدتها ورؤيتها للذات وللآخر، وحقيقة وجود عقيدتين ورؤيتين أو تيارين داخلها.
الكتاب صدر بمقدمة ضافية للدكتور كمال الهلباوي، القيادي البارز في الإخوان، الذي انشق عنها لاحقاً. وقد ذكر الهلباوي أن الجماعة ضمت كلاً من النقيب آنذاك جمال عبد الناصر، والملازم أول حسين أحمد حمودة، والملازم كمال الدين حسين، وكذلك عبد المنعم عبد الرؤوف، وكلهم كانوا أعضاء بمجلس قيادة ثورة يوليو 1952، التي انقلبت على الإخوان وأطاحت بهم، وحلت الجماعة.
شرعت سوزان حرفي في إنجاز كتابها بداية عام 2013، عندما كانت جماعة الإخوان قد أخذت طريقها كحزب الأغلبية داخل البرلمان المصري. واهتمت الباحثة بتقصي وتدقيق الأحداث التي شاركت الجماعة فيها، أو كانت أحد أطرافها، وحللت علاقتها وموقفها من الدولة والسلطة القائمة والمجتمع، وحدود التغير الذي تسعى الجماعة لإحداثه في المحيط العام، وكذلك في محيطها الخاص.
وذكرت حرفي أن الجهاز الخاص هو أكثر المناطق ضبابية في تاريخ الجماعة، سواء في ما ارتبط به من نشأة وأهداف، أو عضوية وعقيدة ونشاط وأفعال، فكل هذه الأشياء تقع غالباً في المساحة المظلمة التي يتجنب تنظيم الإخوان على مدار تاريخه السابق الاقتراب منها، إلا لماماً.
هذا الصمت، حسب وجهة نظر الباحثة، قد يكون نتيجة لطبيعة النظام الذي تغطيه السرية، فهو «النظام السري» أو «التنظيم السري»، وكان معظم أعضائه غير معروفين لرجال «النظام العام» داخل جماعة الإخوان نفسها، كما أن الصمت جاء التزاماً من أعضاء النظام الخاص أنفسهم بقسم الانضمام، أو البيعة، فالسرية جزء من عقيدة النظام وعقيدة أعضائه. وما زاد من مساحة الصمت ربما ارتباط هذا النظام بعدة جرائم كشفت منهج الجماعة، مثل قتل القاضي أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، واغتيال أحمد ماهر باشا ومحمود فهمي النقراشي باشا، رئيسي وزراء مصر، وغيرهما من المسؤولين، إضافة للقيام بعدد من التفجيرات والعمليات المسلحة التي راح ضحيتها كثير من المصريين.
ولفتت حرفي إلى أن سعي مؤسس الجماعة (حسن البنا)، من خلال التنظيم الخاص، كان لإنشاء «جيش بديل» عن الجيش المصري، هو «جيش المسلمين»، طبقاً لما أكده جمال البنا، وكذلك محمود الصباغ أحد قيادات هذا الجيش في أربعينات القرن العشرين.
وقد ذكر حسن البنا في إحدى رسائله الموجهة للتنظيم الخاص، وهي رسالة «المنهج» التي رسم فيها مراحل العمل وتكوين الكتائب ونموها، أن العدد المستهدف لهذا الجيش في مرحلته هذه هو اثنا عشر ألفاً، مضيفاً: «ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة».
فكرة «الجيش البديل» هذه أسرت محمود الصباغ، طالب كلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، عندما التقى حسن البنا لأول مرة عام 1939م، في لقاء للتعارف رتبه زميله بالكلية مصطفي مشهور في دار الإخوان التي كانت تقع بمنطقة الحلمية الجديدة، بالقاهرة، حيث كان البنا يشرح الإسلام ودعوته لعدد لا يزيد على العشرة من طلاب الجامعة.
يقول الصباغ: «رأيت أن كل ما يسوقه من آيات بينات رسمها الله للمسلمين شرعة ومنهاجاً في هذه الحياة تعالج ما نحن فيه في زماننا الحالي، فخرجت وأنا أقول: ولماذا التباطؤ في التنفيذ؟ خرجت مسلماً صحيح الإسلام، عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، دون أن أكتب استمارة عضوية، أو أدفع اشتراكاً شهرياً أو سنوياً، أبحث مع مصطفى وسيلة لتنفيذ ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، التي تجلت واضحة في مقاتلة العدو من خلال (جيش مسلم) سيتحقق له نصر مؤكد، لو صدق ما عاهد الله عليه»، ثم يضيف في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص ودوره في دعوة الإخوان المسلمين»، الصادر عن «دار الاعتصام» عام 1989: «همست بما يجول بخاطري لمصطفي مشهور، فعرفني على أخي في الله المرحوم الأستاذ عبد الرحمن السندي، بصفته المسؤول عن إعداد (جيش المسلمين) في تنظيم الإخوان المسلمين».
المهم أن مشاركة هذا الجيش الإخواني في فلسطين لم تكن كما يروجون، فإنهم - حسب ما ذكرته حرفي - لم يدخلوا إلا معارك قليلة جداً فيها، فقد صدرت من الشيخ محمد فرغلي، وهو المسؤول العام للمقاتلين الإخوان في فلسطين، الأوامر بعدم الدخول في مزيد من المعارك، بحجة أن هناك مؤامرة لتصفية المجاهدين، وظل الإخوان في معسكرهم لا يحاربون إلى أن عادوا من فلسطين.
الحكاية إذن لم تكن محاربة الصهاينة في فلسطين، كما روجوا، لكن هدف إنشاء النظام الخاص الحقيقي أوضحته حرفي وهي تستشهد بما كتبه عبد الرحمن الساعاتي، شقيق حسن البنا، المراقب العام للجماعة: «استعدوا يا جنود، وليأخذ كل منكم أهبته، ويعد سلاحه، ولا يلتفت منكم أحد، وامضوا إلى حيث تؤمرون، خذوا هذه الأمة برفق، وصفوا لها الدواء، فكم على ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل. فإذا الأمة أبت، فأوثقوا يديها بالقيود، وأثقلوا ظهرها بالحديد، وجرعوها الدواء بالقوة. وإن وجدتم في جسمها عضواً خبيثاً فاقطعوه، أو سرطاناً خطيراً فأزيلوه، فكثير من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقر، وفي عيونهم عمى».
أما عن المكانة التي كان يتمتع بها هؤلاء الذين اختارهم البنا لهذه المهمة، فقد كانت أعلى من غيرهم من المنتمين للجماعة، طبقاً لما أكده الشيخ أحمد حسن الباقوري، في كتابه «بقايا ذكريات»، الصادر عن «مركز الأهرام للترجمة والنشر» عام 1988، حيث أفاد الباقوري بأنه تم توجيه هذا الشباب الذي انضم للتنظيم الخاص على أنهم هم أعضاء الجماعة الحقيقيون، وأن إخوانهم المشتغلين في الدعوة العامة مع البنا هم أقل منهم درجة، فهم كانوا يحملون صفة تربوية، عرفها حسن البنا لهم بـ«الأخ المجاهد»، بينما المشتغلون مع البنا في الدعوة العامة كانوا يعرفوا بـ«الأخ العامل».
تابعت حرفي في كتابها قصة نهاية عقد الثلاثينات وبداية الأربعينات، وما ساقه بعض ممن ساهم في تأسيس خلايا وكتائب داخل النظام الخاص في تلك الفترة، كما كشفت أن فكرة الاغتيالات كانت مرحباً بها بين أعضاء الجماعة، وهو ما ظهر جلياً في ما قاله الدكتور يوسف القرضاوي، عضو تنظيم الإخوان سابقاً، بمذكراته «ابن القرية والكُتاب.. ملامح سيرة ومسيرة»، عن «دار الشروق»، الجزء الأول، إصدار 2002: «قابلنا، نحن الشباب والطلاب، اغتيال النقراشي بارتياح واستبشار، فقد شفى غليلنا ورد اعتبارنا».
ولفتت حرفي إلى أن الأهداف التي استدعت تشكيل النظام الخاص، بما فيها الدفاع عن «الدعوة»، وحماية ظهرها من الأعداء، كان بينها ضرب الخصوم. فالنظام الخاص أو التنظيم السري يعتبر تنظيماً عسكرياً هرمياً سرياً، هدفه ضرب الخصوم، والخارجين حتى عن الطاعة من داخل الجماعة نفسها.
وذكرت حرفي أن البنا كان يؤيد العنف بكل أشكاله، وقد اتضح ذلك في المؤتمر الخامس للإخوان، الذي انعقد عام 1938، عندما وجه بأن «القوة شعار الإسلام، وأول درجاتها قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدها قوة الساعد والسلاح، وإن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها». وقد بدا ذلك تحولاً في نهج الإخوان من الاكتفاء بنهج التربية والدعوة إلى السعي للتغيير بالقوة، وتدشيناً لمرحلة جديدة من طور نمو التنظيم، بعد مرحلة «التعريف»، بالانتقال للمرحلة الثانية، وهي مرحلة «التكوين»، وصولاً لـ«التمكين»، لإقامة دولة «الخلافة الإسلامية» التي تقترب من دولة الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا سبيل لتحقيق تلك الغاية إلا بالجهاد المسلح، وهو ما أعلنه عدد من القيادات البارزة داخل تنظيم الإخوان، على رأسهم اثنان من مكتب الإرشاد، وهما محمود أبو زيد عثمان، صاحب امتياز مجلة «النذير»، ومحمد المغلاوي مسؤول قسم الطلبة والعمال، ومعهما محمد عطية خميس، والدكتور علي النشار، والشيخ حافظ سلامة، كما انضم لهم عدد كبير من كوادر الجماعة. وجاء هذا بوضوح في مجلة «النذير»، لسان حالهم بعد الانشقاق.
اللافت أن البنا لم يهاجمهم، ولم يقف رافضاً لما قاموا به، بل تبرع لهم للمساعدة في إنشاء مقرات، كما أن بعض قيادات الجماعة وقفوا الموقف نفسه، ووصفوهم بأنهم «شباب استعجلوا النصر».
وكشفت حرفي أن البنا أصدر توجيهاته بأن يكون هناك لقاء أسبوعي «يوم المعسكر»، هدفه تسهيل إمداد النظام الخاص بعناصر جديدة تعوض الخسائر التي فقدوها بخروج مجموعة «محمد عزت» و«شباب محمد».
وكشفت أيضاً أن استعراضات الجوالة لم تكن مقصودة لذاتها دائماً، وإنما كانت ذريعة لإظهار قوة الجماعة ومظهرها العسكري، والإيحاء بأنها هي القوة العسكرية للجماعة، وصرف النظر عن التنظيم الذي يتم إعداده سراً، وفي كتمان تام بعيداً عن مظهريات الجماعة. وقد تطرقت المؤلفة لطريقة تكوينه، وبيعة أعضائه، وتشكيله العنقودي، وسريته التامة حتى داخل أعضائه أنفسهم.
وأشارت حرفي إلى أن «القيادة» كانت تضم عشرة أشخاص، خمسة من بينهم لا يتصل أحد منهم اتصالاً مباشراً بأي من أعضاء النظام، وتم تحديد مهام «قيادة الجيش» بدراسة طرق التنفيذ لما يصل من خطط صادرة من الأركان، وإصدار بيانات يشترك فيها جميع الأعضاء، كذلك الإشراف على أحوال الجند، والاطمئنان على دوام قوتهم المعنوية، كما تقوم القيادة بالاتصال بالإدارة العليا، وتبليغ الأركان بكل ما يحتاج إليه من إرشاداتها، ويجب أن يكون كل فرد من الأفراد العشرة المكونين لمجلس القيادة على استعداد لتولي القيادة في أي لحظة. أما «الأركان» فهي مجلس مكون من خمسة أشخاص، ويمكن أن يزيد عدده كلما احتاج الأمر، ومهماته وضع خطط لتنظيم القوات في كل من أوقات السلم والحرب، ودراسة المعدات عملياً، وتحديد ما يصلح منها لاستعمال الجيش، وإصدار بيانات بمميزاتها وطرق استعمالها وحفظها، كذلك تحديد الأهداف التي سيتم التعامل معها، ورسم خطة التنفيذ، من زمان ومكان والقوات المطلوبة، ودراسة كل ما يصل إليها عن طريق مجلس القيادة، من صعوبات ومشكلات عملية، ومطالب مستجدة، وإصدار بيانات بنتيجة الدراسة ترسل إلى مجلس القيادة، وبالنسبة لـ«الجنود» فمهمتهم الاستعداد الروحي والعقلي والطاعة والتنفيذ.
وهكذا، ظل العنف شريعة لدى الجماعة، رغم إعلانهم الدائم عن رفضه.


مقالات ذات صلة

أمين رابطة العالم الإسلامي يزور تنزانيا

المشرق العربي الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى‬ في خطبة الجمعة بأكبر جوامع مدينة دار السلام التنزانية

أمين رابطة العالم الإسلامي يزور تنزانيا

ألقى معالي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى‬، خطبةَ الجمعة ضمن زيارة لتنزانيا.

«الشرق الأوسط» (دار السلام)
شمال افريقيا شيخ الأزهر خلال كلمته في الاحتفالية التي نظمتها «جامعة العلوم الإسلامية الماليزية» (مشيخة الأزهر)

شيخ الأزهر: مأساة فلسطين «جريمة إبادة جماعية» تجاوزت بشاعتها كل الحدود

لفت شيخ الأزهر إلى أن «ظاهرة جرأة البعض على التكفير والتفسيق وما تسوغه من استباحة للنفوس والأعراض والأموال، هي ظاهرة كفيلة بهدم المجتمع الإسلامي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج يوضح المعرض أهمية الفنون في مصاحبة كتابة المصاحف ونَسْخها عبر العصور (مكتبة الملك عبد العزيز)

معرض في الرياض لنوادر المصاحف المذهّبة

افتُتح، في الرياض، أول من أمس، معرض المصاحف الشريفة المذهَّبة والمزخرفة، الذي تقيمه مكتبةُ الملك عبد العزيز العامة بفرعها في «مركز المؤسس التاريخي» بالرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
آسيا في هذه الصورة التي التُقطت في 6 فبراير 2024 رجل يدلّ على ضريح الصوفي الحاج روزبيه المهدم في نيودلهي (أ.ف.ب)

هدم ضريح ولي صوفي في إطار برنامج «للتنمية» في دلهي

في أوائل فبراير (شباط)، صار ضريح صوفي أحدث ضحايا «برنامج الهدم» الذي تنفذه هيئة تنمية دلهي لإزالة «المباني الدينية غير القانونية» في الهند.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق مصلون يشاركون في جلسة للياقة البدنية بعد الصلاة في مسجد منطقة باغجلار في إسطنبول في 8 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

حصص رياضة داخل مساجد تركية تساعد المصلين على تحسين لياقتهم

يشارك مصلّون في حصة تدريبات رياضية في مساجد بمدينة إسطنبول التركية بعد انتهاء صلاة العصر، ويوجد معهم مدرّب لياقة بدنية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)

كواليس حياة اقتصادي أعاد الثقة لهيئة سوق المال السعودية بعد انهيار 2006

مذكرات التويجري وسيرته في دروب الاقتصاد صدرت في مطلع أغسطس الحالي عن دار «جداول»... (جداول)
مذكرات التويجري وسيرته في دروب الاقتصاد صدرت في مطلع أغسطس الحالي عن دار «جداول»... (جداول)
TT

كواليس حياة اقتصادي أعاد الثقة لهيئة سوق المال السعودية بعد انهيار 2006

مذكرات التويجري وسيرته في دروب الاقتصاد صدرت في مطلع أغسطس الحالي عن دار «جداول»... (جداول)
مذكرات التويجري وسيرته في دروب الاقتصاد صدرت في مطلع أغسطس الحالي عن دار «جداول»... (جداول)

في الشهر السابع من عام 2004 قررت السعودية إنشاء «هيئة السوق المالية»، واستمرت في عملها بشكل تقليدي حتى عام 2006 عندما عصفت بالسوق مرحلة غير عادية، مؤشر السوق والسيولة فيها يرتفعان بمعدلات عالية جداً، واندفع المستثمرون من مختلف طبقات المجتمع رجالاً ونساءً للاستثمار في السوق المالية، وكثير منهم اقترضوا ومنهم مَن رهنوا ممتلكاتهم من أجل توفير الأموال اللازمة، وانتشرت المضاربة على نطاق واسع، ومعها التجاوزات الكثيرة.

استمرت الارتفاعات المتسارعة خلال فترة قصيرة، ووصلت إلى ذروتها بوصول المؤشر إلى قمة تاريخية بلغت أكثر من 21000 نقطة بتاريخ 25 فبراير (شباط) 2006 ليحدث ما كان متوقعاً؛ وهو الهبوط المفاجئ والحاد للسوق، وكان ذلك يوم السادس والعشرين من شهر فبراير، أي اليوم الذي تلا وصوله إلى قمته التاريخية.

انهيار السوق أوجد حالة من الهلع بين المواطنين، وانتشرت أخبار عن الذين خسروا كل شيء بعد أن باعوا أو رهنوا ما يملكون من بيوت ومحلات تجارية وممتلكات أخرى مختلفة من أجل استثمارها في سوق الأسهم، وأخذت الصحف ومواقع الإنترنت خصوصاً ما كانت تسمى «الساحات» تضج بالشكوى وإلقاء المسؤولية على الحكومة، وبالذات على هيئة السوق المالية التي وجدت نفسها ملومة ومتهمة ومدانة على عدم التدخل وشرح ما يحدث. وسط هذه الغمامة الكبيرة من القلق والتوتر، صدر قرار تكليف الدكتور عبد الرحمن بن عبد العزيز التويجري، رئيساً لمجلس هيئة السوق المالية، وبدأ مهمة جديدة لإعادة الثقة إلى السوق، وهي المهمة التي رصد تفاصيلها وكواليسها في سيرته الذاتية «مسرى العُمر» التي صدرت أغسطس (آب) الحالي عن دار «جداول»، وأورد فيها تفاصيل مثيرة عن الحياة الاجتماعية والتعليمية في مسقط رأسه بمدينة المجمعة، ثم الدراسة في جامعة الملك سعود وأميركا، وفصول ممتدة عن التجربة العملية في مجلس التعاون الخليجي وصندوق النقد الدولي ثم عمله في المجلس الاقتصادي الأعلى ورئيساً لهيئة سوق المال السعودية.

باشر التويجري أعماله لترتيب حالة السوق بعد الأزمة، وكانت من أهم التحديات التي واجهتها الهيئة، التعامل مع تفاقم وتنوع المخالفات التي حدثت في السوق المالية خلال الأزمة التي مرت بها، وأخذت الهيئة تعلن المخالفات ونوعها وعقوبتها دون ذكر اسم المخالف، قبل أن يقر مجلس الهيئة إعلان أسماء المخالفين بعد إصدار حكم إدانة نهائي من لجنة الاستئناف. واجه القرار شبهة التشهير في وجه الهيئة، ووجد التويجري من الضروري أخذ موافقة الملك عبد الله بن عبد العزيز، وكان له ذلك عندما توجّه إلى مخيمه الملكي في روضة خريم، وقال له الملك عبد الله: «توكل على الله»، إذا كان الموضوع وفق النظام. توالت قرارات المعالجة لحالة السوق والخطوات التطويرية، ومع اقتراب نهاية عام 2006 بدأت السوق المالية تستعيد ثقة المتداولين تدريجياً، وبدأ نشاط التداول في الارتفاع.

التويجري مع عدد من زملائه في المرحلة المتوسطة عام 1968م ( x محمد الأحمد)

حدثٌ غيّر الحياة الهادئة

مع بداية عام 1990 كانت الحياة هادئة، ومدينة الرياض تزدهر يوماً بعد آخر، بعد أن تجاوزت السعودية الأزمة النفطية التي أدت إلى انخفاض أسعار النفط بشكل حاد في منتصف الثمانينات الميلادية، لكن المنطقة على وشك أن تواجه زلزالاً هزّ استقرارها، وحوّل السكينة فيها إلى خوف وترقب لمجهول قادم.

في يوم الثاني من شهر أغسطس 1990 يدير التويجري مؤشر الراديو وهو يجوب شوارع الرياض، لتنطلق من أثير الإذاعة المفاجأة غير المتوقعة؛ الجيش العراقي يدخل الكويت! ليبيت السعوديون تلك الليلة في قلق وتساؤل، ويبدأ الكويتيون في الوصول إلى المدن السعودية للنجاة بأنفسهم من لأواء الحرب، فيما واصل التويجري من موقع عمله في مجلس التعاون الخليجي المساعدة على إنجاز مهام المجلس ودوره في التعامل مع تبعات هذه الفاجعة التي أصابت إحدى الدول المؤسسة للمجلس.

يصف التويجري تلك المرحلة: «كانت بالفعل أياماً عصيبة ومُجهدة، وكنت مثل الناس أعيش في دوامة، لكن القلق خف تدريجياً بعد الإعلان عن قيام التحالف الدولي لتحرير الكويت، وكانت تلك الأيام لا تُنسى، وأجواء الحرب تعبّر عن نفسها بصور مختلفة، بما فيها كثافة وجود القوات الأجنبية في المدن وعلى الطرقات، وأزيز الطائرات بأصواتها المرعبة، وكان الخوف من الصواريخ التي قد يطلقها العراق وقد تكون محملة بالغازات السامة يزيد الخوف لدى العائلات، واستمر القلق من المجهول عندما دوّت صفارات الإنذار ليل 21 يناير (كانون الثاني) في مدينة الرياض إيذاناً بوصول الصواريخ العراقية إليها».

كويتي في أثناء اتّجاهه إلى الحدود السعودية قبل أكثر من 30 عاماً (أ.ب)

مهمة جديدة في أرض الوطن

كانت أجواء الغزو العراقي للكويت تسيطر على المنطقة، وبينما كانت الأحداث تتفاقم في المنطقة، كان عبد الرحمن التويجري يتحضر للانتقال إلى واشنطن والعمل في صندوق النقد الدولي، ممثلاً للسعودية، وقد التحق بالعمل هناك مع فريق سعودي، واستمر لنحو عقد من العمل في دهاليز أهم المؤسسات الاقتصادية الدولية، قبل أن يعود مجدداً إلى السعودية ليتولى مهمته الجديدة كأول أمين عام للمجلس الاقتصادي الأعلى، المؤسسة الجديدة والحديثة التي أنشئت عام 1999 وبُنيت عليها آمال كبيرة في قيادة جهود الحكومة للإصلاح الاقتصادي.

واصل التويجري مهامه في الموقع الجديد، وكان يحرص على المشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد سنوياً في دافوس، ولكن بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، ولإبداء التضامن الدولي مع الولايات المتحدة الأميركية، تقرر عقد المنتدى بشكل استثنائي في مدينة نيويورك التي حدثت فيها المأساة. وشارك التويجري ضمن وفد المملكة الكبير مقارنةً بالأعوام السابقة، وكان الهدف من تكثيف الحضور في المنتدى استغلال الفرصة التي يتيحها المنتدى مع وجود الأعداد الكبيرة من المسؤولين ورجال الأعمال ووسائل الإعلام العالمية المختلفة لإيضاح موقف المملكة من العمل الإرهابي الذي حدث في نيويورك.

مذكرات التويجري وسيرته في دروب الاقتصاد صدرت في مطلع أغسطس الحالي عن دار «جداول»... (جداول)

وبعد مبايعة (الأمير) عبد الله بن عبد العزيز ملكاً على البلاد عام 2005، صدر مرسوم ملكي بتاريخ 17 أغسطس بإعادة تشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى ليكون برئاسة الملك. وبدأت السعودية مساعيها لتحقيق إحدى أهم خطواتها، بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وأورد التويجري في مذكراته جهود العمل على الانضمام وما أولاه المجلس الاقتصادي من اهتمام كبير بهذا الموضوع على أمل الوصول إلى اتفاق يمكِّن المملكة من الاستفادة القصوى من فوائد الانضمام إلى المنظمة، وما يتيحه من إمكانية تسهيل وزيادة حركة التبادل التجاري بينها وبين دول العالم، ولا يؤدي في الوقت نفسه إلى إلحاق أضرار باقتصاد المملكة ومنتجاتها الوطنية.

استغرقت المفاوضات عدة سنوات، وكانت صعبة وشاقة، وتضمنت أخذاً ورداً مع الدول التي تفاوض المملكة وفق إجراءات المنظمة، وبذل الفريق التفاوضي السعودي جهوداً كبيرة للحفاظ على مصالح المملكة والوصول إلى اتفاق متوازن يُعظم المنافع ويُقلل الأضرار، قبل أن تنجح السعودية في توقيع اتفاق العضوية بعد ذلك في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2005.