باريس رفضت «نقض» الاتفاق النووي وترجح عقوبات ضد الباليستي

باريس رفضت «نقض» الاتفاق النووي وترجح عقوبات ضد الباليستي

مصادر دبلوماسية أوروبية تشكك باستعداد طهران لفتح نقاش حول برنامجها الباليستي وسياستها الإقليمية
السبت - 25 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 13 يناير 2018 مـ رقم العدد [14291]
وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان يصل إلى اجتماع مع وزراء خارجية بريطانيا وألمانيا وإيران في بروكسل أول من أمس (إ.ب.أ)
باريس: ميشال أبو نجم
حتى آخر دقيقة، سعت باريس لإنقاذ الاتفاق النووي الذي أبرمته الدول الست الكبرى صيف عام 2015. وبعد أن التزمت الأطراف الأوروبية الثلاثة الموقعة على الاتفاق (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) صفاً واحداً بدعوة الطرف الأميركي إلى عدم التفريط بالاتفاق المذكور، عمد الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الاتصال بنظيره الأميركي دونالد ترمب للضغط عليه حتى لا ينقض الاتفاق، من خلال وضع حد لتجميد العقوبات الأميركية، خصوصاً على قطاع النفط الإيراني، المعمول به منذ بداية عام 2016.
وقالت مصادر فرنسية اتصلت بها «الشرق الأوسط» إن باريس «مؤهلة» لدعوة ترمب إلى الامتناع عن نسف الاتفاق لجملة أسباب؛ أولها «العلاقة الشخصية القوية» القائمة بين الرئيسين من جهة، ومن جهة أخرى للموقف «المتشدد» الذي وقفه ماكرون بالنسبة للمسائل الثلاث «الحساسة» التي تثير قلق الأميركيين من أداء إيران. وهذه المسائل هي تباعاً: البرنامج الصاروخي والباليستي الإيراني، وسياسة طهران الإقليمية، وأخيراً وضع حقوق الإنسان في هذا البلد.
وتشير هذه المصادر إلى أن باريس هي «الوحيدة» من بين الدول الغربية (غير الولايات المتحدة) التي أشارت إلى إمكانية فرض «عقوبات اقتصادية» على إيران بسبب برامجها الباليستية، كما أن ماكرون شخصياً ندد بها، معتبراً أنها «من غير ضوابط»، وداعياً إلى «تحجيمها»، بحيث لا تثير قلق البلدان المجاورة، ولا تهدد الاستقرار الإقليمي.
أما بشأن سياسة طهران الإقليمية، فإن باريس هي الوحيدة التي نددت على أعلى المستويات (رئيس الجمهورية ووزير الخارجية) بـ«نزعة الهيمنة» الإيرانية، وبرفضها مساعي إيران للتحكم بمنطقة نفوذ تمتد «من الخليج إلى المتوسط».
وأخيراً، فإن فرنسا ما فتئت في الفترة الأخيرة، ومنذ اندلاع الاحتجاجات في كثير من المدن الإيرانية، تحث طهران على احترام حقوق الإنسان الأساسية، ذاكرة منها: حرية التعبير والتظاهر. وباختصار، فإن باريس تؤكد أنه لا يمكن اتهامها بـ«التساهل» مع طهران، بل إنها بشأن الملفات الثلاثة «لصيقة» بالموقف الأميركي. لكنه بالمقابل، تعتبر رغم ذلك كله أنه يتعين المحافظة على الاتفاق النووي، وهو ما كرره الرئيس ماكرون في اتصاله الهاتفي ليل أول من أمس مع ترمب، في آخر محاولة لثنيه عن الإقدام على خطة تعتبرها باريس «خاطئة ومسيئة» في الوقت عينه.
كذلك، فإن باريس ذاهبة في «التواصل» مع طهران، لكن مشروع قيام وزير الخارجية جان إيف لو دريان بزيارة رسمية إلى العاصمة الإيرانية لبحث كل الملفات، والتحضير للزيارة التي يريد ماكرون القيام بها إلى إيران، تأجل 3 مرات على الأقل بسبب «التوتر» الذي شاب علاقات باريس طهران بسبب المواقف الفرنسية، وأخيراً بسبب القمع الذي لجأت إليه السلطات الإيرانية لإجهاض الحركات الاحتجاجية، لأن إتمام زيارة رسمية في ظروف كهذه كان سيعني الموافقة على أداء سلطات طهران، وهو ما لا تريده باريس إطلاقاً.
وبالنظر لهذه المعطيات مجتمعة، وأخرى غيرها، فإن ماكرون في حديثه لترمب شدد على «عزم فرنسا على تطبيق صارم للاتفاق (النووي)، وأهمية احترامه من جانب جميع موقعيه»، وأضاف الرئيس الفرنسي أن «التنفيذ الصحيح للاتفاق يجب أن يرافقه حوار مع إيران حول برنامجها للصواريخ الباليستية، وسياساتها الإقليمية، لضمان استقرار أكبر في الشرق الأوسط».
وحتى تاريخه، كانت إيران ترفض فتح الملفين الأولين، وكانت تؤكد أن الملف الصاروخي جزء من السياسة الدفاعية لإيران، ولا علاقة له بالاتفاق النووي. أما بخصوص سياستها الإقليمية، فقد دأبت على تأكيد أنها «تريد الحوار ومستعدة له» مع بلدان الجوار، وعلى التحجج بمحاربة الإرهاب في سوريا والعراق، ونفي أية علاقة لها بما يحصل في اليمن.
بيد أن هذه «المسلمات» الإيرانية تداعت بسبب تمسك طهران بالاتفاق، وتحسسها بالخطر المتمثل بالإجهاز عليه. وبرز ذلك فيما أفصح عنه وزير خارجية ألمانيا سيغمار غابريل، عقب الاجتماع مع محمد جواد ظريف أول من أمس في بروكسيل، إذ أشار إلى «اتفاق مبدئي» مع نظيره الإيراني لإطلاق حوار حول تغيير سلوك إيران في المنطقة، بدءاً باليمن. وجاء في حرفية كلام غابريل: «قررنا اليوم مناقشة هذه الملفات الخلافية، بدءاً باليمن. هذا لا علاقة له بالاتفاق النووي (...) لكن هناك حاجة طارئة إلى القيام بذلك».
هل «التنازل» الإيراني جدي أم أن طهران تحتاج للدعم الأوروبي لاجتياز اختبار الاستمرار بالاتفاق النووي، على أن تتنصل لاحقاً من تعهدها الذي جاء على لسان وزير خارجيتها؟ السؤال مطروح، ولكن ما علمته «الشرق الأوسط» من مصادر دبلوماسية فرنسية أن الطرف الحكومي الإيراني سبق له أن كشف عن هذا الموقف في حوارات ثنائية، غير أن الإفصاح عنه لم يتم بسبب «الخوف من أن يعمد المتشددون في النظام لاستغلاله في الجدل السياسي الداخلي ضد الحكومة، واتهامها بالتفريط بالسيادة الإيرانية»، لكن المشكلة بالنسبة لإيران، كما تقول مصادر دبلوماسية أوروبية، أنها «تقدم الكثير من الوعود، ولا تفي إلا بالقليل»، مضيفة أن التجارب «الحديثة» معها «لا تدفع إلى التفاؤل». والدليل على ذلك، بحسب ما أشارت إليه، أن الكثيرين، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما ووزير خارجيته جون كيري، «راهنوا» على أن إبرام الاتفاق سيدفع القادة الإيرانيين إلى «الاعتدال». والحال أن ما حصل هو العكس تماماً، و«صدقت» تحذيرات كثير من البلدان الخليجية التي نبهت وقتها من أن الأصول المجمدة التي ستستعيدها طهران، أو تلك التي ستحصل عليها من عائدات النفط، «سوف تستخدمها لضرب استقرار المنطقة». ولذا، فـ«لا شيء يضمن» أن تكون طهران صادقة في وعودها، أو أن يكون رئيس الجمهورية وحكومته قادران على تنفيذ ما يصدر عنهما.
كيف ستتصرف إيران إزاء القرار الأميركي المرتقب؟ تقول المصادر الأوروبية إن طهران «مستعدة للاستمرار في الاتفاق، إذا ما أبدت الأطراف الخمسة الأخرى الموقعة (أي من غير أميركا) تمسكها به». كذلك، فإن الطرف الإيراني الذي أكد أكثر من مرة أنه «مستعد لجميع السيناريوهات» سينظر أولاً بتفاصيل القرار الأميركي، وما إذا كانت العقوبات سيعاد فرضها بسبب التخلي عن «التجميد» المعمول به أميركياً على الصناعة النفطية الإيرانية بسبب الاتفاق النووي أم أن العقوبات «الجديدة» ستكون مرتبطة بأحد الملفات الثلاثة المشار إليها سابقاً. وعندها، سيكون لكل حادث حديث. وإذا ما فضل ترمب الخيار الثاني، فيمكن عندها اعتبار أنه أخذ بعين الاعتبار الضغوط الأوروبية، وعلى رأسها الفرنسية، بدل السير بقرار غير محمود العواقب، ويبين الانقسام العميق بين ضفتي الأطلسي بشأن ملف بالغ الحساسية.
ايران النووي الايراني

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة