قرصات البعوض... معاناة عالمية

دراسات حديثة حول مراحل القرص وتأثيراته وأنواع الناموسيات

قرصات البعوض... معاناة عالمية
TT

قرصات البعوض... معاناة عالمية

قرصات البعوض... معاناة عالمية

لا يزال البعوض الحيوان الأشد شراسة على وجه الأرض، ولذا لا تتوقف ماكينات البحث العلمي والطبي عن إجراء وإصدار العديد من الدراسات والبحوث الطبية والعلمية حول البعوض، والأمراض التي يتسبب بنقلها، وكيفية التعامل معها ومع البعوض الذي ينقلها.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، قدمت مجموعة باحثين بريطانيين وسويسريين نتائج استخدام نوعية مطورة من الناموسيات لطرد البعوض والوقاية من قرصاته، كما قدم باحثون من ولاية أوهايو الأميركية دراسة متعمقة في فهم آليات حصول عملية قرص البعوض بما يجعلها غير مؤلمة للشخص، وقبل ذلك أصدر باحثون من كلية «بايلور للطب» في هيوستن نتائج دراستهم تأثيرات لعاب البعوض على جهاز مناعة الجسم.
- حشرة فتاكة
رغم ضعف قدرات هذه الحشرة الصغيرة في الحجم، إلاّ أنها الأعلى فتكاً بالإنسان، والأعلى تسبباً بالضرر عليه، إما بإزعاج القرصات الجلدية أو بالأمراض أو بالوفيات. وإضافة إلى معاناة ملايين الناس بشكل يومي من قرصات البعوض والحكة والألم والإزعاج الجلدي، ينقل البعوض عدداً من الأمراض الشديدة التسبب في المرض، ولعل أسوأها الملاريا، التي يُصاب بها سنوياً نحو 250 مليون إنسان، وتُؤدي الإصابات بها إلى وفاة أكثر من 600 ألف إنسان سنوياً على مستوى العالم. وبالإضافة إلى الملاريا ثمة أمراض أخرى تتسبب بها قرصات البعوض، مثل حمى الضنك والحمى الصفراء ومرض «زيكا» وغيرها من الأمراض. وكان بيل غيتس، قد كتب في مدونته عام 2014 تحت عنوان «أشد الحيوانات فتكاً في العالم»، وقال: «حينما نأتي إلى ذكر الحيوانات الأعلى تسبباً في وفاة الإنسان، فإن لا شيء يُضاهي ولا يُداني البعوض». وأوضح أن عدد من يموتون سنوياً بسبب الفيلة هم نحو مائة شخص، وبسبب التماسيح ألف شخص، وبسبب الحلزون الناقل للبلهارسيا نحو عشرة آلاف شخص، وبسبب الكلاب خمسة وعشرين ألف شخص، وبسبب الأفاعي خمسين ألف شخص، وبسبب البعوض 750 ألف شخص في كل عام. وللتقريب، يقتل البعوض سنوياً 50 ألف ضعف عدد الوفيات الناجمة عن أنواع أسماك القرش المتوحشة.
- ناموسيات مطورة
وفقاً لنتائج دراسة حديثة تم نشرها ضمن عدد 10 أغسطس (آب) من مجلة «لانست» الطبية (The Lancet)، فإن نوعاً مطوراً من الناموسية «Bed Nets» بإمكانه منع حصول ملايين الإصابات بحالات الملاريا. وبالتعاون فيما بين الباحثين من جامعة «درهام» ببريطانيا وكلية ليفربول للطب الاستوائي والمعهد السويسري للصحة الاستوائية والصحة العامة ومركز البحوث في بوركينا فاسو بغرب أفريقيا، أظهرت التجارب السريرية لهذه الناموسية الجديدة في بوركينا فاسو أن عدد حالات الإصابة بالملاريا انخفض بنسبة 12 في المائة، وذلك عند استخدامها لمدة سنتين على أكثر من ألفي طفل، مقارنة مع استخدام أنواع الشبكات التقليدية للناموسيات. كما أظهرت النتائج انخفاض معدلات الإصابة بقرص البعوض بنسبة تجاوزت 50 في المائة. وإضافة إلى ذلك، انخفضت بالنسبة نفسها معدلات إصابة أولئك الأطفال بفقر الدم، ومعلوم أن فقر الدم هو سبب رئيسي للوفيات بين الأطفال ما دون سن الثانية من العمر في تلك المنطقة بغرب أفريقيا. وأفاد الباحثون أن إناث «بعوض الأنوفيلة»Anopheles) (Mosquitoes، البعوض الباحث عن الدم والناقل للملاريا، تكتسب بشكل متزايد قدرات فائقة في مقاومة أنواع المبيدات الحشرية التقليدية (Pyrethroids)، التي يتم بها معالجة أنواع الناموسيات الشائعة الاستخدام. وأضاف الباحثون أن أحدث الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تفيد بأن الإصابات بالملاريا عادت للارتفاع في أفريقيا، بعد انخفاض حصل في بداية الألفية الحالية. وأحد الأسباب المحتملة لذلك هو تكاثر البعوض المقاوم للمبيدات الحشرية، ما يجعل من الضروري استخدام ناموسيات حديثة، مُعالجة بمزيج مختلف من المواد الكيميائية، في المناطق التي تنتشر فيها أنواع نواقل البعوض المقاومة للمبيدات الحشرية (Insecticide - Resistant (Vectors. وقال الباحثون إن الشباك المدمجة الجديدة، المستخدمة في الناموسية المطورة بالدراسة، تحتوي على مبيد «بيريثرويد»Pyrethroid) Insecticide)، الذي يعمل على طرد البعوض والقضاء عليه، وكذلك مادة «بيريبروكسيفين» (Pyriproxyfen) التي تعمل على تقصير عمر البعوض وخفض قدراته على التكاثر.
وقال البروفسور ستيف ليندسي، من قسم العلوم الحيوية في جامعة دورهام في المملكة المتحدة: «لا تزال الملاريا تقتل طفلاً كل دقيقتين، لذا نحتاج إلى مواصلة العمل لإيجاد أفضل الطرق لمنع حدوث ذلك. ومن الواضح أن الطرق التقليدية المستخدمة للسيطرة على بعوض الملاريا تحتاج إلى تحسين وتطوير أدوات إضافية جديدة، وهذه الدراسة مهمة لأن مكافحة الملاريا في مناطق جنوب الصحراء بأفريقيا قد ضعفت بسبب تكيّف البعوض وزيادة مقاومته لمبيدات (البيريثرويد) الحشرية المستخدمة في معالجة الناموسيات التقليدية. ولو وسعنا تجربتنا إلى جميع أنحاء بوركينا فاسو لانخفض عدد حالات الملاريا بمقدار مليون ومائتي ألف حالة، التي تبلغ حالات الملاريا فيها نحو 10 ملايين حالة في العام».
- مراحل عملية القرص
وضمن عدد أغسطس (آب) من مجلة «السلوك الميكانيكي للمواد الطبية الحيوية»Journal of the Mechanical) Behavior of Biomedical Materials)، عرض الباحثون من جامعة ولاية أوهايو دراسة بعنوان «دروس من القرص غير المؤلم للبعوض». وقالوا فيها ما ملخصه: «المفصليات (Arthropods) هي أكبر مجموعة من بين جميع الكائنات الحية، وهي تهاجم الكائنات الحية الأخرى عن طريق العض أو اللسع أو الثقب أو الامتصاص». ومن بين مختلف المفصليات المهمة طبياً، تعتبر العملية غير المؤلمة لقرصات البعوض، التي لا يشعر بها المرء، والتي تتسبب في نقل الأمراض، هي الأعلى تسبباً في الوفيات سنوياً.
وتهدف هذه الدراسة إلى فهم مفاتيح وتوضيح الدروس التي نتعلمها من عملية القرص غير المؤلم للبعوض، والتي تستمر لعدة دقائق، عبر استخدام البعوض لمزيج من التخدير والتشغيل الاهتزازي، وفق خصائص ميكانيكية متدرجة في التردد لمجموعة حزمة الإبر الدقيقة في جسمها، وذلك أثناء مراحل عملية غرز الجلد لسحب الدم الذي تتغذى عليه. وضمن تحليلهم التفصيلي لآلية عمل أجزاء البعوض التي تخترق الجلد وتسحب الدم، حدد الباحثون أربعة مفاتيح لكيفية حصول ذلك دون التسبب بألم: الأول هو استخدام مادة مخدرة، والثاني هو التصميم المسنن للإبرة، والثالث هو تتابع عملية الاهتزاز أثناء الثقب، والرابع وجود أجزاء لينة وأخرى صلبة لتلك الإبرة التي تخترق الجلد. وأضاف الباحثون أن اجتماع هذه العناصر الأربعة هو ما يجعل عملية قرص البعوض، التي تستمر لدقائق، عملية غير مؤلمة، وبالتالي لا يُمكن للمرء التنبه بحصولها على الجلد لديه.
- لعاب البعوض
وكان الباحثون من كلية «بايلور للطب» في هيوستن بتكساس قد عرضوا دراستهم حول تأثيرات لعاب البعوض على قوة عمل جهاز مناعة الجسم. ووفق ما تم نشره ضمن عدد مايو (أيار) الماضي من مجلة «بلوز للأمراض الاستوائية المهملة»PLOS Neglected Tropical) Diseases)، يموت ما يقرب من 750 ألف شخص سنوياً في العالم بسبب الأمراض التي ينقلها البعوض، ولكن البعوض لا يقوم فقط بنقل الأمراض، بل يزيد من حدة معاناة المُصاب بها، ولذا يختلف نقل فيروسات المرض مباشرة إلى المُصاب عبر الحقن بالإبرة عن نقل نفس فيروسات ذلك المرض عبر قرص البعوض.
وأضاف الباحثون: «إن فهم كيف يتفاعل لعاب البعوض مع جهاز المناعة البشري لا يساعدنا فقط على فهم آليات الإصابة بالأمراض، ولكن يمكن أن يوفر أيضاً إمكانات للعلاج». وأظهرت الدراسات أن لعاب البعوض (Mosquito Saliva) يعزز قدرة العدوى وتطور المرض.
ولعاب البعوض هو خليط معقد من البروتينات التي تسمح للبعوض بإتمام عملية سحب الدم أثناء عملية القرص، كما يحتوي لعاب البعوض على بروتينات ذات تأثيرات سلبية على مناعة جسم الإنسان، ولذا فإن تفاعلات الحساسية في أماكن قرص البعوض قد لا تكون فقط مزعجة ومؤلمة للغاية، بل قد تؤثر بدرجات متفاوتة على قوة جهاز مناعة الجسم ككل، ما يزيد من احتمالات التضرر بالأمراض الميكروبية التي ينقلها.
وقال الباحثون إنه وحتى في حال عدم تسبب قرص البعوض في نقل أي من الميكروبات، فإن لعاب البعوض التي يتم تركه في منطقة القرص يثير تفاعلات فيما بين البروتينات فيه وبين جهاز مناعة الجسم، وهو ما قد يسبب تفاعلات مناعية تستمر لعدة أيام.
- أنواع قليلة من البعوض تتسبب بالأمراض للإنسان
> البعوض لديه قدرة على نقل الأمراض ونشرها بين البشر، وهي الأمراض التي تسبب بملايين الوفيات كل عام. والحقيقة أن ليس كل البعوض يلجأ إلى قرص جلد الإنسان كوسيلة للحصول على الدم، ولا الدم هو غذاء البعوض بالأصل، بل تلجأ إناث بعض أنواع البعوض إلى قرص الجلد للحصول على الدم الذي تحتاجه لإنتاج مئات البويضات خلال بضعة أيام. ورغم أن أنواع البعوض في العالم تفوق 3500 نوع، إلاّ أن 100 نوع منها تسحب دم الإنسان خلال القرص، ومن بينها نوعان فقط هما الأشهر في تسببهما بنقل الأمراض للإنسان. الأول هو «بعوض الأنوفيلة»، ناقل مرض الملاريا للبشر، والثاني هو بعوض «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، ناقل فيروس مرض «زيكا» وفيروس حمى الضنك وفيروس داء «شيكونغونيا» وفيروس الحمى الصفراء إلى البشر.
وتشير المصادر العلمية إلى أن للبعوضة قدرة على قطع مسافة ثلاثة كيلومترات في الساعة الواحدة. ويقول الدكتور جو كونلون، المستشار بالرابطة الأميركية للسيطرة على البعوض: «ثمة كمّ كبير من الأبحاث والدراسات العلمية التي حاولت معرفة المركبات أو الروائح أو المميزات التي توجد في جلد أو حتى دم البعض، والتي تجعل البعوض ينجذب نحوهم لقرصهم وشفط الدم منهم». ويلخّص الباحثون من «مايو كلينك» العوامل التي تجعل الشخص أكثر عرضة لقرص البعوض، بقولهم: «ينتقي البعوض ضحاياه عبر تقييم الرائحة، وكمية ثاني أكسيد الكربون والمواد الكيميائية الممتزجة بسائل العرَق على الجلد، والبعوض أكثر احتمالاً لقرص الرجال، والأشخاص الذين فصيلة دمهم من نوع (O) والبدينين. وكذلك ينجذب البعوض إلى الحرارة، ولذا فإن ارتداء ملابس غامقة اللون حافظة لحرارة الجسم عن التبخر يزيد من جعله عرضة انجذاب للبعوض».


مقالات ذات صلة

حين تسمع الأسنان صوتها

علوم حين تسمع الأسنان صوتها

حين تسمع الأسنان صوتها

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
يوميات الشرق وسائل التواصل تجذب الشباب لاستخدام منشطات بناء العضلات (جامعة هارفارد)

هوس «العضلات المثالية» على الإنترنت يجرُّ الشباب نحو المنشطات

كشفت دراسة كندية حديثة عن وجود علاقة مقلقة بين الوقت الذي يقضيه الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، وزيادة رغبتهم في استخدام منشطات بناء العضلات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك حبوب الأشواغاندا (بيكسباي)

كيف يؤثر تناول الميلاتونين والأشواغاندا معاً على النوم والتوتر؟

يلجأ كثيرون إلى مكملات الميلاتونين لتحسين النوم، بينما تُستخدم الأشواغاندا بوصفها خياراً عشبياً شائعاً لتخفيف التوتر والقلق... لكن ماذا يحدث عند تناولهما معاً؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)

كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

مع حلول شهر رمضان، يواجه كثير من الصائمين تحدياً في الحفاظ على اليقظة الذهنية والتركيز طوال ساعات النهار الطويلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
صحتك تنويع التمارين الرياضية قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر (رويترز)

تنويع التمارين الرياضية... مفتاحك لحياة أطول وصحة أفضل

كشفت دراسة جديدة عن أن تنويع التمارين الرياضية بدلاً من الاقتصار على النوع نفسه يومياً قد يكون الطريقة المثلى لإطالة العمر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

حقن إنقاص الوزن... هل تُخفي حالات صحية قاتلة؟

علب حقن لإنقاص الوزن (رويترز)
علب حقن لإنقاص الوزن (رويترز)
TT

حقن إنقاص الوزن... هل تُخفي حالات صحية قاتلة؟

علب حقن لإنقاص الوزن (رويترز)
علب حقن لإنقاص الوزن (رويترز)

يُعدّ الإقبال الكبير على حقن إنقاص الوزن «ويغوفي» و«مونجارو» من أبرز الظواهر الطبية في عصرنا؛ إذ تشير التقديرات إلى أنّ نحو 1.6 مليون شخص في بريطانيا استخدموها العام الماضي، وهي نسبة كبيرة.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «التلغراف»، يمكن لهذه الأدوية بالفعل أن تكون «تحوّلية»، فخسارة ما بين 13 و19 كيلوغراماً من الوزن خلال بضعة أشهر تُعدّ هدفاً مرغوباً لدى كثيرين، ويعتبر البعض أنها تستحق تحمّل الآثار الجانبية الهضمية الشائعة المرتبطة بها، مثل آلام المعدة والغثيان والإمساك والإسهال.

غير أنّ شيوع هذه الآثار الجانبية قد يكون مضلِّلاً؛ إذ قد يخفي ثلاث حالات قد تكون خطيرة. ففي مقال حديث، يصف الطبيب في إدنبرة حسن جعفربوي حالتَي «مريضين كانا يتمتعان بصحة جيدة سابقاً» عانيا أثناء استخدام «مونجارو» من آلام شديدة في المعدة ونزف شرجي. وأظهر تنظير القولون وجود اضطرابات تدلّ على ضعف تدفّق الدم إلى بطانة القولون (التهاب القولون الإقفاري). وتبيّن أنّ «مونجارو» هو السبب المؤكّد؛ إذ اختفت الأعراض سريعاً بعد إيقاف الدواء.

كذلك حذّر أطباء أورام في كلية الطب بجامعة هارفارد من تشابه هذه الآثار مع العلامات المبكرة لسرطان الأمعاء. وكتبوا: «صادفنا عدة مرضى نُسبت أعراضهم الهضمية إلى حقن إنقاص الوزن لعدة أشهر قبل أن يتبيّن السبب الحقيقي»، مضيفين أنّ «هناك حاجة إلى إرشادات أوضح حول متى ينبغي أن تدفع هذه الأعراض إلى إجراء فحوص إضافية».

أما الحالة الثالثة، التي سلّطت وكالة تنظيم الأدوية الضوء عليها قبل أسبوعين، فهي التهاب البنكرياس الحادّ، الذي يتميّز بغثيان مستمر وآلام شديدة في البطن تمتد إلى الظهر. وأشارت الوكالة إلى أنّ «الخطر منخفض»، لكن تسجيل أكثر من ألف حالة يعني أنّه ليس منخفضاً إلى هذا الحد، مؤكدةً أهمية أن يكون المرضى على دراية بالأعراض المرتبطة به، وأن يظلّوا متيقّظين لها.

لا توجد بالطبع طريقة سهلة للتأكّد مما إذا كانت هذه الأعراض الهضمية ناجمة عن سببٍ آخر أكثر خطورة، لكنّها عموماً تميل إلى التراجع مع مرور الوقت، فإذا لم يحدث ذلك، أو تغيّرت طبيعتها أو ازدادت سوءاً؛ فمن الحكمة طلبُ عنايةٍ طبية عاجلة.

تعافٍ «معجِز»... أم تشخيص خاطئ؟

القصص العرضية عن تعافٍ يبدو معجزاً من مرضٍ قاتل، رغم ما تبعثه من أمل تكون في الغالب نتيجة تشخيصٍ خاطئ. فقد حدث ذلك لمُسنّة تدهورت حالتها الذهنية سريعاً، وتبيّن بعد الفحوص أنّ السبب عدة نقائل دماغية صغيرة. وقيل حينها إنّه «لا شيء يمكن فعله»، فاستُدعي الأقارب والأصدقاء من أماكن بعيدة لتوديعها، لكنها استعادت عافيتها تدريجياً خلال الأشهر التالية. والخلاصة أنّ «الأورام» الدماغية كانت على الأرجح جلطاتٍ صغيرة أو احتشاءات قد تتحسّن مع الوقت.

وقد يفسّر هذا أيضاً ما يُنسب إلى بعض «العلاجات البديلة» الغريبة للسرطان مثل زعانف القرش أو الحقن الشرجية بالقهوة. وكذلك حال طبيب أسرة اتّبع حميةً ماكروبيوتيكية بعد إبلاغه بإصابته بورمٍ غير قابل للشفاء في البنكرياس. فبعد شهرين من نظامٍ صارم قائم على البقول والعدس والخضراوات غير المطهية (ومع كثيرٍ من الغازات)، خفّت آلام بطنه وبدأ يزداد وزناً. وأظهر فحصٌ لاحق أنّ «السرطان» تقلّص فعلاً، غير أنّ التدقيق رجّح أنّه كان على الأرجح كيساً حميداً ناجماً عن التهابٍ مزمن.

ومع ذلك، وفي حالات نادرة جداً - بنحو حالة واحدة من كل مائة ألف - قد تتراجع بعض السرطانات تلقائياً. ومن ذلك حالة امرأة في الثالثة والعشرين أُصيبت بورم ميلانومي خبيث سريع الانتشار، ورفضت إنهاء حملها عندما اكتُشف المرض. وقد أنجبت طفلاً سليماً، ثم رُزقت بطفلين آخرين، قبل أن تفارق الحياة بعد نحو عشر سنوات من تشخيصها الأول.


الوجبات السكرية ليلاً… كيف تؤثّر في ضغط الدم؟

الدراسات تشير إلى أنّ من يعانون سوء النوم يكون ضغط الدم لديهم أعلى ليلاً (أرشيفية - رويترز)
الدراسات تشير إلى أنّ من يعانون سوء النوم يكون ضغط الدم لديهم أعلى ليلاً (أرشيفية - رويترز)
TT

الوجبات السكرية ليلاً… كيف تؤثّر في ضغط الدم؟

الدراسات تشير إلى أنّ من يعانون سوء النوم يكون ضغط الدم لديهم أعلى ليلاً (أرشيفية - رويترز)
الدراسات تشير إلى أنّ من يعانون سوء النوم يكون ضغط الدم لديهم أعلى ليلاً (أرشيفية - رويترز)

قد يؤدّي تناول السكر مباشرةً قبل النوم إلى ارتفاع ضغط الدم، خصوصاً إذا كان من السكريات المضافة (وليس السكريات الطبيعية الموجودة في أطعمة صحية مثل الفاكهة)، وفق تقرير أورده موقع «verywellhealth».

ورغم أنّ وجبة خفيفة واحدة قبل النوم لن تُحدِث فرقاً كبيراً في ضبط ضغط الدم، فإنّ الاعتياد على تناول وجبات سكرية ليلاً قد تكون له آثار أطول أمداً. وفي ما يلي أبرز الطرق التي قد يؤثّر بها السكر قبل النوم في ضغط الدم:

اضطرابات في الأيض

عند تناول وجبات عالية السكر قبل النوم، يكسّر الجسم الكربوهيدرات سريعاً إلى غلوكوز، فيفرز البنكرياس الإنسولين لنقل السكر من الدم إلى الخلايا.

- تعطيل الأيض الليلي: ارتفاع الإنسولين يُبقي الجسم في «وضع التغذية» بدلاً من الانتقال إلى عمليات الاستشفاء الأيضية التي تحدث عادة أثناء النوم.

- تأثير في استجابة ضغط الدم: المستويات المرتفعة من الإنسولين تجعل الكليتين تحتفظان بمزيد من الصوديوم، ما يزيد حجم الدم والضغط، كما ينشّط الجهاز العصبي الودّي (استجابة الكرّ أو الفرّ)، فيرفع نبض القلب ويضيّق الأوعية.

- خطر مقاومة الإنسولين على المدى الطويل: التكرار المزمن لارتفاع الإنسولين بسبب السكر الليلي قد يساهم في مقاومة الإنسولين، المرتبطة بقوة بارتفاع ضغط الدم.

قد يربك أنماط النوم

تشير دراسات إلى أنّ من يعانون سوء النوم يكون ضغط الدم لديهم أعلى ليلاً وتزداد لديهم مخاطر الإصابة بارتفاع الضغط.

- السكر يفسد النوم: دفعة الطاقة السريعة من وجبة سكرية ليلاً قد تجعل الحصول على نوم منتظم وعميق أكثر صعوبة.

- تحسين النوم يساعد الضغط: الاستغناء عن الوجبات السكرية قبل النوم قد يكون تدخلاً بسيطاً لتحسين جودة النوم والمساعدة في ضبط الضغط.

قد يضرّ بالأوعية الدموية

عندما تكون الأوعية سليمة، تنتج أكسيد النيتريك الذي يساعدها على التوسّع والاسترخاء وتسهيل تدفّق الدم والحفاظ على ضغط مستقر.

- السكر يثبّط إنتاج أكسيد النيتريك: الفركتوز قد يرفع مستوى حمض اليوريك في الدم، ما يعيق إنتاج أكسيد النيتريك ويرفع الضغط.

- نقص أكسيد النيتريك يزيد خطر القلب: مع الوقت قد يؤدّي ارتفاع حمض اليوريك إلى نقص مزمن في أكسيد النيتريك، ما يسهم في الالتهاب وأمراض القلب والأوعية.

زيادة الوزن مع الوقت

إن الاعتياد على تناول وجبات سكرية قبل النوم قد يهيّئ بيئة تؤدي إلى زيادة غير مرغوبة في الوزن، ما قد يؤثر في ضبط ضغط الدم.

- السعرات الزائدة تُخزَّن دهوناً: السعرات الإضافية قبل النوم، خصوصاً من السكريات البسيطة، تتحوّل بسهولة أكبر إلى دهون وتُخزَّن، ولا سيما حول منطقة البطن.

- الدهون الحشوية تؤثّر في الضغط: تراكم دهون البطن يفرز مركّبات التهابية وهرمونات تتداخل مباشرة مع تنظيم ضغط الدم.

- زيادة الوزن تُجهد القلب: الجسم الأكبر يحتاج إلى مزيد من الأوعية الدموية لإمداد الأنسجة بالأكسجين، ما يزيد عبء القلب ويرفع الضغط.

السمنة عامل خطر: ترتبط السمنة بقوة بمقاومة الإنسولين، التي تؤثر بدورها في التحكم بضغط الدم.

قد يزيد الحساسية للملح

تشير بعض الأبحاث إلى أنّ تناول السكر قد يزيد حساسية الجسم للملح.

- تعزيز تأثير الصوديوم: تناول وجبات سكرية ليلاً بانتظام قد يضخّم أثر الصوديوم المتناول في أوقات أخرى، ما قد يؤثر في تنظيم ضغط الدم لدى بعض الأشخاص.

بدائل أفضل لوجبة قبل النوم لصحة ضغط الدم

للحدّ من السكريات المضافة ليلاً، يمكن اللجوء إلى خيارات منخفضة السكر. أبرزها: زبادي يوناني مع قليل من التوت والبذور، حفنة صغيرة من المكسرات غير المملّحة (كالكاجو أو اللوز أو الجوز)، تفاحة مع ملعقتين من زبدة الفول السوداني، جبن قريش مع شرائح خيار، كوب شوفان سادة مع قرفة، حمّص مع خضار نيئة مثل الجزر الصغير أو الفلفل، فشار محضّر بالهواء مع بذور اليقطين، بيضة مسلوقة مع إدامامي.

حتى بكميات صغيرة، تجمع هذه الخيارات بين الألياف والبروتين والدهون الصحية، ما يساعد على كبح الجوع قبل النوم دون إحداث تأثيرات أيضية كبيرة قد تفسد النوم أو ترفع ضغط الدم.


مكمّلات يجب أن يحذر منها مرضى السكري… إليكم أبرزها

يمكن أن تؤثّر بعض المكملات في مستويات سكر الدم أو تتفاعل مع أدوية أخرى (أرشيفية - رويترز)
يمكن أن تؤثّر بعض المكملات في مستويات سكر الدم أو تتفاعل مع أدوية أخرى (أرشيفية - رويترز)
TT

مكمّلات يجب أن يحذر منها مرضى السكري… إليكم أبرزها

يمكن أن تؤثّر بعض المكملات في مستويات سكر الدم أو تتفاعل مع أدوية أخرى (أرشيفية - رويترز)
يمكن أن تؤثّر بعض المكملات في مستويات سكر الدم أو تتفاعل مع أدوية أخرى (أرشيفية - رويترز)

تُظهر بعض الاستطلاعات أنّ نحو 75 في المائة من البالغين في الولايات المتحدة استخدموا مكمّلات غذائية، فيما تشير بيانات أخرى إلى أنّ 58 في المائة استخدموا أحدها خلال الثلاثين يوماً الماضية - لكن خبراء يقولون إنّ بعض الفئات ينبغي أن تتوخّى الحذر.

ووفق تقرير نشرته شبكة «فوكس نيوز»، تتوافر أنواع كثيرة من المكمّلات، بما في ذلك الفيتامينات والمعادن والأعشاب والأحماض الأمينية والبروبيوتيك، وهي مصمَّمة لسدّ النقص الغذائي ودعم الصحة العامة. ويستهدف بعضها وظائف محدّدة، مثل دعم المناعة وتعافي العضلات وصحة العظام، وفق مصادر طبية عدّة.

وعلى خلاف الأدوية الموصوفة طبياً وتلك المتاحة من دون وصفة، لا تحتاج المكمّلات عادةً إلى موافقة «إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)» قبل طرحها في الأسواق، إلا أنّها تنظّمها، ويمكنها اتخاذ إجراءات ضد المنتجات غير الآمنة أو المضلِّلة في وسمها.

بالنسبة للمصابين بالسكري، قد تشكّل المكمّلات التالية مخاطر صحية خطيرة، إذ يمكن أن تؤثّر في مستويات سكر الدم أو تتفاعل مع الأدوية، وفق المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة.

إليكم لائحة بالمكمّلات الغذائية التي ينبغي لمرضى السكري الحذر عند تناولها:

نبتة «سانت جون» (St. John’s Wort)

تقول اختصاصية التغذية دون مينينغ إنّ على المصابين بالسكري تجنّب تناول مكمّل نبتة «سانت جون».

وتُسوَّق هذه العشبة أساساً بوصفها علاجاً طبيعياً للاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، وقد تُستخدم أيضاً للقلق ومشكلات النوم أو أعراض سنّ اليأس ومتلازمة ما قبل الحيض.

وأضافت مينينغ في حديثها إلى «فوكس نيوز»: «يمكن لهذا العلاج العشبي أن يتداخل مع كثير من أدوية السكري عبر التأثير في طريقة تكسيرها داخل الجسم، ما قد يجعل الأدوية أقل فاعلية ويصعّب ضبط مستويات سكر الدم».

«الكروميوم»

أشارت مينينغ إلى أنّ مكمّل «الكروميوم» يُسوَّق كثيراً لقدرته على تحسين تنظيم سكر الدم لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني، إلا أنّ الأدلة على ذلك محدودة، كما أنّ نتائج الأبحاث «متباينة».

وحذّرت قائلةً إن «تناول هذا المكمّل مع الإنسولين أو أدوية السكري الفموية قد يزيد خطر انخفاض سكر الدم». ووفق موقع «هيلثلاين»، قد تؤدي هذه الحالة إلى زيادة خطر الدوار والتعب والإغماء.

مكمّلات القرع المُرّ

أشارت مينينغ إلى أنّ مكمّلات القرع المُرّ تُؤخذ غالباً للمساعدة في خفض مستويات سكر الدم لدى المصابين بالسكري. وقالت إنها «تحتوي على مركّبات مثل (بوليبيبتيد - P) قد تعمل بطريقة شبيهة بالإنسولين، لذلك فإن تناولها مع أدوية السكري قد يزيد خطر انخفاض سكر الدم».

النياسين (فيتامين B3)

يُستخدم هذا المكمّل أحياناً للمساعدة في ضبط مستويات الكوليسترول، لكنه لدى المصابين بالسكري قد يرفع أيضاً مستويات سكر الدم؛ ما يزيد خطر فرط سكر الدم.

وقالت اختصاصية التغذية ميشيل روثنشتاين: «أنصح بالحذر من استخدام مكمّلات النياسين بجرعات مرتفعة، لأنها قد ترفع سكر الدم بشكل ملحوظ وتجعل من الصعب الحفاظ على مستوى الهيموغلوبين السكري (A1c) ضمن النطاق الأمثل».

«الجينسنغ»

ارتبط «الجينسنغ» الآسيوي بزيادة الطاقة والتركيز ودعم صحة الجهاز المناعي، كما يحتوي على مضادات أكسدة قد توفّر حماية للخلايا، وفق «كليفلاند كلينك». ورغم ارتباطه أيضاً بتحسُّن بعض المؤشرات القلبية - الأيضية لدى المصابين بمقدمات السكري والسكري، تشير بعض الأدلة إلى أنّه قد يُخفّض سكر الدم عند تناوله مع أدوية السكري.

«بيتا-كاروتين» (β-carotene)

يُستخدم هذا المكمّل أساساً بوصفه مضاد أكسدة ومصدراً لفيتامين A لدعم الرؤية ووظائف المناعة وصحة العين والجلد. غير أنّ «جمعية السكري الأميركية» لا توصي بتناول مكملات «بيتا - كاروتين» لمرضى السكري، بسبب ارتباطها بزيادة خطر سرطان الرئة والوفيات القلبية الوعائية، بحسب اختصاصي التغذية، جوردان هيل.

القرفة بجرعات مرتفعة

تُروَّج القرفة كثيراً بوصفها مكمِّلاً للمساعدة في ضبط السكري وإنقاص الوزن، إذ تشير بعض الأبحاث إلى أنّها قد تساعد على خفض مستويات سكر الدم وتقليل مقاومة الإنسولين. غير أنّ تناول كميات كبيرة من القرفة قد يعزّز تأثير أدوية السكري ويؤدي إلى انخفاضٍ مفرط في مستويات سكر الدم، ما قد يسبّب هبوط السكر، بحسب موقع «هيلثلاين».

«الألوفيرا» (الصبّار)

يُروَّج لتناول «الألوفيرا» فموياً للمساعدة في السكري وفقدان الوزن وأمراض الأمعاء الالتهابية. غير أنّ المعاهد الوطنية للصحة تشير إلى أنّ تناوله مع أدوية السكري قد يسبّب انخفاض سكر الدم ويزيد خطر الهبوط، كما قد يسبّب آثاراً جانبية في الجهاز الهضمي.

تشير معايير الرعاية الخاصة بالسكري الصادرة عن «الجمعية الأميركية للسكري» إلى أنّه «في غياب نقصٍ فعلي، لا توجد فوائد من المكمّلات العشبية أو غير العشبية (أي الفيتامينات أو المعادن) لمرضى السكري».

كما تنصح الجمعية الأميركية لأطباء الغدد الصماء السريريين بالحذر من جميع المكمّلات الغذائية غير المنظَّمة بسبب تفاوت تركيبتها وجودتها واحتمال تسبّبها بأضرار.

ويوصي الخبراء بالتحدّث إلى الطبيب قبل البدء بأي مكمّل لمعرفة تأثيره المحتمل في مستويات سكر الدم أو الأدوية أو إدارة السكري بشكل عام.