وثيقة من 11 بنداً خلاصة حوار سري سني ـ علوي في برلين

الموقِّعون يأملون أن تكون «مبادئ فوق دستورية لسوريا المستقبل»

وثيقة من 11 بنداً خلاصة حوار سري سني ـ علوي في برلين
TT

وثيقة من 11 بنداً خلاصة حوار سري سني ـ علوي في برلين

وثيقة من 11 بنداً خلاصة حوار سري سني ـ علوي في برلين

بعد جولات متصاعدة من الحوارات غير المعلنة في برلين، توصلت شخصيات وقيادات من المكونات العرقية والدينية والطائفية السورية إلى وثيقة من 11 بنداً بينها وحدة سوريا، و«المحاسبة الفردية»، عكست توافقات الكتلة الوسط في المجتمع السوري، مع أمل أن تكون وثيقة «عقد اجتماعي» فوق دستورية لمستقبل سوريا بعيداً من معادلتي النظام والمعارضة.
وشارك في جولات الحوار شخصيات ورجال دين من الطائفة العلوية، ورؤساء عشائر، وقيادات مسيحية ودرزية وكردية. وجرى بعض اللقاءات في بيروت وتركيا قبل عقد لقاءات في برلين بتنظيم من مؤسسة ألمانية مستقلة نظمت العملية بدقة وصولاً إلى توقيع الوثيقة بحضور شهود في برلين في 21 نوفمبر (تشرين الثاني). وكان بين المشاركين ملهم الشبلي من عشيرة الفوارة، والشيخ أمير الدندل من عشيرة العقيدات، وعوينان الجربا من عشيرة شمر، ومصطفى كيالي من أحفاد «الكتلة الوطنية» في حلب - إدلب، إضافة إلى محمود أبو الهدى الحسيني الرئيس السابق لمديرية أوقاف حلب، والسفير السوري السابق في لندن سامي الخيمي. وشارك في شكل منتظم رجال دين وشخصيات من الطائفية العلوية جاءوا من حمص وصافيتا والساحل السوري. وقال أحد المنظمين لـ«الشرق الأوسط»، أمس: «جرت عملية تدقيق في أهمية كل شخص. ومع فهمنا لبنية النظام، فإن الشخصيات التي شاركت في الحوارات ذوو معنى وتأثير وشرعية اجتماعية في الساحل»، طالباً عدم ذكر الأسماء حرصاً على سلامة المشاركين، خصوصاً الآتين من الداخل المرتبطين برجال دين وشخصيات اجتماعية وتاريخية.
وترفض السلطات السورية التركيز على البعد الطائفي في الصراع. كما أن الحكومة احتجت على دعوة وجهتها موسكو لعقد «مؤتمر الحوار الوطني السوري» في سوتشي، لأن الجانب الروسي سماه «مؤتمر الشعوب السورية»، إذ جاء في الوثيقة الروسية أنه سيتم توجيه دعوة المؤتمر نهاية الشهر الجاري إلى «الجماعات العرقية والدينية والمؤسسات التقليدية»، وأنه ستتم دعوة «المسلمين من السنة والعلويين والشيعة والدروز والإسماعيليين، والمسيحيين من الأرثوذكس والسيريانيين والكاثوليك والمارونيين»، إضافة إلى «العرب والأكراد والتركمان والآشوريين والسيريانيين والأرمن والجماعات القبلية، أي القبائل والشيوخ». لكن دمشق طلبت من موسكو تغيير مصطلحات وردت في وثيقة المؤتمر وتفاصيل المكونات السورية والتركيز على «الحوار الوطني السوري».

ويقصد منظمو الحوار غير المعلن بين الشخصيات والقيادات السورية في برلين، تسريب مضمونه مع اقتراب موعد «سوتشي» يومي 29 و30 من الشهر الجاري، ومفاوضات السلام في فيينا يومي 25 و26 من الشهر الجاري. ونصت الوثيقة التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها على 11 بنداً تحت عنوان «مدونة سلوك لعيش سوري مشترك»، هي: «وحدة الأراضي السورية، المكاشفة والاعتراف، لا غالب ولا مغلوب، لا أحد بريء من الذنب على أساس الاعتراب المتبادل بين أطراف الصراع أن لا أحد برئ من الارتكاب كلٌّ حسب دوره ومستقبله».
ونص البند الخامس على «المحاسبة لا الثأر، باعتبار أن المحاسبة على الانتهاكات هي مسألة جوهرية في بناء الدولة بعيداً عن الثأر والتهميش والإقصاء، لكن (المحاسبة) تكون شخصية ولا يمكن تحميل الفرد مسؤولية الجماعة كما لا تتحمل الجماعة مسؤولية الفرد»، بينما جاء في البند السادس: «الاعتراف بحق كل سوري في تعويض ما دُمِّر من أملاكه واستعادة ما سُلب منها بما في ذلك حقه في العودة إلى مسقط رأسه أو المكان الذي تم تهجيره منه منذ مارس (آذار) 2011، وما بعده، مع مراعاة الضرورات والأولويات، وحفظ حقوق مَن تضرر قبل هذا التاريخ أياً كان نوع هذا الحق ومنشأه».
كما تضمنت الوثيقة «متابعة الملف الإنساني» المتعلق بـ«المعتقلين والأسرى والمفقودين وأسر الضحايا، ومتابعة المصابين والمعاقين، إضافة إلى الحالات المماثلة» قبل مارس 2011، والتأكيد أن «الاعتراف بأن المجتمع السوري بطبيعته متنوع قومياً ودينياً ومذهبياً وقبلياً، ولا يجوز لأي فئة احتكار الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والقومية والدينية والمذهبية في سوريا». ونص البند التاسع على «عدم تسييس المجتمع السوري على أساس قومي أو ديني أو مذهبي من دون المساس بحق الفرد بالانتماء إلى قومية أو دين أو مذهب أو قبيلة». وتناول البندان الأخيران «جماعية التراث السوري» و«المساواة بين السوريين وحماية حرياتهم».
بالنسبة إلى كيالي، فإن جميع المشاركين هم من القيادات الاجتماعية والدينية المؤثرة والبعيدة عن الثنائية السياسية المباشرة بين النظام والمعارضة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هي مبادرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واستعادة روح الآباء المؤسسين في عهد الاستقلال» بعد انتهاء الانتداب الفرنسي نهاية أربعينات القرن الماضي، وإن «أهميتها بمشاركة علويين لهم تأثير لا يزالون داخل البلاد»، ذلك أنه «عندما وجدت الطائفة العلوية في دمشق مشروعاً نهضوياً التحقت به ورفض التقسيم الفرنسي لسوريا». ولعل البند الخامس المتعلق بـ«المحاسبة لا الثأر» أحد الأمور الرئيسية التي جرى نقاش حولها بين المشاركين حول التوقيع عليها في نهاية نوفمبر الماضي في برلين، باعتبار هذه المدينة «رمز الإعمار والوحدة»، قبل إعلانه قبل أيام في روما «رمز السلام والتعايش». وقال كيالي: «جرى التفاهم على أن المسؤولية هي لكل شخص حسب دوره وموقعه»، الأمر الذي وافق عليه محمود أبو الهدى الحسيني. وقال لـ«الشرق الأوسط»، أمس: «جرى التفاوض على كل كلمة لفترة طويلة. وكنا نتفق خطياً على كلٍّ، ما عكس أن كل مشارك مدرك لمعنى كل كلمة في بيئته». وأضاف: «البند الخامس كان أساسياً في النقاش لأن كل شخص أو مسؤول عن عمله»، إضافة إلى خلاف حول البند السادس المتعلق بـ«جبر الضرر» لأنه به إشارة إلى أمور سبقت عام 2011 وتعود إلى عقود سابقة. وتم التفاهم على «عدم الاشارة الى النظام او المعارضة»، بحسب مشارك.
وتابع الحسيني، الذي أُقيل من منصبه مديراً لمديرية أوقاف حلب في عام 2010، قبل أن يخرج من سوريا بعد 2011: «كنا ننتظر هذه اللحظة، وأن يجتمع ممثلو جميع المكونات لإعادة دور المجتمع السوري الذي غُيِّب في الصراع بسبب العسكرة والصراعات الإقليمية والدولية والاحتلالات. جميع الشخصيات بما فيها العلوية أعرفها وهي مؤثرة ولها تمثيل في المجتمع ولها سلطة مجتمعية ومحترمة. بالنسبة إلى السنة، كانت هناك 3 شرائح: عشائر، وأسر عهد الاستقلال التي لا يزال لها حضور، والنخب الفكرية المؤثرة». وأضاف: «بعد 5 أو 6 اجتماعات في برلين توصلنا إلى رؤية من 11 بنداً صالحة لأن تكون مبادئ فوق دستورية بين السوريين»، الأمر الذي يفسح المجال لاحتمال الإفادة منها في حال فشل المسارات السياسية في مؤتمر سوتشي أو جنيف. وزاد: «المبادرات السياسية فشلت بسبب تغييب السوريين ولأول مرة هناك مبادرة من شخصيات سورية يتمتعون باستقلال قرارهم». وقال آخر: «هناك استعادة لروح العمل للتخلص من جميع الاحتلالات».
وإذ قلل شخص آخر شارك في الحوارات من تأثير الشخصيات المشاركة، خصوصاً التي جاءت من داخل البلاد، قال لـ«الشرق الأوسط» الخيمي الذي لم يشارك في كل الجلسات بل وقع على الوثيقة في برلين: «هي مبادرة اجتماعية لإعادة اللحمة إلى مختلف مكونات الشعب السوري، ونوع من أنواع الطمأنة لكل سوري بأن المواطنة هي الأساس في سوريا المستقبل». ولم يستبعد دبلوماسي غربي مقيم في بيروت أن تكون السلطات السورية أو مسؤولون فيها على اطلاع على المبادرة من بعض شخصيات الداخل. وأوضح، أمس: «المهم هو أنه لم يكن هناك قصد لإفشال هذه المبادرة التي كان مسؤولون في دمشق على اطلاع عليها وصيغت كلمتها بعمومية ودقة».



غضب «مؤتمري» علني من فساد الحوثيين في إب

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
TT

غضب «مؤتمري» علني من فساد الحوثيين في إب

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله اللبناني» (أ.ف.ب)

في تطور يعكس اتساع الشروخ داخل التحالف الشكلي بين الجماعة الحوثية وجناح حزب «المؤتمر الشعبي» في مناطق سيطرتها، برزت إلى العلن موجة انتقادات غير مسبوقة من قيادات الحزب في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، اتهمت الجماعة بالفساد، وتفكيك مؤسسات العدالة، وتحويل واحدة من أكثر المحافظات كثافة سكانية إلى ساحة مفتوحة للنفوذ الأمني والجبايات والعبث الإداري.

هذه الانتقادات، التي جاءت بعد سنوات طويلة من الصمت أو الاكتفاء بالمواقف الرمادية، تكشف عن حجم الاحتقان المتراكم داخل معسكر الانقلاب الحوثي، كما تعكس مستوى التذمر الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية في محافظة تُعد من أهم المراكز السكانية والزراعية في البلاد، لكنها باتت، وفق توصيف مسؤولين محليين، نموذجاً صارخاً لسوء الإدارة وتغوّل سلطة المشرفين الحوثيين على مؤسسات الدولة.

في طليعة هذه المواقف، وجّه عقيل فاضل، وهو مسؤول فرع جناح حزب «المؤتمر الشعبي» في إب والمعين وكيلاً للمحافظة، انتقادات مباشرة لأداء الجماعة، محذراً من أن المحافظة تُدار بمنطق الفوضى لا بمنطق الدولة، وأن الأجهزة الأمنية والنيابة العامة خرجت عن أدوارها القانونية، لتتحول ـ بحسب تعبيره ـ من أدوات لحماية الحقوق إلى أطراف فاعلة في انتهاكها.

الحوثيون يواصلون الاستيلاء على الأراضي في إب (إعلام محلي)

واتهم فاضل جهات أمنية وقضائية بالتلاعب في الأدلة، وتلفيق التهم للأبرياء، والتغطية على متنفذين، معتبراً أن النيابة العامة فقدت استقلاليتها الرقابية، وأصبحت خاضعة لتوجيهات أمنية تمنح غطاءً قانونياً لممارسات وصفها بالإجرامية.

وفي لهجة تصعيدية لافتة، أكد فاضل أن السكوت على هذه الانتهاكات لم يعد ممكناً، متعهداً بكشف المتورطين بالأدلة، ومشدداً على أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من ثقة الناس بمؤسسات العدالة.

ويُنظر إلى هذه التصريحات بوصفها خروجاً واضحاً عن الخطاب التقليدي الذي ظل يتجنّب الاصطدام العلني بالحليف الحوثي، الأمر الذي منحها دلالات سياسية تتجاوز بعدها المحلي، لتشير إلى تصاعد الامتعاض داخل المكونات المتحالفة شكلياً مع الجماعة، خصوصاً في المحافظات التي باتت تشهد تضييقاً متزايداً على الشركاء السابقين.

إقصاء ممنهج

في سياق هذه التصدعات، رفع القيادي المؤتمري جبران باشا، وهو وكيل محافظة مُبعد من منصبه، سقف المواجهة الكلامية مع الحوثيين، حين وصف ما يجري في إب بأنه عبث لا يمكن احتماله، مؤكداً أن كرامة أبناء المحافظة تمثل خطاً أحمر، وأن إب ليست مكباً للفشل الإداري والقضائي، ولا محطة لتدوير المسؤولين العاجزين.

وأشار باشا إلى أن ما يطرحه لا يمثل موقفاً شخصياً أو سجالاً سياسياً عابراً، بل يعكس المزاج العام في المجالس والدواوين والشارع المحلي، في إشارة إلى تنامي حالة الغضب الشعبي من السياسات الحوثية. كما وجّه رسالة تحذيرية بأن الخطاب القادم قد يكون أكثر حدة إذا استمرت الجماعة في إدارة المحافظة بالآليات نفسها.

تسخير عائدات إب لمصلحة المشرفين الحوثيين وتمويل أنشطتهم (إعلام محلي)

يأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه مصادر محلية عن عملية إحلال ممنهجة تنفذها الجماعة، تقوم على إقصاء كوادر «المؤتمر» والوجاهات الاجتماعية والقيادات الإدارية التقليدية، واستبدال شبكة من المشرفين الموالين لها بهم، كثير منهم قادمون من خارج المحافظة، ويتولون إدارة الملفات الأمنية والمالية والإدارية بصورة مباشرة، بما همّش السلطات المحلية وحوّلها إلى واجهات شكلية بلا صلاحيات حقيقية.

نهب الأراضي

بالتوازي مع هذا الصراع المكتوم، تزداد شكاوى السكان من اتساع عمليات الاستيلاء على أراضي الدولة والممتلكات الخاصة في مدينة إب ومحيطها، في ظل اتهامات للجماعة باستخدام نفوذها العسكري والأمني لفرض وقائع جديدة على الأرض، تشمل تغيير استخدامات الأراضي، ومنح مساحات واسعة لمتنفذين مرتبطين بها، فضلاً عن تحويل مرتفعات جبلية استراتيجية في أكثر من مديرية إلى مواقع عسكرية مغلقة.

ويقول سكان محليون إن هذه الإجراءات لم تتوقف عند حدود التوسع العسكري، بل امتدت لتشمل منع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم في بعض المناطق المرتفعة، بعد فرض قيود أمنية مشددة حول مواقع جرى استحداثها لأغراض عسكرية، وهو ما ألحق أضراراً مباشرة بمصادر رزق مئات الأسر التي تعتمد على الزراعة.

وفي مديريات أخرى، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية ضد مساعٍ لإقامة منشآت صناعية ذات طبيعة كيميائية في مناطق زراعية حساسة، وسط تحذيرات من انعكاسات بيئية خطيرة قد تهدد المياه الجوفية والمحاصيل، في محافظة تُعد من أبرز السلال الغذائية في اليمن.

عائدات ضخمة وخدمات منهارة

على الرغم من الإيرادات الكبيرة التي تجنيها الجماعة الحوثية من محافظة إب عبر الضرائب والجمارك وأموال الزكاة والرسوم المتعددة، لا يلمس السكان أي تحسن في مستوى الخدمات الأساسية.

فحسب تقديرات حقوقية ومحلية، تُعد إب من أبرز المحافظات رفداً للمالية الحوثية، لكن الجزء الأكبر من هذه الموارد يُنقل إلى صنعاء ويُسخّر لتمويل الأنشطة العسكرية وشبكات النفوذ المرتبطة بالجماعة.

عناصر حوثيون يحرسون حشداً في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

في المقابل، تشهد المحافظة تدهوراً حاداً في بنيتها الخدمية؛ فشوارع مركز المحافظة تعاني من تهالك واسع، حيث تفاقمت الحفر والتشققات بعد الأمطار الموسمية، فيما تتكرر أزمات مياه الشرب، وتتراجع خدمات النظافة والصرف الصحي، في وقت يجري فيه تحميل المنظمات الإغاثية الدولية أعباء التدخل في قطاعات يفترض أن تموَّل من الموارد المحلية.

هذا الواقع دفع قيادات «مؤتمرية» أخرى إلى المطالبة علناً بوقف نقل عائدات المحافظة إلى صنعاء، والإبقاء عليها لتغطية احتياجات السكان وتحسين الخدمات، في موقف يعكس اتساع فجوة الخلاف بين الشريكين المفترضين في إدارة المحافظة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.