مارتن لوثر والإصلاح الديني الكبير

الألمان وعلى رأسهم ميركل يحتفلون به على مدار العام

مارتن لوثر
مارتن لوثر
TT

مارتن لوثر والإصلاح الديني الكبير

مارتن لوثر
مارتن لوثر

بتاريخ 31 من شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 1517، أي قبل 500 سنة بالضبط، علق مارتن لوثر 95 أطروحة لاهوتية ثورية تحريرية على باب كنيسة ويتنبيرغ، فهز العالم المسيحي هزّاً وقسمه إلى نصفين: نصف مع الإصلاح الديني ونصف ضده، نصف كاثوليكي ونصف بروتستانتي. وهو الحدث التاريخي الأعظم الذي تحتفل به ألمانيا حالياً على مدار العام برئاسة أنجيلا ميركل. ويرى المؤرخون المختصون أن الإصلاح الديني الذي حصل في القرن السادس عشر، وتزامن مع عصر النهضة وإشراقة الشمس الرائعة، يشكل لحظة حاسمة ليس فقط بالنسبة للأمة الألمانية، وإنما للشعوب الأوروبية بمجملها. فهو الذي جدد فهم الدين وقوم اعوجاجه وانحرافاته. ومن الذي فعل ذلك وتجرأ عليه؟ إنه المصلح الكبير مارتن لوثر (1483 - 1546). ولهذا السبب يحتفل به الألمان حالياً وعلى رأسهم المستشارة العتيدة. ومعلوم أن والدها كان قساً لوثرياً بروتستانتياً. فهذا الرجل - أي مارتن لوثر - هو الذي أعلن العصيان على روما واتهم البابا ورجال الدين بالانحراف عن المبادئ الإنجيلية والمثالية العليا للدين. كما واتهمهم باستغلال العقيدة لأغراض شخصية انتهازية ما أنزل الله بها من سلطان. وهو الذي أيقظ الألمان من سباتهم الطويل أو غفوتهم العميقة وأشعرهم بهويتهم وشخصيتهم التاريخية. وهو الذي أسس اللغة الألمانية عندما ترجم الكتاب المقدس إليها. نعم ترجمة كتاب واحد دشنت تاريخ ألمانيا! فقبل ذلك كانت اللغة الألمانية تعتبر مجرد لهجة محلية أو لغة عامية سوقية لا ترتفع إلى مستوى اللغة الثقافية المحترمة. كانت لغة الثقافة آنذاك هي اللاتينية في كل أنحاء أوروبا. وكان لوثر كاتباً عظيماً وخطيباً مفوهاً يهز الألمان هزاً. ويقال بأن أسلوبه البركاني المتفجر لا مثيل له في تاريخ ألمانيا باستثناء نيتشه.
والواقع أن الفاتيكان كان يستغل الشعب الألماني مادياً، بل ويضحك عليه إذا جاز التعبير. كيف؟ عن طريق اللعب على وتر العاطفة الدينية المسيحية وإقناعه بالبقاء في حضن الكنيسة، من أجل ابتزازه و«حلبه» وسحب عشرات الملايين منه سنوياً، بغية بناء القصور في روما للكرادلة والمطارنة وبقية رجال الدين الأثرياء (بين قوسين: من يتجرأ على التحدث عن الثروات الفاحشة لبعض رجال الدين ونجوم الفضائيات عندنا؟ لقد أصبحوا مليونيريين بفضل المتاجرة بالدين! ما علاقة هؤلاء المكتظين المتخمين بالتقى والورع ومكارم الأخلاق؟ ما علاقتهم بجوهر الدين الحنيف؟ ومتى سيظهر لوثر إسلامي جديد لكي يفضحهم؟).
ثم جاء لوثر وقال للألمان: هذا البابا يضحك عليكم منذ مئات السنين، ويمص دمكم مصاً باسم الدين، وهو أبعد ما يكون عن الإيمان الحقيقي والتقى والورع. هل تعلمون بأنه يعيش حياة البذخ والثراء الفاحش الذي نهى عنه المسيح والإنجيل قطعياً؟ وبالتالي كفاكم غباءً واتباعاً للبابا والفاتيكان. فكبار رجال الدين خرجوا على الدين في أغلبيتهم وأفسدوه وأصبحوا أثرياء جداً، ولم تعد طاعتهم واجبة أبداً. ينبغي أن يعود الدين إلى نقائه الأولي وقيمه الأخلاقية والإنجيلية العليا. ثم شن لوثر هجوماً صاعقاً على صكوك الغفران التي كان الفاتيكان يبيعها للشعب الفقير الجاهل موهماً الناس بأنهم سيدخلون الجنة ما إن يشتروها. لكأن الجنة تُشترى بالفلوس! عندئذ جن جنون لوثر وانطلق بثورته العارمة التي غيرت وجه العالم. ومعلوم أن البابا كان يرسل رجالاته إلى كل أنحاء ألمانيا لبيع هذه الصكوك السخيفة التي لا علاقة لها بالإيمان ولا بالدين الصحيح، من أجل جبي الضرائب أو الزكاوات المقدسة والأموال الطائلة من الشعب الفقير الجاهل. وكان الإنسان المسيحي يعتقد فعلاً أنه سيدخل الجنة بمجرد شرائها. وعلى هذا النحو كانت ثروات الشعب الألماني وأمواله تنتقل بمعظمها إلى بلاد أجنبية أخرى، هي روما وإيطاليا والفاتيكان. نعم لقد أشعر لوثر الشعب الألماني بهويته وشخصيته القومية وكرامته الإنسانية. وبدءاً من تلك اللحظة لم تعد أموال الشعب تذهب إلى قصور الفاتيكان وإنما أصبحت تستخدم لبناء نهضة ألمانيا ذاتها. لقد كشف لوثر الغطاء عن فضائح رجال الدين وألاعيبهم. وقال للشعب: احذروا هؤلاء الناس الفاسدين الذين يستغلون الدين لغايات شخصية انتهازية مضادة لجوهر الدين ذاته. ألا ترون كيف يكنزون الذهب والفضة والثروات الطائلة؟ فهل هذا ما دعا إليه الإنجيل؟ ألم يقل العبارة الشهيرة: «مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله»؟
ثم قال: أنتم لستم بحاجة إلى رجال الدين، لكي تفهموا دينكم، أو لكي تفسروا الكتاب المقدس. فالمؤمن له علاقة مباشرة مع ربه وليس بحاجة إلى وسيط. لقد انتهى عهد الوسطاء والسماسرة الذين يتاجرون بالدين والدين الحق منهم براء. إنهم يزيدون الشعب جهلاً على جهل وفقراً على فقر. ثم قال لا نعترف إلا بالإنجيل وكل ما عداه كلام بشري عرضة للأخذ والرد والغربلة والتمحيص. فكلام البابوات بشري وليس معصوماً على الإطلاق كما يزعمون. (بين قوسين: لحسن الحظ فإن الفاتيكان تغير كثيراً وتجدد وقام بثورته اللاهوتية الرائعة عام 1962 - 1965. ولم يعد المذهب الكاثوليكي تكفيرياً ظلامياً كما كان في السابق. أبداً، أبداً. كل هذا أصبح في ذمة التاريخ الآن. وبالتالي فنحن نتحدث عن الماضي لا عن الحاضر).
لقد تجرأ لوثر على ترجمة الكتاب المقدس إلى لغة عامية سوقية، وأسس بذلك اللغة الألمانية بالمعنى المتعارف عليه اليوم. وبالتالي فلوثر ليس فقط زعيم الإصلاح الديني، وإنما هو أيضاً مؤسس اللغة الألمانية والآداب الألمانية ذاتها. فبضربة معلم قل نظيرها في التاريخ استطاع أن يؤسس لغة جديدة ومذهباً جديداً. بل واستطاع أن ينفخ الروح في الأمة الألمانية! ولذلك يعتبرونه أعظم شخصية ظهرت في تاريخهم... لقد طهّر الدين من الشوائب التي لحقت به على مر العصور. ثم انتقلت أفكار لوثر إلى كل أنحاء أوروبا، وانتشرت انتشار النار في الهشيم. وعندئذ انقسمت كل البلدان إلى قسمين كما قلنا سابقاً: قسم مع لوثر وقسم مع عدوه اللدود بابا روما. وعموماً فإن بلدان الشمال الأوروبي قلبت كلها في جهة لوثر والإصلاح الديني، نذكر من بينها ألمانيا الشمالية بطبيعة الحال والبلدان الإسكندنافية مثل السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا... هذا بالإضافة إلى قسم كبير من هولندا وإنجلترا وسويسرا. وهي من أرقى بلدان أوروبا وأكثرها تطوراً وحضارة. فالعقلية البروتستانتية مشهورة بصرامتها الأخلاقية واستقامتها ونزاهتها. ولا ينبغي أن ننسى الولايات المتحدة الأميركية أكبر بلد بروتستانتي في العالم. وبهذا الصدد ينبغي العلم بأن كبار فلاسفة ألمانيا من أمثال كانط وهيغل وفيخته ونيتشه وسواهم كانوا لوثريين بروتستانتيين. هذا دون أن ننسى غوته بطبيعة الحال. وحده هيدغر كان كاثوليكياً.
أما بلدان الجنوب الأوروبي فقد بقيت كاثوليكية في معظمها ومخلصة لبابا روما. نذكر في طليعتها إيطاليا بطبيعة الحال ثم فرنسا وإسبانيا والبرتغال. وهي الدول التي تكره لوثر كرهاً شديداً، وتعتبره المسؤول عن تقسيم المسيحيين. وبعدئذ اندلعت الحروب المذهبية بين الطرفين طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر بل وحتى الثامن عشر والتاسع عشر إلى حد ما. وفيما يخص آيرلندا الشمالية حتى أواخر القرن العشرين. واجتاحت حرب الثلاثين عاماً معظم أنحاء أوروبا، ولم يبق فيها زرع ولا ضرع. وذهبت ضحيتها عشرات الملايين. نصف الشعب الألماني قتل فيها أو ثلثه على الأقل. وهذا يعني أن الحروب الطائفية من أخطر الحروب وأكثرها فتكاً وتدميراً. ولذلك فعندما يقول لك بعض المثقفين العرب بأننا لسنا بحاجة للمرور بالمرحلة التنويرية للخروج من المغطس الحالي، فهذا يعني أنهم يغالطون ويكابرون ويرفضون الاعتراف بحجم المشكلة أو حتى بطبيعتها وخطورتها. إنهم مصرون على التشبث بالفهم القديم الراسخ للدين، بحجة أن الشعب مرتبط به أو متشبع به. ولكن الشعوب الأوروبية كانت أيضاً مشبعة بهذا المفهوم الأصولي القديم. وهذا لم يمنع فلاسفة الأنوار من الثورة عليه وتفكيكه من أساساته. على العكس لقد دفعهم إلى ذلك دفعاً. وأصلاً لم تقلع أوروبا حضارياً إلا بعد أن تجاوزت هذا الفهم الطائفي والظلامي للدين.
وعندئذ ظهر تأويل جديد للدين المسيحي غير ذلك الذي كان موروثا عن العصور السابقة. وقد لعب جان جاك روسو دوراً كبيراً في بلورة المفهوم العقلاني التنويري للدين المسيحي. ولهذا السبب هاجمه الإخوان المسيحيون الأشداء بعنف ولاحقوه في كل مكان وأقضوا مضجعه. بل وحاولوا اغتياله أكثر من مرة. ولكنه لم يهن ولم يتراجع، واعتبر أن مفهومهم الظلامي للدين هو سبب الحروب الطائفية التي دمرت أوروبا ومزقت نسيجها الاجتماعي. فلم يعد أحد يثق بأحد وأصبح كل شخص يخشى جاره. بهذا المعنى فقد شكل روسو قفزة جديدة - وأي قفزة! - قياساً إلى مارتن لوثر وكالفن وكل زعماء الإصلاح الديني. وذلك لأنه علْمَن المسيحية تماماً وأخرجها من انغلاقها اللاهوتي وتقوقعها المذهبي الضيق. لقد حرر الإيمان من النزعات الطائفية والمذهبية المتعصبة. وقل الأمر ذاته عن فولتير وكانط وبقية فلاسفة التنوير الكبار. كلهم قدموا تفسيراً تنويرياً وروحانياً جديداً عن الدين. كلهم اشتبكوا مع التفسير الطائفي القديم الراسخ، أي التفسير التكفيري الظلامي، وفككوه من جذوره وأطاحوا به تدريجياً. وبالتالي فهناك الإصلاح الديني، وهناك التنوير الفلسفي الذي تلاه وتجاوزه وبينهما قرن ونصف القرن أو قرنان. والآن العرب مطالبون بتحقيق الشيئين معاً. إلا أنه هول دونه الهول! وعلى هذا النحو استطاعت أوروبا أن تخرج من ظلماتها اللاهوتية وفتاواها التكفيرية ومذابحها الطائفية. على هذا النحو راحت تدخل رويداً رويداً في مناخ العصور الحديثة. على هذا النحو راحت تحقق انطلاقتها الصاروخية بعد أن تخلصت من الحشو وحشو الحشو والتراكمات التراثية. على هذا النحو راحت تشكل الدولة المدنية الحديثة والمواطنة الحقة الجامعة التي تساوي بين الجميع أقلية كانوا أم أكثرية، بروتستانتيين أم كاثوليكيين. ولم يعد هناك مواطن درجة أولى ولا مواطن درجة ثانية. كلهم متساوون أمام القانون. هذه هي القفزة الفكرية والسياسية الهائلة التي حققها فلاسفة الأنوار الكبار. وهذا هو سبب نجاح الربيع الأوروبي في القرن التاسع عشر على عكس الربيع العربي الذي لم يحظ بأي تنوير فكري أو ديني قبل اندلاعه فكانت الكارثة والفشل الذريع. كان أن سيطرت عليه التيارات الإخوانجية الداعشية وقضت عليه قضاء مبرماً وأدخلتنا في حروب أهلية دموية لا تبقي ولا تذر. وبالتالي فإذا ما عرف السبب بطل العجب. وها نحن نعود إلى نقطة الصفر مجدداً. ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني ما يلي: إذا لم ينجح التنوير العربي الإسلامي يوماً ما فلا حل ولا خلاص. ما دام اللاهوت الديني التكفيري القديم مسيطراً على عقول الجماهير بل وحتى نصف المثقفين إن لم يكن ثلاثة أرباعهم! فلا يمكن أن يتحقق السلم الاجتماعي ولا الوحدة الوطنية في أي بلد عربي. ولا يمكن للنهضة العربية أن تنطلق ولا أن تقوم للعرب قائمة في المدى المنظور. ولا يمكن للعصر الذهبي أن يعود مرة أخرى. وبالتالي فإما أن نتخلص من أفكار التطرف الأعمى التي جعلتنا في مواجهة مكشوفة مع العالم كله وإما أن نخضع لها صاغرين إلى أبد الآبدين. باختصار شديد: إما الفارابي وابن سينا وإما الغزالي وابن تيمية، إما طه حسين وإما حسن البنا، إما عباس محمود العقاد وإما الإخوان المسلمون الذين حاولوا اغتياله. أما محمد أركون وإما يوسف القرضاوي. إما العفيف الأخضر وعبد الوهاب المؤدب وإما راشد الغنوشي، إما عبد النور بيدار وإما طارق رمضان. أما إسلام الأنوار وإما إسلام الظلام. ولكم الخيار! المعركة فكرية إذن قبل أن تكون سياسية. ولن تُحسم سياسياً قبل أن تُحسم فكرياً.



تعاويذ للبيع عبر الإنترنت... تجارة الطمأنينة بنقرة واحدة!

الوهم المُغلَّف جيداً (شاترستوك)
الوهم المُغلَّف جيداً (شاترستوك)
TT

تعاويذ للبيع عبر الإنترنت... تجارة الطمأنينة بنقرة واحدة!

الوهم المُغلَّف جيداً (شاترستوك)
الوهم المُغلَّف جيداً (شاترستوك)

تنتشر على الإنترنت حالياً منصّات تعد بتعاويذ توفّر حماية من الشرّ، ونيل حبّ المعشوق، والنجاح المهني.

وتُعرض هذه الحلول السحرية المزعومة على «إتسي»، و«إنستغرام» ومنصّات أخرى مقابل مبالغ ضئيلة أحياناً، لكنها قد تصل أيضاً إلى مئات اليوروات، ممّا يجعلها تجارة تتأرجح بين متعة التجربة، والرغبة في التحكم، والنصب الصريح.

ويظهر في سوق التعاويذ عبر الإنترنت ما يثير الدهشة، مثل الترويج للتخلص من «لعنة العزوبية»، وإذا كنت ترغب في أن يتفاخر شريك حياتك بك أمام العائلة، فثمة تعويذة مخصصة لذلك أيضاً. لكن ما الذي يدفع الناس إلى التصديق بمثل هذه العروض؟

يعود الاعتقاد بالخرافة إلى زمن بعيد. ويرى عالم الاجتماع الفرنسي، بيير لاغرانغ، أنّ الأمر يتعلّق بالفضول والرغبة في فَهْم العالم من حولنا. ويقول الباحث لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «يمكنني القول إنها تماماً الأسباب عينها التي تدفع الناس إلى اللجوء إلى العلم أو المُعتَقد أو غيرها من الأنشطة».

ومن منظور عالمة النفس، كريستينه مور، يلزم للإيمان بالسحر قدر من الانفتاح على أمور لا يمكن تفسيرها علمياً بصورة مباشرة، مضيفةً أنه علاوة على ذلك يحبّ البشر التحكم في حياتهم، لكنهم لا يستطيعون التأثير في كثير من الأشياء. وأوضحت كريستينه مور أنه يمكن لطقوس سحرية مزعومة أن تساعد عندئذ في تقليل المخاوف ومنح شعور بالسيطرة، مشيرة في الوقت عينه إلى أنّ المراهقين أكثر انفتاحاً لتجربة مثل هذه الأمور، ومع التقدُّم في العمر يتراجع الإيمان بالسحر.

ويتباين الاعتقاد بالسحر عالمياً على نحو كبير. ووفق دراسة صدرت عام 2022 في دورية «بلوس وان»، يؤمن 40 في المائة من السكان في 95 بلداً بأنّ أشخاصاً يملكون قدرات خارقة يمكنهم إلحاق الأذى بآخرين. وفي تونس، على سبيل المثال، يؤمن 90 في المائة بالسحر، في حين تبلغ النسبة في ألمانيا نحو 13 في المائة فقط.

وفي فرنسا، تصل منشورات دعائية بصورة منتظمة إلى صناديق البريد في بعض المناطق، تُروّج لمَن يُقدّمون أنفسهم مبصرين ووسطاء روحانيين، ويعدون بحلول لمشكلات الحياة كافّة. وحتى في قلب باريس، يوزّع بعضهم منشوراتهم الدعائية بأنفسهم أحياناً. ومع ذلك، لم يرغب أي منهم في الإدلاء بتصريحات، كما تعذَّر إجراء حديث مع بائعي التعاويذ عبر الإنترنت.

ويبقى من الصعب، وفق عالم الاجتماع لاغرانغ من «مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية» بباريس، الجزم بأنّ الإيمان بالسحر أقوى اليوم مما كان قبل أعوام. يقول لاغرانغ: «يمكن تفهّم أنّ الناس يبحثون بكثرة عن حلول في أماكن أخرى. هذا أمر طبيعي. ثمة مستوى من عدم اليقين بهذا الحجم»، مضيفاً أنّ المجتمع في طور تحوّل، لكن لا أحد يعلم إلى أين يتّجه.

في المقابل، تعتقد عالمة النفس كريستينه مور، من جامعة لوزان، أنّ «الخوف والحاجة إلى التحكم يزدادان».

أما خبيرة الاتجاهات، غابريلا كايسر، فتؤكد أنّ ثمة اتجاهاً راهناً نحو كلّ ما هو سحري، موضحة أنه يمكن رؤية ذلك في عدد كبير من المنتجات المعروضة، من أوراق التاروت إلى البلورات والتمائم وصولاً إلى أعشاب التبخير.

وترى غابريلا كايسر أنّ العروض جميعها تسير في اتجاه غامض رغم تنوّعها، وتخاطب الحواس المختلفة عبر الروائح أو مظهرها اللافت للانتباه، وقالت: «هذا أيضاً، إن صح التعبير، حركة مضادة قوية لعصر التكنولوجيا بأكمله، حيث كلّ شيء خالٍ تماماً من الغموض».

وأشارت غابريلا كايسر إلى أنّ المسألة في معظم المنتجات تتعلَّق بالأجواء؛ فهي تعد بتقديم تجربة جديدة مَرِحة. في المقابل، أعربت الباحثة في الاتجاهات عن تحفّظات بشأن التعاويذ نفسها، إذ قالت: «هنا ندخل بالفعل منطقة أجدها شخصياً خطيرة، ببساطة لأنّ ثمة بعض الدجالين الذين لا يعنيهم سوى المال».

وتتساءل عالمة النفس كريستينه مور عما إذا كان مقدّمو هذه العروض مقتنعين حقاً بوعودهم الكبيرة، قائلةً: «أظن أنّ ثمة قدراً كبيراً من الخداع»، موضحةً أنّ أصحاب هذه العروض يستغلّون بالفعل أشخاصاً يمرّون بظروف مأساوية، مثل مواجهتهم صعوبة في تجاوز فقدان ما.

وتخشى كايسر أيضاً أن يتخلّى الناس عن مسؤوليتهم الذاتية إذا تركوا التعاويذ تعمل نيابةً عنهم. وتقول: «تصبح الحدود أحياناً ضبابية، إذا اعتمد الناس على تلك التعاويذ وحدها. وعندئذ قد تصبح المسألة في تقديري خطيرة أيضاً، لأنك تتنازل عملياً عن جزء من حياتك»، مضيفةً أن فكرة إجبار آخرين على الحبّ بمساعدة تعويذة أو إزاحتهم بوصفهم منافسين، أمر ينطوي على تلاعب.

وتقرّ كريستينه مور عموماً بأنّ التعاويذ المعروضة على الإنترنت ليست ظاهرة جديدة تماماً: «أعتقد أنّ وسيط البيع فقط هو الذي يتغيَّر»، موضحةً أنه في الماضي كان البعض يجري قراءة أوراق التاروت، أو يحرق صورة، أو يضعها تحت الوسادة.

وأشارت كريستينه مور إلى أنّ مثل هذه الممارسات التي تهدف إلى التحكُّم عبر الاعتماد على أشياء معيّنة قد تكون مفيدة لجهة منح شعور بالأمان أو تقليل القلق عندما يشعر الناس بأنهم عاجزون عن الفعل، وإنما أكدت: «يمكن أن يسير الأمر على نحو خاطئ تماماً إذا آمن المرء به بشدة، أو إذا كان مستعداً لدفع كثير من أجل ذلك».

ولا تجزم كريستينه مور بأنّ معظم مَن يشترون التعاويذ يؤمنون بها فعلاً، موضحةً أنّ الأمر بالنسبة إلى بعضهم قد يكون مجرّد متعة.


توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
TT

توقيف الممثل كيفر ساذرلاند لاعتدائه على سائق سيارة أجرة

الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)
الممثل كيفر ساذرلاند (د.ب.أ)

أوقفت شرطة لوس أنجليس، الاثنين، نجم مسلسل «24» التلفزيوني وبطل فيلم مصاصي الدماء «ذي لوست بويز» الممثل كيفر ساذرلاند؛ للاشتباه في اعتدائه على سائق سيارة أجرة.

جاء توقيف الممثل الكندي البريطاني بعد تلقّي الشرطة بلاغاً في هوليوود بُعيد منتصف الليل.

وأوضحت الشرطة، في بيان، أن «التحقيق أظهر أن المشتبه به الذي تبيَّن لاحقاً أنه يُدعى كيفر ساذرلاند، دخل سيارة أجرة واعتدى جسدياً على السائق (الضحية)، ووجّه إليه تهديدات جنائية».

وأفادت مصادر الشرطة بأن الممثل البالغ 59 عاماً تُرِك بعد ساعات قليلة بكفالة قدرها 50 ألف دولار.

ولم يردّ ممثلو ساذرلاند، على الفور، على طلبات «وكالة الصحافة الفرنسية»، للتعليق. وأشارت الشرطة إلى أن السائق لم يتعرض لأي إصابات تستدعي عناية طبية.

واشتهر ساذرلاند بتجسيده شخصية العميل جاك باور في مسلسل «24» التلفزيوني، الذي حقق نجاحاً كبيراً بين عاميْ 2001 و2010. وعلى الشاشة الكبيرة، قدّم أدواراً مميزة في أفلام «ذي لوست بويز» (1987) و«ستاند باي مي» (1986)، و«ذي ثري ماسكيتيرز» (1993). وكيفر هو نجل الممثل دونالد ساذرلاند، الذي تُوفي عام 2024.


المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
TT

المصريون يحيون الليلة الكبيرة لمولد «السيدة زينب»

مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)
مسجد السيدة زينب لاستقبال الليلة الكبيرة (فيسبوك)

يتوافد آلاف المصريين على محيط مسجد السيدة زينب، وسط القاهرة، لإحياء الليلة الكبيرة، الثلاثاء الموافق 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، قادمين من أماكن متفرقة على مستوى الجمهورية، بعد أسبوع من الاحتفالات التي أقامها زوار المسجد وبعض الطرق الصوفية في محيطه.

اعتاد طارق محمد (42 عاماً)، مهندس كمبيوتر حر، أن يحضر مولد السيدة زينب كل عام مع أصدقائه، حيث يستمتعون بحلقات الذكر والأناشيد الدينية وحلقات الصوفية والسوق المفتوح للسلع المختلفة في محيط المسجد، فضلاً عن الأجواء المبهجة الموجودة في المولد، وفق قوله لـ«الشرق الأوسط»

مضيفاً أنه عادة ما يسعى لحضور المولد للاستمتاع بالأجواء الروحية الموجودة به، وكذلك للاستماع إلى حلقات الذكر والأناشيد والابتهالات المتنوعة التي تقيمها الطرق الصوفية في أماكن متفرقة بمحيط المسجد، كما يحضر أحياناً بعض الألعاب أو الحلوى لأطفاله.

ويُعبر المصريون من فئات متنوعة عن محبتهم للسيدة زينب، حفيدة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، بطرق شتى، وأطلقوا عليها العديد من الألقاب، مثل «رئيسة الديوان» و«أم العواجز» و«المشيرة» و«نصيرة الضعفاء»، يذهبون إلى مولدها في مسجدها الأثري العتيق.

الأضواء تحيط مسجد السيدة زينب في المولد (فيسبوك)

وعدّ الشيخ شهاب الدين الأزهري، المنتمي للطريقة الصوفية الشاذلية، موالد الصالحين وأهل البيت «مظاهرة حب لآل البيت، خصوصاً مولد الحسين ومولد السيدة زينب». وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها «مناسبة لاجتماع المصريين في مثل هذه الأيام في حلقات الذكر والتسابيح والعبادة والإطعام. والمصريون يتلهفون على الزيارة للعظة، ومن أجل المودة، ومن لا يستطيع زيارة النبي يزوره في أهل بيته، وفي الموالد جمع من العلماء يعلمون الناس كيفية الزيارة، وسيرة المحتفى في المولد».

ولفت الأزهري إلى أن «مصر بها نحو 40 فرداً من آل البيت، على رأسهم السيدة زينب وسيدنا الحسين، وربما يعود الاحتفال الشعبي الكبير في مولد السيدة زينب تحديداً للاعتقاد السائد بأن مصر محروسة ومحفوظة ببركة دعاء آل البيت لها، خصوصاً السيدة زينب التي دعت لمصر دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله، نصرتمونا نصركم الله)».

وتزخر مصر بالعديد من الموالد الشهيرة التي يزورها الآلاف، ووصل العدد في مولد السيد البدوي في طنطا (دلتا مصر) إلى نحو مليوني زائر، وهناك أيضاً مولد الحسين ومولد فاطمة النبوية ومولد السيدة نفيسة من آل البيت.

وترى أستاذة علم الاجتماع، الدكتورة هدى زكريا، أن «الموالد فرصة لتحقق الشخصية المصرية حالة من الذوبان الروحي في هذا الزخم الشعبي، فهذه الاحتفالات لا تأخذ طابعاً دينياً بقدر ما تحمل طابعاً اجتماعياً، ويحضرها المسلمون والمسيحيون، تماماً كما نجد في موالد العذراء مسلمين ومسيحيين جنباً إلى جنب».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «السيدة زينب وحدها حالة خاصة، لأنها عانت بشدة حين قتل جنود يزيد بن معاوية أخويها، وحين خيّرها يزيد أن تسافر إلى أي بلد، اختارت مصر، واحتفى بها جموع المصريين، وقالت فيهم دعاءها الشهير (آويتمونا آواكم الله أكرمتمونا أكرمك الله)، وحتى اليوم يعتبر المصريون أنفسهم أخذوا بركة دعاء السيدة زينب».

ولدت السيدة زينب في السنة السادسة للهجرة بالمدينة المنورة، سمّاها النبي (صلى الله عليه وسلم) زينب إحياء لذكرى خالتها زينب التي توفيت في السنة الثانية للهجرة، وقد نشأت في رعاية جدها (صلى الله عليه وسلم) حتى انتقل إلى جوار ربه تعالى، ثم رحلت أمها السيدة فاطمة الزهراء أيضاً بعد 6 أشهر، وقد أوصتها أمها وهي على فراش الموت بأخويها (الحسن والحسين) بأن ترعاهما، فكانت تلقب بعقيلة بني هاشم، وقد أحسنت الوصية فدافعت عن أبناء أخيها الحسين بعد كربلاء، إذا سافرت إلى مصر، وقضت فيها فترة حتى توفيت فيها عام 62 هجرية.

وأشارت أستاذة علم الاجتماع إلى أن «الروح الصوفية المنتشرة في أوساط كثيرة بين المصريين تساعد على إحياء هذه الموالد وبثّ الروح فيها وحالة الذوبان الروحي التي تشهدها، فالطرق الصوفية تعدّ الآلية الدينية الروحية التي جمعت كل الأديان على أرض مصر لتتعايش في سلام ومحبة، وفيها يكمن عمق ونبل ملامح الشخصية المصرية، وهو ما ينعكس بشكل احتفالي في الموالد».