عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

من الكتابة التعددية إلى الانطوائية القاتلة

عصام محفوظ
عصام محفوظ
TT

عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

عصام محفوظ
عصام محفوظ

«موسوعي»، «رائد»، «تنويري»، «طليعي»، «مثقف ملتزم»، قل ما شئت عن عصام محفوظ ستجد من يزيد ويشيد.
نادراً ما يحظى المثقفون والكتاب الراحلون بعد موتهم بتقدير من عرفهم والإحساس بأنهم غبنوا في حياتهم ومماتهم، كما حال هذا الكاتب التعددي والشامل في آن. شاعر، مؤسس للكتابة المسرحية، ناقد، مترجم، صحافي، أستاذ جامعي. قام بكل هذه المهمات وكأنه منذور لكل منها. خارج من قيود الطائفية والانتماءات الضيقة، تجريبي حتى الثمالة، تجديدي حد المغامرة. يبدو وكأنما الكلام عن هذا الشاعر الذي تحول إلى رائد الكتابة المسرحية في لبنان باعتراف من جايلوه وأتوا بعده، وكأنه شيء من الإنشاء، وما هو بذلك. فحين نتذكر عصام محفوظ اليوم بعد 12 سنة على غيابه، وننظر إلى الوراء، لنرى كم من الكبار رحلوا وبقيت أماكنهم خلاء ممن يوازيهم أو يبزهم، يظهر المشهد كئيباً جداً. ليس فقط أن الكتابة المسرحية في لبنان تكاد تندثر، بل إن هؤلاء الجادين العميقين الذين تشبعوا التراث وتمثلوا الحداثة في وقت واحد، دون ازدواجية مرضية وتناقضات كاسرة، ينقرضون كالديناصورات.
من مواليد الجنوب اللبناني في بلدة جديدة مرجعيون عام 1939 تعلم في مدارسها، وأكمل في بيروت ومن ثم في «معهد الدراسات العليا» في باريس ليحصل على «دبلوم الدراسات المعمقة». لكن ما يهم من حياة محفوظ ليست شهاداته وإنما نهمه للقراءة، وتلك الثقافة التي جعلت منه صاحب رؤية نفاذة، وقدرة على التنقل بين الكتابات والفنون، وكأنما هو يتجول في حديقته الخاصة.
الشائع أن عصام محفوظ بدأ شاعراً وأنه عام 1967 وبعد الهزيمة النكراء التي تجرعها العرب، شعر كما شعر آخرون أن المرحلة لم يعد يليق بها الشعر، وأنها تحتاج إلى ما يجعله على تواصل مباشر مع الناس، فكتب مسرحيته الأولى «الزنزلخت».
لكن الحقيقة أن محفوظ كتب المسرح منذ الستينات، وأن مسرحيته الشهيرة هذه كان قد كتبها عام 1963 وقدمها في العام الذي يليه إلى منير أبو دبس و«فرقة المسرح الحديث» ليتم إخراجها ووضعها على الخشبة، لكن ذلك لم يتم، ولم يرها المتفرج إلا عام 1968 بإخراج اسم معروف آخر هو برج فازيليان. من هنا أتى الالتباس حول إذا ما كان محفوظ شاعراً ذهب إلى المسرح أو ممسك بالكتابة من أكثر من طرف من بداياته.
وهو نفسه يروي كيف أن طفولته الجنوبية ورؤيته لاحتفالات عاشوراء شكلت بداية وعيه لقيمة العدالة وغذت الغواية البصرية في مخيلته التي ستجعل المسرح شاغله. هذه العدالة التي ستصبح هاجساً يلاحقه طوال حياته حتى صارت تدفع به إلى البحث عن «مثالية تقارب التصوف». ويروي عما كان يشاهد في طفولته: «كنت أقف في احتفال عاشوراء في النبطية، البلدة المجاورة لبلدتي، مذهولاً أمام ما يحدث: أطفال محلوقو شعر الرأس، يتقدمون المحتفلين، وهم يضربون رؤوسهم بالسكاكين أو الخناجر، فيسيل الدم على الوجوه الصغيرة وعلى الثياب البيضاء...» من هذه المشهديات يستنتج محفوظ أن «الحياة تصبح أحيانا أصعب من الموت» وهو تماماً ما يقوله بطله سرحان سرحان في المسرحية الشهيرة ذات العنوان الطويل «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟» التي صدرت سنة 1971. وهي مسرحيته الرابعة التي نشرت بعد «الزنزلخت» ومن ثم «القتل» عام 1968 و«الديكتاتور» عام 1969 و«كارت بلانش» عام 1970 و«11 قضية ضد الحرية» عام 1975 ثم مجموعة مسرحيات قصيرة صدرت معاً عام 1985. وما كان لمحفوظ أن يفكر بكتابة هذه الأعمال بالفصحى، لأن الغرض الأول منها هو مخاطبة الناس بالطريقة الأقرب إلى التأثير بهم والتفاعل معهم، لذلك جاءت جميعها بالمحكية اللبنانية أو ما أسماه «الفصحى الشعبية»، وبعضها أعيد وضعه على الخشبة مرات عدة، وبرؤيا مخرجين مختلفين.
ويختصر هذا الرائد الطموح، صاحب الأحلام الكبار في التغيير مهمته من خلال العمل في المسرح بالقول إن الغاية كانت دائماً بلورة رؤية جديدة للعالم والتعبير عنها بلغة مختلفة، وكان له ما أراد، وهو يحاول أن يصيغ نصوصه بعيداً عن العبارات المنمقة، ومتخففة من الأفكار التي تحنطها.
والبيان رقم 1 الذي أصدره بعد مسرحية «الزنزلخت» بقليل فيه من التفاصيل والوضوح الكافيين لندرك ما الذي كان يريده من نصوصه المسرحية، والنهج الذي اتبعه. فقد اعتبر أنه يخوض بكتابته معركة «ضد الاتفاق، ضد التقليدية، ضد التفاهة، ضد الكسل، ضد اللامسرح، معركة جعلت منها حداً فاصلاً بين النص الأدبي والنص المسرحي». ويقول في المانيفستو الشهير «إنني أولاً وقبل كل شيء ضد الكلمة الشعرية في المسرح، ضد الحذلقة الذهنية، ضد البلاغة، ضد الخطابة، ضد الغنائية، ضد الفكر، ضد كل ما يقتل الحياة في اللغة المسرحية».
هو أديب وناقد فني، تابع بعناية شديدة مسار المسرح اللبناني والعربي، لهذا يؤكد بثقة: «أستطيع أن أحدد أن المسرح السياسي التسجيلي الذي بدأته في مسرحية (القتل) وأنضجته في مسرحية (لماذا) كان الأول من نوعه في العالم العربي قاطبة، فيما يسمى حالياً بالمسرح التسجيلي الذي صار في العالم كله اليوم المسرح البديل عن المسرح القصصي أو السيكولوجي أو الترفيهي».
كل هذه الثقة بالنفس جعلت محفوظ يندفع في كل اتجاه إبداعي تجريبي يقدر عليه، لكنه في الوقت نفسه، أظهر أنه سريع الانسحاب شديد الانطوائية. فبعد أن سكت عن الشعر وانصرف إلى المسرح، جاءت الحرب الأهلية صادمة عام 75، له كما لكثيرين. لكن صاحب «الزنزلخت» كان أكثر هشاشة من رفاق تلك المرحلة. مزاجه الصعب، وطبيعته الانطوائية لم تساعدانه على تخطي المحن. بقدر ما كان متحمساً ومنطلقاً كسهم، بدت الكوابح جامحة. من قمة الازدهار الثقافي الذي عاشته بيروت وجمعته إلى كبار زمنه في أعمال واحدة أشهرها «مجدليون» مع روجيه عساف ونضال الأشقر، وفرق مسرحية أخرى نشطت في ذلك الوقت، إلى قعر المنحدر والشلل في الحرب وسط معارك العبث الأهلي. لم يغب عصام محفوظ بالكامل، بعد أن هجر المسرح، بقيت كتاباته النقدية والفكرية مستمرة، فهو ابن جريدة «النهار» منذ عام 1966 ولأكثر من ثلاثين عاماً بقي حاضراً بترجماته ومقالاته وحواراته. ما كتبه متفرقاً شكل مادة لعشرات الكتب التي عاد وجمعها، وله أربعة كتب لم تكن منشورة صدرت العام الماضي عن دار نلسن.
في البدايات الأولى خاض غمار الحداثة مع جماعة مجلة «شعر» وعن دارها أصدر دواوينه «أشياء ميتة» 1959 وكذلك «أعشاب الصيف» 1961 و«السيف وبرج العذراء» 1963 وجمع قصائد له في ديوان رابع حمل اسماً دالاً هو «الموت الأول» 1975. سوداوياً كان في قصائده، كما سنراه بعد ذلك في مسرحياته المشوبة نصوصها بسخرية سوداء وهي تقارب العبثية وتداعبها. وهو كيفما انتقل في الفنون حمل معه ذاك النفح الوجودي القاتم. كتب عن «الرواية العربية الطليعية»، و«أراغون الشاعر والقضية» و«ورامبو بالأحمر» و«سجالات القرن العشرين الفكرية»، و«السوريالية وتفاعلاتها العربية» وعن جورج شحادة، وجبران، و«مسرحيو القرن العشرين، وعن الرواية العربية، وشعراء القرن العشرين»، ورواد الشعر في لبنان، وأطلق حواراته مع رواد النهضة العربية، ومع المتمردين والملحدين في التراث، ومع ابن عربي، كما كتب في السياسة عن الحرب وعن «الإرهاب بين الإسلام والسلام» وله قصة اسمها «عاشقات بيروت الستينات»، صدرت «دار رياض الريس للنشر» عام 2000.
هل ظلم نفسه عصام محفوظ وهو يجول في الأنواع الأدبية، ويخوض كل ميدان ظاناً أن الحياة هي روافد كثيرة تذهب إلى مصب واحد هو الحياة، وأنه مسؤول كمثقف عن بلورة الرؤية الأوضح لمواطنيه ليكشف لهم الدرب، بصرف النظر عن الوسيلة؟ أم تراه كاتبا كبيرا عاش في غير زمنه ومكانه فنبذ نفسه وانزوى وحيداً، منكباً على أوراقه وأقلامه وكتبه لا ملجأ له غيرها، فعاش مغامراً ومات وحيداً قبل أن يكمل عامه السابع والستين مشلولاً، تاركاً وراءه غصة كبيرة عند أصدقائه، وحيرة حول تلك السيرة الثرية فكراً ونتاجاً والقانعة بذاتها في زمن ما عاد يصلح لغير المهرجين والمروجين؟



جيونا ناتزارو: «صندوق البحر الأحمر» أسهم في تغيير صورة السينما العربية عالمياً

المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)
المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)
TT

جيونا ناتزارو: «صندوق البحر الأحمر» أسهم في تغيير صورة السينما العربية عالمياً

المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)
المدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو (إدارة المهرجان)

قال المدير الفني لمهرجان «لوكارنو السينمائي» بسويسرا، جيونا ناتزارو، إن «صندوق البحر الأحمر» يمثل أحد العناصر المهمة في دعم السينما العربية المعاصرة، مؤكداً أن ما يقدمه الصندوق لا يقتصر على المساندة الاقتصادية فقط، وإنما يمتد إلى توفير فرص حقيقية أمام صناع الأفلام لتطوير مشروعاتهم، وتحويلها إلى أعمال قادرة على الوصول إلى المهرجانات، والجمهور العالمي، وهو نوع من الدعم أصبح ضرورياً لاستمرار الحراك السينمائي في المنطقة.

وأضاف ناتزارو في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أن الدعم الاقتصادي الذي توفره مؤسسات «معهد الدوحة» و«صندوق البحر الأحمر» يمثل عاملاً حاسماً في نمو صناعة السينما العربية، لأن إنتاج الفيلم يحتاج إلى منظومة تستطيع تحمل المخاطر، ومرافقة المشروع منذ مرحلة الفكرة، والتطوير، وحتى الإنتاج، والوصول إلى الجمهور.

وأوضح المدير الفني للمهرجان -الذي اختتم فعالياته قبل أيام- أن تجربة «البحر الأحمر» السعودية قدمت نموذجاً واضحاً على قدرة مؤسسات المنطقة على تحويل الدعم إلى إنتاج سينمائي فعلي، مشيراً إلى أن «الجهود التي بذلتها إدارة المهرجان وفريقها ساعدت في إنتاج عدد من الأفلام الناجحة».

وأكد أن أهمية الصندوق لا ترتبط فقط بحجم الأموال التي يضخها في المشروعات، وإنما بقدرته على منح المخرجين مساحة للمغامرة، وهو ما تحتاج إليه صناعة السينما حتى تستطيع اكتشاف أصوات جديدة بدلاً من إعادة إنتاج التجارب الآمنة، والمضمونة.

مهرجان لوكارنو احتضن العديد من الفعاليات (إدارة المهرجان)

وعن اختيار الفنانة التونسية عفاف بن محمود ضمن لجنة تحكيم الدورة الماضية لمهرجان لوكارنو قال إن «ذلك يعكس جانباً من التحول الذي شهدته المواهب العربية خلال السنوات الماضية»، موضحاً أنها تمثل نموذجاً لشخصية سينمائية متعددة الخبرات، إذ تجمع بين التمثيل، والإخراج، والعمل في إدارة المهرجانات، وهذا التنوع في المسارات أصبح سمة مهمة لدى عدد من صناع السينما العرب، الذين يتحركون اليوم بين مجالات مختلفة، ولا يكتفون بدور فني واحد.

وأكد المدير الفني للوكارنو أن اختيار عفاف بن محمود لم يكن منفصلاً عن التطور الذي تشهده السينما العربية، لا سيما أن المنطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة ظهور عدد كبير من المخرجين الجدد، والمواهب المختلفة، مؤكداً أن ما يلفت الانتباه في هذه التجارب هو قدرتها على التعامل مع السينما باعتبارها مساحة للبحث، والمغامرة، وليس مجرد وسيلة لإعادة تقديم الموضوعات المعروفة، وهو ما يمنح المهرجانات الدولية فرصة لاكتشاف أصوات جديدة تحمل رؤى خاصة.

الفنانة التونسية عفاف بن محمود (إدارة المهرجان)

وأضاف ناتزارو أن الحضور النسائي يمثل أحد أبرز ملامح التحول الذي شهدته السينما العربية، لأن المنطقة قدمت خلال السنوات الأخيرة مواهب نسائية في الإخراج، والكتابة، والتمثيل، ومختلف أقسام صناعة الفيلم، لافتاً إلى أن السينما الأوروبية لا تزال تخوض نقاشاً حول نقص الأصوات النسائية، بينما شهدت دول عربية ظهور عدد كبير من النساء اللواتي أصبحن جزءاً أساسياً من عملية صناعة الفيلم، ما اعتبره مؤشراً مهماً على تغير خريطة المواهب.

وقال إن ما يميز صناع الأفلام العرب هو وجود رغبة قوية في خوض تحديات صناعة الفيلم، موضحاً أن هذه الرغبة تظهر في تنوع التجارب، والأساليب، والموضوعات، كما تظهر في استعداد المخرجين للتعامل مع السينما باعتبارها مساحة مفتوحة لإعادة التفكير في الواقع.

وأضاف أن متابعة هذه الطاقة تمثل بالنسبة إلى لوكارنو أمراً شديد الأهمية، لأن المهرجان يبحث دائماً عن التجارب التي تحمل إحساساً بالحاجة إلى صناعة الفيلم، وليس فقط عن أعمال تكرر ما سبقها، لافتاً إلى أن المهرجان استقبل على مدار السنوات الماضية عدداً كبيراً من المواهب العربية التي تمكن بعضها لاحقاً من تأكيد حضوره على الساحة الدولية، وهو مسار يمثل مصدر فخر لهم.

شهد المهرجان حضوراً جماهيرياً كبيراً (إدارة المهرجان)

وأكد أن حضور صناع الأفلام العرب لم يعد مجرد إضافة جغرافية إلى خريطة المهرجانات، وإنما أصبح أحد العوامل التي أسهمت في تجديد السينما العالمية نفسها، من خلال أصوات جديدة، وتجارب تتحدى الصور الجاهزة، وتوسع حدود التعبير السينمائي.

ولفت كذلك إلى الدور المهم الذي لعبه «معهد الدوحة للأفلام» في إعادة تشكيل الطريقة التي ينظر بها العالم إلى السينما العربية، موضحاً أن المؤسسة دعمت صناع أفلام من منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، كما فتحت فرصاً للتعاون مع دول أفريقية، ومؤسسات أوروبية.

ويرى مدير مهرجان لوكارنو أن هذه المؤسسات أسهمت في ظهور جيل من المخرجين العرب الذين لم يكتفوا بتكرار الصورة التقليدية للمنطقة، وإنما حاولوا مساءلتها، وإعادة تقديمها من زوايا أكثر تعقيداً.


ساعة تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي تُباع بـ59 ألف جنيه إسترليني

ظلت ساعة اليد لسنوات بين قطع من المجوهرات القديمة (دار هانسونز أوكشنيرز)
ظلت ساعة اليد لسنوات بين قطع من المجوهرات القديمة (دار هانسونز أوكشنيرز)
TT

ساعة تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي تُباع بـ59 ألف جنيه إسترليني

ظلت ساعة اليد لسنوات بين قطع من المجوهرات القديمة (دار هانسونز أوكشنيرز)
ظلت ساعة اليد لسنوات بين قطع من المجوهرات القديمة (دار هانسونز أوكشنيرز)

حققت ساعة سويسرية نادرة تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي مبلغ 59 ألف جنيه إسترليني في مزاد علني، بعدما عُثر عليها بين قطع مجوهرات قديمة داخل صندوق مجوهرات يعود لوالدة الراحلة، خلال عملية إخلاء منزل في بريطانيا، حسب «ديلي ميل» البريطانية.

وكان خبراء قد قدّروا في البداية قيمة ساعة «باتيك فيليب» بنحو 5 آلاف جنيه إسترليني فقط، إلا أنها فاقت التوقعات بفارق كبير، بعدما بيعت بما يقارب 12 ضعف تقديراتها الأولية.

وعُثر على الساعة، المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، خلال إخلاء منزل في مدينة كامبورن بمقاطعة كورنوال، قبل أن تُعرض للبيع في مزاد نظمته دار «هانسونز أوكشنيرز» في مدينة بينزانس. وظلت ساعة اليد لسنوات بين قطع من المجوهرات القديمة، دون أن يدرك أفراد العائلة قيمتها الحقيقية.

وقالت ابنة صاحبة الساعة إنها تتذكر أن والدتها أخبرتها في وقت سابق إنها تملك ساعة باهظة الثمن، لكنها لم تكن تعلم قط قيمتها الفعلية. وأضافت أن أحداً لم يتوقع أن تصل قيمة هذه القطعة العائلية الثمينة إلى نحو 12 ضعف السعر الذي حدده الخبراء.

وقال دارين آشلي، كبير المثمّنين في فرع «هانسونز كورنوال»: «عندما أصبحت الساعة أخيراً بين يديَّ وتمكنت من فحصها بصورة دقيقة، أدركت أننا أمام قطعة نادرة للغاية».

وأضاف: «كانت شركة (باتيك فيليب) تُنتج عدداً قليلاً جداً من الساعات المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ خلال تلك الحقبة، وهذه الندرة تجعل القطع التي بقيت حتى يومنا هذا مرغوبة بشدة لدى هواة جمع الساعات».

وتابع: «لكن أحد أكثر الأمور التي أثارت إعجابي كان كمال آليتها. كانت هذه ساعة يعود تاريخها إلى نحو 90 عاماً، وظلت لعقود في حوزة العائلة نفسها في كورنوال، وعندما وُضعت بين يديّ كانت لا تزال تعمل بدقة وتواصل عقاربها الحركة».

وأشار آشلي إلى أن تاريخ الساعة وقصتها العائلية جعلا مهمة بيعها تجربة مميزة، قائلاً: «إلى جانب تاريخها الموثق والرائع، كان من دواعي سروري أن أُؤتمن على بيع قطعة زمنية استثنائية كهذه».

والساعة النادرة، وهي من طراز «Patek Philippe & Co Calatrava Reference 448»، كانت ملكاً لجد البائع، قبل أن تنتقل إلى ابنته.

ويُعتقد أن جدّة البائع، التي كانت مولعة بالأزياء الفاخرة والمقتنيات الراقية، اشترت الساعة هدية لزوجها قبل عقود.

وأثار عرض الساعة اهتمام مشترين محتملين من الولايات المتحدة واليابان والصين والسعودية والمملكة المتحدة، قبل أن تستقر في النهاية على مشترٍ شارك في المزاد عبر الهاتف من هونغ كونغ.


المهرجان الإيطالي يعِد مشتركيه بإرسال أفلامهم إلى الأوسكار

الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)
الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)
TT

المهرجان الإيطالي يعِد مشتركيه بإرسال أفلامهم إلى الأوسكار

الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)
الاستعدادات النهائية في مقرّ «مهرجان فينيسيا» قبيل انطلاق دورته الـ83 (إ.ب.أ)

بعد ورود أنباء من إدارة «مهرجان فينيسيا»، قبل أيام قليلة، تُفيد بأن المؤتمر السنوي المعتاد للجنة التحكيم قد لا يُعقد بسبب تضارب مواعيد أعضاء اللجنة، أُعلن صباح الاثنين 31 أغسطس (آب) تذليل العقبات التي كادت تحول دون عقد المؤتمر المعتاد في مطلع كل دورة، والمقرر إقامته يوم الأربعاء، في اليوم الأول من هذه الدورة الـ83.

ولولا تدارك الوضع وإعادة ترتيب جداول أعمال أعضاء اللجنة، لسُجِّلت سابقة غير مريحة بالنسبة إلى مهرجان في قامة «فينيسيا». وترأس الممثلة، التي تحوَّلت أخيراً إلى الإخراج، ماغي جيلنهال، لجنة تحكيم هذا العام، التي تضم أعضاء متنوعين على نحو لافت؛ فهناك المخرجة التونسية كوثر بن هنية («صوت هند رجب»)، والمخرجة الأفغانية شهربانو سادات «لا رجال صالحون»، إلى جانب المخرج الفرنسي كزافييه جيانولي، والبروفسور الإيطالي - الأميركي فرانشسكو كازيتي، الذي يقدِّمه المهرجان بوصفه إيطالياً فقط، والموسيقار البريطاني دانيال بلومبيرغ، والمخرج الهونغ كونغي جوني تو.

فلسطين وقضايا أخرى

مهمة اللجنة واضحة، وهي منح جوائزها لأفضل ما تراه مستحقاً من وجهة نظر أعضائها. لكن هناك بعض التوقعات التي قد تجعل الوصول إلى النتائج أكثر من مجرد طرح ونقاش. ففي السنوات الأخيرة، تحوّلت المؤتمرات التمهيدية للجان التحكيم في أكثر من مهرجان عالمي، من بينها برلين وكان وصندانس، إلى محاولة من الإعلام الغربي لجسّ نبض الأعضاء، ومن ورائهم المهرجان، حيال الأوضاع السياسية الساخنة.

الممثلة والمخرجة الأميركية ماغي جيلنهال (أ.ب)

وهذا ما سيتكرر في هذا المؤتمر، إذ لن تستطيع لجنة التحكيم تجاهل النداءات المتكررة لإعلان موقف واضح من القضية الفلسطينية. ولا بد من ملاحظة أن رسالة، وقّعها عدد كبير من السينمائيين والفنانين والأدباء، وُجّهت أخيراً إلى إدارة «مهرجان فينيسيا»، تطالب بإعلان تأييد المهرجان لفلسطين. ومن بين الموقّعين المخرجة الفرنسية إيزابيل كويكسودك، والمخرج الإيطالي ماتيو غاروني، وروجر ووترز، رئيس فرقة «بينك فلويد»، والفرنسية الفائزة بجائزة نوبل للآداب آني بلانش أرنو.

وفي خطوة مفاجئة، ضُمّ فيلم إسرائيلي بعنوان «نازا» إلى أفلام المسابقة الرسمية، ليبلغ عددها الآن 23 فيلماً. والفيلم الجديد من إخراج الثنائي يوفال أبراهام وواتشل شور، اللذين كانا قد حققا «لا أرض أخرى» مع المخرجين الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال. والفيلم الجديد تسجيلي، كما كان حال الفيلم السابق. ويتولى تقديم خفايا الهجوم الإسرائيلي على غزة، وفق منظومة عمل تقضي بتكبيد القطاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

ولن تكون هذه المرة الأولى التي يجد فيها أعضاء اللجنة أنفسهم محشورين في خانة ضيقة أمام موضوع مماثل. ففي العام الماضي، واجه رئيس لجنة التحكيم، المخرج ألكسندر باين، أسئلة الصحافيين عن رأيه في مجازر إسرائيل في غزة. وبدا جوابه متعثراً، لكنه انتهى إلى القول: «لا أستطيع الرد على هذه الأسئلة؛ لأنني لم أُجهّز نفسي لها». ولم يقنع هذا الرد أحداً، لكنه كان الرد الوحيد على أي حال.

وحتى لو حاولت ماغي جيلنهال تجنّب التبرع بردّ يضعها في خانة دون أخرى، فإن عدداً من أفلام المهرجان، في المسابقة الرسمية أو خارجها، يتطرّق إلى أوضاع العالم اليوم. فهناك أفلام عن غزة، وأخرى عن الوضع الأوروبي، حيال تضييق حرية إبداء الرأي والإعلام، من دون أن ننسى المتغيرات البيئية التي تداهم العالم.

الهدف التالي

غاي بيرس إلى اليسار وجاك أوكونل في «حبر» (هاوس برودكشنز)

بعيداً عن هذا الشأن، يفتتح المهرجان دورته بفيلم «حبر» (Ink) للبريطاني داني بويل. وهو فيلم سِيَري يؤدي فيه غاي بيرس، الذي نراه حالياً في «ذا دوغ ستارز» (The Dog Stars)، دور الإعلامي روبرت مردوك، في مرحلتي ما قبل شرائه صحيفة «ذا صن» البريطانية وما بعده، وتحويلها، بمساعدة رئيس تحريرها لاري لامب، الذي يؤدي دوره جاك أوكونِل، وشوهد في «سينرز» (Sinners) في ربيع العام الماضي، إلى واحدة من أنجح صحف بريطانيا في السبعينات.

والإيحاء السائد حتى الآن هو أن الفيلم يسير في الخط نفسه الذي سار فيه الفيلم الذي أخرجه أورسن ويلز بعنوان «المواطن كين» (Citizen Kane) عام 1941، وهو أول أفلامه. لكن ذلك لن يتأكد قبل مشاهدة الفيلم ومعرفة نقاط التقائه معه ونقاط اختلافه عنه. وكان ذلك الفيلم الكلاسيكي سيرة حياة مستوحاة، كما يجمع المؤرخون، من حياة ويليام راندولف هيرست، أحد أباطرة الصحافة في العقود الأولى من القرن الماضي.

والمرجح، على نحو شبه مؤكد، أن فيلم داني بويل يتوقع لنفسه دخول سباق الأوسكار المقبل، بعد أن ينطلق في العروض التجارية بالولايات المتحدة في 11 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

بينيلوبي كروز كما في «الملجأ» (بلو مورنينغ فيلمز)

سيكون «حبر» أحد الأفلام التي ستنطلق من «مهرجان فينيسيا»، آملةً في الوصول إلى جوائز الأكاديمية الأميركية، كما يحدث كل عام. ومن بين الأفلام الأخرى التي ستُعرض في هذه الدورة من المهرجان الإيطالي، وتأمل، استناداً إلى إمكاناتها الفنية والإنتاجية، دخول ذلك السباق، «وايلد هورس ناين» لمارتن ماكدونا، الذي تقع أحداثه في تشيلي عام 1973. وتتوزع البطولة هنا بين سام روكول وستيف بوشيمي وجون مالكوفيتش. وتشير الأحاديث الأولى عن هذا الفيلم إلى أنه معادٍ لخلايا وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) في تشيلي وبعض المناطق الأخرى من أميركا اللاتينية.

كذلك، يأتي في الحسبان الفيلم الجديد للفرنسي فلوريان زَلر «ملجأ» (Bunker)، مع بينيلوبي كروز في دور زوجة مهندس معماري (خافيير باردم)، تعيد حساباتها العاطفية عندما يقبل الزوج بناء ملجأ كبير لمصلحة مليونير، تحسباً لاندلاع حرب نووية. وكان فيلم زَلر الأول «الأب» (The Father) قد حصد جائزتي أوسكار عام 2021؛ الأولى لأفضل تمثيل رجالي، ونالها أنطوني هوبكنز، والثانية لأفضل سيناريو مقتبس، ونالها كريستوفر هامبتون وزَلر.

صوفيا بوتيللا وبيل بولمان في «أسس الفلسفة» (ردلاين إنترتايمنت)

والسعي إلى دخول حلبة الأوسكار من نصيب فيلم بول شرادر «أُسس الفلسفة» (The Basics of Philosophy). وما ينبئ به الفيلم الجديد، على صعيد حكايته، هو العودة إلى تلك الأعمال التي كتبها المخرج وأخرجها حول شخصيات مذنبة تراجع أفعالها السابقة وتشعر بالندم حيالها. والفيلم من بطولة صوفيا بوتيللا، الجزائرية الأصل، التي ظهرت في أفلام أميركية وفرنسية خلال السنوات الماضية.

وعلى صعيد الأفلام التسجيلية، أو غير الروائية، لدينا 3 أفلام مستعدة لخوض غمار الأوسكار في هذا القسم، هي: «يونيون تاون» (Union Town) للأميركية باربرا كوبل، و«باكينغ فاستارد» (Bucking Fastard) للألماني فيرنر هرتزوغ. وقد نال كلاهما مدحاً من القلة التي حظيت بمشاهدته، إلى جانب الفيلم الإسرائيلي «نازا»، الذي سيُعرض في فينيسيا في العاشر من هذا الشهر.

لا بد من الإشارة إلى أن «صوت هند رجب» لكوثر بن هنية دخل، العام الماضي، سباق الأوسكار ووصل إلى الترشيحات الرسمية، بعدما فاز بالأسد الفضي في دورة عام 2025. وفي الدورة الحالية، هناك عدد كبير من الأفلام لمخرجين عرب، أو من المنطقة العربية بتمويل أجنبي، سيسعون إلى الوصول إلى تلك المناسبة. ومن بينها الفيلم المصري «المواطن أسامة» لأحمد حسّونة، المشارك في المسابقة الرسمية. وسيتوقف نجاح هذه المبادرات على عاملين: الأول قوة الفيلم وجدارته، والثاني رأي لجنة التحكيم فيه.